الاثنين، 20 مارس، 2017

أسلحة الصين في الحرب على التلوث


عدو من نوعٍ جديد بدأ يغزو المدن الحضرية العريقة في كل أرجاء العالم، ويهاجم بكل قوةٍ وعنف على مكتسباتها التنموية، فيقتل البشر والشجر والحجر ويهدد صحة الناس بالمرض العضال المستعصي عن العلاج، فهذا العدو لا يغزو موقعاً محدداً صغيراً في المدن، أو يضرب منطقة جغرافية ضيقة، كما تفعل الطائرات أو الصواريخ، وإنما يلقى بظلاله المميتة فيشمل المدينة برمتها دون تمييز أو تفريق أو رحمة، فهو يهاجم الأطفال والشباب والشيوخ، ولا يميز بين الفقير والغني، أو بين الضعيف والقوي، فالجميع سواسية أمامه، والجميع ينزل عليه الضرر والبلاء على حدٍ سواء.

 

والمدن الصينية، على سبيل المثال تقع منذ أكثر من عقدٍ من الزمان تحت رحمة هذا العدو الغاشم المفترس، ويقاسي الملايين من الشعب الصيني من غزو هذا العدو لمدنهم بين الحين والآخر، وعندما يهجم على المدن الصينية تُعلن أعلى درجات حالات الطوارىء، فتنشل الحركة كلياً، فحركة الطائرات تتوقف وتغلق المطارات، وتنعدم الرؤية في الشوارع فتتوقف الحركة المرورية، كما تتوقف معظم المصانع عن العمل، وتغلق المدارس أبوابها ويمكث الناس في منازلهم خوفاً من بطش هذا العدو، ويستمر الحال على هذا الحال حتى يقوم العدو بمحض إرادته من التراجع والذهاب إلى ثكناته العسكرية.

 

هذا الوضع الكارثي اضطر الحكومة الصينية ولأول مرة في تاريخ الصين وربما في تاريخ البشرية من الاعتراف به كعدو لا بد من مقاومته ومواجهته بشتى الوسائل، حتى أن الرئيس الصيني أعلن في عام 2014 "الحرب رسمياً على هذا العدو، وهو التلوث"، وبخاصة تلوث الهواء الجوي الذي يغطي عشرات الآلاف من الكيلومترات المربعة ويقصف على حدود جغرافية واسعة جداً، فحدد الرئيس الصيني الأسلحة المضادة الفاعلة واللازمة للقضاء عليه، أو الحد من جبروته وقسوته، وخفض درجة خطورته وتهديده للمجتمع الصيني.

 

أما الأسلحة الصينية للحرب على التلوث فقد تمثلت في أسلحة قصيرة الأمد، وتستخدم فورياً لمقاومة العدو عندما يهجم على المدن، وأسلحة أخرى إستراتيجية طويلة الأمد تستعمل على مدى زمني طويل لكبح جماح هذا التلوث الضارب ومنع هجومه في السنوات القادمة.

 

والمهم هنا أن نتعلم من الدرس الصيني ونستفيد من خبراتهم في التعامل مع هذا العدو، وبخاصة من ناحية الأسلحة الإستراتيجية، ومنها تقليل استخدام الفحم وأنواع الوقود الأحفوري الأخرى في توليد الكهرباء وتشغيل المصانع، والتوجه نحو مصادر الطاقة البديلة النظيفة والمتجددة، حيث أعلنت الصين في فبراير من العام الجاري أنها ستنفق أكثر من 360 بليون دولار بحلول 2020 في تقنيات ومصادر الطاقة المتجددة، كما أن الصين ستستخدم سلاحاً آخر في هذه الحرب ضد العدو من حيث خفض استخدام السيارات التي تعمل بالديزل واستبدالها بالسيارات التي تعمل بوقود أكثر نظافة بيئياً. ومن الأسلحة التي استحدثتها الصين هي اعتماد الكونجرس القومي الشعبي في الأول من يناير 2017 فرض الضرائب البيئية، وتجريم المخالفين للأنظمة البيئية ومعاقبتهم بشدة.

 

فهذا العدو الذي ضرب الصين، وآلاف المدن في العالم، سيكون حتماً قريباً من ديارنا، وسينقض علينا فجأة، فما هو سلاحنا ضده؟

 

 

الأحد، 19 مارس، 2017

هل هناك شبر من كوكبنا لم يصله داء التلوث؟


هل تستطيع أن تُسمي لي موقعاً في الأرض، أو حتى شبراً صغيراً في رحاب كوكبنا الكبير والواسع يكون فيه بمنأى عن التلوث، فلا يتعرض كلياً للملوثات التي تنبعث عن أنشطتنا اليومية؟

 

وجوابي هو أنك لن تنجح مهما أمْعنتَ في التفكير وتدبرت لإيجاد هذا المكان الخالي من التلوث. ولكنني بالرغم من ذلك فإنني سأحاول أن أُسهل مهمتك المستحيلة وأطرح عليك بعض المواقع البعيدة والنائية في أعالي السماء فوق سطح الأرض، وفي غياهب وأعماق البحار السحيقة، وفي ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي، والتي قد تخطر على بالك فتظن بأنها حتماً لن تصلها أيدي التلوث مهما طالت، ولن تتمكن الملوثات مهما كان نوعها من الزحف إليها وإفسادها وتدهور نوعيتها.

 

أما الموقع الأول الذي من الممكن أن يكون بعيداً عن أعين الملوثات فهو فوق رؤوسنا في السماء العليا وعلى بعد مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض، ومع ذلك فإن هذا الموقع لم يفلت من داء التلوث. فمن جهة هناك المخلفات الفضائية البشرية الصلبة التي تسبح في هذا الفضاء الفسيح على ارتفاعات شاهقة تتراوح بين 300 و 900 كيلومتر، حيث يُقدر العلماء هذه المخلفات التي جاءت من الأقمار الصناعية المهجورة والمفتتة ومن بقايا الصواريخ الفضائية بنحو 170 مليون قطعة، منها ما يبلغ وزنها كيلوجرامات فقط ومنها ما يزيد على طنٍ واحد. ومن جانبٍ آخر هناك الملوثات الغازية التي انبعثت من أنشطتنا على سطح الأرض، فرَحْلت ساعة بعد ساعة إلى أعالي الجو حتى بلغت طبقة الأوزون على ارتفاعٍ يتراوح بين 15 إلى 30 كيلومتراً فوق سطح الأرض، وهناك بعد انتهاء رحلتها استقرت في تلك الطبقة النائية فدمرت غاز الأوزون الموجود طبيعياً في طبقة الأوزون والتي تحمي وتقي الإنسان من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، فخلقت كارثة عقيمة هزَّت البشرية برمتها.

 

وأما الموقع الثاني الذي قد تفكر فيه فهو أكثر بيئات الأرض بُعداً عن أي نشاطٍ إنساني، أو أي عملٍ تنموي عمراني، أو أي مصدر صغيرٍ أو كبيرٍ للتلوث، وهو القطبين الشمالي والجنوبي، حيث البرد القارس، والبيئة الجرداء، وبالرغم من ذلك فإن الملوثات نجحت في تخطي كافة الحدود الجغرافية المصطنعة بين الدول وتمكنت من الوصول إلى هواء هذه المناطق البعيدة وترسبت مع الوقت وتراكمت في الثلوج، وبخاصة الملوثات العضوية متعددة الحلقات الثابتة والمستقرة.

 

وأما الموقع الثالث والأخير الذي قد يخطر في مخيلتك، هو أعماق المحيطات المظلمة العذراء البِكْر، وعلى بعد أكثر من 10 آلاف متر تحت سطح البحر، وهذا المواقع أيضاً أثبت الاكتشافات العلمية اليوم أنه أصبح في مرمى الملوثات، حيث نُشرت دراسة ميدانية في 13 فبراير من العام الجاري في مجلة "البيئة الطبيعية والتطور"(Nature Ecology and Evolution) تحت عنوان: “التراكم الحيوي للملوثات العضوية الثابتة في الحيوانات في أعمق موقع في المحيط"، وكشفت هذه الدراسة عن ظاهرة غريبة لم تخطر على بال أحد، ولم يتوقعها أي إنسان من قبل.

 

فقد قامت الدراسة بجمع عينات الحيوانات عن طريق غواصة الإنسان الآلي في أعمق منطقة لم يصلها الإنسان بعد حتى الآن في المحيط الهادئ، وبالتحديد في الخنادق والوديان المائية الفريدة والبِكر التي تُعرف بـ كِرْمَدك ومَاريانَا (Kermadec and Mariana) وعلى عمقٍ يزيد عن 10 كيلومترات من سطح البحر، ثم قامت بتحليل تركيز الملوثات غير الموجودة أصلاً في الطبيعية والتي هي من صنع البشر في هذه القشريات البحرية التي تعيش في ظلمات المحيط، وبالتحديد رَكز التحليل على مجموعة من الملوثات السامة التي يُطلق عليها الملوثات العضوية الثابتة، منها مركبات الـ بي سي بي. وجاءت نتائج التحليل مخالفة لتوقعات العلماء ونظرياتهم، حيث وُجدت هذه الملوثات السامة في أجسام هذه الحيوانات النائية وبنسبٍ مرتفعة تزيد كثيراً عن تركيزها في أكثر المواقع تلوثاً على الأرض، أي أن أيدي الملوثات امتدت واتسعت فوصلت إلى مواقع لم تتمكن أيدي البشر من الوصول إليها.

 

والآن بعد أن كَشفتُ لكَ عِلمياً بأن الملوثات بلغت عنان السماء، ووصلت إلى أكثر المناطق بُعداً عن أي نشاطٍ بشري في البر والبحر، هل ستشُك بأن الملوثات تغلغلت في كل شبرٍ صغيرٍ من كوكبنا وأنها موجودة مَعَنا أَينما كُنا ولن نستطيع الهروب منها فنَسْلم من شرورها وأضرارها حتى لو كُنا في بروجٍ عالية مُشيَّدة؟

 

الأربعاء، 15 مارس، 2017

حرب ضد الضوضاء


الحرب مشتعلة وملتهبة منذ أكثر من خمسين عاماً، وبالتحديد منذ مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، ووقود هذه الحرب المضْطَرمة استمرار معاناة الناس الشديدة من أهوال التلوث الضوضائي والأصوات المرتفعة والمزعجة.

 

فهل للضوضاء هذه القدرة العظيمة، والإمكانية القوية والمشهودة في أن تُشعل وتوقد فتيل الحروب، وتهيِّج وتثير الصراعات بين الناس؟

 

وهل الضوضاء العالية تُعد قضية كبيرة ومشكلة خطيرة إلى درجة أن تكون وقوداً قوياً تحتدم بها المعارك الضارية، وتهدد الأمن والاستقرار، فتجعلها تستمر عقوداً طويلة من الزمن دون توقف؟

 

فهذه الحرب ومعاركها الشرسة المستمرة تدور رحاها في أروقة المحاكم اليابانية، حيث بدأت المعركة الأولى في عام 1982 عندما رفع أكثر من 900 مواطن ياباني يعيشون في جزيرة أوكيناوا دعوى قضائية ضد القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في اليابان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد قاعدة كادينا العسكرية الجوية(Kadena). فحركة الطائرات العسكرية الكثيفة ليلاً ونهاراً وطوال ساعات اليوم، والضوضاء الشديدة والعالية التي تصدر منها خلقت أزمة بيئية وصحية واجتماعية مزمنة للساكنين بالقرب من هذه القواعد الجوية، بحيث إنها سببت للناس مشكلات تتمثل في عدم القدرة على النوم، وفقدان أو ضعف السمع، إضافة إلى التعرض لحالاتٍ نفسية شديدة من القلق والتوتر والاكتئاب والضيق النفسي.

 

وبعد صراعٍ محتدم طويل في المحكمة فاز الناس في هذه المعركة الأولى حيث أمرت المحكمة عام 1998 بدفع مبلغ وقدره 1.37 بليون ين تعويضاً لهؤلاء المتضررين، ولكن بالرغم من هذا الحُكم إلا أن الحرب لم تنته واستمرت ملتهبة، فوقودها المتمثل في التلوث الضوضائي مازال يشعل المعارك ويؤجج النفوس، حيث قام قرابة 5500 ياباني برفع قضيةٍ أخرى ضد حركة الطيران الحربي عند أحيائهم ومساكنهم في عام 2000، وجاء قرار المحكمة بعد تسع سنوات، وبعد مخاضٍ عسير ومرهق، ولكن الأمر القضائي كان  منقوصاً حيث عَوَّض المتضررين بمبالغ مالية ولكن لم يستجب لطلبهم المتمثل في وقف حركة الطيران ليلاً حتى يهنئوا بنومٍ مريح طوال الليل. وهكذا تواصلت الحرب ولم تقف، فاضطرمت المعركة الثالثة من جديد في عام 2011، حيث قام زهاء 22 مواطن في الولوج في هذه المعركة الماراثونية التي انتهت مشاهدها قبيل أيام، وبالتحديد في 23 فبراير من العام الجاري عندما صدر حُكم المحكمة بدفع 267 مليون دولار للمتضررين صحياً واجتماعياً من الضوضاء. ولكن هذه الحرب مازالت في بداياتها بالرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على اشتعالها، ولن تنتهي معاركها مادام وقودها ماثلاً وموجوداً يُزعج الناس ويؤرقهم ويقاسون من تداعياتها على أمنهم الصحي النفسي والعضوي.

 

فهذه الحالة التي نراها ماثلة أمامنا ونشاهدها في واقعنا اليومي تؤيد وتثبت نتائج الدراسات العلمية التي تُنشر يومياً في المجلات الموثوقة، وكلها توجه أصابع الاتهام نحو الملوثات الفيزيائية والطبيعية المتمثلة في التلوث الضوضائي وارتفاع الأصوات والإزعاج المستمر طوال اليوم والساعة، والتي أكد العلماء والأطباء علاقتها بأمراض نفسية وفسيولوجية متعددة منها أمراض القلب والأوعية القلبية والسمع والموت بسببها. فعلى سبيل المثال، نُشرت دراسة في مجلة القلب الأوروبية 23 يونيو 2016 تحت عنوان: "الضوضاء من السيارات في لندن يزيد من أمراض القلب والموت"، وغطت 8.6 مليون لندني، وقامت بمتابعة حالتهم الصحية خلال الفترة من 2003 إلى 2010، حيث توصلت إلى استنتاجٍ خطير يتمثل في أن الذين يسكنون بالقرب من مصادر الضوضاء كالشوارع المزدحمة والمكتظة بالسيارات ترتفع عندهم حالات الموت مقارنة بالذين يعيشون بعيدين عن ضوضاء السيارات ومصادرها الأخرى.

 

فهذه الأدلة الصارخة يجب أن تؤكد لنا بأن الضوضاء والأصوات العالية تُعد مشكلة عصيبة يجب ألا نتساهل معها، ولا نستصغر أضرارها، ولا نتهاون أبداً في تداعياتها وانعكاساتها الخطرة على صحتنا واستقرار مجتمعاتنا، وعلينا أن نُسرع في إيجاد الحلول المستدامة والجذرية لها حتى نقى أنفسنا من شرورها ونحمي أفراد مجتمعنا من السقوط في بلاء الموت المبكر.     

الأربعاء، 8 مارس، 2017

معاهدة سَلام مع البيئة


حان الوقت لكي يستعجل الإنسان في اتخاذ الخطوات العملية التنفيذية لوضع البنود الرئيسة لعقد معاهدة سلام عادلة وشاملة مع البيئة، وجاء الآن دور المجتمع الدولي لكي يتحرك سريعاً وبدون أي تردد أو تباطىء لعمل اتفاقية دولية ملزمة ترفع الراية البيضاء أمام البيئة ومكوناتها الحية وغير الحية، فتُوقف كل الانتهاكات الصارخة والجائرة المستمرة منذ أكثر من مائة عام والتي تتعرض لها كافة عناصر البيئة من ماءٍ وهواءٍ وتربة في كل ثانية وفي كل منطقة قريبة كانت أو بعيدة في بيئتنا، وتنتهك حرماتها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، حتى أنك لن تجد الآن شبراً من البيئة إلا وقد أصابه عدوى التلوث، ولن تجد عضواً من أعضاء أجسامنا إلا وقد تغلغلت الملوثات في أعماقه وأنزلت عليه المرض العضال والسهر والحمى.

 

فالظلم الشديد والدمار العميق الذي وقع على البيئة منذ أكثر من قرن، والتجاوزات التي قامت بها أيدي الإنسان الجائرة على حرمات البيئة لا يمكن السكوت عليها بعد اليوم، فأجهزة المناعة الطبيعية التي خلقها الله سبحانه وتعالى في أعضاء البيئة لن تتحمل أية تعديات جديدة عليها، ولن تقدر على استيعابها وتخفيفها ودرء الضرر عنها، فقد أنهك التلوث المزمن قواها الكامنة، وأتعب مضاداتها الدفاعية، وأرهق كاهلها، حتى سقطت صريعة وأُدخلت فوراً إلى غرفة الإنعاش ووضعت عليها كافة أنواع الأجهزة التي تبقيها أياماً معدودات على الحياة، وهي الآن جثة هامدة مُلقية على سرير الموت تنتظر نحبها.

 

فالكثير من المعاهدات "الجزئية" السابقة التي عقدها الإنسان مع بيئته باءت بالفشل وسقطت حتى قبل التوقيع عليها وتصديقها، فلم يلتزم الإنسان بتعهداته التي قطعها على نفسه، ولم يف بوعده تجاه حماية عناصرها ومكوناتها الحية وغير الحية. كما أن المعاهدات السابقة كانت في أغلب الأحيان "قِطَاعية"، أي أنها متخصصة وتهتم بجانبٍ واحد فقط من جوانب البيئة المختلفة، وتركز على قضية بيئية واحدة دون أن يكون هناك تكامل وترابط بين القضايا البيئية الكثيرة والمتشعبة والمتداخلة.

 

وعلاوة على ذلك، فإن هذه المعاهدات كانت تأتي عادة كردة فعل سريعة وغير متبصرة للإنسان تجاه تدميره لمكونٍ أو عنصرٍ بيئي محدد، كطبقة الأوزون، أو انقراض الأحياء، أو تلوث الهواء والبحار عبر الحدود الجغرافية، فيقوم بشكلٍ عاجل ومتسرع بتجميع كافة القوى الدولية المعنية والعمل على صياغة معاهدة لا تتخذ منهج الوقاية والمنع والتكامل مع القضايا البيئية الأخرى كمدخل وأساس لمواجهة هذه القضية والقضاء عليها جذرياً واجتثاثها من أعماقها وأصولها.

 

ولذلك فمعاهدة السلام الشاملة والجامعة مع البيئة تنظر إلى البيئة وهمومها ومشكلاتها كقضية واحدة مترابطة ومتداخلة ومتشابكة، لا يمكن الفصل بينهما، أو اتخاذ إجراءات منقوصة أحادية الجانب وغير شاملة، فالبيئة أَعْتبرها كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

 

فعلى سبيل المثال، هناك اتفاقية التنوع الحيوي التي تقع تحت مظلة الأمم المتحدة، والتي تهدف إلى حماية وتنمية الحياة الفطرية النباتية والحيوانية بمستوياتها المتعددة وصيانة موائلها الطبيعية، فهذه الاتفاقية لكي تكون فاعلة ومؤثرة على المستوى الدولي وتؤتي أُكُلها للجميع في كل دول العالم، عليها أن ترتبط عضوياً باتفاقيات أخرى لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بحماية الأحياء نوعياً وكمياً، وتعمل على منع جميع العوامل التي تؤدي إلى تدهورها وإفسادها مع الوقت.

 

ومن العوامل الرئيسة التي تضُر كلياً بالبيئات الطبيعية والأحياء التي تعيش عليها هي ظاهرة التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض والتداعيات التي تنزل علينا بسبب هذه الظاهرة، كارتفاع مستوى سطح البحر، والفيضانات، وتدمير الغابات، وغيرها من الانعكاسات الخطيرة التي تهدد الحياة الفطرية وموائلها وتؤدي إلى انقراضها بشكلٍ جماعي غير مسبوق. وبالتالي إذا أردنا دولياً أن نُفعِّل من اتفاقية التنوع الحيوي ونحمي الأحياء على كوكبنا ونضمن استدامة عطائها وإنتاجيتها، فعلينا في المقام الأول أن نجد آلية حازمة نُلزم فيها دول العالم جمعاء على التعهد بخفض مستوى التهديدات التي تأتي من التغير المناخي، والمتمثلة في ارتفاع مستوى الملوثات التي يُطْلقها البشر من مصانعهم، ومحطات توليد الكهرباء، ومن وسائل النقل كالسيارات والطائرات والبواخر والقطارات.

 

وبعبارةٍ أخرى علينا أن نربط عضوياً بين اتفاقية التنوع الحيوي وأية اتفاقية ملزمة متعلقة بالتغير المناخي، وننسق جهود الحماية بين هاتين الاتفاقيتين، إضافة إلى التنسيق مع المعاهدات الدولية الأخرى ذات العلاقة. وهكذا، وبمعاهدة "سلام مع البيئة" سننجح بطريقة متكاملة وشاملة أن نحمي كل مكونات بيئتنا الحية وغير الحية ونعيش بأمنٍ وسلام مع بيئتنا، ونضمن استدامة عطائها لنا وللأجيال اللاحقة. 

 

 

الأربعاء، 1 مارس، 2017

شهادة الوفاة بسبب التلوث!


هل سيأتي علينا زمان نُصْدر فيه شهادة الوفاة لأي إنسان توفى، فنكتب فيها بأن سبب الموت هو "التلوث"، وأن هذا الإنسان قد قضى نحبه وانتقل إلى رحمة بارئه نتيجة لتعرضه للملوثات؟

 

ففي تقديري واستناداً إلى المعلومات العلمية والطبية الموثوقة والتجارب البيئية الميدانية التي أراها أمامي في مختلف دول العالم، فإن هذا الزمان سيكون قريباً جداً، بل وسنشهده جميعاً أمام أعيننا وسيكون على مدى سمعنا.

 

فالحقائق التي تنكشف يومياً عن التلوث وتأثير الملوثات على صحة الإنسان، وبخاصة تلوث الهواء الجوي، تُشير إلى أننا في المستقبل القريب المنظور سنضطر إلى إضافة عاملٍ جديد، وسبب لم نعهده من قبل ولم نتعود على سماعه إلى أسباب وفاة الإنسان، فنُضيف العامل البيئي، وبالتحديد التلوث إلى القائمة المعتمدة حالياً على المستوى الدولي لأسباب الوفاة.

 

وهذه الاكتشافات الحديثة والمتسارعة عن التلوث، وبالتحديد تلوث الهواء يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولاً: صنَّفتْ المنظمة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية في 17 أكتوبر من عام 2013 الهواء الجوي العادي الذي نستنشقه يومياً بأنه يقع ضمن "المواد المسرطنة للإنسان"، وهذا يدل على أن الهواء الجوي يحتوي على ملوثات مسرطنة تنبعث من السيارات، كالبنزين ومركب البِنْزوبيرين والجسيمات الدقيقة الصغيرة الحجم، إضافة إلى المصادر الأخرى التي تُطلق خليطاً من الملوثات السامة والخطرة كالمصانع ومحطات توليد الكهرباء. 

 

ثانياً: تلوث الهواء يُطلق عليه بالقاتل الصامت، وعُمدة لندن، صادق خان أَطلق على تلوث الهواء في لندن في عدة مناسبات في فبراير من العام الجاري بـ "القاتل"، حيث يُعد من أهم أسباب الموت على المستوى الدولي والقطري في بعض دول العالم. فمنظمة الصحة العالمية تُقدر بشكلٍ دوري عدد الذين يقضون نحبهم مبكراً، ففي عام 1990 كان العدد 3.5 مليون، وارتفع في عام 2015 إلى 4.2 مليون، ووصل الآن إلى مستويات مرعبة تقشعر لها الأبدان، حيث قُدر العدد الآن إلى زهاء 6.5 مليون إنسان. ففي لندن، على سبيل المثال يموت قرابة 9000 لندني موتاً مبكراً نتيجة لاستنشاق الهواء الملوث عبر السنوات، وفي بريطانيا عامة يموت قرابة أربعين ألف، مما اضطر عمدة لندن إلى فرض ضريبة أَطلق عليها "ضريبة السمية"( T-charge) على السيارات الملوثة للبيئة ويبدأ تطبيقها من 23 أكتوبر من العام الجاري وذلك حماية لصحة الناس ومنعهم من الموت المبكر. وفي الصين ارتفع عدد الموتى بسبب الهواء الملوث من 945 ألف في عام 1990 إلى 1.1 مليون في عام 2005، ثم زاد بشكلٍ مضاعف إلى قرابة أربعة ملايين خلال عام 2016. وفي الهند يموت قرابة 1.1 مليون قبل موعدهم سنوياً، حسب الدراسة التي قام بها معهد التأثيرات الصحية في بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية حول تلوث الهواء على المستوى الدولي والمنشور في 14 فبراير من العام الجاري.

 

ثالثاً: تلوث الهواء له علاقة بخفض وزن الجنين، أو الإصابة بتشوهات خَلْقية وعقلية، أو الولادة المبكرة قبيل الموعد الطبيعي مما يؤدي إلى موت الجنين أو مشكلات صحية مزمنة، حيث أفاد تقرير منظمة الصحة العالمية في 16 فبراير من العام الجاري أن 3.4 مليون ولادة مبكرة حول العالم مرتبطة بتلوث الهواء، وهذه تمثل 18% من الولادات المبكرة. ودعماً لنتائج هذا التقرير المخيف، فقد نَشرتْ منظمة الأمم المتحدة للطفولة(اليونيسف) تقريراً في 30 أكتوبر 2016 أفادت فيه أن نحو 300 مليون طفل يعيشون في بيئاتٍ هواؤها ملوث ومسموم بالمواد القاتلة، وهذا الهواء الملوث يُسهم بشكلٍ رئيس في القضاء على أكثر من 600 ألف طفل سنوياً تقل أعمارهم عن خمس سنوات.

 

رابعاً: هناك إجماع لدى العلماء المختصين بأن تلوث الهواء يسبب الكثير من الأمراض، منها السرطان بأنواعه المتعددة، والسكتة القلبية والدماغية، وأمراض القلب والجهاز التنفسي، وداء السكري، والزهايمر، وكل هذه الأمراض تعتبر رسمياً من العوامل التي تؤدي إلى موت الإنسان.

 

والآن وبعد كل هذه الأدلة الحازمة، والبراهين الحاسمة، هل يشك أي إنسان بأن شهادات الوفاة القادمة قريباً سيكون مكتوب فيها بأن سبب الوفاة هو "التلوث"؟

 

الاثنين، 20 فبراير، 2017

أخطر تهديدٍ لبيئتنا البحرية


هناك عدة تحديات ومخاطر تواجه بيئتنا البحرية، وهناك الكثير من التهديدات التي نعاني منها منذ سنوات وتؤثر بشكلٍ سلبي مزمن على سلامة وأمن بيئتنا البحرية والكائنات الفطرية الحية النباتية والحيوانية التي تعيش في حضنها وترعى تحت ظلها.

 

وجميع هذه التحديات والتهديدات، باستثناء واحدة منها، يمكن معالجتها والتخلص من آثارها وتداعياتها السلبية على أمننا البحري ولو بعد سنوات، فعادةً ما تكون الأضرار التي ألحقتها وسببتها بالبحر وكائناتها الحية قابلة للحَلْ، ويمكن إرجاع الوضع وصحة البيئة بعد فترةٍ من الزمن،سواء بالتدخل الجراحي السريع أو العلاج الدوائي التدريجي البطيء،إلى طبيعتها وفطرتها التي كانت عليها من قبل.

 

فعلى سبيل المثال، هناك المشكلة البيئية البحرية التي تنجم عن إلقاء مياه المصانع أو مياه المجاري غير المعالجة أو المعالجة جزئياً. فهذه المياه الآسنة القذرة ذو الروائح الكريهة النتنة التي تحتوي على خليطٍ معقدٍ من السموم والملوثات الخطرة، ومن بينها الملوثات الكيميائية الغذائية كالفوسفات والنيترات والمركبات العضوية والأدوية، إضافة إلى الكائنات والجراثيم الحية المسببة للأمراض، تكون مع الوقت ظاهرة الإثراء الغذائي، وهي تحول البحر من اللون الأزرق الجميل البراق إلى لون الدم الفاقع الذي يلقي الفزع والرعب في قلوب الناس، أو ينقلب البحر إلى اللون الأخضر أو البني، فتموت عندها الكائنات الحية وتتحول من غذاءٍ للإنسان إلى سمٍ ناقع قاتل.

 

فهذه الحالة المأساوية التي تنزل على البيئة البحرية الساحلية، ونراها في الكثير من الأحيان، وبخاصة أثناء أشهر الصيف الحارة في خليج توبلي وفي المناطق الساحلية الضحلة وشبه المغلقة، يمكن علاجها بعدو طرق ناجعة، منها تكوير عملية معالجة مياه المجاري وتحسين نوعية هذه المياه قبل السماح لها بالدخول في البيئة البحرية الساحلية، ومنها العلاج الجراحي السريع والعاجل والمتمثل في تنظيف المنطقة الساحلية، وبالتحديد في قاع البحر من المخلفات الصلبة وشبه الصلبة التي ترسبت مع الزمن من مياه المجاري. وعند القيام بهذه العمليات فإن البيئة البحرية سترجع إلى ما كانت عليها في السابق وستزدهر فيها الحياة البحرية، بشقيها النباتي والحيواني.

 

كذلك هناك مشكلة الصيد الجائر واستخدام وسائل الصيد غير المشروعة التي تمارس عندنا في البحرين، ورأينا وشاهدنا تأثيراتها على البيئات البحرية القاعية من جهة وعلى كمية ونوعية الأسماك التي نصطادها في مياهنا من جهة أخرى. فهذه الممارسات الخاطئة منذ سنوات يمكن إيقافها بجرة قلم حاسم وتنفيذ التشريعات والأنظمة المقننة للصيد السمكي، وعندها سترجع الأمور إلى مجاريها بعد سنواتٍ قليلة، وستتعافى البيئة البحرية من الأسقام والعلل التي أصابتها في جسدها وفي أعضائها الداخلية.

 

وفي المقابل هناك الطامة الأزلية الكبرى التي نشهدها يومياً في بيئتنا البحرية، وهناك الأعمال "التنموية" التي ترتكبها أيدينا منذ أكثر من ستين عاماً، فتهدم في كل يومٍ شبراً من بحرنا وقوت يومنا ومصدر غذائنا، وتقضي في كل ساعة على شريانٍ حيوي يُغذي قلب البحر بالدم فيعينه على الحياة والعطاء....إنها عمليات الحفر البحري ودفن مئات الكيلومترات المربعة من أكثر البيئات البحرية عطاءً، وأشدها إنتاجاً وحيوية وإلى الأبد ومن غير رجعة.

 

ولكي تُقدر معي حجم الضرر الذي أحدثناه للبحر والثروة السمكية، تصور أنك تعيش في حي سكني متكامل ينبض بالحياة، وفيه كل وسائل العيش وكل مقومات الحياة، ثم تأتي وتفجر هذه المنطقة على رؤوس سكانها وكل من يقنط عليها، ثم تلقى عليها التراب وتدفنها إلى الأبد، فهل سيبقى أحد حياً؟ وهل ستبقى أية آثار للسكان أو الحي؟ وهل تستطيع، مهما أوتيت من مال أو عدة وعتاد أن ترجع الموتى وتعيدهم إلى الحياة مرة ثانية؟

 

فعمليات الدفان التي أكلت حتى الآن قرابة 300 كيلومترٍ مربعٍ من جسد بحرنا، ومازال التدمير مستمراً، قد قضى كلياً على كل كائنٍ حي نباتي وحيواني كان يعيش في تلك المنطقة، وقضى إلى الأبد وبدون رجعة على جميع هذه الكائنات التي بعضها لا ترى بالعين المجردة، كما قطع الشريان الحي الذي يربط هذه البيئة البحرية التي هُدمت ودفنت بالبيئات البحرية الأخرى.

 

فكم من كائنٍ حي نباتي مِجْهري أو غير مجهري قد فقدنا إلى الأبد؟ وكم من كائنٍ حي حيواني قد خسرنا وبدون رجعة؟ وكم هو حجم الأضرار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والغذائية التي تكبدناها خلال أكثر من ستة عقود من الزمن؟

 

فهذا هو التحدي الأعظم الذي يواجه بيئتنا البحرية، فكل ما دفناه ذهب مع الريح ولا يمكن إرجاعه مهما فعلنا وبذلنا من جهود، وهذا ما نحتاج التفكير فيه بعمق لحماية ما تبقى من تراثنا البحري المعطاء.

 

Bottom of Form

 

الخميس، 16 فبراير، 2017

نأكل البلاستيك دون أن نعلم!



هل تعلم بأن هذه السمكة التي تصطادها بنفسك، وتخرجها من البحر بيديك، وقد تسهر وتتعب ساعات طوال تحت حر الشمس وفي عمق البحر وأنت تنتظر بفارغ الصبر لصيدها، قد تكون هذه السمكة ملوثة بآلاف الحبيبات البلاستيكية المتناهية في الصغر والتي قد لا تُرى بالعين المجردة؟

وهل تعلم بأن هذه السمكة الطازجة الطرية التي تتلهف إلى أكلها والتمتع بمذاقها الطيب وتتلذذ بلحمها الصافي، قد تكون مصدراً لأسقامك وأمراضك المزمنة؟

فالمخلفات البلاستيكية أصبحت الآن مصدراً للإزعاج والقلق الشديدين، فعامة الناس والعلماء سابقاً كانوا لا يعرفون شيئاً عن مصير هذه المخلفات التي نلقيها بأيدينا في البر والبحر والجو، فكانوا لا يفقهون عن أين ستذهب؟ وكيف ستتحرك بعد ولوجها في مكونات البيئة؟ وما هي التغييرات المختلفة التي تطرأ عليها مع الزمن على المستويين القريب والبعيد؟

فالكثير من الناس لا يذهبون بعيداً عن نظرتهم إلى المخلفات البلاستيكية، فهم يرونها بعض الأوقات عالقة على أغصان الأشجار فتزين أوراقها بشتى أنواع المخلفات، وتارة يشاهدونها في الصحراء تنتقل من منطقة إلى أخرى ومن عشبة برية إلى عشبة ثانية، وفي حالات كثيرة أخرى نراها وهي طافية تسبح بحرية فوق سطح الماء فتحركها التيارات المائية والرياح إلى مناطق لا يعلمها إلا الله وإلى مصيرٍ مجهول وغامض.

ولكن لم يتصور الناس والعلماء ولم يخطر على بالهم بأن هذه المخلفات التي نراها أمامنا بأم أعيننا تتجول طليقة في بيئتنا، قد تختفي بعضها عنَّا وعن أبصارنا، وتغيب فترة من الزمن عن حواسنا، ولكنها ترجع إلينا بعد حِينْ طال الزمن أو قصر، ولكن تكون عندها في هيئةٍ جديدة، وثوبٍ فريد، وفي صورة لم نتخيلها قط ولم نسمع عنها أبداً، فتضر عندئذٍ بأمننا الصحي وتسبب لنا العِللْ المزمنة والخبيثة.

فقد اكتشف علماء جامعة جنت(Ghent) في بلجيكا في 24 يناير من العام الجاري، وأزالوا النقاب عن ظاهرة جديدة مخيفة ومرعبة للبشر عامة والعلماء خاصة، حيث استنتجوا بأن المدمنين على تناول المأكولات البحرية من قواقع وأسماك وغيرهما، تدخل في أجسامهم كل سنة عشرات الآلاف من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة جداً والصغيرة الحجم التي لا يمكن لأي بشرٍ أن يتحسس وجودها أثناء أكله لهذه الكائنات البحرية، أي أنهم أكدوا على حقيقة بيئية حول "الدورة الحياتية للبلاستيك"، والتي تبدأ بنا وبأيدينا عندما نلقي المخلفات البلاستيكية بدون هوادة وبدون أي ذنب نحس به في مكونات البيئة، وبخاصة البيئة البحرية، فتتحرك هذه المخلفات في البحر وتسير في رحابها الواسع، وبفعل عوامل الطبيعة كالرياح السطحية وضوء وحرارة أشعة الشمس وملوحة مياه البحر وتياراته القوية، تتفتت هذه المخلفات الكبيرة وتتكسر إلى قطعٍ وحبيبات أصغر فأصغر يطلق عليها "الميكروبلاستيك"، حتى تصل في نهاية الأمر إلى قطعٍ قُطرها أقل من خمسة مليمترات، وعندئذٍ تلتهما الكائنات البحرية فتدخل في أجسامها وأعضائها، وتبدأ رويداً رويداً بالتراكم والتضخم في هذه الكائنات.

وتكمن الخطورة في هذه الظاهرة السرية والخفية أننا نكون في آخر الهرم الغذائي، فنتغذى على هذا الكائنات البحرية التي امتلأت بطونها وتشعبت بهذه المخلفات البلاستيكية التي تخلصنا منها بأنفسنا فرجعت إلينا مرة ثانية. والأشد بأساً وتنكيلاً علينا هو أن هذه الحبيبات البلاستيكية الصغيرة تكون قد امْتصت الملوثات أثناء وجودها في البحر وأثناء رحلتها الطويلة، وبقت ثابتة على سطحها فحملتها معها حتى بلغت جسم الإنسان، وعندها تترشح هذه السموم من على سطح البلاستيك فتدخل في أجسامنا دون أن نعلم، أو حتى أن نحس بدخولها في أجسامنا إلا بعد حين عندما تنكشف علينا أعراض الأمراض المستعصية عن العلاج.

والآن وبعد أن علمنا وتيَّقنا من هذه الحقيقة العلمية البيئة الصحية، وتعمقنا في خطورتها على صحة الفرد والمجتمع، أتمنى من الجهات المختصة وضع تشريعٍ خاص بالتعامل مع المخلفات البلاستيكية بشكلٍ عام، وبالتحديد من ناحية منع التخلص منها في البيئات البرية أو البحرية، وتجريم كل من يخالف هذا التشريع، لأن كل من لا يلقي المخلفات البلاستيكية في مكانها المخصص لها فإنه يرتكب جريمة الإضرار بصحة الحياة الفطرية وأمن وسلامة وصحة المواطنين، ويعرضهم للأمراض التي نحن في غنى عنها، وجدير بالذكر بأن المجتمع الدولي اتخذ عدة خطوات تنفيذية لمواجهة هذا التهديد لصحة البيئة والبشر، منها "المبادرة الدولية للميكروبلاستيك".