السبت، 21 مارس، 2015

الإرهاب الفكري في أمريكا


تدَّعي الولايات المتحدة الأمريكية بأنها بلد الحريات المطلقة، وتعظ دول العالم وتوجههم في كل مناسبة إلى الاقتداء بها، ونشر ثقافة حرية التعبير والرأي في كافة المجالات وفي جميع قطاعات المجتمع.

 

ولكي أكون موضوعياً ومُنْصفاً، فإن هناك جزءاً من الحقيقة أمام هذا الزعم، والواقع الذي نشهده يدعم ويتوافق مع هذه الجزئية من الحقيقة، ولكن هذه الحرية التي يدَّعونها ليست مطلقة كلياً، فهناك ضوابط كثيرة تقيد يد هذه الحرية، وبخاصة إذا كانت كما يُصرحون دائماً تتصدى هذه الحرية أو تتعارض مع الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية، أو في كثيرٍ من الأحيان عندما تكون حرية الرأي والتعبير هذه تقف حاجزاً يمنع تحقيق الأهواء والمرامي الحزبية ومصالح الشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تمول الحملات الانتخابية لرؤساء أمريكا وأعضاء مجلس الشيوخ.

 

وهنا أضرب لكم مثالاً صارخاً يؤكد أن حرية التعبير والرأي محظورة في أمريكا عندما تتصادم مع مصالح الحزبين، الجمهوري أو الديمقراطي، أو تؤثر سلباً على استثمار وأرباح الشركات الكبرى، بل وستتأكد من هذا المثال أن هناك إرهاباً فكرياً شرساً يـُمارس في بلد الحريات والديمقراطية في مثل هذه الحالات.

 

فقد نشر مركز فلوريدا للتقارير الاستقصائية(Florida Center for Investigative Reporting) في الثامن من مارس من العام الجاري تقريراً تناقلته وسائل الأعلام الأمريكية والأوروبية، منها المحطة الإخبارية الأمريكية المعروفة سي إن إن وصحيفة الجارديان البريطانية، حيث أفاد التقرير بأن مكتب حاكم ولاية فلوريدا الجمهوري ريك سكوت(Rick Scott) أمر إدارة حماية البيئة التابعة للولاية بشطب وحذف عدة مصطلحات بيئية معروفة من المستندات الرسمية ومنع تداولها واستخدامه من قبل الموظفين والعاملين، وهي مصطلح "سخونة الأرض"، و "التغير المناخي"، و "الاستدامة". وربما يُعزى السبب في هذا الحظر الفكري وتقييد حرية التعبير في أن حاكم ولاية فلوريدا نفسه لا يؤمن بمساهمة الإنسان في التغير المناخي، وينكر أي دورٍ له في هذه الظاهرة المشهودة، فهو يشكك في أن أنشطة الإنسان الصناعية وغير الصناعية لها دور في رفع درجة حرارة الكرة الأرضية وإحداث الكوارث المناخية. ولذلك فهو يفرض رأيه ورأي وأفكار حزبه الجمهوري على الجميع في إدارته، ويـُحدث نوعاً من الإرهاب الفكري لكل من تسول نفسه مخالفة معتقداته.

 

وليس هذا التصرف بالجديد على رجال السياسة في أمريكا، فقد فعله الرئيس الأسبق جورج بوش الابن من قبل عندما قام بتسيس بعض القضايا البيئية العلمية، ومارس ضغوطاً سياسية على العلماء والمفكرين لتغيير مواقفهم وآرائهم لتتوافق مع معتقدات حزبه الجمهوري.

 

ومما يؤكد أن مثل هذه الممارسات المتمثلة في تكتيم الأفواه، ومنع الرأي الآخر، تُعتبر ظاهرة متجذرة في الحياة الأمريكية، وليست واقعة مستقلة وفردية، هي ما حدث في عهد الرئيس الراحل رونالد ريجن، وبالتحديد في عام 1982 عندما مُنع فيلمٌ بيئي من الدخول إلى أمريكا، وتم حظر مشاهدته على كل مواطنٍ أمريكي!

 

هذا الفيلم المحظور تم تصويره ونشره من قبل جهاز البيئة الكندي، وكان عنوانه: ”قصة المطر الحمضي“(Downwind: the Acid Rain Story)، وقامت السلطات الكندية بتوزيع هذا الفيلم البيئي العلمي على دُور السينما المتخصصة لعرضه في كندا، إضافة إلى توزيعه على الدول الأخرى، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية لعلاقتها المباشرة بموضوع الفيلم المتعلق بالمطر الحمضي. وعندما استملت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الفيلم واطلعتْ عليه الأقسام المختصة، قامت بتصنيفه كفيلمٍ دعائي أجنبي يعمل ضد المصالح الأمريكية، وأنه يُشوه سمعة الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا الأساس تم منع دخوله وعرضه.

 

فهذه الأمثلة الدامغة التي ضربتها لكم عبر السنين تكفي للإثبات بأن حرية التعبير والرأي ليست مكفولة كلياً في بلد الحريات والديمقراطية، وأن هناك حدوداً وقيوداً وخطوط حـُمر تقف حجر عثرة أمام هذه الحريات، كما هو الحال في بلادنا العربية، ولكن بدرجاتٍ متفاوتة.

 

 

الاثنين، 16 مارس، 2015

فيلمٌ يُشاهده أكثر من 175 مليوناً!


فيلمٌ ليس كباقي أفلام الإثارة بكافة أنواعها، أو أفلام "الأكشن" والعنف، وبالرغم من ذلك فإنه جذب لرؤيته أكثر من مائة مليون مشاهد خلال الـ 24 ساعة الأولى من عرضه، وبالتحديد أكثر من 175 مليون خلال أول يومين، كما إنه ليس من صناعة وإنتاج مصنع الأفلام الأمريكية والعالمية "هوليود"، لكي يُثير اهتمام هذا العدد غير المسبوق عالمياً من المشاهدين والمهتمين، كذلك هو ليس من الأفلام التي كَلفتْ خزينة المنتجين عشرات الملايين من الدولارات الثمينة، وإنما بلغت كلفة صناعته قرابة 160 ألف دولار أمريكي فقط!

 

إنه فيلم وثائقي مؤثر، طوله 104 دقائق تحت عنوان :"تحت القُبْة"، ونَبَضَ من دَقات قلب الإعلامية والناشطة البيئية الصينية تشاي جينج(Chai Jing) التي أنتجت هذا الفيلم ليحكي قصة المعاناة اليومية الشديدة للمواطن الصيني، ويصور عن كثب الألم المـُدقع والعميق والمرعب الذي يتعرض له في كل ساعة من اليوم نتيجة لتعرضه للضباب المهلك لصحة الإنسان والقاتل للنفس البشرية واستنشاقه لخليطٍ معقد وسام من الهواء الشديد التلوث والخانق الذي لا يمكن تحمله والعيش فيه بسعادةٍ وأمانٍ واستقرارٍ نفسي وجسدي.

 

فجاء هذا الفيلم من فؤاد هذه الإعلامية الصادق والحزين بسبب الطامة الشخصية الكبرى التي نزلت عليها بعد أن أصيبت ابنتها بورمٍ سرطاني في الرئة عام 2013، فوصلت هذه المعاناة الصادقة مباشرة إلى أفئدة الناس، ودقت قلوبهم بشدة، وأثرت على نفوسهم، وأيقظتهم من سباتهم وسكوتهم عن هذا التلوث العام الذي بدأ ينهش في جسد الصينيين شيئاً فشيئا، ويأكل أعضاءهم رويداً رويداً، حتى انكشفت عندهم أكثر من 5000 قرية سرطانية منكوبة.

 

وقد تأثر وزير البيئة الصيني تشين جينينج(Chen Jining) شخصياً عندما شاهد هذا الفيلم وأدلى بتصريحٍ خطير غير متوقع من مسؤول صيني عندما قال: “إنني أتعهد بمواجهة التحديات البيئية غير المسبوقة في التاريخ البشري".

 

فهذا الفيلم يؤكد حَقيقةَ كم خسرت الصين اقتصادياً جراء نموها الاقتصادي المزعوم خلال الأربعين عاماً الماضية، وكم هي التهديدات الواقعية التي لحقت بالبشر والحجر والشجر، فكم خسرت الصين من الضحايا البشرية، وكم من الأطفال والشباب سقطوا صرعى ودُفنوا في القبور وهم في ريعان شبابهم بسبب التلوث، وكم تدمرت الحياة الفطرية من أنهار وبحيرات تحولت إلى مقابر جماعية، مياها آسنة وأسماكها مهلكة، ومن تربة زراعية تحولت إلى سموم لا يمكن الاستفادة منها لإنتاج الغذاء للناس.

 

إنها الحقيقة المـُـرَّة لتجربة النمو في الصين، والتي يجب أن نقف عندها ولا ندعها تفوت علينا دون الاستفادة منها والاتعاظ بتداعياتها المؤلمة.

الأحد، 15 مارس، 2015

الحرب المستمرة للجنود الأمريكيين


تتسابق وسائل الإعلام بكل أنواعها الرسمية وغير الرسمية في نيل شرف السبق والريادة في نقل أخبار المعارك والحروب الساخنة أثناء وقوعها، وعندما تضع هذه الحروب أوزارها، تخفت الأضواء عنها يوماً بعد يوم، ويقل الاهتمام بها رويداً رويدا، ويُسدل الستار عنها فينتقل المشهد إلى موقعٍ آخر، وتتوجه عدسات الكاميرات إلى أحداثٍ أخرى أكثر سخونة، وأشد اهتماماً من قبل الناس، وأكثر جذباً للقراء والمشاهدين.

 

ولذلك فالتداعيات المؤلمة والمدقعة على الجنود والناس والمجتمع برمته والتي تنجم عن هذه الحروب بعد الانتهاء منها تكون عادةً منسية، وتتجاهلها وسائل الإعلام من جانب والجهات الرسمية التي هي أدخلتهم في أتون هذه الحروب المريرة من جانبٍ آخر، فالضحايا من مدنيين وجنود وعسكريين تختفي عنهم أنوار وسائل الإعلام، ويتهاوى الاهتمام بمشاكلهم ومعاناتهم النفسية والعضوية، فيبقون وحيدين يخوضون أهوال هذه المعركة الجديدة، ويقاسون من انعكاساتها وسلبياتها.

 

وهذه الظاهرة تنطبق على عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، وهم الآن ومنذ أكثر من ربع قرن يقعون تحت وطأة معركةٍ شديدة وضارية، قد تكون أكثر شراسة من الحرب التي دخلوا فيها، وهي معركة صحية عضوية نزلت عليهم مباشرة بعد الانتهاء من المعارك الميدانية، ولم يتمكن التقدم الطبي الكبير الذي تتمتع به أمريكا من سبر غور هذه الأزمة الصحية وفك رموز أسبابها ومصادرها وطرق علاجها.

 

فالجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج وعددهم نحو 700 ألف، تعرض الكثير منهم لمحنة جديدة بعد رجوعهم إلى أرض الوطن، وهذا الكرب الذي وقع عليهم لم يكن متوقعاً، فمن المفروض أنهم بعد هذه المعارك المهلكة والمنهكة للجسم والعقل والنفس التي خاضوها أثناء الحرب، أنهم يحصلوا على قسطٍ من الراحة النفسية والعضوية، وأنهم ينالوا فترة من الأمن والدعة والاطمئنان، ولكن هذا ما لم يحدث، ففَورَ وصولهم بدأت تظهر عليهم أعراض مرضية غريبة ومتعددة لم يعهدها الجنود من قبل، منها الإرهاق والشعور بالتعب المستمر، والإحساس بالألم المزمن، والإصابة باضطرابات في المعدة، ومشكلات في الفهم والإدراك والحركة، ومع الوقت ارتفعت أعداد الجنود الذين انكشفت عليهم هذه الأعراض الفريدة من نوعها، حتى بلغ العدد قرابة 54 ألف، ولم يتمكن المجتمع الطبي الأمريكي من إيجاد تفسيرٍ علميٍ طبيٍ لهذا الكم الهائل من الحالات، سوى أنه أطلق عليها بالحالات النفسية التقليدية التي تصيب الجنود نتيجة للإجهاد والصدمات والضغوط التي يتعرضون لها والتي تعرف بضغوط ما بعد الحروب(post-traumatic stress disorder).

 

ومع ارتفاع أصوات الجنود المرضى، واشتداد معاناتهم وزيادة آلامهم، بدأ الكونجرس يتفرغ لهم قليلاً، فشَكَّل لجنة بحثية استشارية خاصة لدراسة هذه الظاهرة، وفي عام 2008 نشرت اللجنة تقريرها وأشارت فيه أن هذه الأعراض المرضية عضوية فسيولوجية، وليست نفسية، وظهرت بسبب التعرض لخليط من الملوثات الكيميائية السامة، منها المبيدات الحشرية، ومنها الأدوية والعقاقير التي أعطيت للجنود لوقايتهم من غازات الأعصاب والقنابل البيولوجية، وأُطلق على هذا المرض الفريد رسمياً بمرض حرب الخليج(Gulf War illnesses)، أو ظاهرة حرب الخليج(Gulf War syn­drome). 

 

وفي الحقيقة فإن الجنود الأمريكيين كانوا ضحية لسياسات البنتاجون الجائرة والخفية ضدهم، فقد تعرضوا أثناء الحرب وبعد الحرب لملوثات كيميائية خطرة لم يعلموا عنها، ولم يُشعروا بها، بل وأُخفيت عنهم هذه المعلومات عمداً تحت مبرر أنها "مهمات سرية"، حيث نشرت مجلة التايمس في 29 أكتوبر 2014 تحقيقاً كشفت فيه هذه الحقيقة، ثم أكدت صحيفة النيويوك تايمس في الثالث من ديسمبر 2014 على هذا الاكتشاف الخطير في المقال المنشور تحت عنوان:"الأسلحة الكيماوية في العراق: إفشاء أسرار البنتاجون المخفية"، وأكدوا فيهما أن الجنود الأمريكيين كانوا يتعرضون لملوثات كيميائية سامة ناجمة عن الأسلحة الكيميائية القديمة في العراق، والتي كانت تتآكل وتتسرب منها السموم، كما تعرضوا لها عند تدميرهم لهذه القنابل والذخائر بمختلف أنواعها وأحجامها.

 

ولذلك فإن هذا المرض الغريب الذي يقاسي منه عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين منذ أكثر من عقدين من الزمن قد يكون بسبب تعرضهم لخليط من الملوثات السامة والخطرة أثناء وبعد الحرب، ولكن البنتاجون لا يريد حالياً أن يفصح كلياً عنها حتى لا يُحدث ذلك ردة فعل قوية، وغضب عارم من قبل الجنود لا تحمد عقباها.

 

 

الأربعاء، 11 مارس، 2015

التغير المناخي يُفَجِّر الثورة السورية


منذ أكثر من ثلاثين عاماً وأنا أبحث في العلاقة بين البيئة وتلوثها والجوانب الحياتية الأخرى، سواء أكانت صحية، أم اقتصادية، أم اجتماعية، أم أمنية، أم سياسية، وكُنت بالأخص أحاول أن أربط بين فساد البيئة من التلوث والظواهر البيئية السقيمة الناجمة عن الملوثات في البر والبحر والجو والبعد الأمني المتعلق بتأثير تفاقم حالة التلوث على استقرار الحكومات وعلى اندلاع أعمال العنف والشغب وزعزعة الأمن على المستوى القومي الوطني والمستويين الإقليمي والدولي.

 

وقد بدأتُ المحاولة الأولى في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم بعد أن زرتُ بعض دول أوروبا الشرقية واطلعتُ عن قرب على الأوضاع البيئية المأساوية التي وصلت إليها وضجر الناس واستيائهم من هذه الحالة التي أصابت صحة بيئتهم وصحة أجسادهم بأضرارٍ شديدة، وعندها نشرتُ مقالاً تحت عنوان: "البيئة تُسقط إمبراطورية"، حيث أشرتُ فيه إلى أن الهموم البيئة المتفاقمة والمتزايدة في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية الواقعة تحت سيطرتها، إضافة إلى المشكلات الأخرى المتجذرة والمتعاظمة منذ عقود في المجتمع، كانت كالعامل المساعد في سقوط الإمبراطورية الشيوعية وتفككها وذهابها مع الرياح بدون رجعة.

 

واليوم أقفُ أمام بحثٍ يُدعم نظريتي، ويُقوي من الرأي الذي يفيد بوجود علاقة بين المشكلات البيئية والأمن وتدهور الاستقرار في الدول، وبالتحديد هنا الحالة السورية، ونُشر هذا البحث في الثاني من مارس من العام الجاري في مجلة أمريكية اسمها "وقائع الأكاديمية القومية للعلوم"، تحت عنوان:"التغير المناخي في الهلال الخصيب ودوره في وقوع الجفاف في سوريا". فهذه الدراسة التي قام بها علماء من جامعة كاليفورنيا في مدينة سنتا باربارا وجامعة كولومبيا المعروفة تُشير إلى أن التغير المناخي نتيجة لأنشطة الإنسان أَسهم في توقف السماء عن إنزال الغيث والمطر في الفترة من عام 2006 إلى 2010، وما تسبب ذلك في نزول الجفاف ونضوب المياه الجوفية وانخفاض مستوى المياه في الأنهار، وبالتالي تدهور النشاط الزراعي في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا ، والذي نجم عنه هجرة نحو مليون ونصف المليون من الناس من الأرياف والقرى الزراعية إلى المدن والمراكز الحضرية بحثاً وطلباً للرزق، إضافة إلى العوامل الأخرى التقليدية التي تُسبب عدم الرضا والامتعاض والسخط عند الناس، كل هذه العوامل والظروف تراكمت وتضخمت مع الوقت فأدت إلى انفجار القنبلة الموقوتة واندلاع الثورة السورية.

 

وليست هذه هي الدراسة الأولى التي تربط بين الحالة السورية والتلوث أو ظاهرة التغير المناخي، وإنما هناك دراسات عدة نشرت من قبل تشير إلى وجود علاقة متينة بين "الربيع العربي" واندلاع أعمال العنف وزعزعة الأمن والاستقرار بشكلٍ عام والظاهرة البيئية المعروفة بارتفاع درجة حرارة الأرض أو التغير المناخي، ومنها الدراسة المنشورة في مجلة "دراسات الشرق الأوسط" في العدد الصادر في يناير 2014 تحت عنوان: "دور الجفاف والتغير المناخي في الانتفاضة السورية: حَل أسباب الثورة"، حيث حاولت الدراسة فك رموز مسببات الثورة السورية ودور الجفاف والتغير المناخي في الانتفاضة التي بدأت شرارتها في مارس 2011. وعلاوة على ذلك، فإن تقرير الأمم المتحدة الصادر من الهيئة شبه الحكومية حول التغير المناخي لعام 2014 وصل إلى استنتاج عام يقول بأن: "مع التغيرات المناخية المتعاظمة، فإن التهديد لأمن الإنسان سيرتفع تدريجياً".

 

ولذلك فإن هناك شبه اجماع عند العلماء أن استفحال التلوث مع الزمن وما ينجم عنه من مظاهر ومشكلات بيئية تنعكس بشكلٍ مباشر على الأمن الصحي للإنسان، تعمل كما يقول المثال "القشة التي قصمت ظهر البعير"، فتكون هي الشرارة الأخيرة التي تُشعل فتيل الأزمات الأمنية، وتُسهم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر في تَولِّد أعمال العنف والشغب، وتؤدي إلى زعزعة أمن واستقرار الحكومات والدول.

 

ولكن السؤال الثاني الذي أطرحه الآن وسأبحث في الإجابة عنه هو: "ما هي نسبة اسهام تدهور البيئة وفساد مكوناتها الحية وغير الحية في تفجر الثورات والانقلابات وأعمال الشغب، مقارنة بالعوامل الأخرى التقليدية المعروفة؟".        

 

السبت، 7 مارس، 2015

كيف نُهيئ البيئة الاستثمارية في البحرين؟


لا شك أن الجميع يقف منبهراً أمام النمو الاقتصادي المشهود الذي حققه الصين خلال العقود القليلة الماضية، ولا ريب أن كل دول العالم تريد أن تقتدي بهذا الأنموذج الصيني العظيم وتحتذي به لتلحق بركب التنمية المتسارع، وتسير بخطى ثابتة وقوية مع قطار النمو على المستويين القومي والدولي.

 

وفي الأيام القليلة الماضية قرأتُ الكثير من التصريحات من قادتنا حول الشروع في تنفيذ إحدى أولويات برنامج عمل الحكومة والمتعلقة بتعزيز وتعميق النمو الاقتصادي لمملكة البحرين من حيث تهيئة البيئة الاستثمارية المناسبة، واستمرار استقطاب كبريات الشركات العالمية من أجل نمو الاستثمار واحتضان الشركات الدولية والشركات متعددة الجنسيات، والقيام بتوفير ودعم كافة عناصر الاستثمار بشكلٍ عام والتي من شأنها تحويل البحرين إلى خيارٍ مفضل لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، سواء أكانت في المجال الصناعي أو التجاري أو الخدمي.

 

ولذلك لا بد لنا من الوقوف أمام هذه التجربة الفريدة والخبرة الصينية في النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار الخارجي، والذي نعاصره ونشاهده أمامنا الآن، لكي نَتَعرف عن قرب على ايجابيات وسلبيات هذه الخبرة، ثم ننقلها إلى بلادنا التي تسعى اليوم لتكرار تجربة الصين في النمو، فنتجنب هفواتها وزلاتها، ونحقق لبلدنا تنمية مستدامة آمنة ومستقرة، تراعي حقوق البلاد، والعِباد، والشجر، والحجر، والماء، والتربة، والهواء.

 

ولا أريد هنا أن أَكُونَ أنا الحَكَمْ على التجربة الصينية، فربما كلامي لن يكون مسموعاً ولن يُلتفت إليه كثيراً، ولكنني سأرجع إلى تصريحات قادة الصين وكبار المسئولين في الحكومة الصينية بدءاً بالرئيس الصيني، ثم رئيس الوزراء وزعماء آخرون، وأُقدم لكم تقييمهم الشخصي عن تجربتهم، وأهم الأخطاء التي وقعوا فيها وعانوا من تداعياتها.

 

أما الرئيس الصيني كساي جينبينج(Xi Jinping)، فقد شدَّد في 22 يناير من العام الجاري قائلاً: "وأنَّ علينَا أن نتعامل مع البيئة بالطريقة نفسها التي نحافظ فيها على حياتنا، وأن البيئة يجب أن لا تعاني من أجل النمو الاقتصادي". ثم جاءت تصريحات رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانج (Li Keqiang) متناغمة ومتطابقة مع تصريحات الرئيس، حيث ألقى كلمة في الخامس من مارس في الاجتماع السنوي الثاني عشر للكونجرس أو المجلس الصيني الشعبي الوطني في العاصمة بكين وأمام 3000 نائب، بَيَّنَ فيها برنامج الحكومة وأهدافها لعام 2014، ولأول مرة حظت البيئة بالأولوية والرعاية والاهتمام إلى جانب النمو الاقتصادي، حيث "أعلن الحرب على التلوث البيئي" قائلاً: "التلوث مشكلة رئيسة، والحكومة ستعلن الحرب على الضباب الملوث للهواء في المدن من خلال التخلص من السيارات الملوثة للبيئة وإغلاق الأفران التي تعمل بالفحم"، وأضاف قائلاً أن: "التلوث هو التحذير والضوء الأحمر للطبيعة بسبب النمو غير الفاعل وغير الكفوء والأعمى في بلادنا، ولذلك فإن تبني سياسة النمو البيئي المعقول ضروري وهام لحياة الناس ومستقبل أمتنا". كذلك أكد نائب رئيس الوزراء الصيني في كلمةٍ ألقاها مؤخراً أن جودة الهواء الجوي ستكون "أولوية الأولويات"، أي أنه قدَّم قضية البيئة والمحافظة على الهواء الجوي وحمايته من الملوثات على كل القضايا الأخرى من سياسية، وأمنية، واقتصادية، مما يؤكد أهمية هذه القضية القصوى وتداعياتها على المجتمع الصيني برمته، وتأثيراتها المباشرة على سمعة وهوية الصين واستدامة النمو الاقتصادي، كما يُثبت هذا الاهتمام غير العادي والكبير لنائب رئيس الوزراء الحالة السيئة والمأساوية التي وصلت إليها البيئة في بكين، وبالتحديد بالنسبة للتدهور الشديد الذي أصاب نوعية الهواء وانعكاساته المباشرة على صحة الملايين من المواطنين والمقيمين في الصين.

 

وبناءً على تصريحات قادة الصين، والتي ذَكرتُ بعضها كأمثلة فقط، أستطيع أن أُجزم بأن الصين الآن بعد تجربة مريرة وقاسية خاضتها طوال السنوات الماضية اعتَرفَتْ بعيوب تجربتها التنموية التي أهملت البيئة تماماً، ولذلك بدأت في وضع البيئة وهمومها وشؤونها نصب أعينها، بل وعلى رأس قائمة الأولويات جنباً إلى جانب مع الاهتمام بالنمو الاقتصادي.

 

ولذلك إذا كُنَّا فعلاً معجبين بالتجربة الصينية ونجعلها قِبْلةً لنا في تحقيق النمو الاقتصادي في بلادنا وتهيئة البيئة الاستثمارية، فعلينا القيام فوراً في حماية كافة موارد وثروات البيئة وصيانتها من كلٍ يدٍ تلوثها وتعبث فيها.

الاثنين، 2 مارس، 2015

هواء العاصمة الصينية غير قابلٍ للحياة!


"هواء العاصمة الصينية بكين غير قابل للحياة"، أو بعبارة أخرى هواء العاصمة الصينية لا يمكن العيش فيه بالنسبة للإنسان.

 

هذه التصريحات لم تأت من ناشطٍ بيئي، أو أكاديمي يـُجري دراسات في الجامعات ومعاهد الأبحاث، وإنما هذه التصريحات الخطيرة التي تُشوه سمعة العاصمة الصينية، وقد تؤثر على الاستثمار والنمو الاقتصادي وتمنع تشجيع الكفاءات في العمل في الصين، جاءت على لسان مسؤول صيني حكومي رفيع المستوى، وهو عُمدة المدينة وانج أنشن، عندما قال في 28 يناير من العام الجاري أن هواء بكين في الوقت الحالي لا يمكن العيش فيه.

 

فمن المعروف أن المسؤولين الصينيين الحكوميين شديدي  التحفظ في الإدلاء بأية تصريحات قد تكون سلبية عن حكومتهم وعن الوضع في الصين، سواء أكان الوضع السياسي، أو الأمني، أو الاقتصادي، أو البيئي، ولكن هذه التصريحات التي أدلى بها عُمدة العاصمة هي وصف لواقع بيئي وصحي مأساوي يشهده الجميع في العالم، سواء الذين يعيشون في الصين أو في خارج الصين، فتدهور الهواء الجوي وموت الناس بسبب تلوث الهواء أصبح ظاهرة لا يمكن إخفاؤها، وحالة يومية لا يمكن تجاهلها والسكوت عنها، فهي واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وعدد الأيام التي تنعدم فيها الرؤية، وتنشل الحياة في شوارع بكين والمدن العريقة الأخرى في تزايد مستمر وملحوظ، ولذلك كان على المسؤول الصيني مواجهة هذا الواقع المؤلم للبيئة والشعب والمقيمين في الصين، والاعتراف بضرره على الاقتصاد والاستثمار وسمعة الصين.

 

والآن يـَحُقُ لي أن أتساءل: ما فائدة النمو الاقتصادي العظيم الذي حققه الصين في العقود الماضية إذا كان هذا النمو قد أنتج هواءً فاسداً لا يمكن أن يعيش فيه الإنسان ويسبب له الموت البطيء، وما فائدة هذا النمو الاقتصادي المشهود إذا ولَّد أنهاراً وبحيرات تحتضر لا روح فيها ولا حياة، وتسبب للإنسان الأمراض المستعصية التي لا يمكن علاجها، وما فائدة هذا النمو الاقتصادي الذي بلغ نحو 12% إذا كان سبباً في تلويث التربة الزراعية والمياه الجوفية بحيث أصبحت غير صالحة للاستهلاك الآدمي، وما فائدة هذا النمو الاقتصادي الذي يُضْرب به المثل إذا أدى إلى ظهور جيلٍ من البشر سقيم وعليل لا يقوي على الإنتاج والعطاء؟

وقد أجاب على تساؤلاتي هذه الرئيس الصيني نفسه كساي جينبينج(Xi Jinping) عندما قال في 22 يناير من العام الجاري مشدداً على أن لا يكون النمو الاقتصادي على حساب البيئة ومصالحها اليومية: "وأنَّ علينَا أن نتعامل مع البيئة بالطريقة نفسها التي نحافظ فيها على حياتنا، وأن البيئة يجب أن لا تعاني من أجل النمو الاقتصادي".

 

فهذه الاعترافات الواضحة من المسؤولين الصينيين على كافة المستويات تؤكد لي أن التنمية التي لا تأخذ هموم البيئة في الاعتبار، ستكون فاشلة، ومردوداتها السلبية على المدى البعيد أكثر من ايجابياتها.

 

 

الأحد، 1 مارس، 2015

ما علاقة المخابرات الأمريكية بالمناخ؟


الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم أية وسيلة لفرض سيطرتها على العالم، وبسط نفوذها وهيمنتها على الجميع، فالغاية عندها تبرر الوسيلة، حتى ولو كانت هذه الوسيلة غير أخلاقية ومنافية للقيم البشرية والمبادئ الإنسانية، فلا صديق دائم لأمريكا ولا عدو دائم، ولا حليف إلى الأبد ولا بغيض إلى الأبد، وفي كل يوم تبحث أمريكا كالشيطان الذي يجري مجرى الدم في الإنسان فيحثه على الشر والمعصية ويزين له المنكرات، عن آلياتٍ وأدوات تدميرية جديدة رُبما لا تخطر على قلب البشر العاديين، ولا يفكر فيها أحد من أجل تحقيق وفرض هذه السيطرة.

 

وها هي اليوم تفكر أجهزة المخابرات الأمريكية، وبالتحديد الـ سي آي إيه في تطوير وإنتاج سلاحٍ فريدٍ من نوعه كأسلحة الدمار الشامل من السلاح الكيماوي، أو النووي، أو البيولوجي، لكي تكون دائماً من الناحية العسكرية متفوقة على دول العالم ومتقدمة عليها كلها، ولها اليد القوية الضاربة التي تستطيع أن تمتد عبر الكرة الأرضية، وهذا السلاح المستقبلي القادم هو "المناخ"، أو "الأسلحة المناخية"، من رياح صرصرٍ عاتية، وأعاصير مُهلكة، وأمطار غزيرة مدمرة، وفيضانات شديدة غارقة.

 

وقد ثارت الشُبهات وانكشفت مؤشرات هذه النية الأمريكية للإفساد في الأرض وتدمير البشر والحجر والشجر من خلال تمويل ودعم أجهزة المخابرات الأمريكية، وبالتحدي الـ سي آي إيه للمجلس الوطني للأبحاث(National Research Council) لإجراء دراسات حول قضية خارجة عن إطار اختصاصها الأمني وأهدافها المعلنة، وهي "المناخ". فقد نُشرت نتائج هذه الدراسات في تقريرين منفصلين في العاشر من فبراير من العام الجاري تحت عنوان: "طرق وتقنيات مقترحة للتدخل في المناخ" أعدهما المجلس الوطني للأبحاث، أو الأكاديمية القومية للعلوم(National Academy of Sciences) وهم العلماء الاستشاريين في مجال العلوم.

 

فالتقرير الأول يُركز على التخلص من ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء من خلال تكثيف الغطاء النباتي لامتصاص هذا الغاز من الهواء، أو استخدام أجهزة تفصل الغاز عن الهواء الجوي، أو زيادة قدرة الكائنات البحرية الدقيقة على امتصاص الغاز وتحويله عن طريق حقن البحار بعنصر الحديد، أو حقن ثاني أكسيد الكربون في المياه الجوفية.

 

أما التقرير الثاني فيتناول زيادة قُدرة السحب على أن تعكس أشعة الشمس من خلال إطلاق جسيمات، مثل جسيمات مركبات الكبريت في الغلاف الجوي، وبالتحديد في طبقة الاستراتسفير، حيث إن هذه الجسيمات تمتص أشعة الشمس وتمنع وصولها إلى الأرض فتخفض من درجة حرارتها.

 

فتمويل المخابرات الأمريكية لمثل هذه الأبحاث المتعلقة بالمناخ تحوم حوله الشكوك، ويثير الفضول، وتدعو إلى الريبة حول نوايا هذا الدعم وأهدافه البعيدة المدى. وبالفعل أبدى بعض الخبراء والأكاديميين الأمريكيين تخوفهم من استخدام المخابرات الأمريكية لتقنيات وطرق التحكم في المناخ المستخدمة في الهندسة الجيولوجية(geoengineering) لأغراض عسكرية وعدائية على الشعوب الأخرى، وتحوير هذه التقنيات لصناعة أسلحة "مناخية" على مستوى الكرة الأرضية. كما كَتَبت العديد من الصحف الغربية مقالات تحذر من نوايا أمريكا الشريرة في التدخل في النظام الكوني المناخي وتحويره وتغييره لأسباب أمنية، منها المقال المنشور في الجارديان في 17 فبراير من العام الجاري تحت عنوان: "هل تستطيع الـ سي آي إيه تحويل المناخ إلى سلاح؟".

 

ولذلك من الواضح لدي شخصياً أن أمريكا تسعى دائماً إلى تطوير وإنتاج وصناعة أسلحة جديدة في سريةٍ تامة لا يعرفها أحد، القريب أو البعيد، لكي تكون لها الريادة والأقدمية في سباق التسلح المدمر، واليوم هي تفكر في الأسلحة المناخية، وربما تعمل على تطوير وإنتاج "قنبلة مناخية" تُسيرها عن بعد لمناطق العدو فتُنزلها عليهم مطراً غزيراً مدمراً، أو عاصفة شديدة تسحق كل شيءٍ يقف في طريقها، أو ترسل عليهم السيْل العَرِمْ أو قاصِفَاً من الريح فتغرقهم جميعاً.