الجمعة، 16 فبراير 2018

البلاستيك يقفز في سُلمْ أولويات الدول



المخلفات البلاستيكية فرضت نفسها بقوة على جدول أعمال الحكومات في الكثير دول العالم، فصعدت مع الوقت رويداً رويدا حتى بلغت الآن أعلى سلم أولويات هذه الحكومات وفي مقدمة قائمة البرامج العاجلة للتنفيذ الفوري، ولم يكن هذا ليحدث مع زحمة جدول أعمال الدول وكثرة القضايا الحيوية الجوهرية للدول لولا أن هذه القضية تحولت إلى همٍ شعبي عام وتهديدٍ للصحة العامة للبشر، وشأنٍ حكومي خطير لا يمكن تجاهله، أو تهميشه وتأجيله إلى أجلٍ غير مسمى ووضعه في أرشيف المواضيع المستقبلية.

ففي بريطانيا، على سبيل المثال، أعلنت تِيريزا مَاي رئيسة الوزراء في العاشر من يناير من العام الجاري عن خطة الحكومة البيئية للـ 25 سنة القادمة، حيث تعهدت بأن الحكومة البريطانية ستتخلص بشكلٍ جذري ونهائي من معظم المخلفات البلاستيكية بحلول عام 2024، وحددت الخطة الحكومية هذه المخلفات بأكياس البلاستيك بمختلف أنواعها، وأعواد البلاستيك، والمواد البلاستيكية المستخدمة في تغليف وتغطية المواد الغذائية، وبرَّرت رئيسة الوزراء هذا القرار الحازم والحاسم ضد البلاستيك قائلة: "نحن ننظر إلى الوراء بشيء من الخوف والفزع على التدمير الذي ألحقناه في الماضي إلى بيئتنا".

وعلاوة على هذا وتأكيداً لخطورة المخلفات البلاستيكية وتهديدها المحتوم لصحة الإنسان والحياة الفطرية البحرية والبرية، فقد بدأ في التاسع من يناير من العام الحالي تنفيذ القانون البريطاني المتعلق بمنع نوعٍ خطير من المواد البلاستيكية المجهرية المتناهية في الصغر والتي قد لا تُرى بالعين المجردة ويُطلق عليها "الميكُروبِيدْز"(microbeads)، أو الخَرَز والحبيبات المجهرية، في كافة المنتجات الاستهلاكية كمعجون الأسنان، وكريمات الوجه والجسم واليد، والعلكة، ومنتجات التنظيف المنزلية والصناعية. وجدير بالذكر فإن الولايات المتحدة الأمريكية سَبَقتْ بريطانيا في حظر استعمال الميكروبيدز أو الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في منتجات الجمال والصحة الاستهلاكية التي تستخدم بشكلٍ يومي حسب قانون "المياه الخالية من الميكروبيدز" لعام 2015، كما قامت كندا ونيوزلندا ودول أخرى بإصدار تشريعٍ مشابه للقانون البريطاني والأمريكي.

وكل هذه التشريعات في دول العالم جاءت استجابة لنداءات وتحذيرات العلماء ورفعهم للعلم الأحمر منذ عقودٍ من الزمن حول التهديدات العصيبة والمخيفة التي تُشكلها المخلفات البلاستيكية الصغيرة منها والكبيرة على البيئة بشكلٍ عام وعلى صحة البشرية بشكلٍ خاص. وهذه التحذيرات المدوية لم تأت من فراغ، أو من تنبؤات واستشراف المستقبل، وإنما هي وليدة استنتاجات الدراسات الميدانية الواسعة والشاملة التي أُجريت خلال السنوات الماضية، ومبنية على المشاهدات الواقعية للمخلفات البلاستيكية في البحار والبراري وفي كل شبرٍ صغيرٍ كان أم كبير، وفي كل بقعة قريبة أو نائية بعيدة كل البعد عن أي نشاط إنساني، فالمخلفات البلاستيكية دخلت وجثمت الآن في كل مكونات بيئتنا الحية وغير الحية، وانتقلت مع الوقت إلى أجسامنا وتراكمت في أعضاء أبداننا من حيث ندري أو لا ندري.

ودعوني أضرب لكم بعض الأمثلة الواقعية لأثبت بالدليل المادي المحسوس والقاطع بأن المخلفات البلاستيكية فعلاً نراها في كل مكان، ولو كُنا في بروجٍ مشيدة في أعالي السماء، أي لا توجد بقعة على وجه الأرض في البر أو البحر بمنأى عن التلوث البلاستيكي. فقد أكدت دراسة قام بها المعهد النرويجي لأبحاث المياه ونشرت 27 ديسمبر 2017 أن المخلفات البلاستيكية الدقيقة أو الميكروبيدز موجودة في القواقع البحرية الزرقاء في بحار ومحيطات دول العالم سواء في المواقع البحرية العذراء البعيدة والنائية كبحار القطبين الشمالي والجنوبية أو البيئات البحرية الواقعة على المدن الرئيسة، ووجود هذه المخلفات في القواقع يعد أحد المؤشرات القوية على تلوث البحر بالبلاستيك وانتقال البلاستيك في السلسلة الغذائية البحرية التي تنتهي بالإنسان. كذلك اكتشفت إحدى الدراسات المنشورة في 16 نوفمبر 2016 اكتشافاً غريباً تقشعر لها جلود الأبدان حيث وجدت مخلفات بلاستيكية في أمعاء القشريات التي تعيش في أعماق  المحيطات السحيقة وفي الظلام الدامس الحالك والماء البارد حيث تنعدم الرؤية ولم تصل إليها أيدي البشر، وبالتحديد في أعمق بقعة بحرية على وجه الأرض وهي أخدود أو خندق ماريانا(Mariana Trench) المعروف في المحيط الهادئ،وعلى بعد أكثر من عشرة آلاف متر، أو عشرة كيلومترات تحت سطح البحر.

فالمخلفات البلاستيكية إذن موجودة في كل مكانٍ في كوكبنا، وجميع الدول مسؤولة عن هذا التلوث البلاستيكي، والجميع معني بالمساهمة في علاج هذه الكارثة البيئية الصحية العصيبة، وواجبنا في البحرين تحمل مسؤولياتنا مع المجتمع الدولي، والعمل على اتخاذ خطوات محددة للمساهمة في الحل ومواكبة المستجدات والمتغيرات في مجال التعامل مع المخلفات البلاستيكية. فعلى سبيل المثال، علينا توجيه الجهات المختصة إلى منع استيراد المنتجات التي تحتوي على "الميكروبيدز"، والتفكير في إصدار تشريعات تهدف إلى خفض إنتاج المخلفات البلاستيكية من مصادرها المختلفة من جهة، والعمل على إعادة استعمالها وتدويرها من جهةٍ أخرى.

السبت، 10 فبراير 2018

الكُلفة المالية للازدحام في البحرين


مازلتُ أتذكر في عام 2002 عندما كُنت ممتحناً خارجياً لإحدى رسائل الماجستير في جامعة الخليج العربي تحت عنوان: "التكاليف والآثار غير المنظورة لتزايد أعداد السيارات في دولة البحرين"، حيث حاول فيها الباحث تقديم البعد الاقتصادي الناجم عن ارتفاع أعداد السيارات في شوارعنا والازدحام المروري المصاحب لهذه الزيادة، كما قام الباحث ولأول مرة في تحديد مبلغٍ مالي نقدي محسوس لهذه الاختناقات المرورية الخانقة التي نشهدها يومياً في كل شوارع البحرين وفي كل المناطق بدون استثناء وفي كل الأوقات من النهار أو الليل، والتي تزيد حدتها ودرجتها يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة.

 

وقد توصلت هذه الدراسة الفريدة إلى العديد من النتائج الهامة التي يجب أن نضعها أمام أعيننا ونستفيد منها عند التخطيط المستقبلي للشوارع وعند وضع استراتيجيات مستقبل السيارات بشكلٍ عام في البحرين. وهذه النتائج تصب في مهمات وعمل واختصاصات عدة جهات حكومية منها وزارة المالية، ووزارة المواصلات، ووزارة الصحة، وهيئة النفط والغاز، وجهاز البيئة.

 

ومن هذه النتائج أن عدد ساعات الوقت الضائع التي تنشل فيها الحركة المرورية، أو تتكرر وقوفها مرات عدة بسبب الاكتظاظ الشديد أو الإشارات الضوئية، تبلغ كلفتها المالية النقدية على المجتمع البحريني حوالي 6 ملايين دينار لعام 2000، وتتوقع الدراسة أن هذه الخسائر المالية التي نتكبدها جميعاً وتمثل عبئاً غير مباشر على ميزانية الدولة، سترتفع بشكلٍ تصاعدي كبير نتيجة للزيادة المطردة التصاعدية في أعداد السيارات خلال السنوات القادمة، حيث تقدر هذه الخسائر النقدية بأكثر من 31 مليون دينار، علماً بأن هذه التقديرات تمثل التوقعات المنخفضة جداً للتبعات المالية الناجمة عن الازدحام المروري غير المعقول.

 

فلو رجعنا إلى آخر الإحصاءات الرسمية المنشورة من الجهات المختصة حول أنماط زيادة أعداد السيارات لوجدناها مخيفة ومُقلقة جداً مقارنة بمساحة البحرين المحدودة جداً وبعدد وطول الشوارع الموجودة حالياً في البحرين من جهة وبالتضخم السكاني والكثافة السكانية العالية من جهةٍ أخرى، حيث كان عدد السيارات المسجلة 545ألف سيارة عام 2015، وارتفع هذا العدد في عام 2016 إلى653 ألف، وحالياً وصل عدد المركبات إلى أكثر من700 ألف، في حين أن إنشاء الشوارع الجديدة، أو توسعة وتحديث وصيانة الشوارع القديمة أو إنشاء مواقف السيارات لم يواكب هذا النمو الكبير المتعاظم، ولم يلحق بهذا الارتفاع السنوي المشهود لأعداد المركبات.

 

فالنتيجة الطبيعية المتوقعة لهذا الحالة المرورية العصيبة هي الاكتظاظ المروري والزحمة غير المستدامة للسيارات، إلى درجة أَنَّك الآن في البحرين أينما تُولِّي وتذهب وتتحرك فثَم وجه السيارات والزحمة أمامك، فالزحمة عن يمينك وشمالك، ومن أمامك ومن خلفك، وليست في ساعات الذروة فحسب كما كان قبل سنوات، وإنما في كل الأوقات من الليل والنهار والصباح والمساء، والزحمة ليست في بعض الشوارع الرئيسة والحيوية وإنما في كل شوارع وطرقات البلاد.

 

فهذه المردودات المالية الإضافية المتزايدة الناجمة عن ازدياد المركبات والتي تُرهق كاهل الميزانية المريضة والعاجزة تنتج عن عدة عوامل يمكن تلخيصها في النقط التالية:

أولاً: شل الحركة المرورية يؤدي إلى تأخير الإنتاج والعطاء وإنجاز الأعمال وضياع الأوقات دون جدوى، ولهذا انعكاسات مالية كبيرة.

ثانياً: الازدحام المروري وتعطل الحركة المرورية يؤدي إلى استنزاف لا فائدة من للوقود في السيارات، أي هدر مصدر حيوي للطاقة، ولهذا أيضاً انعكاسات مالية ضخمة.

ثالثاً: الاكتظاظ المروري يرفع من درجة تلوث الهواء الجوي وتدهور جودته وصحته، مما ينعكس سلباً على الإنسان من حيث التعرض للأمراض المزمنة التي تصيب أعضاء الجسم وفي مقدمتها الجهاز التنفسي والقلب، ثم مع الوقت السقوط في شباك الموت المبكر، ولهذه مردودات مالية نقدية لا تُقدر بثمن.

 

وانطلاقاً من هذه المعلومات الخطيرة التي قدمتُها لكم، علينا أن لا ننظر إلى قضية الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات والازدحام المروري المزعج الذي نعاني منه كل ساعة بأنها قضية مرورية بحتة، فهي قضية معقدة ذات أبعادٍ متشابكة ومتعددة، فهناك البعد المالي الاقتصادي، وهناك البعد الاجتماعي والسلوكي، وهناك البعد المتعلق بهدر الطاقة الناضبة، إضافة إلى البعد البيئي الصحي، ولذلك لا بد من هذه القضية أن تصعد في سُلم أولويات الحكومة وتحظى بالرعاية الكاملة والعاجلة.

الجمعة، 2 فبراير 2018

الطاقة المتجددة والنظيفة، خيارنا الاستراتيجي



سياساتنا الحالية، واستراتيجياتنا المستقبلية في مجال أمن الطاقة يجب أن تواكب المتغيرات الدولية وتلحق بآخر المستجدات في مجال تقنيات الطاقة بشكلٍ عام، كما يجب أن تتماشى وتلتزم باستحقاقات التشريعات والقوانين الدولية المتمثلة في الاتفاقيات الإقليمية متعددة الأطراف، أو المعاهدات الدولية التي ترعاها منظمات الأمم المتحدة، وعلى رأس هذه المعاهدات وفي مقدمتها الاتفاقيات المتعلقة بالتغير المناخي، كمعاهدة باريس الأخيرة.

فإستراتيجيتنا القصيرة والطويلة الأمد يجب أن تعتمد على عدة مبادئ رئيسة، فالأول هو التحول التدريجي مع الزمن في استخدام مصادر الطاقة الناضبة غير المتجددة وغير الصديقة للبيئة في محطات توليد الكهرباء وفي وسائل النقل المختلفة من حيث نسبة وحجم ونوعية الملوثات التي تنبعث منها، وقوة وشدة تدميرها للثروات والموارد الطبيعية ومكونات وعناصر البيئة المختلفة من الناحيتين النوعية والكمية. أي أننا يجب أن ننتقل ونتحول مع الزمن، على سبيل المثال وحسب ظروف كل دولة، من الفحم كوقود أحفوري غير متجدد وكمصدر شديد التلوث للبيئة ومهدد لنوعيتها وجودتها إلى مصدر آخر غير متجدد أيضاً للطاقة ولكنه أقل تلويثاً لمكونات بيئتنا وهو البترول ومشتقاته المتعددة المستخدمة في إنتاج الطاقة وكوقود محرك للمركبات، ثم كُلما أمكن التحول إلى مصدر آخر ناضب وغير متجدد أيضاً ولكنه في الوقت نفسه أقل فتكاً بثرواتنا البيئية الطبيعية، وأقل تدميراً لجودة الهواء والأنهار والبحار والبحيرات، وهو الغاز الطبيعي الذي يمكن استخدامه في محطات توليد الكهرباء وفي تشغيل المركبات، فالغاز الطبيعي يُعد من أنظف أنواع الوقود الأحفوري غير المتجدد مقارنة بالفحم ومشتقات النفط.

أما المبدأ الثاني في الإستراتيجية طويلة الأمد لأمن الطاقة هي الانتقال إلى مصادر الطاقة البيئية النظيفة المتجددة، وتنويع هذه المصادر، وعدم الاعتماد على مصدر واحد فقط من هذه المصادر، أي يمكن الاستفادة من أكثر من مصدر واحد في الوقت نفسه والتزاوج بينهما، بحيث أن كل مصدر يكمل الآخر، وذلك حسب الظروف والإمكانات والتحديات التي تواجهها كل دولة. فمصادر الطاقة البديلة المتجددة كثيرة ومختلفة، ولكلٍ منها سلبياتها وايجابياتها، وحسناتها ومساوئها وعلى كل دولة إجراء دراسات جدوى فنية واقتصادية واجتماعية وبيئية لكل نوع من هذه الأنواع، وأخذ القرار النهائي وبما يتناسب مع خصوصية الدولة. فعلى سبيل المثال، هناك طاقة الرياح التي تحتاج إلى مساحاتٍ شاسعة من الأراضي، وفضاءٍ رحبٍ واسعٍ وفسيح، ولذلك لا تصلح لدولة مساحتها ضيقة وتعاني من شح في الأرض كالبحرين، وهناك الطاقة الشمسية التي تصلح لدولنا ويمكن استخدامها في بعض التطبيقات المحددة، وهناك الطاقة الكهربائية التي يمكن الحصول عليها من حرق المكونات العضوية القابلة للاحتراق في المخلفات المنزلية غير الخطرة التي تنتج كل يوم من أنشطة الإنسان في المنزل والمكتب والمصنع والمعمل ، وتزيد أحجامها يوماً بعد يوم.

وفي المقابل هناك المصدر المعروف للطاقة النظيفة الخالية من التلوث وهو الطاقة النووية، ولهذا المصدر إيجابيات كثيرة، وأنا شخصياً أؤكد الاستفادة من هذا المصدر لأسباب عدة منها سياسية وأمنية، ولكن سلبياتها تتلخص في أمن وسلامة التشغيل، إضافة إلى كيفية إدارة المخلفات المشعة التي تنجم بعد انتهاء عُمر الوقود النووي المستخدم لتوليد الطاقة.

ومن المفيد هنا تقديم نموذج خليجي يعكس هذه الاستراتيجية التي لخصتها لكم، وهو النموذج السعودي، حيث صرح رئيس مكتب تطوير مشاريع الطاقة المتجددة بوزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية في 16 يناير من العام الجاري في مؤتمر الاستدامة في أبوظبي حول تنويع مصادر الطاقة في المملكة، وبالتحديد ركز على مصادر الطاقة البديلة المتجددة، حيث قالبأن المملكة ستُنفق نحو 7 بلايين دولار على مشاريع الطاقة النظيفة في العام الجاري، منها إنشاء محطات لتوليد الكهرباء من الشمس والرياح بقوة إجمالية قدرها 9.5 جيجوات بحلول عام 2023. 

أما الإستراتيجية التي أرى أن نعتمدها في البحرين في مجال أمن الطاقة وتوليد الكهرباء فهي التنويع واستخدام المزيج من مصادر الطاقة غير المتجددة والمتجددة معاً وفي آنٍ واحد، وبالتحديد الاستمرار في استعمال الغاز الطبيعي مُنْخفض الكبريت لإنتاج الكهرباء، إضافة إلى إنشاء محطة لتوليد الكهرباء من حرق مخلفات البلدية الصلبة والاستفادة من الطاقة الشمسية، وعلى المدى البعيد التفكير في الطاقة النووية لتوليد الكهرباء. 

الاثنين، 29 يناير 2018

لماذا أوقف الصينيون دفن البحر!


خبر قرأتُه في 18 يناير من العام الجاري في صحيفة الشعب اليومية الصينية تحت عنوان: "الصين تفرض أشد الأنظمة صرامة حول عمليات دفن البحر"، وجاء في الخبر أن الصين ستعمل على إيقاف وإغلاق جميع عمليات دفن البحر غير المرخصة والعشوائية وهدم المباني والمرافق التي أُقيمت على هذه المناطق المدفونة. فعلى سبيل المثال، أوقفت الحكومة الصينية، ممثلة في جهاز إدارة المحيطات رخصة بناء جزيرة صناعية سياحية في البحر في مدينة وانينج بمقاطعة هينان، حيث تبلغ مساحة المنطقة المدفونة من البحر قرابة 150 هكتاراً، أي أقل من كيلومترين مربعين. وقد أكد المسؤول الصيني في إدارة المحيطات على هذه السياسة الجديدة والإجراءات الحاسمة والصارمة لعمليات دفن البحر، وقال بأن الشروط التي وضعناها الآن للموافقة على عمليات دفن البحر هي أن النشاط الذي يعتزم دفن البحر يجب أن يكون له مردودات إيجابية على الاقتصاد الوطني الصيني من جهة، وأن لا يكون له تأثير سلبي على حياة ومعاش الناس ومصدر رزقهم من جهة أخرى، كما أفاد المسؤول الصيني بمنع عمليات دفن البحر لأغراض تجارية سكنية، إضافة إلى إيقاف أي عملية دفان في بحر بوهاي كلياً.

 

فماذا حدث في الصين الآن حتى تشدد قبضتها الحديدية على الأنشطة التنموية التي تقام على أراضٍ مدفونة في البحر؟

ولماذا قررت الصين اليوم وبعد عقود من دفن البحر شرقاً وغرباً أن تضع أنظمة وقوانين مغلظة ومقيدة لأي مشروع يعتزم دفن سواحل البحر؟

 

إن ما حدث في الصين، حدث في البحرين ومازال مستمراً عندنا، فتجربة الصين لا تختلف عن تجربتنا. فالصين في العقود الماضية تَبَنتْ ما أُطلقُ عليه بسياسة النمو "المُعوقْ" الذي ينظر إلى الأنشطة التنموية بعينٍ واحدة فقط، وهي تحقيق النمو الاقتصادي البحت ورفع الناتج المحلي الإجمالي على حساب كل شيء آخر سواء أكانت البيئة وثرواتها الطبيعية من ماء وهواء وتربة، أو على حساب خيراتها الحية من ثروةٍ سمكية وحياة فطرية برية نباتية وحيوانية، كما كان النمو الصيني الأحادي الجانب على حساب الطبقات الفقيرة والبسيطة التي تقتات وتعيش على الثروات الموجودة في هذه المكونات البيئة الحية وغير الحية، وبخاصة البيئة البحرية. فكانت النتيجة الحتمية لهذا النمو، حسب التقارير الحكومية الرسمية نفسها، التدمير الشامل للبيئة والفساد المستفحل لعناصرها وثرواتها والتي انعكست مباشرة على صحة المواطن الصيني، فنشأت أكثر من 500 قرية سرطانية تزيد فيها معدلات الإصابة بالسرطان مقارنة بالقرى الأخرى، كما فسد الهواء الجوي في معظم المدن الكبرى بانكشاف السحب البنية الصفراء اللون، بحيث تحول الهواء إلى أداة هدم لسلامة الإنسان بدلاً من أن يكون صحة وأمن وعافية، ومياه البحر تشبعت بشتى أنواع الملوثات وامتلأت بالسموم المهددة لصحة الأسماك والإنسان معاً نتيجة للمخلفات السائلة الناجمة عن حفر ودفن البحر والقضاء كلياً على البيئة البحرية الساحلية، إضافة إلى مخلفات مياه المجاري الآسنة وإسالات المصانع الخطرة. هذا الوضع البيئي انعكس صحياً على الناس وكان له مردودات سياسية وأمنية هزت المجتمع الصيني، مما اضطر الحكومة الصينية المركزية ولأول مرة في تاريخها "إعلان الحرب على التلوث"، وسنَّت قوانين شديدة على كل من يلوثون البيئة ويعتدون على حرماتها في البر والبحر والجو.

 

وقد آن الأوان علينا نحن أيضاً أن نُعلن الحرب على التلوث ونضع التشريعات الكفيلة بحماية كافة مواردنا الفطرية الطبيعية، وعلى رأسها البحر.

الأحد، 28 يناير 2018

قصة فَتَياتْ الرادْيوم


 


حوادث التاريخ القريبة والبعيدة، المعاصرة والغابرة ليست للتسلية والترفيه وقضاء وقتٍ ممتع في قراءتها والاطلاع عليها، وليست روايات وقصص مشوقة أكل عليها الدهر وشرب ولا علاقة لها بحاضرنا وواقعنا الحالي، وإنما هي دروس حية واقعية تتكرر في أي زمانٍ أو مكان فالتاريخ يُعيد نفسه، ولذلك من الضروري والمفيد لنا اليوم أن نقف عندها طويلاً، ونمكث أمامها بعمق وتمعن لدراستها والتفكر فيها من أجل التعلم منها ومن زلاتها وهفواتها، والاستفادة من دروسها وتجاربها، واستخلاص العبر والعظات منها، لعلها تكون مرآة نرى فيها حياتنا اليوم فنرسم بها غدنا ومستقبلنا، ونكون بذلك قد طبقناً قوله تعالي: "لقد كان في قصَصهم عبرةٌ لأولي الألباب".


 


فقصتُنا اليوم التي أريد أن أقف أمامها تبدأ مشاهدها أثناء الحرب العالمية الأولى عندما قامت شركة في مدينة أورنج بولاية نيو جيرسي عام 1916 بالإعلان عن وجود شواغر لوظائف مغرية للفتيات وبرواتب عالية جداً مقارنة بالوظائف الأخرى وبسُلم الرواتب في تلك الفترة، مما أدى إلى تدافع الفتيات والجري نحو هذه الوظيفة المثيرة دون التفكير في تفاصيلها وملابستها وتأثيراتها على أمنهم الصحي، فقامت هذه الشركة بتوظيف 70 فتاة في بداية تشغيل المصنع ثم مع الوقت تم توظيف أكثر من 4000 فتاة مع التوسعة وفتح مصنعين آخرين.


 


فقد كان هذا المصنع هو الأول من نوعه في العالم أجمع، وكان يتباهى ويتفاخر في صناعة مُنتجٍ سحري وغريب وفريد من نوعه على المستوى الدولي، وعظيم الفائدة والنفع للناس بشكلٍ يومي، حيث قدَّم للعالم ساعات اليد، أو الساعات المنْبهة، أو ساعات الحائط التي تتميز بصفةٍ لا توجد مثلها في الأسواق، وهي أنها تُضيء أثناء الظلام عندما يحين الليل، وتتوهج تلقائياً باستمرار عندما تحين ساعات السواد المقفرة، وكأنها مصابيح لامعة تنير الطريق أو المنزل أو المكتب، فلا تحتاج إلى بطارية للشحن بعد فترةٍ من الزمن، ولا إلى أي مصدرٍ للكهرباء.


 


وفعلاً بدأ المصنع في الإنتاج وأبهر العالم واندهش الجميع بهذه البضاعة العملية التي لا مثيل لها في الكون، ولكن في الوقت نفسه غُرست البذور الخبيثة لكارثة صحية مزمنة أيضاً لا مثيل لها في الكون، فنزلت هذه الصاعقة العصيبة على آلاف الفتيات العاملات في المصنع. فهؤلاء الفتيات كن يتعرضن كل ساعة يومياً لعنصرٍ شديد الإشعاع هو الراديوم الموجود طبيعياً في باطن الأرض، دون أن يعلموا بخطورة هذا العنصر وتهديداته طويلة الأمد على صحتهم، فقد كان هذا العنصر الطبيعي المشع يدخل في تركيبة الدهان المستخدم في صباغة وتغطية أوجه وعقارب وأرقام الساعات المضيئة في الظلام، والعاملات كن يستخدمن الفم والشفتين للإمساك بالفرشاة الدقيقة والصغيرة المستعلمة في الصباغة، مما أدى إلى زحف هذا العنصر القاتل إلى أجسامهن عن طريق الأنف، أو الفم، أو الجلد، كما أن هؤلاء العاملات كانت ملابسهن تتغطى بهذا الدهان السحري المشع، وعند خروجهن من العمل أثناء الليل كانت أجسامهن تنير وتضيء في الظلام، حتى أن الناس أطلقوا عليهن بفتيات الأشباح أو فتيات الراديوم (The Radium Girls). وبعد سنوات من العمل في هذه المصانع انكشفت عليهن أعراض مرضية غريبة تتمثل في الإرهاق والتعب وآلام في الأسنان وتفتت عظام الفك السفلي وقابليته الشديدة للكسر، بحيث إنه كان يسقط تلقائياً وبنفسه، وأُطلق على هذه الظاهرة بـ "فَكْ الراديوم"، مما أدى في عام 1927 إلى رفع هؤلاء الفتيات لدعاوى قضائية ضد هذه المصانع القاتلة للبشر، حسب التحقيق المنشور في الـ سي إن إن في 19 ديسمبر 2017.


 


والطامة الكبرى التي انعكست على المجتمع برمته هي أن هذا العنصر المشع الأعجوبة الذي تم اكتشافه عام 1898 تم استخدامه في منتجات كثيرة يستعملها الإنسان يومياً، منها منتجات الزينة والتجميل، ومعجون الأسنان، وبعض المشروبات، وبالتحديد مشروبات الصحة والعافية وعلاج الأمراض، وأُطلق عليها المياه الروحية، أو المياه المشعة، الراديثور(Radithor)، وهي عبارة عن مياه مقطرة تحتوي على الراديوم، حيث ادعت الشركات المصنعة بأنها مياه الطاقة والصحة والجمال، لأن المواد المشعة تنبعث منها الطاقة ولذلك يمكن استخدامها للحالات التي يحتاج فيها الإنسان إلى طاقة إضافية كحالات التعب والإرهاق والعجز الجسدي، وأثناء ممارسة الرياضة العضلية!


 


فهذه القصة التي حكيتها لكم تتكرر الآن في كل مكان، ونراها أمامنا بصورةٍ أو بأخرى وتحت مشاهد مختلفة. فأحد المشاهد على سبيل المثال عندما فتح مصنع ألمنيوم البحرين أبوابه في مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، حيث شجع الكثير من الشباب للعمل في المصنع برواتب مغرية جداً وعالية مقارنة بالشركات الأخرى في ذلك الوقت، ولكن ظروف العمل البيئية والصحية كانت صعبة جداً وسيئة للغاية، فبيئة المصنع كانت شديدة التلوث بحيث إن الرؤية كانت شبه منعدمة، وكان العمال يتعرضون كل ساعة لملوثات خطرة وللحرارة العالية والضوضاء المرتفعة، وهذا التلوث لم يؤثر على العمال وجودة الهواء في بيئة المصنع فحسب وإنما خرجت أضراره إلى الناس في خارج المصنع، ولحسن الحظ أن المصنع انتبه لخطورة هذه الأوضاع المَرَضية في الداخل والخارج، فأجرى تعديلات وتحسينات جذرية أدت إلى تطورٍ مشهود لجودة الهواء داخل المصنع.


 


والمشهد الثاني هو ادعاء الشركات كذباً وتضليلاً بأن منتجاتهم سليمة وصحية ولا تضر بالإنسان، والعمل بصورة عاجلة دون التأكد من سلامتها بتسويق هذه المنتجات بأنها سحرية ونافعة لأغراض متعددة، مثل شركات التبغ التي ادعت في العقود الماضية بأن التدخين لا يضر بالإنسان وله علاقة برجولة الإنسان وقوته، أو شركة جونسون و جونسون التي صرَّحت بأن مسحوق "تَلْكْ" الأبيض المعروف عالمياً الذي استخدمه الناس جميعاً أطفالاً وشباباً وشيوخاً لا يسبب أية مشكلات صحية، وغيرهما الكثير مما لا يسع المجال لذكرها.


 


ولذلك أنصح الجميع إلى الرجوع إلى الأحداث التاريخية لدراستها واستخلاص العبر منها وتجنب الوقوع في الأخطاء والزلات التي سقط فيها مَنْ قَبْلنا.