الاثنين، 20 فبراير، 2017

أخطر تهديدٍ لبيئتنا البحرية


هناك عدة تحديات ومخاطر تواجه بيئتنا البحرية، وهناك الكثير من التهديدات التي نعاني منها منذ سنوات وتؤثر بشكلٍ سلبي مزمن على سلامة وأمن بيئتنا البحرية والكائنات الفطرية الحية النباتية والحيوانية التي تعيش في حضنها وترعى تحت ظلها.

 

وجميع هذه التحديات والتهديدات، باستثناء واحدة منها، يمكن معالجتها والتخلص من آثارها وتداعياتها السلبية على أمننا البحري ولو بعد سنوات، فعادةً ما تكون الأضرار التي ألحقتها وسببتها بالبحر وكائناتها الحية قابلة للحَلْ، ويمكن إرجاع الوضع وصحة البيئة بعد فترةٍ من الزمن،سواء بالتدخل الجراحي السريع أو العلاج الدوائي التدريجي البطيء،إلى طبيعتها وفطرتها التي كانت عليها من قبل.

 

فعلى سبيل المثال، هناك المشكلة البيئية البحرية التي تنجم عن إلقاء مياه المصانع أو مياه المجاري غير المعالجة أو المعالجة جزئياً. فهذه المياه الآسنة القذرة ذو الروائح الكريهة النتنة التي تحتوي على خليطٍ معقدٍ من السموم والملوثات الخطرة، ومن بينها الملوثات الكيميائية الغذائية كالفوسفات والنيترات والمركبات العضوية والأدوية، إضافة إلى الكائنات والجراثيم الحية المسببة للأمراض، تكون مع الوقت ظاهرة الإثراء الغذائي، وهي تحول البحر من اللون الأزرق الجميل البراق إلى لون الدم الفاقع الذي يلقي الفزع والرعب في قلوب الناس، أو ينقلب البحر إلى اللون الأخضر أو البني، فتموت عندها الكائنات الحية وتتحول من غذاءٍ للإنسان إلى سمٍ ناقع قاتل.

 

فهذه الحالة المأساوية التي تنزل على البيئة البحرية الساحلية، ونراها في الكثير من الأحيان، وبخاصة أثناء أشهر الصيف الحارة في خليج توبلي وفي المناطق الساحلية الضحلة وشبه المغلقة، يمكن علاجها بعدو طرق ناجعة، منها تكوير عملية معالجة مياه المجاري وتحسين نوعية هذه المياه قبل السماح لها بالدخول في البيئة البحرية الساحلية، ومنها العلاج الجراحي السريع والعاجل والمتمثل في تنظيف المنطقة الساحلية، وبالتحديد في قاع البحر من المخلفات الصلبة وشبه الصلبة التي ترسبت مع الزمن من مياه المجاري. وعند القيام بهذه العمليات فإن البيئة البحرية سترجع إلى ما كانت عليها في السابق وستزدهر فيها الحياة البحرية، بشقيها النباتي والحيواني.

 

كذلك هناك مشكلة الصيد الجائر واستخدام وسائل الصيد غير المشروعة التي تمارس عندنا في البحرين، ورأينا وشاهدنا تأثيراتها على البيئات البحرية القاعية من جهة وعلى كمية ونوعية الأسماك التي نصطادها في مياهنا من جهة أخرى. فهذه الممارسات الخاطئة منذ سنوات يمكن إيقافها بجرة قلم حاسم وتنفيذ التشريعات والأنظمة المقننة للصيد السمكي، وعندها سترجع الأمور إلى مجاريها بعد سنواتٍ قليلة، وستتعافى البيئة البحرية من الأسقام والعلل التي أصابتها في جسدها وفي أعضائها الداخلية.

 

وفي المقابل هناك الطامة الأزلية الكبرى التي نشهدها يومياً في بيئتنا البحرية، وهناك الأعمال "التنموية" التي ترتكبها أيدينا منذ أكثر من ستين عاماً، فتهدم في كل يومٍ شبراً من بحرنا وقوت يومنا ومصدر غذائنا، وتقضي في كل ساعة على شريانٍ حيوي يُغذي قلب البحر بالدم فيعينه على الحياة والعطاء....إنها عمليات الحفر البحري ودفن مئات الكيلومترات المربعة من أكثر البيئات البحرية عطاءً، وأشدها إنتاجاً وحيوية وإلى الأبد ومن غير رجعة.

 

ولكي تُقدر معي حجم الضرر الذي أحدثناه للبحر والثروة السمكية، تصور أنك تعيش في حي سكني متكامل ينبض بالحياة، وفيه كل وسائل العيش وكل مقومات الحياة، ثم تأتي وتفجر هذه المنطقة على رؤوس سكانها وكل من يقنط عليها، ثم تلقى عليها التراب وتدفنها إلى الأبد، فهل سيبقى أحد حياً؟ وهل ستبقى أية آثار للسكان أو الحي؟ وهل تستطيع، مهما أوتيت من مال أو عدة وعتاد أن ترجع الموتى وتعيدهم إلى الحياة مرة ثانية؟

 

فعمليات الدفان التي أكلت حتى الآن قرابة 300 كيلومترٍ مربعٍ من جسد بحرنا، ومازال التدمير مستمراً، قد قضى كلياً على كل كائنٍ حي نباتي وحيواني كان يعيش في تلك المنطقة، وقضى إلى الأبد وبدون رجعة على جميع هذه الكائنات التي بعضها لا ترى بالعين المجردة، كما قطع الشريان الحي الذي يربط هذه البيئة البحرية التي هُدمت ودفنت بالبيئات البحرية الأخرى.

 

فكم من كائنٍ حي نباتي مِجْهري أو غير مجهري قد فقدنا إلى الأبد؟ وكم من كائنٍ حي حيواني قد خسرنا وبدون رجعة؟ وكم هو حجم الأضرار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والغذائية التي تكبدناها خلال أكثر من ستة عقود من الزمن؟

 

فهذا هو التحدي الأعظم الذي يواجه بيئتنا البحرية، فكل ما دفناه ذهب مع الريح ولا يمكن إرجاعه مهما فعلنا وبذلنا من جهود، وهذا ما نحتاج التفكير فيه بعمق لحماية ما تبقى من تراثنا البحري المعطاء.

 

Bottom of Form

 

الخميس، 16 فبراير، 2017

نأكل البلاستيك دون أن نعلم!



هل تعلم بأن هذه السمكة التي تصطادها بنفسك، وتخرجها من البحر بيديك، وقد تسهر وتتعب ساعات طوال تحت حر الشمس وفي عمق البحر وأنت تنتظر بفارغ الصبر لصيدها، قد تكون هذه السمكة ملوثة بآلاف الحبيبات البلاستيكية المتناهية في الصغر والتي قد لا تُرى بالعين المجردة؟

وهل تعلم بأن هذه السمكة الطازجة الطرية التي تتلهف إلى أكلها والتمتع بمذاقها الطيب وتتلذذ بلحمها الصافي، قد تكون مصدراً لأسقامك وأمراضك المزمنة؟

فالمخلفات البلاستيكية أصبحت الآن مصدراً للإزعاج والقلق الشديدين، فعامة الناس والعلماء سابقاً كانوا لا يعرفون شيئاً عن مصير هذه المخلفات التي نلقيها بأيدينا في البر والبحر والجو، فكانوا لا يفقهون عن أين ستذهب؟ وكيف ستتحرك بعد ولوجها في مكونات البيئة؟ وما هي التغييرات المختلفة التي تطرأ عليها مع الزمن على المستويين القريب والبعيد؟

فالكثير من الناس لا يذهبون بعيداً عن نظرتهم إلى المخلفات البلاستيكية، فهم يرونها بعض الأوقات عالقة على أغصان الأشجار فتزين أوراقها بشتى أنواع المخلفات، وتارة يشاهدونها في الصحراء تنتقل من منطقة إلى أخرى ومن عشبة برية إلى عشبة ثانية، وفي حالات كثيرة أخرى نراها وهي طافية تسبح بحرية فوق سطح الماء فتحركها التيارات المائية والرياح إلى مناطق لا يعلمها إلا الله وإلى مصيرٍ مجهول وغامض.

ولكن لم يتصور الناس والعلماء ولم يخطر على بالهم بأن هذه المخلفات التي نراها أمامنا بأم أعيننا تتجول طليقة في بيئتنا، قد تختفي بعضها عنَّا وعن أبصارنا، وتغيب فترة من الزمن عن حواسنا، ولكنها ترجع إلينا بعد حِينْ طال الزمن أو قصر، ولكن تكون عندها في هيئةٍ جديدة، وثوبٍ فريد، وفي صورة لم نتخيلها قط ولم نسمع عنها أبداً، فتضر عندئذٍ بأمننا الصحي وتسبب لنا العِللْ المزمنة والخبيثة.

فقد اكتشف علماء جامعة جنت(Ghent) في بلجيكا في 24 يناير من العام الجاري، وأزالوا النقاب عن ظاهرة جديدة مخيفة ومرعبة للبشر عامة والعلماء خاصة، حيث استنتجوا بأن المدمنين على تناول المأكولات البحرية من قواقع وأسماك وغيرهما، تدخل في أجسامهم كل سنة عشرات الآلاف من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة جداً والصغيرة الحجم التي لا يمكن لأي بشرٍ أن يتحسس وجودها أثناء أكله لهذه الكائنات البحرية، أي أنهم أكدوا على حقيقة بيئية حول "الدورة الحياتية للبلاستيك"، والتي تبدأ بنا وبأيدينا عندما نلقي المخلفات البلاستيكية بدون هوادة وبدون أي ذنب نحس به في مكونات البيئة، وبخاصة البيئة البحرية، فتتحرك هذه المخلفات في البحر وتسير في رحابها الواسع، وبفعل عوامل الطبيعة كالرياح السطحية وضوء وحرارة أشعة الشمس وملوحة مياه البحر وتياراته القوية، تتفتت هذه المخلفات الكبيرة وتتكسر إلى قطعٍ وحبيبات أصغر فأصغر يطلق عليها "الميكروبلاستيك"، حتى تصل في نهاية الأمر إلى قطعٍ قُطرها أقل من خمسة مليمترات، وعندئذٍ تلتهما الكائنات البحرية فتدخل في أجسامها وأعضائها، وتبدأ رويداً رويداً بالتراكم والتضخم في هذه الكائنات.

وتكمن الخطورة في هذه الظاهرة السرية والخفية أننا نكون في آخر الهرم الغذائي، فنتغذى على هذا الكائنات البحرية التي امتلأت بطونها وتشعبت بهذه المخلفات البلاستيكية التي تخلصنا منها بأنفسنا فرجعت إلينا مرة ثانية. والأشد بأساً وتنكيلاً علينا هو أن هذه الحبيبات البلاستيكية الصغيرة تكون قد امْتصت الملوثات أثناء وجودها في البحر وأثناء رحلتها الطويلة، وبقت ثابتة على سطحها فحملتها معها حتى بلغت جسم الإنسان، وعندها تترشح هذه السموم من على سطح البلاستيك فتدخل في أجسامنا دون أن نعلم، أو حتى أن نحس بدخولها في أجسامنا إلا بعد حين عندما تنكشف علينا أعراض الأمراض المستعصية عن العلاج.

والآن وبعد أن علمنا وتيَّقنا من هذه الحقيقة العلمية البيئة الصحية، وتعمقنا في خطورتها على صحة الفرد والمجتمع، أتمنى من الجهات المختصة وضع تشريعٍ خاص بالتعامل مع المخلفات البلاستيكية بشكلٍ عام، وبالتحديد من ناحية منع التخلص منها في البيئات البرية أو البحرية، وتجريم كل من يخالف هذا التشريع، لأن كل من لا يلقي المخلفات البلاستيكية في مكانها المخصص لها فإنه يرتكب جريمة الإضرار بصحة الحياة الفطرية وأمن وسلامة وصحة المواطنين، ويعرضهم للأمراض التي نحن في غنى عنها، وجدير بالذكر بأن المجتمع الدولي اتخذ عدة خطوات تنفيذية لمواجهة هذا التهديد لصحة البيئة والبشر، منها "المبادرة الدولية للميكروبلاستيك".

الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

مِحْنة باريس


 
المِحْنة العصيبة، والورطة المزمنة التي تعاني منها باريس اليوم هي نفسها ورطة لندن ومدريد في القارة الأوروبية، وهي أيضاً ورطة لوس أنجلوس وشيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، وورطة نيودلهي بالهند، وورطة بكين في الصين في آسيا، وورطة نيروبي في كينيا في أفريقيا، كما هي في الوقت نفسه ورطة مدينة المكسيك في المكسيك في قارة أمريكا الجنوبية، ومدينة سيدني في أستراليا، وستكون قريباً ورطة ومحنة المنامة.

 
هذه المحنة العقيمة الصحية والبيئية التي تقاسي منها مدن العالم مازالت دون حلٍ جذري دائم، ومازالت مدن العالم تتخبط في علاجها والتعامل معها بطريقة مستدامة تستأصلها من جذورها وتقضي عليها كلياً.

 
فتلوث الهواء الدائم والمخيم على المدن والناجم عن السيارات والحركة المرورية الكثيفة والمزدحمة بشكلٍ عام التي تصاحب الزيادة المطردة غير المسبوقة للسيارات، يشغل بال العلماء ورجال السياسة ومخططي المدن على حدٍ سواء، وليست لديهم حتى الآن الخطط والبرامج الإستراتيجية طويلة الأمد التي تمكنهم من التخلص منه وبدون رجعة، ويعزى السبب الرئيس في هذا هو تجاهل قضية تلوث الهواء والازدحام المروري في المدن لسنواتٍ طويلة، وعدم إعطائها الأولوية في البرامج التنفيذية للمدن والحكومات، واعتبارها قضية هامشية بسيطة يمكن تأجيلها وغض الطرف عنها إلى أجلٍ غير مسمى، مما جعلها تتفاقم وتستفحل وتنتشر في كل شرايين المدن يوماً بعد يوم فتضرب أطنابها عميقة وتتغلغل بشدة في أرجائها، حتى إنك الآن تقاسي من التلوث والازدحام المروري أينما تذهب وفي كل الأوقات من اليوم والليلة، فالسيارات نجدها من خلفنا، ومن أمامنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا.

 

فالمدن الآن، ومنها باريس على سبيل المثال، وضعت حلولاً عشوائية غير متكاملة وغير مستدامة، وقدمت علاجاً ترقيعياً ومخدراً موضعياً لا ينهي هذه الأزمة الخانقة التي تمر بها منذ عقود. ومن هذه الحلول التجريبية تلك التي شرعت باريس في تنفيذها في 24 يناير من العام الجاري، وهي في الحقيقة لا تختلف كثيراً عن المدن الأخرى، كما يلي:

أولاً:تقنين مرور وحركة السيارات في قلب العاصمة باريس من أجل خفض الازدحام من جهة، وتقليل نسبة الملوثات من جهةٍ أخرى وخفض احتمال انكشاف السحب الصفراء البنية اللون القاتلة للناس. ومن أمثلة التقنين تبني نظام "الملصقات الملونة" ضد التلوث، بحيث أن لون الملصق على السيارة يسمح لك بالمرور في بعض مناطق المدينة وفي أوقاتٍ محددة من اليوم أو الليل.

ثانياً: منع سيارات الديزل المسجلة بين يناير 1997 وديسمبر 2000 من الدخول في وسط العاصمة، فوقود الديزل يُعد من أشد أنواع الوقود تلويثاً للهواء الجوي وأكثره تهديداً لصحة الناس.

ثالثاً: في الأيام التي ترتفع فيها درجة التلوث، وتظهر السحب المسببة للأمراض والموت المبكر، تكون حافلات النقل العام مجانية لكافة المواطنين، مما يشجعهم إلى عدم استخدام سياراتهم الخاصة وبالتالي خفض أعداد السيارات الملوثة للهواء من الشوارع.

رابعاً: استخدام حافلات النقل العام الكهربائية بدون سائق وبصفة تجريبية بين بعض المحطات في باريس.

خامساً: زيادة المساحات الخاصة بالمشاة، ورفع التسعيرة الخاصة بمواقف السيارات في قلب العاصمة.

 

وفي تقديري فإن الحل المستدام لقضية السيارات المتمثلة في تلوث الهواء والاكتظاظ المروي يكون في تبني وتنفيذ مجموعة من الحلول المتكاملة، تُسهم فيها وتشارك فيها كل السلطات في الدولة، السلطة التنفيذية، والتشريعية، والمجتمع المدني كالجمعيات الأهلية. أما السلطة التنفيذية من وزارات وهيئات، فكل جهة منها عليها التفكير في الحلول التنفيذية الإبداعية التي تقع ضمن اختصاصها ومهماتها، فعلى سبيل المثال، وزارة المواصلات تعنى بتشجيع النقل الجماعي واستخدام السيارات النظيفة التي تعمل بالطاقة المتجددة، ووزارة الطاقة توفر الوقود النظيف غير الملوث للبيئة للسيارات، ووزارة الأشغال تُعجل في بناء وتوسعة الطرق، وإدارة المرور تضع نظاماً سريعاً للتعامل مع حوادث الطرق وتحسين وتسريع الحركة المرورية والتعامل مع السيارات القديمة. ثم تأتي السلطة التشريعية لتضع القوانين التي تصب في تحقيق الأهداف نفسها وتعمل مع المجتمع المدني لرفع وتعزيز الوعي البيئي والصحي والمروري المرتبط بقضية السيارات وبيان مخاطرها على المجتمع برمته.

 

فقضية السيارات معقدة جداً ومتشابكة ومتعددة الجوانب والأبعاد ويجب عدم الاستهانة بها وتبسيطها، ولذلك فإن حلها يحتاج إلى جهودٍ جماعية مشتركة ومتناسقة، وخططٍ فاعلة وقابلة للتنفيذ. 

 

الاثنين، 6 فبراير، 2017

سيجارة واحدة تُدخِلكُ القَبْر مُبكراً



كلما قررتُ التوقف عن الكتابة عن أهوال تدخين السجائر بكافة أنواعها ومسمياتها من الناحية البيئية والصحية والاقتصادية على عامة الناس وعلى المجتمع برمته صغيراً وكبيراً، أَجدُ نفسي مُلزماً ومضطراً من الناحية الإنسانية والأخلاقية إلى الولوج مرة أخرى في بحرها الغزير الأُجاج الذي لا تنضب مساوئه ولا تنتهي أضراره.

فالدراسات والأبحاث البيئية والطبية لا تتوقف كلياً عن التدخين والسجائر، والعلماء لا يصيبهم الملل أو الكَلل في سبر غور هذه الظاهرة الصحية الخبيثة والمهلكة لأفراد المجتمع، ففي كل يوم أقرأ عن بحثٍ جديد يُقدم اكتشافاً آخر يضاف إلى الاكتشافات الأخرى، ويعطينا دليلاً محسوساً جديداً عن الآثار البيئية والصحية المدمرة للسجائر بكافة أنواعها، وأشكالها، وكل هذه الدراسات التي أَطْلع عليها يومياً تثيرني وتجبرني إلى تنبيه الناس وتذكير المسئولين عن هذه الحقائق العلمية المتعلقة بهذا الوباء القاتل، لعلنا نتخذ قرارات حاسمة وشجاعة في منع التدخين كلياً في بلادنا، ونعمل سوياً على اجتثاث هذه الظاهرة غير الصحية والمميتة من على أرضنا.

فهناك دراسة قام بها المعهد الأمريكي الوطني للسرطان على 300 ألف مدخن ونُشرت نتائجها في الخامس من ديسمبر عام 2016 في مجلة الجمعية الأمريكية الطبية للطب الباطني، حيث أكدت على أن الذين كانوا يدخنون معدل سيجارة واحدة في اليوم طوال حياتهم أصبحوا معرضين للموت المبكر بنسبة 64% مقارنة بغير المدخنين، والذين كانوا يدخنون نصف علبة يومياً ارتفعت هذه النسبة إلى 87%، أي أن هذا البحث يؤكد بأنه لا توجد نسبة آمنة أو غير ضارة للتدخين، فكل سيجارة تعجل من دخولك إلى مثواك الأخير. 

كذلك توصلت عدة دراسات إلى نتائج مخيفة جداً عن التدخين، منها الدراسة المنشورة في مجلة "العِلم" في الرابع من نوفمبر 2016، والتي أكدت على أن التدخين يُتلف خلايا الجسم، ويحدث فيها تغييرات متعددة في موادها الوراثية، سواء الخلايا التي تتعرض مباشرة للدخان كالحنجرة والرئة، أو التي لا تتعرض بشكلٍ مباشر، كما أفاد البحث المنشور في مجلة جمعية القلب الأمريكية(Circulation: Cardiovascular Genetics) أن التدخين يفقد الجينات وظيفتها وفاعليتها ونشاطها، حيث إنه يؤثر على 7000 من جينات الإنسان، فيقضي نهائياً على هذه الجينات الوراثية وبدون رجعة، أو يحدث فيها تحورات وطفرات وراثية، والدراسات والحقائق السابقة أكدت بأن المدخن قد يصاب نتيجة لذلك بـ 17 نوعاً من السرطان.

ولذلك فإن هناك إجماعاً دولياً لا خلاف عليه كلياً بأن التدخين يهلك الإنسان عاجلاً، ويقضي عليه مبكراً، فلماذا إذن لا تمنع الدول هذه الآفة؟ ولماذا تتمسك الدول بالسماح للتدخين وبيع السجائر بكافة أنواعها؟

والجواب هو البعد الاقتصادي والجانب المالي، حيث تعتقد الدول بأنها تجني ثروة طائلة من الضرائب الكبيرة التي تفرضها على السجائر، وهذه الضرائب تُعد جزءاً من الدخل القومي وتثري ميزانية البلاد. ولكن الحقائق المنشورة من المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية تؤكد عكس هذا الاعتقاد، فتفيد التقارير بأن حجم الضرر المادي الناجم عن التدخين والمتمثل في علاج مرضى التدخين وصرف الأدوية المكلفة لملايين المرضى والموت المبكر يفوق كثيراً ويزيد بمعدلات كبيرة المبالغ التي تحصل عليها الدول من ضرائب التبغ.

فعلى سبيل المثال، تؤكد منظمة الصحة العالمية والمعهد الأمريكي القومي للسرطان في التقرير الشامل الذي حصر وحلَّل أكثر من 70 بحثاً علمياً حول التدخين، والمنشور في العاشر من يناير من العام الجاري، بأن التدخين يكلف الاقتصاد الدولي أكثر من تريليون دولار سنوياً، فيقتل 6 ملايين إنسان، وسيرتفع هذا العدد إلى 8 ملايين بحلول عام 2030، في حين أن الدخل الضريبي الذي تحصل عليه الدول من السجائر يُقدر بنحو 269 بليون دولار سنوياً، أي أن الخسائر الاقتصادية والمردودات المالية لبيع السجائر تتعدى كثيراً وتفوق بدرجة ملحوظة الأرباح المالية التي تجنيها الدول عن طريق ضرائب التبغ.  

والآن وبعد هذا التقرير الأممي الجامع والحاسم، هل هناك أي مُبرر اقتصادي، أو غير اقتصادي يدعو الدول إلى استيراد السجائر والسماح لبيعها؟  

والأمر الإيجابي في قضية التدخين وبيع السجائر هو أن هذه الآفة القاتلة نستطيع منعها واستئصالها كلياً من مجتمعنا بجرة قلم فقط، وهو اتخاذ قرار بمنع استيراد السجائر، فلماذا لا نقوم بهذا الأمر البسيط والسهل في بلادنا؟

الجمعة، 3 فبراير، 2017

مؤتمر مايو كلينيك للقلب في البحرين



استمتعتُ كثيراً بالدراسات والأبحاث القيِّمة والمثيرة التي ألقيت في المؤتمر الذي نظمه مركز محمد بن خليفة لأمراض القلب بالتعاون مع مايو كلينيك في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 يناير من العام الجاري.

وأسعدني تنظيم هذا المؤتمر الطبي العالمي على أرض البحرين وتناوله لقضية صحية معقدة ومزمنة بدأت تنتشر في كل أنحاء العالم، واستفحلت وتفاقمت بشكلٍ مشهود في السنوات القليلة الماضية، حيث الزيادة المطردة في جميع أنواع أمراض القلب، سواء على المستوى الدولي، أو على المستوى المحلي، في البحرين.

فقد حذر استشاريو القلب المشاركون في المؤتمر من تزايد نسب الإصابة بأمراض القلب في البحرين خاصة ودول الخليج عامة، وعزو هذا الارتفاع الملموس إلى أسباب متعددة منها أنماط الحياة الخاطئة التي يسير عليها الكثير من المواطنين والتي تتمثل في ارتفاع معدلات التدخين، سواء تدخين سجائر التبغ التقليدية وتعاطي الشيشة، أو مؤخراً استخدام السجائر الإلكترونية، إضافة إلى السمنة المفرطة والبدانة والعزوف عن ممارسة الرياضة البدنية وعدم تناول أنواع الغذاء الصحي بشكلٍ متنوع ومقنن ورشيد. كما كشفت أبحاث المؤتمر عن أن نسبة إصابة مواليد البحرين بالتشوهات القلبية تعادل 7 أضعاف مثلها على المستوى العالمي، حيث تبلغ النسبة في العالم 1.5 لكل ألف مولود بينما تصل في البحرين إلى 13و 14 لكل ألف.

وقد ركزت أبحاث ودراسات المؤتمر على الأسباب التقليدية المعروفة منذ سنوات والتي لها علاقة مباشر بالسقوط في شباك أمراض القلب، ولكن في المقابل لم يتناول المؤتمرون بعمق الأسباب الأخرى المستجدة ذات العلاقة بالتعرض للأسقام التي تصيب القلب.

ففي السنوات الماضية دخل على السطح عامل مهم جداً له علاقة مباشرة وقوية بأداء القلب وله انعكاسات سلبية خطيرة على قيام القلب بوظيفته الحيوية، وهذا العامل هو تدهور مكونات البيئة من هواءٍ وماءٍ وتربة، وبخاصة تلوث الهواء الجوي.

فقد أجمعت الدراسات عن وجود علاقة مباشرة ومتينة بين تلوث الهواء وتلف الأوعية الدموية القلبية ليس بين صفوف الشيوخ أو المرضى والذين يعانون من مشكلات صحية مزمنة فحسب، وإنما بين صفوف الشباب الأصحاء فلذات أكبادنا، حيث يؤدي التلوث إلى ظهور التهابات وتلف في الأوعية الدموية مما يزيد من مخاطر التعرض لأمراض القلب المزمنة والقاتلة، مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكتة القلبية.

وأتمنى من المؤتمرات القادمة سبر غور هذه القضية وإلقاء الضوء على المشكلات الصحية المزمنة التي تنجم عن تلوث الهواء، سواء على القلب أو أعضاء الجسم الأخرى.