الجمعة، 19 أغسطس، 2016

بَلدْ الضباب



من يقرأ عنوان هذا المقال فلا شك بأنه سيفكر مباشرة بلندن المعروفة تقليدياً بأنها مدينة الضباب، حيث لا تطلع فيها الشمس إلا سويعات من كل يوم وفي أشهر الصيف فقط، ولكنني هنا أتحدث عن بلد الضباب الموجود بين ظهرانينا، وبالقرب منا، ولا يبعد عنا سوى ساعتين من رُكوبك للطائرة، وبدون أن تتحمل بعد المسافة ومشقة السفر.

هذه المدينة الساحرة الجميلة هي صلالة في سلطنة عمان والتي تتميز بمقومات سياحية فريدة من نوعها بين دول الخليج المعروفة في مجملها في أشهر الصيف الطويلة بالهواء الحار والقيظ الشديد، والرطوبة العالية، والبيئات الصحراوية الممتدة آلاف الكيلومترات ودرجة حرارة مياه البحر المرتفعة، ولذلك يشد معظم الناس رحالهم متجهين إلى أوروبا بحثاً عن الجو البارد والبيئات الخضراء.

فقد تمتعت مؤخراً في زيارة خاطفة وسريعة قُمت بها إلى صلالة فلم أر فيها الشمس مدة أربعة أيام ولم أحتاج إلى نظارةٍ شمسية تقي بصري وتحمي عيني من شدة ضوء الشمس وقوته، فالضباب والسحب الكثيفة الثقيلة كانت تحجب أشعة الشمس وتمنعها من الوصول إلينا وتُنزل من درجة حرارة الجو، وقد كانت هذه السحب العالية محملة بأمطارٍ خفيفة كالندى، فتنزل علينا برداً وسلاماً، فتُنعش نفوسنا أمناً، وقلوبنا راحة وطمأنينة، فيشرب بعد نزولها إلى الأرض الطير والكائنات البرية الفطرية، وتروي بها التربة بعد عطش، فتهتز لها الأرض الهامدة وتُنبت بعدها من كل زوجٍ بهيج، فترى المسطحات الخضراء البِكر العذراء بُعد امتداد البصر وكأنها بساط أخضر اللون، وهي متزينة بأنواعٍ مختلفة ومتنوعة من النباتات الفطرية البرية الموسمية والدائمة. وفي المقابل تشاهد أمامك الجبال الراسيات الشامخة الخضراء اللون الممتلئة بالأشجار الباسقات العالية والأعشاب القصيرة التي تحوم من حولها، وإذا ما نظرت إلى أعلى السماء فلا يمكنك مشاهدة قِمم الجبال هذه التي يُغطيها الغمام والضباب الأبيض الناصع البياض.

وهذه الجبال الخضراء تنزل من فوقها ومن أعلى قممها المياه العذب الفرات، فتَجري عبر مجاري هذه الجبال الخلابة وقنواتها إلى الأرض، فتسقط ماءً غير آسن على هيئة شلالات مهيبة تسمع أصواتها من بُعد، ثم تجري أنهاراً غدقاً على الأرض، وتُكونُ بركاً وبحيرات جذابة من هذا الماء الصافي الزلال.

وهذه الأمطار الخفيفة التي تنزل على هذه الأرض المباركة، وهذه الحرارة اللطيفة للجو، تُنبت غابات كثيفة من شتى أنواع الفواكه الطيبة واللذيذة وعلى رأسها أشجار جوز الهند الباسقات ولها طلع نضيد، وأشجار المانجو والرمان والليمون.

وعندما تعيش في هذه الأجواء العليلة بعض الوقت، وتقضي فترةٍ من الزمن مع هذه البيئات الخضراء المتزينة بتغاريد الطيور الغناء التي تكسر صمت الجبال والسهول، وتشم هواءً نقياً صحياً وعليلاً، فإنك حقاً ستشعر براحةٍ نفسية عجيبة لا مثيل لها، وتحس بطمأنينةٍ وأمانٍ وراحة البال، وستعيش حالة من الاسترخاء لا يمكن وصفها والتعبير عنها مهما كُنتُ بليغاً في الكتابة والوصف البياني.  

وفي الحقيقة ما يحتاج مني إلى الإشادة والثناء هو الحفاظ على هذا التراث الفطري الفريد من الحياة الفطرية الحية وغير الحية عبر السنين، وحماية كل مكوناتها وعناصرها كما خلقها الله سبحانه وتعالى من بيئاتٍ جبلية خضراء مزينة بالأشجار والأعشاب، وسهول شاسعة لم تفسدها أيدي البشر، وأنهارٍ وبحيراتٍ وعيون صافية ونقية، ثم نقل هذا التراث العجيب من جيلٍ إلى آخر، وتسليمه لهم دون تدميرٍ أو تشويه أو تغيير في نوعيتها وكميتها.

فهذه الظاهرة التي تتميز بها صلالة تُعد الآن من التحديات الخطيرة والصعبة التي تواجهها الدول عند القيام بالأعمال التنموية، سواء أكانت في قطاع السياحة، أو الصناعة، أو التجارة، أو عمارة الأرض بالمباني والمساكن، وقد فشلت الكثير من الدول أمام هذا التحدي الصعب والمعقد ولم تتمكن من مواجهته، وسقطت في فخ التنمية غير المستدامة، فدمرت الهواء الجوي وتشبع بالملوثات القاتلة والسامة، وقضت على البحر فأكلت جزءاً كبيراً من جسمه وذهبت معها الكائنات الفطرية التي تعيش عليها، وعبثت في العيون الطبيعية حتى انتهت وأصبحت جزءاً من التاريخ البيئي المعاصر فلا يمكن مشاهدتها إلا في أرشيف الكتب القديمة، فأخلت كلياً بالتوازن البيئي الهش الذي خلقه الله ولم يبق الآن من البيئة إلا اسمها ومن الكائنات الفطرية إلا رسمها.      

الأحد، 14 أغسطس، 2016

بين الجَسْرين، وتوجيهات رئيس الوزراء


"بين الجَسْرين" عنوانٌ لمقالٍ نشرته في أخبار الخليج في يناير 1997، ولا أتذكر يوم النشر بالتحديد، وكُنتُ أقصد بالجسرين، جسر الشيخ حمد بن عيسى وجسر الشيخ عيسى بن سلمان الذي افتتح رسمياً في السابع من يناير عام 1997، حيث رأيتُ في هذه البحيرة الجديدة الواقعة بين البحرين كل مقومات السياحة البيئية العائلية التي يمكن الاستفادة منها، وإنشاء مشاريع سياحية وترفيهية عليها.

 

فمن خلال المقال دعوتُ إلى استغلال هذه الدوحة الجميلة التي تتميز بصفاء مائها، وهدوء التيارات البحرية فيها، وضحالة عمقها، وموقعها الاستراتيجي الهام في عمق جزيرة البحرين، وفي وسط المنطقة الحضرية الصاخبة المكتظة بالعمران وحركة السيارات والأنشطة الأخرى، والتي يمكن للجميع الوصول إليها دون تحمل عناء السفر، أو مشقة قطع المسافات الطويلة للوصول إليها، أو صرف أموال باهضة للتمتع بها، فهي يمكنها أن تكون منطقة جذبٍ سياحي للمواطنين والمقيمين في الداخل، إضافة إلى القادمين إلينا من خارج البحرين، وبخاصة بالنسبة للرياضات المائية البحرية كالسباحة، والقوارب بجميع أنواعها وأشكالها، والـ"جِــيتي سكي"، وغيرها من الألعاب الأخرى.

 

وقد غمرني الآن السرور والفرحة الكبيرين عندما قرأتُ مؤخراً عن توجيهات رئيس الوزراء لعمل خطةٍ ميدانية تنفيذية لتطوير هذه المنطقة التي أشرتُ إلى الاهتمام بها قبل 19 عاماً، وجعلها متنفساً للأهالي ومعلماً ترفيهياً وجمالياً وسياحياً، حيث أكد رئيس الوزراء على ضرورة أن تشتمل الخطة على مرافق ومنشآت تتيح للناس فرص الاستجمام والراحة وممارسة مختلف الهوايات والأنشطة وتكون نقطة جذبٍ سياحي عائلي.

 

ولذلك فإنني أدعو مرة ثانية إلى استخدام سياسة واستراتيجة "التنمية المستدامة" لأعمال التطوير في هذه البحيرة، أي التنمية دون تدمير ٍأو إفسادٍ للمنطقة البحرية والحياة الفطرية التي تزخر بها بشقيها النباتي والحيواني، وهذا يعني تنمية المنطقة بيئياً، واقتصادياً، واجتماعياً، دون أن يطغى الجانب الاقتصادي على البعديد الآخرين البيئي والاجتماعي، وبالتحديد فإنني أقترح ما يلي:

أولاً: إعلان المنطقة البحرية "محمية بحرية طبيعية" بمرسومٍ ملكي يوضح فيه حدود المحمية كلها من كافة جهاتها، وتُصدر لها شهادة مسح وتنشر للجميع، حتى لا يتعدى أي مستثمرٍ على حرماتها وحدودها وجسمها البحري والحياة الفطرية فيها، ولا يتم دفن أي شبرٍ منها بحجة "التنمية والتعمير".

 

ثانياً: عدم المساس بهوية البحيرة وخصوصيتها من حيث الحظور الموجودة في البحر حالياً، وعدم التعدي على أساليب الصيد التقليدية الأخرى التي تمارس في هذه البحيرة، فهذه جزء من السياحة البيئية التي يدعو إليها المجتمع الدولي، كما هي جزء هام من تراث البحرين التقليدي البيئي والاجتماعي الذي يجب حمايته والمحافظة عليه، وتثقيف السواح وتوعيتهم بأهمية هذا النوع من الصيد غير الجائر والمستدام.  

 

ثالثاً: وضع لوائح وأنظمة حازمة وصريحة على الأسلوب المسموح استخدامه في التعمير والبناء ونوعية الآليات التي يمكن الاستفادة منها، بحيث يأخذ في الاعتبار تقنيات وأساليب "العمارة البيئية" أو "التصميم البيئي".

 

رابعاً: الاستفادة من تجربة وخبرات إنشاء "محمية دوحة عراد البحرية"، والتي ساهمتُ أكثر من سبع سنوات في السهر على تنفيذها، منذ أن كانت فكرة بسيطة وليدة إلى أن تحولتْ إلى معلمٍ بيئي واجتماعي وترفيهي لكل سكان البحرين وليس لأهالي المحرق فحسب، فهذه البحيرة الجديدة لا تختلف في الكثير من مقوماتها ومعالمها ومميزاتها عن محمية دوحة عراد البحرية. 

 

خامساً: تصنيف المنطقة البحرية الساحلية كـ"مُلك عام"، وليس ملكاً خاصاً يستغله وينتفع به أحد مالكي الفنادق أو المرافق التي ستبنى في المنطقة، فالجميع يجب أن يتمتع بهذه الثروة الطبيعية المشتركة والعامة، والجميع يستفيد من جمال البحر وخيراته الوفيرة، والجميع يستحم فيه ويمارس هواياته البحرية بكل حريةٍ وطلاقة.

 

الثلاثاء، 9 أغسطس، 2016

الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية مازالت مستمرة


الولايات المتحدة الأمريكية دخلت معارك كثيرة وفي جبهات متعددة، وانتصرت في البعض منها، ولكنها ومنذ قرابة خمسين عاماً تعاني من حربٍ ماراثونية فريدة من نوعها كحرب داعس والغبراء، دَخَلت فيها دون إرادتها ودون أي تخطيطٍ مسبق لها، ولم تتمكن حتى الآن من حسم هذه الحرب الضروس لصالحها. وهذه الحرب تختلف كلياً عن الحروب والمعارك التقليدية التي خاضتها من قبل، فهي حرب من نوعٍ آخر جديد دوغت الإنسان الأمريكي ووقف جيشها المتطور الجرار أمامها متحيراً مكتوف اليدين، وكبَّدت الخزينة الأمريكية مبالغ مالية طائلة، فهي إذن حرب حديثة لم يتعود عليها الإنسان، وليست له خبرة طويلة في مكافحتها، إذ لا تُستخدم فيها الدبابات والصواريخ والمدرعات العسكرية القتالية، فأسلحتها مختلفة، وتكتيكاتها لمواجهتها جديدة، والتعامل معها بحاجةٍ إلى أساليب إبداعية مازال العقل الأمريكي المتقدم يجهل معالمها، ولا يعرف الكثير عن تفاصيلها وهويتها.

 

هذه الحرب تبدأ عندما يُدخل الإنسان بإرادته أو عن طرق الصدفة كائناً حياً نباتياً أو حيوانياً في وسطٍ بيئي، كالمسطحات المائية من الأنهار والبحار والبحيرات، وهذا الكائن لا ينتمي أصلاً إلى تلك البيئة، فهو أجنبي ودخيل عليها وعلى كائناتها الفطرية التي تعيش في تلك البيئات منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، فتبدأ هذه الكائنات بغزوٍ عسكري بطيء وهادىء لهذه الأوساط البيئية عندما تتكاثر بشكل طفري كبير وتتزداد أعداها مع الزمن، وعندها تحتل هذه المنطقة كلياً وتقضي على الكائنات الفطرية التجارية وغير التجارية وتهدم النظام البيئي الطبيعي من جذوره وتسبب في وقوع كارثةٍ بيئية واقتصادية وغذائية عامة، تنعكس بشكلٍ مباشر على أنشطة الإنسان التنموية، فيضطر الإنسان إلى إعلان الحرب للدفاع عن نفسه وبيئته ومكتسباته من هذا الغزو الأجنبي والاحتلال القسري.

 

وهذا ما حدث بالفعل في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم في السبعينيات من القرن المنصرم غرس أول بذرةٍ عدائية خبيثة، وأول فتيلة صغيرة أشعلت نيران الحرب عندما قامت أمريكا بتوطين ومنح الجنسية الأمريكية لنوعٍ من الأسماك يعرف بالشبوط أو الكارب الآسيوي(Asian carp)، وذلك من أجل تربيتها وإكثارها في مزارع الأسماك الواقعة على نهر ميسيسيبي العظيم.

 

ولكن مع الوقت لم تمكث هذه السمكة في مكانها، حيث بدأ هذا العدو في غزو بيئاتٍ أخرى غريبة عليه، وبالتحديد في أعماق نهر ميسيسيبي، فبدأ بالعيش والتكاثر في هذه البيئة الجديدة والقضاء على الكائنات الفطرية الأصيلة فيها، ثم مع الزمن احتل مواقع أخرى في بيئات نهرية مجاورة حتى وصل هذا العدو إلى المركز الإقتصادي والغذائي لأمريكا وهو بيئة البحيرات العظمى، فأوقع خسائر عظيمة للثروة السمكية والتوازن البيئي في تلك البحيرات.

 

وبعد أن وصل العدو إلى رئة الاقتصاد الغذائي لأمريكا، عقد البيت الأبيض قمة خاصة في فبراير 2010 أُطلق عليها بقمة سمكة الكارب الآسيوي(Asian Carp Summit) من أجل مواجهة هذا العدو، حيث قررت إدارة أوباما صرف 80 مليون دولار، ثم وافق الكونجرس على تخصيص 300 مليون دولار لهذا الغرض، كما أعلنت وزارة الداخلية الحرب على هذا العدو واتخذت إجراءات حاسمة منها سحب الجنسية والإقامة الدائمة لهذه السمكة وتصنيفها كسمكة ” غازية“، بل وإن هذه السمكة أصبحت مطلوبة حية أو ميتة، ووُضِعت مبالغ مالية مجزية لمن يتمكن من أسرها واصطيادها، ونظمت الجهات المعنية سباقاً سنوياً وخصصت جوائز كبيرة لمن يصطاد أكبر عدد ممكن من هذه السمكة.

 

وعلاوة على كل هذه الإجراءات الدفاعية والهجومية التقليدية، اضطرتْ العقول المفكرة في أمريكا إلى إبداع طرقٍ حديثة لمكافحة هذا العدو غير التقليدي وإنتاج سلاحٍ يقاوم غزو العدو ويوقف إنتشاره وتوسعه في بحار أمريكا، ومنها فصل البيئات المائية بجدارٍ كهربائي يمنع إنتقال وحركة هذا العدو من احتلال مواقع جديدة، وبناء سدودٍ من أجل شل حركته، ومنها أيضاً ما نُشر في 29 يوليو من العام الجاري في مقالٍ في صحيفة النيويورك تايمس تحت عنوان: "أَحْدثُ سلاحٍ يستخدم في القتال ضد سمك الكارب الأسيوي"، ومقال آخر في صحيفة اللوس أنجلس تايمس في 31 يوليو بعنوان:"كيف نكافح سمك الكارب الآسيوي"، حيث اقترح علماء الأحياء اللجوء إلى سمكةٍ أخرى أكثر شراسة من هذا العدو، وأشد قوة وفتكاً منه، وبقدرته القضاء عليه، وهو سمك التمساح أو ما يطلق عليه بوحش النهر، الذي يتميز بقوة بُنيته، وكبر حجمه، وأسنانه الحادة كأسنان سمك القرش.

 

فهل تنجح قوة الولايات المتحدة الأمريكية العظيمة من كَسب هذه الجولة الجديدة من الحرب التي استمرتْ قرابة الخمسين عاماً؟

الأحد، 31 يوليو، 2016

تَجْرُبتي مع هواء لندن


كلما تباعدت أكوام السحب الثقيلة عن بعضها البعض واتسعت المسافات بينها، وكلما انكشف الغمام وانقشع قليلاً في سماء لندن، تمكنت أشعة الشمس الضعيفة والفاترة، وأضواؤها الخافتة أن تجد لنفسها فتحة صغيرة تلج منها فتُلقي بنورها على أرض لندن، وعندها يخرج اللندنيون سِراعاً، زرافاتٍ ووحدانا، ويَنطلقون متجهين إلى السواحل والمسطحات المائية من الأنهار والبحيرات وإلى المتنزهات والحدائق العامة لاغتنام هذه الفرصة النادرة قبل أن تذهب عنهم وتنقشع، والتمتع بخروج الشمس من تحت الغمام الكثيف، والاستلقاء تحت حرارتها الجميلة، والتعرض لأشعتها الدافئة والمفيدة لجلد الإنسان واستدامة حياته الصحية والجسدية.

وكُنت في الأيام الماضية من المحظوظين الذين أُتيحت لهم هذه الفرصة الذهبية أثناء زيارتي إلى لندن، فالجو كان بديعاً وفريداً، غير باردٍ ولا حار، وغير ممطر، فالشمس كانت تسطع علينا باستحياء، وتشرق بين الحين والآخر، ولكن ما لا يُدركه الكثير من الناس هو الانعكاسات البيئية الضارة التي تنجم عن هذه الساعات المشمسة القليلة في لندن وغيرها من المدن.

 

فمنابع التلوث، وبخاصة في لندن كثيرة ومتعددة، وأشدها وطئاً وضرراً على الهواء الجوي وصحة الإنسان هي السيارات التي تمتلئ بها شوارع لندن الضيقة، وتتشبع بها طرقاتها، حتى إنك في الشوارع التجارية أثناء الصباح وعند الانتهاء من العمل لا ترى سوى اللون الأحمر الفريد الذي يُزين هذه الشوارع من الحافلات الحمراء ذي الطابق الواحد أو الطابقين، وتحوم حولها عن يمينها وشمالها سيارات الأجرة المميزة والفريدة من نوعها في ألوانها وأشكالها، وكأنها طوابير النمل الطويلة التي تسير فوق الأشجار، وهذه الأعداد المهولة من السيارات والتي تعمل معظمها بالديزل تمشي ببطءٍ شديد، وبخطواتٍ ثابتة قصيرة جنباً إلى جنب، فتنفث سمومها القاتلة في الهواء الجوي، ومن أخطر هذه السموم على أمن البيئة والإنسان الدخان أو الجسيمات الدقيقة، وأكاسيد النيتروجين، والمركبات الهيدروكربونية المتطايرة، وهذه الملوثات لا تعمل لوحدها عندما تنطلق إلى الهواء وبشكلٍ منفصل ومستقل، ولكنها عند وجود أشعة الشمس تحدث سلسلة معقدة وطويلة من التفاعلات الكيميائية الضوئية وتنتج عنها ملوثات أشد تدميراً لسلامة الإنسان وبيئته وأكثر فتكاً بهما، أي أن ظهور أشعة الشمس على اللندنيين يكون في بعض الأوقات وبالاً ووبائاً، وشراً مُستطيراً مُهلكاً.

فأشعة الشمس تعمل كعامل مساعد على تكوين هذه الملوثات المهددة للجميع، والتي تنكشف مع الوقت في الأفق ويمكن لكل إنسان مشاهدتها بالعين المجردة على هيئة سحبٍ بُنيةٍ صفراء اللون، ويُطلق عليها بالضباب الضوئي الكيميائي، وجدير بالذكر أن هذه المشكلة تتفاقم ويزيد تأثيرها عند انكشاف ظاهرة مناخية تُعرف بالانقلاب الحراري التي تعمل على حبس الملوثات التي تنبعث إلى الهواء الجوي فتؤدي إلى تراكمها مع الوقت، وتمنع انتشارها وتخفيف تركيزها في السماء العالية من فوقنا.

 

وما يحدث في لندن ليس فريداً من نوعه، وليس حدثاً خاصاً بلندن وحدها، فهذه ظاهرة تعاني منها بدون استثناء كل المدن الحضرية التي تقاسي من تضخم أعداد السيارات وتزاحمها في شوارع ضيقة وصغيرة، ونحن في البحرين لسنا ببعيدين عن هذه المشكلة البيئية الصحية القاتلة، فكل مقوماتها موجودة وتزداد سوءاً وضرراً  كل سنة.

 

فالعامل الأول والرئيس هو الزيادة المطردة في أعداد السيارات التي تُسبب لنا يومياً إزعاجاً شديداً وفي كل الأوقات من الليل أو النهار، وتشكل لنا أزمة مرورية خانقة ومشكلة أخلاقية خطيرة، إضافة إلى مردوداتها البيئية والصحية التي لا تخفى على أحد، والعامل الثاني فهذه الأعداد الكبيرة والمتعاظمة من السيارات تسير كلها في شوارع ضيقة نسبياً وفي مساحة جغرافية صغيرة لا تزيد عن 200 كيلومتر مربع، وتتركز في الجزء الشمالي من جزيرة البحرين، وأما العامل الثالث فهو وجود الظاهرة المناخية الطبيعية التي تحدثت عنها، وهي الانقلاب الحراري التي تزيد من الطين بَلَّه، وتجعله أكثر سوءاً وتعقيداً.

  

 

الخميس، 28 يوليو، 2016

هل نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية لجودة الهواء؟


لا بد لي بدايةً أن أُقدم خالص الشكر والتقدير إلى مجلس الوزراء الموقر الذي وضع هموم وشؤون البيئة في جدول أعماله ومن ضمن اهتماماته الرئيسة، حيث قرر المجلس في جلسته التي عقدت في 27 يوليو من العام الجاري وضع استراتيجيةٍ وطنية جديدة لجودة الهواء في مملكة البحرين، وكَلَّف المجلس الأعلى للبيئة بالتنسيق مع الجهات الحكومية ذات الصلة بإعداد مثل هذه الاستراتيجية.

 

وقبل الولوج في تفاصيل هذا القرار، أود أن أَرجع قليلاً إلى الوراء، وبالتحديد إلى قرار مجلس الوزراء في الثامن من أكتوبر 2006 والمتعلق بموافقة المجلس على وثيقة وطنية بيئية هي "الاستراتيجية الوطنية للبيئة"، وهذه الوثيقة التي أَسْهمت شخصياً مع فريقٍ كبيرٍ من العلماء والمتخصصين في شتى مجالات العلوم، بلغ عددهم 64 عالماً، واستغرق إنجازها أكثر من خمس سنوات، لا بد أن نُعطيها وزنها الحقيقي، ونُقدر قيمتها العلمية، ونحيي تنفيذها في أرض الواقع من قبل جميع وزارات وهيئات الدولة، والتي شاركت هي في إعدادها.

 

 فهذه الاستراتيجية القَيِّمة كأنها في تقديري ذهبت مع الريح، ووُضعت مع ملفات الأرشيف القديمة، فأهملنا تطبيقها والعمل بها. فقرار مجلس الوزراء الحالي حول وضع استراتيجية وطنية جديدة لجودة الهواء في مملكة البحرين يجب أن لا ينبع من فراغ، ويجب الرجوع إلى الاستراتيجية الوطنية للبيئة والاستفادة منها، والاعتماد عليها كوثيقة أولية، وجعلها المرجع الأول لاستراتيجية جودة الهواء الجديدة، وبالتحديد الرجوع إلى القسم الثالث منها تحت عنوان :"الوسائط البيئية وإدارة الموارد الطبيعية"، وبخاصة البند الأول حول الهواء، حيث طَرحَتْ الاستراتيجية في هذا البند أهم القضايا البيئية الرئيسة المتعلقة بجودة الهواء، ثم ناقشت الرؤية الاستراتيجية المستقبلية المتعلقة بحماية الهواء الجوي، ووضع معايير ومواصفات تتناسب مع وضع مملكة البحرين وظروفها المناخية والجغرافية.  

 

وفي إطار الاستراتيجية الوطنية الجديدة لجودة الهواء، فأرى ضرورة التركيز على جانبين مهمين. الأول هو المصادر الرئيسة التي تؤثر على نوعية الهواء في سماء البحرين، وبشكلٍ رئيس السيارات التي تزيد أعدادها بدرجةٍ مطردة كبيرة لا تتناسب مع مساحة مملكة البحرين وحجم وأعداد الشوارع، والجانب الثاني فهو معايير جودة الهواء المعمول بها في مختلف دول العالم، مع الاستفادة من الدول الصحراوية والصغيرة الحجم المشابهة لظروف البحرين، والتركيز على تغيير معايير تركيز الجسيمات الدقيقة وغاز الأوزون في هواء مملكة البحرين.      

 

رحلة المخلفات البلاستيكية حول العالم


هل فكرتَ يوماً ماذا سيحدث لأية قطعةٍ مصنوعةٍ من البلاستيك، أو أي نوعٍ من المخلفات البلاستيكية التي ترميها في الأوساط البيئية المختلفة، سواء أكان هذا الوسط البيئي هو البحر، أو البر، أو الهواء الجوي؟

 

فهل ستبقى هذه المخلفات في مواقعها التي تخلصتَ منها، أم أنها ستَسِير في رحلةٍ طويلة ماراثونية وشاقة لا يعرف مصيرها إلا رب العالمين، ولا يدري أحد في أي أرضٍ ستموت ويكون مثواها الأخير؟

 

في الواقع فإن هذه المخلفات البلاستيكية حيَّرت العلماء، ودوخت الباحثين، واحتارت أمامها عقول البشر جمعاء، فهي في طبيعتها مستقرة وثابتة وغير قابلةٍ للتحلل الحيوي عندما نُلقيها ونتخلص منها في الأوساط البيئية، أي أنها تبقى على حالها وعلى ما هي عليها دون أن يطرأ عليها أي تغيير أو تبديل في هويتها، فهي تبقى في بيئتنا خالدة مخلدة كمخلفات بلاستيكية صلبة تطوف أرجاء العالم من بلدٍ إلى آخر، وتحوم حولها في البر كانت، أو في البحر، أو عالقة في الهواء وعلى أفرع الأشجار وأغصانها وأوراقها.

 

وقد اكتشف الباحثون من معهد جرانثام(Grantham Institute) في جامعة إمبريل كولج(Imperial College) المرموقة في لندن أن المخلفات البلاستيكية التي يُلقيها المواطن البريطاني في البيئة البحرية المحيطة ببريطانيا، تنتقل مع الوقت، فتَرْكب مجاناً فوق سطح التيارات البحرية وتَقَفُ عليها، كما نرَكب نحن ونقف على ظهر الأحزمة السيَّارة المتنقلة في المطارات وغيرها لنتحرك وننتقل من موقعٍ إلى آخر، فهذه المخلفات البلاستيكية التي دخلت إلى البيئة البحرية لا تبقى في مكانها ولا تثْبت في موقعها، وإنما أكد هؤلاء العلماء أنها دائمة الحركة والتنقل وفي رحلة مستمرة، حيث إنها في نهاية المطاف، وبعد قرابة العامين تصل إلى مقبرتها ومثواها الأخير في شمال الكرة الأرضية، وبالتحديد في منطقة القطب الشمالي عند بحر بيرنتس(Barents Sea) شمال النرويج، ثم إلى محيط القطب الشمالي حيث تدخل في هذا السجن العظيم وتدور حول نفسها عقوداً طويلة من الزمن، أو أنها تتجمد فتصبح جزءاً لا يتجزأ من الجبال الثلجية. فهناك الآن ملايين الأطنان من المخلفات البلاستيكية التي وصلت إلى هذه البقعة النائية والبعيدة عن البشر وأنشطتهم التنموية فتجمدت وتصلبت مع الكتل الثلجية.

وقد قام هؤلاء الباحثون بنشر وعرض هذا الاكتشاف البيئي المثير في المعرض العلمي الصيفي للجمعية الملكية البريطانية الذي عقد خلال الأسبوع من 5 إلى 10 يوليو من العام الجاري تحت عنوان: “البلاستيك في محيطاتنا". كما صمَّم العلماء وطوروا برنامجاً للحساب الآلي اسمه "مسيرة البلاستيك"(Plastic Adrift)،ويهدف إلى مراقبة ومتابعة خطِ سير أي نوعٍ من المخلفات البلاستيكية التي يلقيها الإنسان في البحر في أي مكانٍ في العالم، ويتعرف على كيفية تحركها من منطقة بحريةٍ إلى أخرى، فيُحَدد رحلتها منذ ولوجها في البيئة البحرية إلى آخر مستقرٍ لها،حتى تبلغ مثواها الأخير.

 

واستناداً إلى نتائج هذه الدراسة والأبحاث الأخرى، أستطيع أن أُحدد مواقع المقابر الجماعية للمخلفات البلاستيكية في الكرة الأرضية بعد أن نتخلص نحن منها، فالمقبرة الأولى تكون في البيئة البحرية، فإما أنها تطفو فوق سطح البحر وتمكث عليها إلى ما شاء الله، كما هو الحال الآن بالنسبة للمقبرة العظيمة التي تحتوي في بطنها ملايين الأطنان من المخلفات بشكلٍ عام، وبخاصة المخلفات البلاستيكية التي تدور حول نفسها في سجنٍ كبير لا يمكنها الخروج منه، وتُعْرف هذه المقبرة ببقعة المخلفات العظيمة في وسط المحيط الهادئ(great Pacific garbage patch)، وإما أن تتكسر وتتفتت إلى قطعٍ أصغر فتنزل في عمود الماء، وتجثم مع الوقت في التربة القاعية تحت أعماق البحار والمحيطات، وتدخل رويداً رويداً في أجسام الحيتان، والسلاحف، والأسماك، والطيور المائية، فتتراكم مع الزمن في بطونها وجهازها الهضمي، وفي نهاية المطاف تصل إلينا هذه المخلفات البلاستيكية الدقيقة والصغيرة الحجم دون أن نعلم عن وجودها واستهلاكنا لها، فتُصيبنا بالأمراض والعلل المزمنة التي لا نعلم كيف نزلت علينا.

 

والمقبرة الجماعية الثانية للمخلفات موجودة حالياً في شمال الكرة الأرضية وبالتحديد في القطب الشمالي، حيث تنتقل المخلفات يومياً عبر الحدود الجغرافية المصطنعة من شتى بقاع الأرض، وبخاصة من البحار الأوروبية، حتى تبلغ في نهاية رحلتها المحيطات الثلجية والكتل المتجمدة فتتغلغل بداخلها وتمكث في بطنها إلى أجلٍ غير مُسمى، وربما عندما تذوب هذه الثلوج بسبب التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، فسَنَرى بحيراتٍ من البلاستيك، وأنهارٍ جارية تمتلئ فيها المخلفات البلاستيكية.

 

ولذلك هل سيأتي علينا اليوم الذي سيتحول فيه كوكبنا إلى مقبرةٍ جماعية واحدة عظيمة للمخلفات البلاستيكية؟

الأحد، 17 يوليو، 2016

18 مليون أمريكي يشربون ماءً مسموماً بالرصاص!


الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من قوتها وعظمتها وتقدمها العلمي والتقني المشهودين، ورُقيها في كافة مجالات الحياة، إلا أنها لا تستطيع أن توفر للشعب أبسط حقوق الحياة الآمنة والسليمة، ولا تستطيع أن تقدم له أهم ما يحتاجه الإنسان لكي يعيش حياة كريمة هانئة بعيداً عن الأسقام والعلل، فهي فشلت في إمداد الشعب بشريان الحياة، إذ لا حياة بدونه، فلم تتمكن من توفير الماء العذب الزلال الخالي من الشوائب والسموم لكل المواطنين في جميع الولايات الأمريكية، علماً بأن توفير مياه الشرب الصحية والنظيفة والآمنة من الواجبات الأساسية لأية حكومة، ومن الخدمات التي يجب أن توفرها كل دولة لمواطنيها والمقيمين على أرضها.

 

فالتقارير التي تَنْشرها الأجهزة الرسمية حول قضية توفير مياه الشرب الآمنة والنقية بدأت تتزايد مع الوقت وكلها تحذر من خطورة الوضع المائي في جميع ولايات أمريكا، وتنبه إلى المخاطر التي تنجم عن إهمال هذه القضية على الجيل الحالي والأجيال اللاحقة، وآخر تقرير خرج إلى الضوء كان في 28 يونيو من العام الجاري من مجلس دفاع الموارد الطبيعية(Natural Resources Defense Council) تحت عنوان: “ما هي الملوثات الموجودة في الماء الذي تشربه؟"، حيث أكدت التحاليل المخبرية التي أُجريت على مياه الشرب في كافة أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2015، أن أكثر من 18 مليون مواطن أمريكي يمثلون 5363 نظاماً مائياً يشمل جميع ولايات أمريكا ويُزود المدن بماء الشرب، أن المياه التي يشربونها لا تتوافق مع المواصفات الخاصة بمياه الشرب، وتتجاوز الحدود الآمنة لمستويات الرصاص والنحاس، أي أن هذا العدد المهول من الشعب الأمريكي يشرب في كل ساعة من حياته طوال اليوم ماءً مشبعاً بالسموم المهلكة التي تتراكم في جسمه يوماً بعد يوم حتى تُرديه صريعاً، فإما أن يُنقل إلى غرفة الإنعاش لتلقي العلاج، وإما أن ينقل إلى مثواه الأخرى.

 

وقبل هذا التقرير المخيف، نَشرت صحيفة "أمريكا اليوم"، أو "يو إس إيه توداي" في 16 مارس من العام الجاري فضيحة كبرى عَرِّت فيها النظام المائي للشرب في الولايات المتحدة الأمريكية وكشفت سوءتها أمام الشعب الأمريكي، فقد أكد تحقيق الصحيفة الذي غطى فترة زمنية من عام 2012 حتى 2015، انتشار ظاهرة ارتفاع تركيز عنصر الرصاص السام في مياه الشرب على مستوى مدن الولايات المتحدة الأمريكية،كما كشف التحقيق على أن هناك نحو 75 مليون وحدة سكنية في أمريكا تم بناؤها قبل عام 1980 ومعظم هذه الوحدات تحتوي على أنابيب أكل عليها الدهر وشرب وقديمة مصنوعة من الرصاص سواء خارج المنزل أو بالداخل، وهذا يعني تعرض المواطن الأمريكي لمياه مشبعة بالرصاص بدرجاتٍ متفاوتة، وهذا بدوره ينعكس على دم الإنسان الأمريكي حيث يتراكم الرصاص في نهاية المطاف في الدم أو في العظام، ويسبب أزمات صحية مزمنة، وبخاصة بالنسبة للأطفال.

 

وهذه القضية البيئية الصحية النكراء ظهرت إلى السطح وانكشفت إلى الرأي العام الأمريكي، وأزيل الستار عنها في عام 2014 في مدينة فلينت بولاية ميتشجان، عندما تبين من خلال الفحص المخبري أن مياه الشرب في المدينة مسمومة بالرصاص وأن دماء معظم أطفال المدينة مشبعة بتراكيز مرتفعة وقاتلة من هذا العنصر الخبيث. وهذه القضية تشعبت كثيراً، وتشابكت تداعياتها، وانتقلت من الحدود الجغرافية الضيقة للمدينة إلى إعلان حالة الطوارئ، ثم قيام الرئيس الأمريكي نفسه مضطراً بِشد الرحال في الرابع من مايو من العام الجاري لزيارة هذه المدينة المَنْكوبة، حيث ألقى خطاباً وصف فيه القضية بأنها "كارثة من صنع الإنسان، وكان يمكن تجنب وقوعها، وكان يمكن منعها"، أي أنه أعطى تصنيفاً خطيراً وعالياً لهذه القضية بوصفه لها بأنها "كارثة".

 

وعلاوة على ذلك، فقد اعترفت وكالة حماية البيئة الأمريكية بهذه الفضيحة الصحية البيئية الكبرى، وقالت:"نحن نعترف بالتحديات القائمة في الالتزام بمعايير الرصاص والنحاس في مياه الشرب"، فوكالة حماية البيئة هي الجهة الحكومية المعنية بالتأكد من سلامة مياه الشرب التي تَصِل إلى المواطن الأمريكي في منزله، أو شقته، وهي أعلنت بما لا يترك مجالاً للشك بأن هناك فعلاً قضية عامة يعاني منها الملايين من الأمريكيين وهي تدهور مياه الشرب وتلوثها بسموم قاتلة، وبالتحديد عنصري النحاس والرصاص.

 

والسؤال الذي أطرحه هو :"كيف لدولة عظيمة ومتفوقة في كافة مجالات الحياة، أن تهمل هذه القضية الحيوية التي تمس صحة كل مواطن لعقود طويلة من الزمن، وبخاصة أطفال أمريكا بالدرجة الأولى؟".

 

والجواب هو في تقديري يكمن في أن علاج هذا التحدي يتمثل في تغيير الملايين من أنابيب الرصاص الموجودة تحت الأرض والتي تُنقل عن طريقها مياه الشرب في معظم مدن أمريكا، وكُلفة هذه العملية أكثر من "تريليون دولار"، فمن أين لهم هذا المبلغ؟