الأربعاء، 24 مايو، 2017

مُعضلة الحكومات البريطانية منذ أكثر من 90 عاماً



تتعاقب الحكومات البريطانية وتتوالى منذ اليوم الأول لتطبيق النظام الديمقراطي في بريطانيا بين حزبين لا ثالث لهما في النفوذ وتداول السلطة حتى الآن، وهما حزب العمال وحزب المحافظين.

 

وهناك معضلة عقيمة مُزمنة، وقضية شائكة عَصِيبة تُعرَض على هذين الحزبين في كل دورة حكومية منذ مئات السنين، ولكن الحزبين أبَيْنَ في كل مرةٍ أن يحمِلْنها وأشْفَقن منها ومن ثِقْلها وحمْلها العظيم، وأعبائها الكبيرة، فهذه القضية ليست كباقي القضايا، فهي عصية على الحل الجذري، والعلاج المستدام.

 

فمنذ بزوغ فجر الثورة الصناعية الأولى في بريطانيا في نهاية القرن السابع عشر والبذور الخبيثة لهذه الطامة الكبرى قد دفنت في الأرض، وارْتَوت بالمياه الآسنة الناجمة عن تداعيات هذه الثورة، فبدأت النَبتة في الخروج إلى سطح الأرض، وأخذت تنمو وتكبر رويداً رويداً، ويوماً بعد يوم فتمتد أغصانها وفروعها في كل حدبٍ وصوب، حتى جاءت الثورة الصناعية الثانية فتحولت إلى شجرةٍ عظيمة مهيبة لا تخفى على أحد ولا يمكن تجاهلها، وازداد الوضع سوءاً وتدهوراً، وتفاقمت المعضلة بدرجةٍ مشهودة، حتى تحولت مع الوقت إلى ظاهرةٍ غريبةٍ فريدة من نوعها في المجتمعات البشرية، ويراها الناس أمامهم وبأم أعينهم، ويتحسسون آثارها وتداعياتها على أمنهم الصحي وسلامتهم. 

 

ووصلت هذه المعضلة ذروتها في الرابع من ديسمبر عام 1952 في العاصمة لندن، عندما بدأت السماء تمتلأ بالغَمام فينزل على الأرض كعادته في فصول الشتاء، ثم مع الوقت تتشبع بالضباب الأبيض الكثيف، وفي الحقيقة فإن سكان لندن في البداية لم يُعيروا أي اهتمامٍ بهذا الضباب، فلندن كما تعلمون مدينة الضباب، وهذا الضباب الذي نزل عليهم في ذلك اليوم سيكون، حسب ظنهم وخبرتهم، كمثيلاته لآلاف السنين. ولكن رويداً رويداً، ودقيقة بعد دقيقة، أحس اللندنيون أنه ضباب غير عادي، وليس كالضباب الطبيعي الذي تعودوا على رؤيته والتعايش معه، فالسماء بدأت تُظلم، والهواء تحول من اللون النقي الصافي الأبيض إلى اللون الرمادي القاتم الكئيب، ثم ما لبث أن تحول إلى اللون الأسود المشؤوم المشبع بالملوثات من الدخان الأسود وأكاسيد الكبريت والنيتروجين، فانعدمت الرؤية كلياً، بحيث إنك مع الوقت إذا أخرجتَ يدك من جَيبِك لم تكد تراها، وساعة بعد ساعة انشلتْ الحياة، فتوقفت الحركة المرورية، ولم تخرج وسائل المواصلات العامة من محطاتها، وانعكس كل هذا الوضع البيئي المأساوي على البشر، فبدأوا يتساقطون صَرعى كسقوط أوراق الأشجار في فصل الخريف، فمنهم من قضى نحبه فوراً، ومنهم من هُرع به إلى قسم الطوارئ في المستشفيات فانتقل هناك إلى خالقه، ومنهم من ينتظر فحالفه الحظ فاستجاب للعلاج والدواء. واستمرت هذه الأيام العصيبة لأكثر من سبعة أيام فلم يأت هذا الضباب العقيم على بشرٍ أو حَجرٍ إلا جعله كالرَّميم، فقد مرَّت على اللندنيين هذه الأيام كسنواتٍ طويلةٍ عجاف، فانقشع الضباب القاتل في اليوم الحادي عشر من ديسمبر، وبدأت لندن تحسب موتاها، وتداوي جراحها، وتتساءل كيف نزل عليهم هذا الكرب العظيم؟ 

 

وهذا السؤال حيَّر العلماء لعقودٍ طويلة من الزمن، يحاولون فك شفراته، والتعرف على الملوثات المتهمة بقتل الناس وعدد الضحايا الذي ذهبوا ضحية لهذا التلوث، وقد جاءت الإجابة الشافية عن هذا السؤال بعد قرابة 65 عاماً في البحث المنشور في مجلة وقائع الأكاديمية القومية للعلوم(Proceedings of the National Academy of Sciences) في الولايات المتحدة الأمريكية في 14 نوفمبر 1916، حيث قدر عدد الموتى بنحو 12 ألف، ودخول قرابة 150 ألف إلى المستشفيات، وهلاك أعدادٍ كبيرة من الحيوانات، وأرجع السبب إلى تكون أحماضٍ سامة تحرق الإنسان كحمض الكبريتيك والنيتريك وحمض الهيدرفلوريك، إضافة إلى جسيمات الأمونيا والكربون السامة.

 

وتوالت الأيام والسنون، وتعاقبت الحكومات، ولم تزل المعضلة مستمرة دون حلٍ دائم، وتفرضُ نفسها على كل حكومة منتخبة، فمستوى التلوث، وبالتحديد من أكاسيد النيتروجين والدخان أو الجسيمات الدقيقة تجاوز المعايير والمواصفات الخاصة بتلوث الهواء وبات يُهدد الأمن الصحي للناس، حتى أن الاتحاد الأوروبي فرض غرامةٍ ماليةٍ باهظة على بريطانيا لعدم التزامها بالمواصفات الأوروبية لجودة الهواء، كما رفعت جمعية أهلية هي كلَيَّنتْ إيرْثْ(ClientEarth) عدة دعوات قضائية لإلزام الحكومة على تحسين نوعية الهواء وخفض مستوى الملوثات، وكسبت القضية في كل مرة، حيث أمر القاضي الحكومة البريطانية على تقديم خطتها لمواجهة تلوث الهواء، ولكن في كل مرة تفشل الحكومة في تقديم الخطة في موعدها فتعتذر وتطلب التأجيل، وكان آخرها في 26 أبريل من العام الجاري، حيث بَرَّرتْ الحكومة عدم تقديم برنامجها بحُجة الانتخابات العامة التي ستُجرى في الثامن من يونيو من العام الجاري.

 

وهكذا تُرَحل قضية تلوث الهواء الجوي في لندن، ومدن عالمية أخرى، من جيلٍ إلى جيل، ومن حكومةٍ إلى أخرى، فالجميع يقف مكتوف الأيدي أمام هذه القضية المتشابكة والمعقدة. ولذلك أتمنى من البحرين وضع جودة الهواء كأولوية في البرنامج الحكومي والحزم في تقديم الحلول العملية لعلاجها، حتى لا نضطر إلى ترحيلها إلى الأجيال اللاحقة وتحميلهم هذا العبء الثقيل الذي أَبتْ الأجيال السابقة على حملها وعلاجها.

الأحد، 14 مايو، 2017

الإزدحام يشلُ تنميتنا


بالأمس وأنا ذاهب إلى العمل في الصباح الباكر تمكنْتُ وبنجاح أن أُنهي وجبة إفطار كاملة وأنا في الطريق، وختمتُ الفطور بكوبٍ من شاي الكَرَكْ المعروف. ولست الوحيد الذي يقف أمام هذا المشهد ويمر بمثل هذه التجربة، فهناك عشرات الآلاف من الناس يأخذون فطورهم معهم لتناوله وهم في الطريق أثناء الازدحام المروري الشديد، وعند طول الانتظار، وكثرة التوقف.

 

هذا المشهد، ومشاهد الازدحام والتكدس المروري في جميع شوارع البحرين وطرقاتها وفي معظم الأوقات من الليل أو النهار، لها مدلولات عميقة، وانعكاسات عصيبة على المجتمع البحريني برمته وعلى مستقبل واستدامة عملياتنا التنموية حالياً ومستقبلاً إذا لم ننتبه لها قبل فوات الأوان ونجعلها في مقدمة سلم الأولويات، وإذا لم نُفعِّل الحلول العملية الجذرية الشاملة للقضاء كلياً عليها.

 

فقضية الاكتظاظ المروي يجب أن لا تختزل فقط في البعد المروري، وإنما يجب إجراء دراسات مستفيضة ومتكاملة لكافة الأبعاد والجوانب المتعلقة بها، بدءاً بالجانب السلوكي والأخلاقي للمواطن، ثم البعد البيئي والصحي المتعلق بتدهور نوعية الهواء ونزول الأمراض المزمنة علينا، وأخيراً وليس آخراً البعد الاقتصادي والتنموي.

 

أما من الناحية الأخلاقية والسلوكية، فهناك بعض المؤشرات السلبية التي بدأت تنكشف في المجتمع البحريني حول التأثير المزمن السلبي للسيارات على أخلاق وسلوك السائق البحريني، والواقع المشهود يؤكد أن ازدحام الشوارع بالسيارات وطول الانتظار في الطرقات، قد غَيَّر بالفعل من سلوك المواطن تغييراً سلبياً ملموساً، وبَدَّل من أسلوب تعامله مع الآخرين أثناء السياقة، أو عند وقوع مخالفة مرورية، أو حادثة بسيطة. فالمواطن البحريني الذي كان يُعرف تاريخياً بأخلاقه العالية والفاضلة، ويتميز بِصفَةِ تَحَمل الآخرين والتسامح معهم، وكان يُضرب به المثل دائماً بِسعة صدره ومرونته، ويتمتع بقدرته على التفاهم عند وقوع الخلافات البسيطة، أصبح الآن إنساناً آخراً، وظهرت عليه صفات غير كريمة وغير طيبة، لا نعتز بها.

 

وأما من الناحية البيئية الصحية فهناك إجماع دولي على إفساد السيارات لنوعية الهواء الجوي وتعرض الإنسان لأمراض عضال نتيجة لاستنشاق آلاف الملوثات والمواد المسرطنة التي تنبعث من السيارات. وهناك بعض الحقائق العلمية المتعلقة بهذا الجانب، أُقدمها لكم في النقاط التالية. أما الأولى فهي أن المنظمة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية قد صنَّفتْ الهواء الجوي العادي الذي نستنشقه يومياً بأنه يقع ضمن "المواد المسرطنة للإنسان"، وهذا يؤكد على أن الهواء الجوي يحتوي على ملوثات مسرطنة تنبعث من السيارات خاصة، كالبنزين ومركب البِنْزوبيرين والجسيمات الدقيقة الصغيرة الحجم، واستنشاق الإنسان لهذا الهواء يسقطه على المدى البعيد في شباك أخطر مرض يصيب البشرية ألا وهو السرطان، إضافة إلى أمراض القلب والموت المبكر.  

 

فهذه الأبعاد تنعكس مباشرة على الجانب الاقتصادي التنموي، فعندما تنتظر طويلاً في الطرقات، فهذا من شأنه أن يؤثر عليك نفسياً طوال اليوم، وفي الوقت نفسه فإنك فعلياً تخسر الوقت الثمين الذي من المفروض أن تقضيه في الإنتاج والعطاء والتنمية، كذلك فإن تلوث الهواء من السيارات وانتشار الأمراض والموت المبكر للإنسان نتيجة لهذا التلوث ينعكس أيضاً على المجتمع من الناحيتين الاقتصادية والتنموية، حيث تُنفق الدولة أموالاً طائلة على علاج عشرات الآلاف من المرضى وتخسر عطاءهم وإنتاجهم وهم في ريعان شبابهم، فتتأثر التنمية سلباً، وقد تنشل إذا استفحل الأمر وتفاقمت المشكلة. وقد نشرت منظمة الصحة العالمية تقريراً قدرت فيه الخسائر الاقتصادية السنوية التي تتكبدها الدول نتيجة لتلوث الهواء من السيارات وغيرها من المصادر الكثيرة والمتعددة. فعلى سبيل المثال، تلوث الهواء يكلف خزينة الدولة البريطانية نحو 83 بليون دولار سنوياً، كما أن دراسة أمريكية من معهد ماسشوستس للتكنلوجيا المعروف، قدَّرت كلفة تلوث الهواء على الاقتصاد الصيني بقرابة 112 بليون دولار أمريكي في عام 2007، علماً بأن هذا الرقم أعلى خمس مرات عن الكلفة المقدرة في عام 1975، وهذه التكاليف الباهظة الثمينة على المجتمع الصيني وعلى استدامة العمليات التنموية بسبب تلوث الهواء من السيارات ومن محطات الكهرباء والمصانع، أجبر الصين وللأول مرة في تاريخه أن يعلن الحرب على التلوث.

 

فمُدن العالم الآن أمام تحدٍ تاريخي لم يشهد له التاريخ مثيلاً، فإما أن تواجه التلوث الناجم عن السيارات بحزم وقوة، وإرادة وعزيمة شديدين، فتَحْمي البلاد والعِباد وتستمر التنمية وتؤتي أكلها، وإما أن تتجاهل هذه القضية وتؤخرها إلى أجلٍ غير مسمى، فتخسر مع الوقت البلاد والعباد وتنشل عجلة التنمية. 

 

ونحن في البحرين قد اقتربنا كثيراً من هذه المعادلة الصعبة، وبلغنا منعطف الطريق العصيب، فهل سنسعى لتحقيق تنمية مستدامة لنا وللأجيال اللاحقة، أم أننا فقط نعمل لتحقيق تنمية آنية مُعوقة لا ضمان لاستمراريتها؟

السبت، 6 مايو، 2017

تحذير أُمَمي جديد من التدخين


منذ أكثر من 80 عاماً وعلماء الطب والبيئة والاجتماع يجرون أبحاثاً معمقة ومستفيضة عن الآثار المدمرة لتدخين السجائر من الناحية الصحية، والبيئية، والاجتماعية، والاقتصادية على المجتمعات البشرية، ومنذ أكثر من 80 عاماً والعلماء يكتشفون في كل يوم تهديداً جديداً للتدخين، وبُعداً مميتاً لم يكن في الحسبان ولم يخطر قط على بالهم، فالعلماء لا يصيبهم الملل أو الكلل، ولا ينتابهم اليأس والقنوط، ولا يعتريهم الفُتُورْ في بيان جميع الحقائق وكشف كافة المعلومات التي تحوم حول هذه الآفة المدمرة للبشرية جمعاء، وفضح شركات القتل العَمْد التي تُصر وتتفنن في بيع هذه المنتجات تحت أسماء مختلفة على الأطفال والشباب دون أن يرقُبوا في أحدٍ إلاً ولا ذمة.

 

فها هي اليوم، وبالتحديد في الخامس من أبريل من العام الجاري، تَنْشر المجلة الطبية المعروفة والعريقة "اللانْسِت" بحثاً تفصيلياً شاملاً يغطي 195 دولة من دول العالم حول انتشار تدخين السجائر والأوبئة المترتبة عليه في الفترة من 1990 إلى 2015.

 

فقد توصلت هذه الدراسة التحليلية الدولية إلى أرقامٍ مرعبة ومقلقة للغاية لكل باحث عن الحقيقة، ومن المفروض أن هذه الحقائق التي خَلُصت إليها الدراسة أن تحرك ضمير كل إنسان، سواء من شركات التبغ القاتلة عمداً للناس، أو من رجال النفوذ والسياسة ومتخذي القرار في دول العالم الذين يسمحون ببيع ونشر هذه المنتجات التي تأكل شبابنا في دولنا.

 

ومن هذه الاستنتاجات، وفي عام 2015 فقط، عدد الموتى من التدخين بلغ 6.4 مليون إنسان، أي أن 11.5% من الناس الذين ماتوا كان بسبب التدخين، كما أن الدراسة أكدت أن التدخين يقع في المرتبة الثانية من ناحية خطورته على البشرية والتسبب في الموت المبكر للإنسان والإصابة بالإعاقات، بعد ارتفاع ضغط الدم الذي يعد الخطر الأول على الإنسان.

 

وبالرغم من هذه الاستنتاجات التي تؤكد تهديد التدخين للصحة العامة، إلا أن الجهود الدولية أو القِطرية لا ترقى إلى مستوى ودرجة خطورة التدخين، فأقصى ما توصلت إليها أُمَمْ الأرض تحت مظلة منظمة الصحة العالمية هي الاتفاقية الإطارية حول التحكم في التبغ لعام 2005 والتي صادقت عليها 180 دولة، ولكنها غير صارمة وغير ملزمة للجميع، حيث تقوم كل دولة باتخاذ ما يناسبها من إجراءات وأنظمة حسب ظروفها وسياساتها الداخلية.

 

ولذلك فإنني لا أَتَفهم الأسباب وراء هذا التساهل الدولي أو المحلي، والتعامل اللطيف مع التدخين، فإنني لا أجد أي سبب يقف وراء هذه السياسة اللينة وغير المستدامة. فمن جميع النواحي يفرض التدخين نفسه بأنه ضار وغير مجدي كلياً.

 

فمن الناحية الصحية، فلم أجد إجماعاً دولياً من ناحية الضرر الصحي لأي منتجٍ صنعه الإنسان كما أجد في السجائر، وهذا الاجماع ليس وليد الساعة وإنما منذ أكثر من ستين عاماً، وبالتحديد عندما أعلن المسؤول الأول عن الصحة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية في 12 يوليو عام 1957 بأن تدخين سجائر التبغ يؤدي إلى السقوط في المرض العضال المستعصي عن العلاج وهو سرطان الرئة، واليوم يعيد التاريخ نفسه، وبالتحديد في الثامن من ديسمبر عام 2016، حيث أعلن المسئول الأول حالياً عن الصحة العامة، وبعباراتٍ شديدة وصارمة لا ريب فيها عن مخاطر نوعٍ آخر من السجائر، وعن بدعةٍ جديدة ظهرت مؤخراً في الأسواق وتُعرف بالسجائر الإلكترونية.

 

أما من الناحية الاقتصادية، وهي التي يعتمد عليها معظم رجال السياسة والنفوذ عند اتخاذ القرار، فإنه غير مجدي أيضاً، فكلفة الأمراض والموت المبكر الذي ينجم عن التدخين أعلى بكثير من الضرائب التي يفرضونها على السجائر، فقد أكدت الدراسة المنشورة من منظمة الصحة العالمية والمعهد الأمريكي في العاشر من يناير 2016، بأن التدخين يكلف الاقتصاد الدولي أكثر من "تريليون دولار" سنوياً، في حين أن الدخل الضريبي الذي تحصل عليه الدول من السجائر يُقدر بنحو 269 بليون دولار سنوياً، أي أن الخسائر الاقتصادية والمردودات المالية لبيع السجائر تتعدى كثيراً وتفوق بدرجة ملحوظة الأرباح المالية التي تجنيها الدول عن طريق ضرائب التبغ.

 

ومن الناحية الدينية، فبعد الإجماع الدولي على أن التدخين مُهلك للنفس والجسد، ومفسد للعقل، ومضيعة للمال، ليس على المدخن نفسه فحسب وإنما على الآخرين على حدٍ سواء، فإن معظم المتخصصين في الشريعة الإسلامية أفتوا بحرمة التدخين.

 

ولذلك فإنني في حِيرةٍ من أمري، فلم أجدُ أي مبرر موضوعي، أو حُجة منطقية، أو سبب وجيه لدولنا ودول العالم أَجمع أُقنع به نفسي للسماح بالتدخين.

الأربعاء، 3 مايو، 2017

لا للسياسة في العِلْم



هناك مقولة وتجربة شخصية تحاول الدول الغربية منذ قرون تعميمها على كافة الثقافات المتنوعة في دول العالم، وهي "لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"، أي فصل الدين عن الدولة. وعندما أتوغل في بعض الصفحات التاريخية المظلمة والطويلة للحضارة الغربية أقتنع بأن هذه المقولة وهذا الفكر الذي وصلوا إليه جاء كردة فعل عكسية لمرحلة محددة في تاريخهم، والتي يُطلق عليها بالعصور المظلمة، أو العصور الوسطى، حيث تحولت الكنيسة، وبخاصة الكنيسة الكاثوليكية إلى يدٍ قاسية وظالمة، تبطش بالعلم، وتقمع العلماء وتذيقهم أشد أنواع العذاب، ولعل محاكمة جاليليو وكوبرنيكس وغيرهما تُعد من الأمثلة البارزة على هذا العهد الأسود القاتم والرهيب، وتجَسد الصراع الحاد والعنيف بين رجال الدين ورجال العلم.

والآن وبالتحديد في 22 أبريل من العام الجاري، وتزامناً مع يوم الأرض، انكشفت شعارات غربية جديدة من شعوب الدول المتقدمة والمتطورة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تدعو إلى ما يُوازي المقولة السابقة، وتحيي ذاكرة الحرب التاريخية الغربية بين العلم والدين، ولكن اليوم هي بين العلم والسياسة، وبالتحديد "فصل السياسة عن العلم"، أو "لا سياسة في العلم".

فقد شهدت أكثر من 600 مدينة من مختلف مدن العالم، نواتها العاصمة الأمريكية واشنطن، مظاهرات عارمة، ومسيراتٍ شعبية كبيرة جالت هذه المدن العريقة، أُطلق عليها "مسيرات من أجل العِلم"، وضمت هذه التحركات الجماهيرية أفراداً من مختلف الأحزاب السياسية، والجمعيات الأهلية، والتخصصات العلمية، حيث تزامنت المسيرات مع يوم الأرض في 22 أبريل من العام الجاري.

وفي المقابل، وفي يوم السبت 29 أبريل وتزامناً مع الـ 100 اليوم الأولى لحكم ترامب، خَرجتْ أكثر من 300 مسيرة في مختلف مدن العالم دفاعاً عن أكثر القضايا العلمية البيئية التي دخلت في الدائرة المغلقة لرجال الحكم والسياسة منذ أكثر من 25 عاماً، ومازالت تراوح في مكانها بالرغم من حَسْمِها من ناحية العلم العلماء، والإجماع على واقعيتها ومردوداتها على الإنسان وبيئته واستدامة الحياة على سطح الأرض، وهي قضية التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض.

فهذه الأعداد الغفيرة من البشر التي تركت أعمالها اليومية وأنشطتها العادية لتشارك في هذه المسيرات، لا بد وأنها اقتنعت بأن هناك أمراً جللاً يستأهل التحرك الإيجابي، وأن هناك قضية تعاني من التهديد الفعلي، ولذلك يجب رفع الصوت من أجل هذه القضية والعمل على الوقوف بجانبها.

فقد شَعَرت الشعوب أن العلم والعلماء في خطرٍ حقيقي، وأن هناك ما يهدد موضوعية البحث العلمي واستقلاليته ويُعكر صفاءه ونقاوته ونزاهته عن الأهواء الشخصية، أو الصدامات الحزبية، فقد تفاقمت منذ سنوات ظاهرة توغل رجال السياسة والنفوذ على العلم والعلماء، وتضاعفت الضغوط التي يمارسونها على العلماء من أجل الاصطفاف مع توجهاتهم الفردية، وسياساتهم الحزبية، وبرامجهم الحكومية، كما ارتفعت في السنوات القليلة الماضية وتيرة تسييس القضايا العلمية والمشكلات البيئية، وتسييس نتائج التقارير العلمية والوثائق البيئية التي تصدرها الوزارات، أو الجامعات الأهلية، أو مؤسسات البحث العلمي ومراكز الدراسات التابعة للحكومات، أو الممولة من قبل هذه الحكومات.

فعندما يتم إعداد أي دراسة، أو تقرير علمي من مركز بحثي حكومي، أو جامعة حكومية، فإن المسودة الأولى لهذه الدراسة تُرفع عادة إلى الحكومة للاطلاع عليها ومناقشتها، ثم إقرارها كوثيقةٍ حكومية رسمية مُعتمدة، وإذا كانت الحكومة ائتلافية ومُشَكَّلة من حزبين أو أكثر، فعندها تبدأ لعبة شد الحبل مع هذا التقرير، فكل شخص أو حزب يحاول جر الحبل تجاهه وبما يتوافق مع مصالح حزبه، ويسعى إلى أن تكون استنتاجات التقرير العلمي متوافقة مع برنامجه الحزبي وقناعاته وطموحاته الشخصية المستقبلية، وفي نهاية المطاف يكون التلاعب بالألفاظ، والجُمَلْ، والعبارات، وتنقيحها وتغييرها، حتى تتم أخيراً الموافقة على صيغة توافقية للتقرير العلمي بحيث أنها تتناسب مع أهواء الأحزاب والأشخاص في الحكومة، وليس بالضرورة أن تتوافق مع رأي العلماء والباحثين الذين أعدوا التقرير، وفي خضم هذه التعديلات والتجاذبات قد تضيع المعلومة العلمية الصحيحة، وتختفي الحقيقة عن الناس.

ولذلك أتمنى أن يَترُك رجال السياسة العلماء ليؤدوا دورهم بكل أمانةٍ وصدقٍ وموضوعية، فيعملوا على تطوير المجتمعات البشرية في كافة القطاعات، فيجب عليناً إذن جميعاً تنْزيه ورفع العلم عن المصالح الشخصية، أو الفئوية، أو الحزبية، أي جعل العلم للعلماء، والسياسية للسياسيين، ومنع توغل السياسة على العلم، فكما يعلم الجميع فإن أهواء السياسة، ومصالحها، ومآربها نسبية، ومتغيرة، ومرتبطة بالزمان والمكان.

الجمعة، 28 أبريل، 2017

صفحة سوداء في تاريخ أمريكا



الدول الغربية والشرقية التي لا تقوم على المبادئ الأخلاقية العليا، والقيم الإنسانية السامية، تفعل كل شيء، وتستغل أية وسيلةٍ شرعية كانت أم غير شرعية، محظورة أم مسموحة، من أجل تحقيق التفوق العسكري، والتقدم العلمي البارز، واستتاب الأمن القومي، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة.

وصفحات تاريخهم المعاصر مليئة بالفضائح التي ارتكبوها على شعوبهم وشعوب الدول الأخرى على حدٍ سواء، وأرشيفهم الموجود في مكتباتهم يقطر دماً وينزف جرحاً من شدة ألم ومعاناة الجرائم التي قامت بها أيديهم خلال العقود الماضية.

ودعوني هنا أُقدم لكم مثالاً واحداً فقط من الولايات المتحدة الأمريكية يؤكد صِدق ادعاءاتي، ويثبت منهجيتهم اللاأخلاقية التي يتبعونها دائماً في تسيير أمور الحكم والدولة. 

ففي الفترة من 1929 إلى 1972 أجرتْ حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ممثلة في عدة جهات حكومية في مقدمتها "إدارة الخدمات الصحية" تجارب طبية كلينيكية استخدمت فيها فئران التجارب المخبرية، ولكن هذه المرة كان فئران التجارب من البشر الفقراء غير المتعلمين والمستضعفين في الأرض وعددهم 399 أمريكياً من أصول أفريقية، لا يتمتعون بأي نفوذ، أو سلطة، وليس لديهم من يدافع عن حقوقهم ويحميهم من البشر المفترسين، فهؤلاء يسكنون في مناطق ريفية نائية بعيدة عن الأعين الساهرة وعن مراقبة وسائل الإعلام ومتابعاتهم اليومية، ومن السهولة جداً استغلالهم لمثل هذه الأفعال المشينة غير الإنسانية.

فهؤلاء الفئران البشرية كانوا يعانون من مرض الزهري أو السِفْلِس(syphilis)، ويعيشون في مدينة تسْكِجي(Tuskegee) الصغيرة في مقاطعة ماكون(Macon County) بولاية ألباما المعدومة والمعروفة بارتفاع أعداد سكان السود فيها، حيث أغروهم بعدة وسائل مالية لإدخالهم في تجاربهم السرية الخبيثة حول التعرف على أعراض مرض الزهري على السود خاصة، والتغيرات التي تطرأ على هذه الأعراض منذ الإصابة بالمرض إلى أن ينقلوا إلى مثواهم الأخير. ومن الوسائل المغرية العلاج "الوهمي" المجاني، والمواصلات وتوفير الغذاء والتأمين عليهم بعد الموت للدفن، وعُرفت بعد ذلك هذه التجارب أو الدراسات الميدانية تحت عدة مُسميات منها دراسة السفلس في تسكجي(Tuskegee Syphilis Study).

فقد أُجريت هذه التجارب دون علم المرضى أو موافقتهم، وتم الكذب عليهم بأن هذه التجارب تجرى على دمائهم "غير السليمة"، فبَدأتْ التجارب عليهم واستمرت مراقبة التدهور في حالتهم الصحية بسبب السفلس، وتدوين الأعراض المرضية المختلفة التي تظهر عليهم مع الوقت، والأدهى والأمر من هذا كله والأشد بأساً وتنكيلاً بالجميع، أنه في عام 1947 تم اكتشاف العلاج الناجع والتام لهذا المرض، ويتمثل في استخدام البنسلين(penicillin)، ومع ذلك رفض هؤلاء العلماء السفاحون القائمون على هذه التجارب تقديم البنسلين لهم، بل وأصروا على إكمال تجاربهم ومشاهداتهم، فتركوهم عمداً تحت أنظارهم وأعينهم القاسية وقلوبهم المتحجرة دون رحمةٍ أو شفقةٍ على حالهم المزري الحزين، ومَنَعُوا أي علاجٍ من الوصول إليهم لتستمر معاناتهم الشديدة من آلام وقسوة المرض، ويقاسوا من أعراضه العصيبة، ويمضوا ما تبقى من حياتهم تحت وطأة الموت البطيء الأليم.

وهكذا استمرت معاناة هؤلاء البشر من الشعب الأمريكي أكثر من 25 عاماً، وهم يقاسون من العذاب العصيب، حتى انكشفت هذه الغمة في عام 1972 عندما فضح طبيب من سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا هذه الجريمة النكراء باسم العلم، ونبه إلى الجوانب الأخلاقية والإنسانية، واضطر إلى اللجوء إلى سلطة الإعلام ليوجه تحذيره ويضع حداً لهذه المأساة البشرية، حيث نشرت صحيفة "الواشنطن ستار" أول مقالٍ في 25 يوليو 1972 حول هذا الكرب العظيم، ثم تلتها الصحف الأخرى وحقَّقت فيها السلطات التشريعية، وفي مقدمتها الكونجرس.

ونتيجة لهول هذه القضية على المجتمع الأمريكي برمته، والصدمة الكبيرة التي نزلت على الشعب الأمريكي من ممارسات الحكومة، فقد اضطر الرئيس الأسبق بيل كلينتون من إعلان اعتذارٍ رسمي في 16 مايو 1997 لضحايا التجارب البشرية، حيث قال: "نيابةً عن الشعب الأمريكي، ما قامتْ به حكومة الولايات المتحدة الأمريكية يُعد مخزياً وأنا آسف".

ومنذ أن فاحت رائحة هذه الكارثة البشرية ووصلت إلى الشعب الأمريكي، تحولت إلى هزة ثقافية شملت كافة القطاعات الثقافية والفنية على مستوى أمريكا برمتها، فمنهم من ألَّف الأغاني بكلمات تصف مشاهد معاناة الضحايا، ومنهم من كتب المسرحيات والروايات والمقالات الواقعية، ومنهم من عمل أفلام درامية ووثائقية حول فئران التجارب البشرية، إضافة إلى الحلقات التلفزيونية التي استمرت عدة سنوات.

والطامة الكبرى أن تداعيات هذه الجريمة البشعة لم تنته عام 1972 بظهورها فوق السطح، وإنما هي مازالت حتى يومنا هذا ماثلة أمام الجميع، فهناك من يعانون حالياً من انعكاساتها الصحية العضوية والنفسية، فهؤلاء المرضى الذين تُركوا دون علاج نَقَلوا المرض إلى الآخرين، فكانت الحصيلة إصابة أربعين امرأة من زوجات المرضى، و 19 طفلاً حملوا المرض عند ولادتهم، وهؤلاء الزوجات والأبناء والأحفاد وغيرهم من ضحايا الكارثة أنشئوا الآن مؤسسة خاصة لتخليد ذكرى هذه الفضيحة وكَشْف حقيقة حكومتهم وأسلوب تعاملها مع بعض فئات الشعب، وأَطْلقوا عليها "أصوات إرث آبائنا"(Voices for Our Fathers Legacy Foundation).

فهذا ما كشفتها لنا بعض صفحات التاريخ المعاصر حول تصرفات الغرب لتحقيق العُلو، والسُمو، والسلطة المطلقة على الآخرين، وهناك حالياً صفحات أخرى تُكتب في جنح الليل، وبكتمانٍ شديد وسريةٍ عالية، ولكن سيتم فضحها في السنوات القادمة، فاحذروا وتنبهوا فهم لا يرقُبون في أحدٍ إلاً ولا ذمة.