الأحد، 23 أبريل، 2017

ماذا يحدث عندما يذوب الثلج؟


سؤال يبدو بسيطاً وبديهياً جداً أطرحه عليكم هو: ماذا يحدث عندما يذوب الثلج؟

 

لا شك بأن كُلكم سيجيب على هذا السؤال ويقول بأن الثلج الذي ينزل من السماء برداً وسلاماً، وعذباً نقياً سائغاً شرابه، سيتحول مع الوقت إلى ماءٍ فرات زُلال يروي الأرض ويسقي الحرث والنسل ويملأ الأنهار والبحيرات والوديان. وهذا هو عين الصواب والحق، ولكن ليست الحقيقة كلها، فهناك أسرار خفية اكتشفها العلماء الآن حول سؤالي هذا، وتعمقوا في مدلولاتها، وعلى الجميع الاطلاع عليها ومعرفتها والتنبه إلى خطورتها على الإنسان وبيئته والحياة الفطرية التي تعيش معه.

 

فدورة الحياة الطبيعية التي نراها منذ آلاف السنين هي تحَوُل الثلوج التي تسقط على الأرض عند ارتفاع درجة حرارة الجو من الحالة الصلبة وهي الثلج إلى الحالة السائلة وهي الماء الصافي النقي الخالي من الملوثات والشوائب، وهذه العملية يُطلق عليها بالذوبان.

 

ولكن في عصرنا الآن وفي زمننا هذا، فكل الأمور اختلفت وتغيرت، والظاهرة الطبيعية لم تعد كذلك طبيعية وفطرية كلياً، فأيدي الإنسان تدخلت فيها بدون علمٍ أو خبرة، فعبثت في جوهرها، وأفسدت دورتها، وأدخلت عليها خليطاً معقداً من سموم وملوثات تنْميتنا التي ملأت الأرض، والسماء، وأعماق البحار.

 

فهذا الثلج الذي يسقط علينا ويتراكم مع الوقت في الشوارع والطرقات وعلى أسطح المنازل، يمتص يوماً بعد يوم كل الملوثات التي تنبعث من عشرات الآلاف من عوادم السيارات التي تسير في شوارعنا ليلاً ونهاراً طوال اليوم، فيبدأ تركيز هذه السموم بالارتفاع كل دقيقة، فتتراكم في جسم هذه الثلوج وتنحبس بداخلها فترة من الزمن في أشهر الشتاء القارسة وتبقى تحملها في بطنها كالجنين في رَحِم المرأة حتى تأتي بشائر الربيع الجميل بهوائه المنعش العليل، وترتفع درجة حرارة الجو قليلاً، فتأخذ الثلوج طريقها إلى الذوبان رويداً رويداً، وعندها يُطْلِق الثلج الجنين الذي مكث في بطنه طوال الأشهر الطويلة، وتبدأ الملوثات في الخروج من بَياتها الشتوي وسجنها المتين والانطلاق إلى الحياة الدنيا والأوساط البيئية المختلفة كالشوارع، والأنهار، والبحار، والبحيرات، ثم مع الوقت تتحول إلى الحالة الغازية وتنبعث إلى الهواء الجوي.

 

وقد أكد علماء من جامعة مَاكْ جِيْلْ الكندية في مونتريال على هذه الدورة للملوثات وواقعيتها في بيئتنا، وكشفوا النقاب عن حركة الملوثات التي تنبعث من سياراتنا ومصيرها عندما تدخل في الهواء الجوي، أو تترسب على الأرض، حيث نشروا نتائج مشاهداتهم وأبحاثهم المخبرية في مجلة "تلوث البيئة" في العدد الصادر في 11 أبريل من العام الجاري تحت عنوان: "دور الثلوج في مصير الملوثات المنبعثة من عوادم السيارات".

 

ومن أخطر الملوثات التي تمت مراقبتها، ومتابعة مسيرتها، والتعرف على تحركاتها ومصيرها في نهاية الأمر هي مركبات تُعرف بأنها تسبب السرطان للإنسان، مثل البنزين، والمركبات الهيدروكربونية العطرية متعددة الحلقات (polycyclic aromatic hydrocarbons)، إضافة إلى الغبار أو الجسيمات الدقيقة المتناهية في الصغر، حيث أكدت الدراسة امتصاص الثلج لهذه المواد المسرطنة التي تنطلق من سياراتنا، ثم تراكمها في الثلج، وأخيراً خروجها وتحررها من البيئة الثلجية وتعرض الإنسان والحياة الفطرية لشرورها وأمراضها.

 

فهذا الاكتشاف الجديد لمصير ملوثات عوادم السيارات عند دخولها إلى الهواء الجوي يفتح الباب على مصراعيه أمام قضية تلوث الهواء الجوي بشكلٍ عام، وتهديدها المباشر والمستدام للأمن الصحي للإنسان وبيئته.

 

فهناك حقائق حول تلوث الهواء يجب على الجميع معرفتها، وأقدمها لكم في النقاط التالية:

أولاً: أكدت منظمة الصحة العالمية في 17 أكتوبر من عام 2013 على أن الهواء الجوي العادي الذي نستنشقه يومياً يقع ضمن "المواد المسرطنة للإنسان"، ولذلك يُطلق على تلوث الهواء بالقاتل الصامت.

 

ثانياً: يُعد تلوث الهواء من أهم أسباب الموت على المستوى الدولي، وهناك إجماع لدى العلماء المختصين بأن تلوث الهواء يسبب الكثير من الأمراض، منها السرطان بأنواعه المتعددة، والسكتة القلبية والدماغية، وأمراض القلب والجهاز التنفسي، وداء السكري، والزهايمر، وكل هذه الأمراض تعتبر من العوامل التي تؤدي إلى موت الإنسان. ولذلك فإن منظمة الصحة العالمية تُقدر بشكلٍ دوري عدد الذين يقضون نحبهم مبكراً بسبب تلوث الهواء، ففي عام 1990 كان العدد 3.5 مليون، وارتفع في2015 إلى 4.2 مليون، ووصل الآن إلى مستويات مرعبة تقشعر لها الأبدان، حيث قُدر العدد الآن إلى نحو6.5 مليون إنسان.

 

ثالثاً: تلوث الهواء له علاقة بخفض وزن الجنين، أو الإصابة بتشوهات خَلْقية وعقلية، أو الولادة المبكرة قبيل الموعد الطبيعي، حيث أفاد تقرير منظمة الصحة العالمية في 16 فبراير من العام الجاري أن 3.4 مليون ولادة مبكرة حول العالم مرتبطة بتلوث الهواء، وهذه تمثل 18% من الولادات المبكرة. ودعماً لنتائج هذا التقرير المخيف، فقد نَشرتْ منظمة الأمم المتحدة للطفولة تقريراً في 30 أكتوبر 2016 أفادت فيه أن نحو 300 مليون طفل يعيشون في بيئاتٍ هواؤها ملوث، وهذا الهواء الملوث يُسهم بشكلٍ رئيس في القضاء على أكثر من 600 ألف طفل سنوياً تقل أعمارهم عن خمس سنوات.

 

ولذلك صَدَقَ من أَطلق على تلوث الهواء بالقاتل الصامت!

الجمعة، 14 أبريل، 2017

ورَجَعَ عصر الفَحْم من جديد



كُنت أظن بأن عصر استخدام الفحم كوقود لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع قد ولى ولن يعود مرة ثانية، وخاصة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي السابق أوباما في عام 2015 برنامجه الخاص بسياسة واستراتيجية أمن الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي أَطلق عليه ببرنامج "خطة الطاقة النظيفة"(Clean Power Plan).

فاستراتيجية أوباما كانت تهدف إلى ضرب عصفورين بحجرٍ واحد من خلال تحقيق عدة قضايا متعلقة بأمن الطاقة بالولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبالبعد البيئي من جهةٍ ثانية من ناحية خفض انبعاث الملوثات التي تُحدث التغير المناخي الذي نشهده الآن وتؤدي إلى سخونة ورفع درجة حرارة كوكبنا، ولذلك فإن خطة أوباما للطاقة النظيفة كانت تُركز على ثلاثة محاور رئيسة. الأول رفع فاعلية وكفاءة استخدام الوقود بشكلٍ عام، سواء في محطات توليد الكهرباء، أو المصانع، أو وسائل النقل والمواصلات. والثاني هو الخفض التدريجي مع الزمن لاستخدام الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء، وبخاصة الفحم والبترول، والتوجه كبديل عنه إلى أنواع ومصادر الوقود النظيفة كالغاز الطبيعي من جهة، ومصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية، والرياح، والوقود الحيوي وغيرها من المصادر التي لا تنبعث عنها ملوثات تهدد الأمن الصحي والبيئي على حدٍ سواء.

وتطبيق هذه الخطة يمكِنْ الولايات المتحدة الأمريكية من تنفيذ تعهداتها والتزاماتها البيئية التي وقعَتْ عليها حسب معاهدة باريس لعام 2015، حيث أكدت على خفض انبعاثاتها من غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة تتراوح بين 26 إلى 28% بحلول عام 2025 مقارنة بمستويات عام 2005، إضافة إلى خفض انبعاث غاز الميثان من آبار الغاز والنفط بنسبة 40% دون مستويات عام 2012 بحلول عام 2025.

والآن، وبالتحديد في 28 مارس من العام الجاري دخلت الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة جديدة من السياسات الحكومية في مجالي الطاقة والبيئة، وبخاصة بالنسبة لقضية التغير المناخي عندما وقَّع الرئيس ترمب على الأمر التنفيذي تحت عنوان: "استقلال الطاقة"(Energy Independence) في المكتب الرئيس لوكالة حماية البيئة الأمريكية، وصرح قُبيل التوقيع قائلاً: "إدارتي ستَضع نهايةً للحرب على الفحم".

وبهذا الأمر التنفيذي، ألغى ترمب برنامج أوباما للطاقة النظيفة، وأعلن إحياء وقود الفحم من جديد، سواء من ناحية عملية الاستخراج من باطن الأرض، أو استخدام الفحم والبترول وأنواع الوقود الأحفوري الأخرى في توليد الكهرباء وفي العمليات الصناعية.

هذه السياسة فرح بها البعض، وصفَّق مهللاً بإعلانها سواء على مستوى أمريكا، أو خارج أمريكا، وفي المقابل هناك من أبدى معارضته لها وانتقدها بشدة. أما المـُكَبرين والراضين عن هذه السياسة الجديدة، فهم أرباب صناعة الفحم والبترول، سواء الأفراد والشركات العاملة في مجال التنجيم والاستخراج والتكرير، أو الشركات التي تولد الكهرباء وتشغل المصانع بالفحم أو مشتقات البترول. وعلاوة على هذه الفئات المستفيدة من إعادة الرُوح من جديد للفحم والنفط وإنعاش السوق النفطية، فإن دُولنا أيضاً ستربح من هذه السياسة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وبخاصة أنها مازالت تعتمد على النفط كمصدر رئيس للدخل القومي.

وفي المقابل فإن هناك الذين انتقدوا هذه الاستراتيجية، سواء من داخل الكونجرس الأمريكي من الديمقراطيين وممن دعموا خطة أوباما للطاقة النظيفة من الأفراد والشركات، أو من حماة البيئة والمدافعين عن قضية التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، أو من خارج حدود أمريكا. فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، هاجم وانتقد سياسة الحكومة الأمريكية، حيث صرح المسئول في الاتحاد الأوروبي عن ملف التغير المناخي قائلاً: "نحن ناسف بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتراجع عن ركنٍ أساسي من سياستها حول التغير المناخي، وهو خطة الطاقة النظيفة، والآن سَنَرى كيف تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية الوفاء بتعهداتها بتطبيق معاهدة باريس للتغير المناخي"، وأضاف متحدياً: "نحن سنَقِفُ مع باريس، وسندافع عن باريس، وسنعمل على تنفيذ باريس".

فهذا الأمر التنفيذي لترب يُولد القلق العميق والخوف الشديد مرةً ثانية لدى الحكومات والشعوب حول مصير معاهدة التغير المناخي، وبالتحديد معاهدة باريس، والتي سهر العالم كله على إنجازها وتحقيقها، وعانى أكثر من 25 عاماً من خلال مفاوضاتٍ شاقة ومرهقة ومكلفة للوقت والمال والنفس حتى تم الوصول إليها.
        

الاثنين، 10 أبريل، 2017

القضاء والقدر من أسباب السرطان


منذ عقودٍ طويلة والعلماء والأطباء يجتهدون ويعملون بكلِ ما أُتوا من قوةٍ عقلية وفكرية، ووسائل علمية وتقنية، ويقضون الساعات الطوال ويسهرون الليالي في المختبرات من أجل سبر غور لغز مرض السرطان الذي حيَّر الجميع، وجعلهم يقفون أمامه عاجزين مكتوفي الأيدي عن علاجه، ومعرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء سقوط الملايين من البشر في شباكه.


ومنذ سنوات وأنا شخصياً مهتم بهذا الوباء الصحي، وأطلع على معظم الأبحاث الموثوقة والأصيلة التي تُنشر حول هذه القضية المعقدة والمتداخلة لأَزْدادَ من العلم حول ملابسات وأسرار الإصابة بهذا المرض العضال.


ولفت انتباهي اليوم بحث فريد من نوعه من ناحية شموليته من جهة، ومن ناحية الاستنتاجات الغريبة والمخيفة في الوقت نفسه التي توصل إليها. فقد نَشَرتْ مجلة "العِلم" في العدد الصادر في 24 مارس من العام الجاري دراسة متكاملة حول الأسباب المحتملة للتعرض للسرطان، تحت عنوان: “السرطان والعامل الذي لا يمكن تجنبه"، وهذه الدراسة غطت مَرضى مصابين بـ 17 نوعاً من أنواع السرطان ويعيشون في 69 دولة مختلفة، بلغ عدد سكانهم الإجمالي 4.8 مليار نسمة.


 


فمن المعروف تقليدياً عند الأطباء ومنذ سنوات بأن هناك عاملين رئيسين يؤديان مع الوقت إلى الوقوع في هذا المرض المزمن. فالسبب الأول يُعزي الإصابة بالسرطان، أو ظهور الخلايا السرطانية إلى العامل الوراثي (heredity)، أو العامل(H)، أي الجينات التي ورثناها من الآباء والأجداد، وتم الآن التعرف على الجينات المتهمة بالسرطان. أما السبب الثاني فهو العامل البيئي (environmental factors) أو العامل (E) والمرتبط بالتعرض للسموم والملوثات، وأسلوب حياة الإنسان وممارساته اليومية.


 


واليوم وبالتحديد في هذه الدراسة، يكتشف العلماء سبباً آخر للوقوع في شباك مرض السرطان وهو متعلق بكيفية استنساخ الخلايا، أو استنساخ الـ دي إن أيه في جسم الإنسان، حيث أكدت الدراسة بأن الجزء الأكبر من التغيرات التي تطرأ على الخلايا والتي تُكَون الخلايا السرطانية يكون بسبب العامل الثالث المتعلق باستنساخ وانقسام الخلايا بطريقة غير مُنتظمة وبصورة عشوائية، أي حدوث طفرات وتغييرات في التركيب الجيني للخلايا لا تفسير علمي لها، أو أخطاء تقع عند انقسام الخلايا لا يَعرف تفسيرها أحد، فتتحول الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية، وأُطلِقَ على هذا السبب الثالث بأخطاء الاستنساخ (replication errors أو العامل (R)، وأنا أُطْلِقْ عليه بعامل "القضاء والقدر".


 


كما قامت هذه الدراسة بتقديم تحليلٍ كمي لنسبة مساهمة كل عامل من العوامل الثلاثة في التعرض للسرطان بأنواعه المختلفة، حيث أفادت بأن 95% من حالات الإصابة بسرطان البروستات، والمخ، والعظام ترجع لأخطاء تنتج عند انقسام الخلايا أو استنساخ الـ دي إن أيه أو العامل (R)، أو عامل الصدفة والقضاء والقدر، و 77% من تعرض الإنسان لسرطان البنكرياس مرتبط بهذا السبب، ولكن 35%  فقط من سرطان الرئة له علاقة بالصدفة والقضاء والقدر والخطأ في انقسام الخلايا، حيث إن الإصابة بسرطان له علاقة قوية بالتعرض للملوثات البيئية من مصادرها الكثيرة كالتدخين وعوادم السيارات وغيرهما. وعلاوة على هذه الاستنتاجات، فقد أكدت الدراسة على أن نحو 66% من إجمالي السقوط في هذا المرض العضال ينجم عن الصدفة والقضاء والقدر الذي لا دور للإنسان في الوقوع فيه، في حين أن 29% ينتج لأسباب بيئية وأسلوب حياة الإنسان وممارساته اليومية وعاداته، و 5% فقط يعزى للجينات غير السليمة التي تنتقل إلينا من الآباء.


 


بالرغم من هذه النتيجة العصيبة التي تُصعق الإنسان وتجعله في حيرةٍ شديدة من أمره، فإن الدراسة أكدت على أهمية الكشف المبكر وضرورة الأخذ بالأسباب، وتجنب العوامل الأخرى للتعرض لهذا المرض العضال، والابتعاد عن أي سبب قد يزيد من مخاطر هذا المرض. فهناك أسباب أجمع العلماء على أنها تؤدي إلى زيادة احتمال الإصابة بالسرطان، منها التدخين بمسمياته المتعددة والمختلفة، كتدخين سجائر التبغ التقليدية والشيشة والسجائر الإلكترونية، ومنها حرق البخور والعود واستنشاق الأبخرة التي تتصاعد منه، ومنها عوادم السيارات ومحطات توليد الكهرباء، ومنها أيضاً شرب الخمر وعادات الإنسان الغذائية وممارساته اليومية. وفي المقابل هناك ملوثات كثيرة أثبت العلم أنها تسبب السرطان أو تزيد من احتمال السقوط في هذا المرض الخبيث كالبنزين، والكروميوم، والبنزوبيرين، والأشعة المؤينة، والأشعة التي تنتج عن الهواتف النقالة، وتلوث الهواء بشكلٍ عام.


 


وخلاصة القول، ومن أجل درءِ مفسدة السقوط في مرض السرطان، علينا إتباع المنهج الإسلامي في الحياة والتوجيهات النبوية التي تقول: "اعلقها وتوكل"، فخذ بالأسباب جميعها، وتوكل على الله، وارض بقضاء الله وقدره.

الثلاثاء، 4 أبريل، 2017

حتى الفضاء لم يسلم من عَبَثْ الإنسان


أيدي الإنسان التي أَفْسدت البر والبحر والجو، ولوثت كل شبرٍ بعيدٍ أو قريبٍ من الأرض حتى تشبعت جميع البيئات بالملوثات السامة والخطرة، فلم تكتف أيدي الإنسان بهذا الجُرم والإثم العظيم فحسب، وإنما طالت أرجاء الفضاء الفسيح، وتركت بصماتها المدمرة في تلك المناطق النائية عن أنشطته اليومية المباشرة.


 


فأيدي الإنسان بحجة التنمية والتقدم والتطور وغزو واستكشاف الفضاء امتدت إلى أعالي السماء الدنيا وعلى ارتفاعات شاهقة لا يتخيلها عقل بشر وزادت عن 30 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض، فحولت السماء التي زينها الله سبحانه وتعالى بمصابيح من النجوم والأقمار والأجسام السماوية الأخرى تُنير لنا الأرض وتجمل المنظر من فوقنا وتنعش أبصارنا وقلوبنا، فقد حولت أيدي الإنسان هذه البيئة العذراء البكر إلى مقبرة عظيمة من المخلفات الصلبة التي تدور في مدارات فوق الأرض ولا يعرف أحد مصيرها وخاتمتها.


 


فهذه المقبرة الفضائية الجماعية للمخلفات التي بدأ الدفن فيها منذ الخطوات الأولى لاستكشاف الفضاء وصلت الآن بعد هذه السنوات الطويلة إلى نقطة التشبع وعدم القدرة على استيعاب المزيد من هذه المخلفات. فهناك من جهة مخلفات وبقايا الصواريخ التي تتفتت وتنفجر مع الوقت إلى قطعٍ أصغر فأصغر، وهناك مخلفات الأقمار الصناعية المهجورة والقديمة التي انتهى عمرها الافتراضي وبدأت تدور منذ سنوات في مدارات حول الأرض، حتى أن العلماء نشروا تقارير كثيرة تحاول تقدير كمية وأحجام هذه المخلفات المتزايدة والتي بلغت الملايين من القطع، تتراوح أحجامها وأوزانها بين مليمتراتٍ صغيرة إلى أطنانٍ كبيرة ضخمة.


 


فعلاوة على هذا الجانب البيئي المتعلق بالزيادة المطردة لهذه المخلفات في الفضاء، فإن هناك أبعاداً خطيرة لها علاقة بأمن الإنسان وسلامته على سطح الأرض، إضافة إلى أمن وسلامة الأقمار الصناعية التي يستخدمها الإنسان حالياً لأغراض عسكرية تجسسيه، أو أغراض سلمية كالاتصالات، ومعرفة الطقس والمناخ على سطح الأرض، وإجراء الأبحاث العلمية المختلفة. فهذه المخلفات التي تدور حول الأرض قد تسبب مع الوقت في وقوع كارثة عصيبة تهدد تقدم الإنسان وتطوره المشهود، وتحطم المكتسبات التنموية التي حققها طوال العقود الماضية، فهي إما أن تصطدم مع بعض وتتحول إلى قطعٍ أصغر، وإما أن تصطدم بالأقمار الصناعية التي يستخدمها الإنسان حالياً فتوقف أنشطته وبرامجه التنموية وتشل أعماله اليومية على سطح الأرض. كذلك فإن وقوع مثل هذه الكوارث الفضائية تُعد خسائر اقتصادية كبيرة للإنسان، فهذه الأقمار الصناعية كَلَّف إنتاجها وصناعتها وإطلاقها المليارات الكثيرة التي يصعب تعويضها.


 


ومن أجل درء هذا التهديد العقيم القادم لا محالة على البشرية والكرة الأرضية، قامت منظمات الأمم المتحدة المتخصصة، كمكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي في فينا بالتعاون مع وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، ووكالة الفضاء الأوروبية بوضع توجيهات عامة، وخطوط عريضة للدول المعنية حول سبل منع مخلفات الفضاء، منها كيفية التخلص من الأقمار بعد الانتهاء من عمرها الافتراضي. ولكن المشكلة تكمن في أن هذه التوجيهات والمبادئ العامة غير مُلزمة للدول، وفي الأغلب لن يلتزم بها أحد من الدول التي تعمل في مجال الفضاء وفي صناعة وإطلاق الأقمار الصناعية، مما يجعل الحاجة إلى تعاون كافة دول العالم للوصول إلى معاهدة دولية ملزمة لكافة الأطراف أكثر إلحاحاً وأشد حاجة لها في الوقت الراهن.


 


ومن هنا أود الوقوف على نقطتين هامتين جداً. أما الأولى فهي أن الدول الغربية والشرقية الصناعية والمتقدمة هي التي تتسبب في وقوع الكوارث البيئية المهددة لأمن وسلامة الأرض والإنسان في الوقت نفسه، مثل استخدامهم للغازات التي دمرت غاز الأوزون في طبقة الأوزون، أو انبعاث الملوثات من مصانعهم لأكثر من قرن والتي أدت إلى التغير المناخي ورفع درجة حرارة الأرض، ثم تأتي هذه الدول المتهمة بارتكاب هذه الجرائم البيئية العامة فتُحملنا نحن المسؤولية في المساهمة في إيجاد الحلول لهذه الكوارث التي أوقعونا هُم فيها.


 


والنقطة الثانية فهي ظاهرة بشرية عامة في كل دول العالم، وتتلخص في أن الإنسان استغل القيام بالأعمال التنموية كمبرر وغطاء شرعي للعبث في الأرض دون رقيبٍ أو حسيب، فلوَّث الهواء بحجة التنمية، وحول البحار إلى مقابر جماعية للمخلفات بحجة التنمية، وأفسد التربة بالسموم من المبيدات والأسمدة العضوية بحجة التنمية، والآن يملأ الفضاء بالمخلفات بحجة التنمية أيضاً.


 


فالتنمية الحقيقية المستدامة والشاملة يجب أن تُنمي دون أن تدمر، وتُعمِّر دون أن تفسد، وتطور دون أن تترك بصمات سيئة تنتهك حرمات الغير وتسيء إلى الآخرين من حولنا.     


 

الثلاثاء، 28 مارس، 2017

قضية لا حل لها


تمكن الإنسان بنجاحٍ غير مسبوق من غزو الفضاء الفسيح وإرسال مندوبٍ بشري إلى سطح القمر، واستطاع بعلمه وخبرته ووسائل التقنية التي يمتلكها من إرسال أدواتٍ ومعدات إلى المريخ، ولكن بالرغم من تخطيه لكل هذه الحدود الجغرافية البعيدة الشاسعة وركوبه إلى الفضاء وسبر غور أسراره وعجائبه، وبالرغم من هذه الانجازات المبهرة والعظيمة، إلا أنه يقف حائراً أمام قضيةٍ تبدو لأول وهلة أنها بسيطة وغير معقدة، فيقعد عاجزاً مكتوف اليدين، قَليل الحِيلة لا يستطيع أن يجد الحل الجذري والمستدام لها.

 

هذه القضية عمرها أكثر من 70 عاماً وما زالت من غير حلٍ ناجع، وتتمثل بكل بساطة في المخلفات الصلبة وشبه الصلبة والسائلة المشعة التي تنجم عن البرامج النووية المتعددة، كتوليد الطاقة الكهربائية في محطات الكهرباء الثابتة وفي المحركات المتنقلة التي تعمل بالطاقة الذرية في الغواصات والسفن، إضافة إلى صناعة الأسلحة والقنابل والذخائر النووية بمختلف أنواعها وأشكالها وأحجامها.

 

ولذلك حذرتُ كثيراً من استخدام الطاقة الذرية لتوليد الكهرباء، وكان تحذيري مَبْنياً أساساً على هذه القضية المعقدة والمهددة لأمن الإنسان وسلامة الكرة الأرضية برمتها، فإذا كانت الدول الصناعية الشرقية والغربية المتطورة والمتقدمة تُقاسي منذ عقودٍ طويلة وحتى يومنا هذا من مخلفات الدمار الشامل المشعة التي نجمت عن أنشطتها وبرامجها النووية في الأربعينيات من القرن المنصرم، فماذا سنفعل نحن في بلادنا بقنابل المخلفات المشعة في أرضنا والتي ستنتج عن توليد الطاقة؟ وكيف سنتعامل معها؟ وكيف نَأْمن من تداعياتها المحتملة على مجتمعاتنا؟

 

ولكي أُبيِّن لكم حجم هذه القضية المزمنة والشائكة، سأضرب لكم مثالاً واحداً فقط من أكثر دول العالم تقدماً وتطوراً وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وأُقدم لكم درجة معاناتها، وضَعف حِيلتها تجاه الأطنان من مخلفات الدمار الشامل المخزنة والمتراكمة على أراضيها، والتي ضاقت أرض أمريكا الواسعة من أحجامها الهائلة منذ بدء برنامجها النووي السري لإنتاج أول قنبلة ذرية في الأربعينيات من القرن العشرين وحتى كتابة هذه السطور.

 

فقد بدأ الاهتمام الفعلي بقضية المخلفات النووية المشعة في عهد الرئيس الأسبق ريجن عندما وافق في عام 1982 على قانون "سياسات المخلفات النووية"، حيث طلب من وزارة الطاقة البحث عن موقعٍ مناسب لتخزين المخلفات، وكانت نتيجة البحث اختيار جبال يوكا(Yucca Mountain) في نيفادا عام 1987 كمقبرة دائمة للمخلفات النووية المشعة، حيث وافق الكونجرس عليه وأمر باتخاذ الخطوات التنفيذية، ولكن مع تغير الأجواء السياسية وتغير موازين القوى، وبالتحديد بعد دخول أوباما البيت الأبيض تم إيقاف العمل بالمشروع في عام 2009 دون تقديم أي بديل أو مبرر علمي.

 

والآن وبعد دخول ترمب للبيت الأبيض تم إحياء المشروع من جديد وتخصيص مبلغ محدد لإدارة "الأمن القومي النووي" التابعة لوزارة الطاقة في الموازنة المقترحة لعام 2018، والتي تم طرحها في 16 مارس من العام الجاري، فقد أفردت الموازنة بنداً خاصاً لعمليات التنظيف وجهود التعامل والتخلص من المخلفات النووية المشعة، وتم رفع هذه الموازنة الخاصة بنسبة 11% مقارنة بعام 2017، أي زيادة مبلغ وقدره 1.4 بليون دولار.

 

وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية أَنفقتْ حتى يومنا هذا على إدارة هذه القضية أكثر من 7 مليارات دولار، ولكن دون أن تتخذ خطوة تنفيذية عملية واحدة لعلاج هذه المعضلة المزمنة والمعقدة تقنياً والمهددة لسلامة البيئة والإنسان ليس على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية وإنما على مستوى الكرة الأرضية برمتها، أي أنها منذ أكثر من سبعة عقود تسير في دائرةٍ مغلقة عقيمة لا تعلم كيف تخرج منها.

 

وهذه الحالة الأمريكية تتكرر في كل الدول التي استخدمت الطاقة النووية، سواء لأغراض عسكرية أم سلمية، فجميع هذه الدول تقف حائرة أمام هذا الكم المتزايد سنوياً من مخلفات الدمار الشامل المشعة والقنابل الموقوتة التي قد تنفجر في أية دولة وفي أية لحظة.

 

وانطلاقاً مما سبق فإنني أُنبه دولنا، وأية دولة أخرى تريد أن تتوغل في استعمال الطاقة النووية أن تفكر أولاً وقبل كل شيء في المخلفات المشعة التي ستنجم عن هذا البرنامج النووي، وتخطط ملياً قبل أن تأخذ أية خطوة عملية في كيفية التعامل مع هذه المخلفات وسبل التخلص الآمن والمستدام منها.

 

الجمعة، 24 مارس، 2017

قضية التغير المناخي تَسير في نفقٍ مظلم



منذ متابعاتي الحثيثة للقضايا البيئية لأكثر من أربعين عاماً ومراقبتي عن قرب للسياسات والقرارات الدولية حول هذه القضايا، لم أجد قضية شائكة ومعقدة ومتداخلة حيَّرت العَالم برمته وأدخلته في دوامة عصيبة لا يستطيع الخروج منها بأمانٍ وسلامة كقضية التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض.

فعندما بدأت خيوط هذه القضية تنكشف رويداً رويداً في السبعينيات من القرن المنصرم، وتأكد العلماء والمختصون أن هناك تغيراً مناخياً ملحوظاً تشهده الكرة الأرضية وأنها فعلياً تعاني من سخونةٍ في حرارة جسمها وتهدد الحياة على سطح الأرض، قرر هؤلاء العلماء والمهتمون بهذه القضية نقلها فوراً إلى مستشفى الأمم المتحدة الدولي لتشخيص مرضها بشكلٍ تفصيلي أدق وأشمل، ووصف العلاج المناسب بصورةٍ جماعية مشتركة تُوقف انتشار المرض وتمنع تداعياته من التفاقم والتوغل في كل أعضاء جسم كوكبنا. وكان هذا في عام 1992 في المؤتمر التاريخي البيئي الذي حضره لأول مرة قادة ورؤساء حكومات دول العالم، وأُطلق عليه بقمة الأرض أو مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في ريو دي جانيرو في البرازيل، حيث وافقت الدول بالإجماع على اتفاقية إطارية حول التغير المناخي تُمهِد الطريق لمعاهدة دولية تُلزم كافة دول العالم على مواجهة تحديات التغير المناخي وتتعهد بمنع انبعاث الملوثات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض.

وكانت هذه القمة هي البدء في ولوج التغير المناخي في دوامة جدول أعمال المجتمع الدولي ونقطة دخوله في النفق الطويل المظلم الذي لا يُرى آخره حتى الآن، ولا يمكن مشاهدة شُعلة من الأمل في نهاية هذا النفق. فقد بدأت المفاوضات الدولية حول اتفاقية ملزمة للتغير المناخي في عام 1993 وانتهت بعد ثلاث سنوات عصيبة، وبالتحديد في 1996 في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في كيوتو باليابان، حيث وافقت دول العالم على معاهدة مشتركة تَعهدت فيها كل دولة على حِدة من الدول الصناعية والمتقدمة على خفض انبعاثاتها من الغازات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق من احتراق الوقود الأحفوري في السيارات، والطائرات، والمصانع، ومحطات توليد الكهرباء.

فالولايات المتحدة الأمريكية وهي أكثر دولة انبعاثاً لثاني أكسيد الكربون، وقعت على معاهدة كيوتو في ديسمبر 1997 في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، ثم عند دخول الجمهوري جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض لم يوافق على المعاهدة ورفض التصديق عليها، مما أدخل المجتمع الدولي في حرجٍ شديد، وأرجعه إلى المربع الأول والنقطة التي بدأ منها وهي عام 1992، حيث قام من جديد بمفاوضات مارثونية دولية استغرقت عشرين عاماً، وبعد مخاضٍ عسيرٍ وشديد وضع مولوداً في ديسمبر 2015 في باريس، ولكن هذا المولود كان غير مكتملِ النمو ويعاني من إعاقات مزمنة، فقد توصل المجتمع الدولي إلى معاهدة غير ملزمة "قانونياً"، وتتعهد فيها دول العالم "طوعياً" إلى خفض انبعاثاتها من الغازات المتهمة بالتغير المناخي.

وهنا يعيد التاريخ نفسه، فقد وقَّعت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان الديمقراطي أوباما يسكن في البيت الأبيض على هذه المعاهدة، والآن بعد تربع ترمب الجمهوري على عرش البيت الأبيض ظهرت سياسات وتوجهات جديدة تختلف عن سياسات الحكومة السابقة في مجال التغير المناخي، مما يُنذر بأن تَلْقى معاهدة باريس للتغير المناخي المصير نفسه كمعاهدة كيوتو للتغير المناخي.

وهناك العديد من الإشارات والدلائل التي تُشير إلى احتمال وقوع هذا المشهد السابق، وهي كما يلي:
أولاً: الرئيس ترمب له رأي مختلف حول ظاهرة التغير المناخي فهو لا يرى بأن لأنشطة الإنسان المتمثلة في حرق الوقود الأحفوري كالبترول والفحم والغاز الطبيعي دوراً رئيساً في وقوع التغير المناخي المشهود ورفع درجة حرارة الأرض.
ثانياً: بُعيد تنصيب دونالد ترمب رئيساً في 20 يناير من العام الجاري، وبعد سُويعات من حفل التنصيب، طرأت تغييرات جوهرية على صفحة البيت الأبيض المناخية، حيث أُلغيت كلياً هذه الصفحة والوثيقة المناخية تحت عنوان:"خطة عمل المناخ" التي وُضعت في يونيو 2013، وتم استبدالها بصفحةٍ ثانية تحتوي على قضايا أخرى غير التغير المناخي، منها الوثيقة تحت عنوان: "خطة أمريكا أولاً في مجال الطاقة"، وهذه الوثيقة تجنبت كلياً مصطلح "التغير المناخي أو سخونة الأرض"، أو عبارة "الطاقة المتجددة"، وركزت بدلاً منها على عبارات عنوانها: "حماية الهواء والماء"، وتعزيز وتشجيع استخدام الفحم، وبالتحديد الفحم النظيف، إضافة إلى الدفع باستعمال الغاز والبترول الصخري الموجود في الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً: عَيَّن ترمب سكوت برويت(Scott Pruitt) رئيساً لوكالة حماية البيئة في 18 فبراير من العام الجاري، وفي أول كلمة له في العشرين من فبراير لم يتطرق كلياً إلى ظاهرة التغير المناخي وكأنها غير موجودة كلياً، كما أدلى بتصريحات في التاسع من مارس من العام الجاري في مقابلة تلفزيونية مع سِي إِن بـِي سِي تتعارض مع الإجماع الدولي والحقائق العلمية الموثقة، وذلك عندما سُئل عن دور ثاني أكسيد الكربون في إحداث التغير المناخي، حيث قال: "إنني لا أتفق بأن الأنشطة البشرية هي المساهمة الرئيس للتغير المناخي الذي نراه"، وأضاف: "لا أرى بأن ثاني أكسيد الكربون هو المساهم الرئيس في حدوث التغير المناخي كما نراه الآن، فنحتاج إلى مواصلة الحوار ومواصلة المراجعة والتحليل".  

وعلاوة على ذلك، فإن هذا التصريحات لا تتوافق مع المرئيات السابقة لوكالة حماية البيئة قبل أن يُعين هو رئيساً لها، ففي صفحة وكالة حماية البيئة على الإنْترنت هناك تصريح سابق يفيد بأن: "ثاني أكسيد الكربون هو الغاز المتهم الرئيس في وقوع التغير المناخي الحالي"، كما تتناقض تصريحاته مع قناعات وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، والإدارة القومية للمحيطات والغلاف الجوي "نووا"، حيث أكدا في التقرير المنشور في يناير من العام الجاري على ارتفاع درجة حرارة الأرض منذ نهاية القرن التاسع عشر بقدر 1.1 درجة مئوية نتيجة لزيادة انبعاث ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء الجوي.

ولذلك فإن هذه السياسة العَلَنية للإدارة الأمريكية الجديدة تُدخل المجتمع الدولي مرةً ثانية في دوامة من القلق والترقب خوفاً من انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من معاهدة باريس، كما انْسحبتْ من قبل من بروتوكول كيوتو للتغير المناخي.