الأربعاء، 22 نوفمبر، 2017

ذَهَبْ في مياه المجاري!


هل سمعتُم أو قرأتم عن وجود الذَهَبْ في مياه المجاري الملوثة وفي مخلفاتها الصلبة وشبه الصلبة القذرة؟

 

وهل يمكن لأغلى عنصر يَستثمر فيه كبار التجار ولا تستطيع النساء الاستغناء عنه أن يكون موجوداً في أقذر مكان على وجه الأرض ومع المياه الآسنة النتنة ذات الروائح الكريهة والمنفِّرة التي يبتعد عنها جميع الناس، وتسعى الدول جاهدة في التخلص منها وتصرف الملايين على معالجتها؟

 

نعم هذا صحيح، فالذهب موجود في مياه المجاري وفي الحمأة أو المخلفات شبه الصلبة التي تنتج عن عملية معالجة هذه المياه! وهذا ما اكتشفه علماء سويسرا الذين يعملون في المعهد السويسري الاتحادي لعلوم وتقنية المياه، وكَتَبتْ عنه وكالة بلومبيرج المختصة أساساً بالأخبار والتحليلات الاقتصادية في 11 أكتوبر من العام الجاري.

 

فقد أَجْرى هؤلاء العلماء تحليلاً شاملاً على مياه المجاري ومخلفاتها الصلبة التي تنتج عن عملية المعالجة في 64 محطة لمعالجة مياه المجاري على مستوى سويسرا كلها للتعرف على تركيز المعادن فيها، وبخاصة المعادن الثمينة التي لها قيمة عالية في السوق كالذهب والفضة والتيتينيوم، واكتشفوا أمراً عجباً لم يتوقعوه أبداً، فقد أكدوا على وجود الذهب والفضة والعناصر الأخرى الثمينة في حمأة مياه المجاري بتراكيز ومستويات عالية جداً تستحق أن تُستخلص من هذه المخلفات العفنة ويُعاد تدويرها وصناعتها وتُعد جدواها الاقتصادية مرتفعة جداً، حيث قدَّروا كمية الذهب سنوياً بنحو 43 كيلوجراماً وقيمتها السوقية قرابة 1.8 مليون دولار أمريكي، كما بلغت كمية الفضة زهاء 3000 كيلوجرام تُقدر قيمتها في السوق بنحو 1.7 مليون دولار أمريكي.

 

إن هذا الاكتشاف المثير يؤكد لنا بأن المخلفات بشكلٍ عام، سواء أكانت غازية أم أم سائلة أم صلبة وشبه صلبة الناتجة عن منازلنا ومصانعنا ليست عديمة القيمة والجدوى الاقتصادية، فنعمل دون تفكير أو تحليل إلى التخلص منها مباشرة كما هي عليها، فهي في الواقع قد تكون مواد خام نُقيم عليها العشرات من المصانع المثمرة التي تشغل الناس في دولنا فتُسهم في حل مشكلة البطالة. فهناك الكثير من المخلفات التي تنتج من أحد المصانع فتُستخدم مباشرة وتُنقل إلى مصنعٍ آخر يقوم على هذه المخلفات، مثل نفايات الكبريت الناتجة من محطات تكرير النفط أو الغاز الطبيعي والتي تنقل إلى مصانع إنتاج حمض الكبريتيك أو غيرها من المصانع التي تستخدم الكبريت كمادة أولية. كذلك هناك مئات المصانع التي تشتغل باستخدام كل عنصر من عناصر القمامة التي تنتج من منازلنا، فتقوم بإعادة استعمالها أو تدويرها، كالورق، والبلاستيك، والألمنيوم، والجزء العضوي من القمامة، والحديد، والمخلفات الإلكترونية.

 

فالمخلفات كما يعرفها الصينيون هي مواد خام لا نعلم كيف نستغلها ونستفيد منها في بعض الأوقات، ففي كل يوم يكتشف العلماء مخرجاً مفيداً واستخداماً نافعاً لهذه المخلفات.

الأحد، 19 نوفمبر، 2017

ثقافة التحايل عند الشركات الكبرى


في كل يوم من حياتي أزداد علماً وخبرة، وفي كل يوم أزداد قناعة بأن الشركات الكبرى والشركات العملاقة متعددة الجنسيات لا يهمها رفاهية البشر وأمنهم الصحي وسلامتهم الجسدية أو سلامة وأمن البيئة التي نعيش عليها جميعاً، فالبوصلة التي يضعونها أمامهم تؤشر على اتجاه واحد فقط وهي النمو الكبير، والربح السريع، وجني المال الوفير على حساب كل شيء آخر، مهما كان، فتحقيق هذه الغاية تبرر القيام بأية وسيلة مهما كانت، شرعية أم غير شرعية، عن طرق الحلال أم طرق الحرام.

 

وفي كل يوم أزداد يقيناً وقناعة بأن أسلوب التحايل والخداع والكذب لا يجدي كثيراً، ولا يدوم طويلاً، مهما ابتدعوا من وسائل شيطانية أو تستروا وأخفوا كذبهم، وأحاطوا عليها كومة ثقيلة من السرية والكتمان، فسرعان ما تنكشف الحقائق، وتنجلي الأسرار، وتنفجر الفضائح في وجوههم.

 

وهذه القناعة مبنية على ما أراه أمامي وأشاهده كل يوم من أمثلة واضحة وضوح الشمس على تجذر ثقافة الكذب، وتعمق سلوكيات التحايل وتغلغلها في عروق هذه الشركات عامة.

 

فاليوم أقف أمام مشهدٍ جديدٍ متجدد، يجسد واقعياً قناعتي ويقيني، ففي 26 أكتوبر من العام الجاري قامت السلطات الاتحادية المعنية بالجرائم على المستوى القومي باعتقال ملياردير أمريكي من ولاية أريزونا، كان يُعد قبل اعتقاله من أغنى رجال الولايات المتحدة الأمريكية، حتى إنه ظهر على صفحة الغلاف لمجلة فوربز(Forbes) المشهورة كأغنى رجال أمريكا وكان ترتيبه السادس في عام 2016. هذا الرجل الذي أودع في السجن الآن اسمه جون كابور(John Kapoor) ومؤسس ومالك لواحدة من أكبر وأنجح شركات صناعة الأدوية على المستوى الدولي(Insys Therapeutics Inc.).

 

فماذا فعل هذا الوجيه المرموق حتى يُعتقل؟ وما هو حجم الذنب الذي ارتكبه والإثم الذي قام به حتى يزج برجلٍ على هذا المستوى في غياهب السجون؟

 

لقد لخص القائم بأعمال النائب العام الأمريكي الأعمال اللاأخلاقية والإجرامية التي قام بها في قائمة الاتهامات الصادرة بحقه في البيان المنشور لوسائل الإعلام في 26 أكتوبر من العام الجاري، حيث قال: "السيد كابور وشركته مُتهمون بتقديم الرشاوى للأطباء، والإفراط في وصف دواء الأفيون الشديد القوة والفاعلية، وتضليل شركات التأمين فقط من أجل الربح".كما جاء في بيان وزارة العدل أن كابور كان "يدير مؤامرة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الربح من خلال تقديم الرشاوى والتحايل للتوزيع غير القانوني لبخاخ الفينتانيل المستخدم لمرضى السرطان".

 

فقد كان هذا التاجر الجشع وزمرته من التنفيذيين الذين يعملون في الشركة والأطباء المتعاونين معه يُسوقون بطرقٍ غير شرعية لدواءٍ يشبه الأفيون ومخصص فقط لتخفيف آلام مرضى السرطان الشديدة والمعروف ببخاخ الفينتانيل(fentanyl) من خلال إنشاء شبكةٍ سريةٍ من الأطباء والصيدليات وتقديم الرشاوى لهم لوصف هذا الدواء المخدر المدمن لأي مريضٍ يشكو من أي نوعٍ من الألم، وتوزيع هذا الدواء المدمن الخطير على أكبر شريحة من الأمريكيين، إضافة إلى تضليل شركات التأمين والتحايل عليهم وتزويدهم بمعلومات خاطئة تجبرهم على تعويض المرضى عن هذه الأدوية، وبذلك فهم كلهم شاركوا في تنفيذ مؤامرة عصيبة واسعة النطاق على الشعب الأمريكي برمته، فحولوه إلى شعبٍ مدمن على هذه الأدوية المخدرة التي تشبه الأفيون، حتى تحول مع الوقت إلى وباءٍ خطير، وآفة مزمنة هددت حياة الملايين من الأمريكيين وقتلت عشرات الآلاف منهم سنوياً إلى درجةٍ لم يشهدها التاريخ الأمريكي من قبل، مما اضطر ترمب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعلان حالة الطوارئ الصحية في 26 أكتوبر بسبب الإدمان على المخدرات عامة والأفيون بشكلٍ خاص.

 

فهذه الإمبراطورية الشامخة التي أسسها رجل الأعمال الأمريكي على ثقافة الكذب والتحايل والتضليل وكسب المال السريع بكل وسيلة من أعلى الهرم إلى أسفله، سُرعان ما انهارت كلياً، وتحطمت إلى أشلاء، وسقطت على الأرض مشلولة لا حركة لها، فقد خسر هذا الرجل ومن معه ماله، وسمعته، وحياته، فقد يُمضي ما تبقى من عمره خلف القضبان وحيداً لا يترحم عليه أحد، ولا يسأل عنه أحد، منبوذاً من الجميع ومن المجتمع برمته.

 

 فهل هناك نتيجة للكذب والتحايل أشد وطأة وتنكيلاً بالإنسان وتجارته وسمعته من هذه الخاتمة السيئة في الدنيا قبل ويلات الآخرة؟ 

 

الأربعاء، 15 نوفمبر، 2017

سياسة خليجية مستدامة في أمن الطاقة


يُسعدني كثيراً ولوج دول الخليج في البوابة المحظورة والمحرمة على الدول النامية والضعيفة التي لا حول لها ولا قوة في ميزان القوى بين الدول الصناعية المتقدمة العظمى، وهي بوابة التقنية النووية عامة، والتقنية النووية الذرية في مجال الطاقة وتوليد الكهرباء بصفةٍ خاصة. هذه التقنية التي تعتبرها الآن الدول الصناعية المتقدمة حِكراً عليها، وخطاً أحمر تمنع أية دولة نامية من تجاوزها وتخطيها، بل وأنشأت في الأمم المتحدة منظمة خاصة أُطلق عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعمل كشرطي ورجل أمن يراقب عن كثب ويحظر فقط على الدول النامية امتلاكها، وبخاصة بالنسبة للطاقة النووية في مجال الاستخدامات العسكرية.

 

فقد أعلن رئيس مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في الكلمة التي ألقاها في المؤتمر الوزاري الدولي للطاقة النووية في القرن الـ 21 والذي عقد في أبوظبي في الأول من نوفمبر من العام الجاري وقامت بتنظيمه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأن المملكة العربية السعودية انطلاقاً من رؤيتها 2030 للتخطيط الاستراتيجي وضمن المشروع الوطني للطاقة الذرية ستبني مفاعلين نوويين بحلول نهاية عام 2018، وسيكون هذا الخطوة الأولى في برنامج المملكة في الطاقة والنووية، ثم تلحقها الخطوة الثانية وهي استخراج وتخصيب خام اليورانيوم وتنقيته بنسبة 5% من أجل إنتاج الوقود النووي محلياً.

 

ومن قبل أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها ستبني أربعة مفاعلات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية ضمن الخطة الاستراتيجية الوطنية للطاقة 2050 التي تهدف إلى زيادة استخدام مصادر الطاقة الصديقة للبيئة بنسبة 50% بحلول عام 2050، علماً بأن أول مفاعل نووي سيبدأ تشغيله بحلول عام 2018.

 

وهذا التوجه السليم والمستدام نحو التقنية النووية يصب ضمن سياسات دول الخليج في مجال أمن الطاقة، والتي تعتمد على عدة أسس وقواعد استراتيجية. أمام الأساس الأول والأهم فهو التنوع في مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية وعدم الاعتماد كلياً على مصدر وحيد، كما كان عليه الحال لأكثر من قرابة 80 عاماً، حيث كان النفط والغاز الطبيعي، أي الوقود الأحفوري الناضب غير المتجدد وغير الصديق للبيئة هو المصدر الوحيد لتوليد الكهرباء. ولذلك مع نضوب النفط رويداً رويداً، وانخفاض أسعاره بمستويات متدنية جداً، إضافة إلى الضغوط البيئية الدولية، وعلى رأسها الاتفاقيات المتعلقة بالتغير المناخي ورفع درجة حرارة الأرض وبالتحديد اتفاقية باريس، كان لا بد من إيجاد البدائل التي تواكب المتغيرات على الساحة البيئية الدولية فتَكُون مصادر متجددة وغير ناضبة لإنتاج الكهرباء من جهة، ولا تنبعث عنها السموم والملوثات التي تؤدي إلى التغير المناخي وتلويث الهواء الجوي من جهةٍ أخرى. فمن ضمن هذا التنوع في مصادر الطاقة هو الطاقة النووية، إضافة إلى الطاقة الشمسية، حيث أعلنت البحرين على إنشاء محطة للطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء بقدرة إنتاجية تبلغ 100 ميجاوات، كما قامت إمارة دبي بإنشاء واحد من أكبر المجمعات في العالم للطاقة الشمسية وهو متنزه محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، كذلك أعلنت شركة مصدر في أبوظبي للطاقة النظيفة والمتجددة بأنها ستبني محطة شمسية لتوليد الطاقة بقوة 800 ميجاوات، على أن يتم توسعتها لتصل إلى 5000 ميجاوات بحلول عام 2030.

 

وفي الحقيقة فإنني هنا أريد أن أوجه أنظار دولنا نحو التقنية النووية بشكلٍ خاص، فهي ذات أبعادٍ أمنية خطيرة، إضافة إلى البعد المتعلق بتنويع مصادر الطاقة، فموازين القوى على المستوى الإقليمي والدولي تُحسب على القوة النووية التي تمتلكها الدول، فهي العامل الفصل الذي يرهب الأعداء ويبعدهم عن التحرش بنا أو ابتزازنا أو التفكير في الاعتداء علينا، فعلينا من هذا المنطلق التوغل بعمق في كافة التفاصيل المرتبطة بهذه التقنية والتعرف عليها عن كثب، وإعداد الكوادر الوطنية المخلصة والمؤهلة والقادرة فنياً وعلمياً على تشغيل، وصيانة، وتطوير هذه التقنية في مجالاتٍ متعددة حتى لا نعتمد على الغرب أو الشرق مستقبلاً ونتمتع بالاكتفاء الذاتي في توليد الطاقة، إضافة إلى القدرة على إرهاب أعدائنا، كما قال ربُنا: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون...".

 

كما إنني أريد أن أُحذر إلى قضية مهمةٍ جداً كتبتُ عنها مراتٍ عديدة وهي متعلقة بالمخلفات النووية التي تنتج عن استخدام الطاقة الذرية، فهي تُعد من أصعب وأكثر المشكلات البيئية والصحية تعقيداً على كافة المستويات، وأشدها تنكيلاً وتهديداً لصحة البيئة والناس، فدول الغرب والشرق العريقة في استخدام التقنية النووية منذ الأربعينيات من القرن المنصرم، مازالت في حيرةٍ شديدة من أمرها بشأن مخلفات وقنابل الدمار الشامل النووية المشعة التي نجمت عن الاستعمال المدني السلمي والعسكري لهذه التقنية، فهي مخزنة على أراضيها وتحت أراضيها ولا تعرف حتى الآن كيف تتعامل معها، فهل نحن أعددنا الخطة المتعلقة بإدارة هذه المخلفات بطرق بيئية وصحية مستدامة؟

الأحد، 12 نوفمبر، 2017

إلى وزارة الصحة، فصحتُنا في خطر


عندما يحدث انفجار إرهابي هُنا أو هناك فيموت عشرات البشر تركض وسائل الإعلام من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لتنقل هذا الحدث وتنال شرف السبق في كشف ملابساته وتداعياته إلى شعوب العالم، وعندما تسقط طائرة على متنها المئات من بني الإنسان، تنتقل الطواقم الإعلامية متحملة مشقة السفر من كل أنحاء العالم إلى موقع الواقعة لتُقدم للناس أدق وآخر التفاصيل. وهذا عمل محمود ومطلوب، فحوادث قتل البشر يجب أن تحظى بالأولوية في النشر والنقل الإعلامي بشكلٍ عام.

 

ولكنني لا أتفهم الانتقائية وعدم الموضوعية والعدالة في نقل والاهتمام بالكوارث والحوادث التي تودي بحياة الناس وتقتلهم على حدٍ سواء، فهناك مصادر ومسببات نعاني منها كل ثانية في كل مدن العالم بدون استثناء وتقضي على الملايين سنوياً من بني آدم، ولكنها في الوقت نفسه لا تحظى بهذه الرعاية الشديدة والتجاوب الفوري السريع، ولا تلقى الاهتمام المباشر الذي يتناسب مع حجم الحَدَث سواء من وسائل الإعلام، أو من المسئولين في الدول.

 

فهناك إجماع دولي، سواء من العلماء والأطباء، أو من منظمات الأمم المتحدة المعنية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية بأن التلوث بشكلٍ عام، وتلوث الهواء بشكلٍ خاص يعتبر التهديد الحقيقي الأول للأمن الصحي للبشر، وتعد الأمراض المتعلقة بالتلوث السبب الرئيس في قتل البشر في كل دول العالم بدون استثناء.

 

والتقارير والدراسات الموثوقة والمنشورة التي تؤكد هذه الحقيقة لا تُعد ولا تحصى، وأُقدم لكم آخر دراسة وأكثرها شمولاً ومصداقية، بحيث إنها غطت معظم شعوب العالم، وبالتحديد شملت 130 دولة، واستغرق إنجازها أكثر من عامين، وقام بها باحثون من مختلف دول العالم. هذه الدراسة نُشرت في مجلة اللانست الطبية المرموقة في العشرين من أكتوبر بالتعاون والتنسيق مع منظمة الصحة العالمية حول دور تلوث الهواء والماء والتربة في قتل البشر على المستوى الدولي، وإسهامه المباشر في القضاء عليهم في سنٍ مبكرة وهم في ريعان شبابهم. فقد استنتجت الدراسة بأن التلوث والأمراض المتعلقة بالتلوث نَقل عام 2015 تسعة ملايين إنسان إلى مثواه الأخير، أي أن التلوث قضى على إنسان واحد من بين ستة، وهذه تمثل 16% من مجموع أعداد الموتى، كما أكدت الدراسة بأن الذين يلقون حتفهم من أمراض التلوث أكثر بثلاث مرات من الذين يموتون بسبب الإيدز والملاريا والسل، وأكثر من 15 مرة من الذين ماتوا في الحروب وأعمال العنف والإرهاب في عام 2015.

 

ولذلك ألا تستحق هذه الإحصاءات المخيفة والأرقام المرعبة أن تثير وسائل الإعلام فتقف وقفة رجلٍ واحد لتغطي فوراً وفي صفحاتها الأولى وعلى مدار الأيام هذه الكارثة التي أَلَّمت ببني البشر وتهدد استدامة حياته على وجه الأرض؟

 

أليس من الأولى من وزارة الصحة في بلادنا وكل بلاد العالم أن تدق ناقوس الخطر فتشمر سريعاً لتواجه هذا الخطر المحدق بالصحة العامة والذي يصيب الجميع سواسية، فلا يفرق بين دولة فقيرة أو غنية، صناعية أو غير صناعية، نامية أو متقدمة؟

 

أليس من الأجدى من وزارة الصحة في بلادنا وجميع دول العالم أن تتبنى إستراتيجية الوقاية والمنع من المرض بدلاً من التركيز بشكلٍ كبير على علاج المرض؟ وأن تتحول في أولياتها وخططها التنفيذية من سياسة العلاج إلى سياسة الوقاية، وبالتحديد العمل مع كافة الجهات المعنية على منع مصادر التلوث بكل أشكالها وأنواعها واجتثاثها جذرياً من مجتمعنا، سواء التلوث الكيميائي، أو الفيزيائي الطبيعي، أو التلوث الحيوي من أوساطه المختلفة في الهواء والماء والتربة؟

 

فقد اقتنع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بهذه الحقيقة العصيبة، ووجه دول العالم قائلاً:"إذا لم تتخذ الدول الإجراءات الضرورية اللازمة لتحسين نوعية البيئة التي يعيش ويعمل فيها الإنسان، فإن الملايين سيتعرضون للأمراض ويموتون وهم شباب".

 

بل وإن القطاعات التنموية الأخرى جميعها متضررة من استفحال التلوث في المجتمع البشري، حتى إن تهديد التلوث بلغ البنك الدولي المعني بالجانب الاقتصادي المالي البحت، حيث أعلن البنك في أبريل من العام الجاري بأن خفض مستوى التلوث بكل أشكاله يجب أن يُعد من الأولويات على المستوى الدولي.

 

وبالتالي فإن من يظن بأنه بمنأى عن عدوى التلوث وأمراضه الكثيرة المستعصية فهو واهم، وينقصه الاطلاع على هذه الحقائق الماثلة أمام الجميع، فالإسراع في اتخاذ الإجراءات الضرورية وتبني مجموعة من الخطوات العملية الحازمة سيحمي أرواح الآلاف من المواطنين، وسيؤجل كثيراً انتقال شبابنا وفلذات أكبادنا إلى مثواهم الأخير.

 

فماذا نحن فاعلون؟        

 

الأربعاء، 8 نوفمبر، 2017

لماذا اعتذرتْ الخطوط الجوية البريطانية؟


نَقلتْ وسائل الإعلام الغربية، وبالتحديد البريطانية خبراً في 19 أكتوبر من العام الجاري مُلخصه بأن الخطوط البريطانية نشرت بياناً رسمياً تعتذر فيه لأسرة كندية مكونة من امرأة وطفلتها البالغة من العمر سبع سنوات كانوا على متن إحدى طائرات الخطوط البريطانية التي أَقلعتْ من فانكوفر في كندا إلى العاصمة البريطانية لندن. 

 

فماذا حدث في هذه الرحلة؟ وهل هناك أمر جَلل قد وقع؟

ولماذا اضطرت الخطوط الجوية البريطانية أن تشوه سمعتها بيدها، وتزعزع مكانتها الدولية المرموقة بين الخطوط الجوية الأخرى فتُقدم اعتذاراً عاماً أمام الملأ، والذي اطلع عليه الناس في كل أنحاء العالم وتناولته معظم الصحف التي اطلعتُ عليها بشيء من التفصيل والتحليل؟

 

ما وقع في تلك الليلة بسيط في ظاهره السطحي، كبير في فحواه وانعكاساته، فلأول وهلة يظن الإنسان بأن ما حدث على متن هذه الرحلة لا يستحق هذه التغطية الإعلامية المكثفة، وربما لا يصل إلى درجة أن تقوم خطوط دولية معروفة وعريقة في الاعتذار عنه.

 

فقد رَكبتْ امرأة كندية وطفلتها على متن هذه الرحلة، وذهبت مباشرة إلى المقعد المخصص لهما، وبُعيد إقلاع الطائرة من مطار فانكوفر الدولي شاهدت هذه المرأة رتلاً من الحشرات الصغيرة جداً البُنية اللون التي تشبه الصراصير المنزلية ولا يتعدى طولها مليمتراتٍ معدودة، ويُطلق عليها بقة السرير أو "الفَامْبير" ومصاص الدماء، وبعد التدقيق في مصدر هذه الحشرات وموقع تحركاتها، أيقنت هذه المرأة المذعورة بأنها قادمة مباشرة من المقعد الذي أمامها، حيث بدأت تزحف رويداً رويداً إلى مقعدها، فانتقلت أولاً جيوش الحشرات على شاشة التلفاز الموجود أمامها، واختفت وراءها محتمية بها، ثم أخذت تسرح وتمرح وتنزل من أعلى المقعد متجهة إليها مباشرة. وعندئذ لم تستطع السيطرة على شعورها بالخوف والتحكم في إحساس القلق الذي انتابها، فضغطت فوراً على الزر المخصص لنداء المضيفة، حيث جاءت بعد لحظات لمعرفة السبب واستجابة لطلب المسافر، فأشارت بإصبعها إلى موكب الحشرات القادم نحوها، ونبهت إلى انزعاجها الشديد من وجودها أمامها وبين ظهرانيها، فقالت المضيفة إنها لا تتمكن من عمل أي شيء، فلا توجد أية مقاعد شاغرة يمكنها الانتقال إليها، فما كان من هذه المرأة إلا أن استسلمت للأمر الواقع، وحاولت أن تأخذ قسطاً من الراحة والنوم لعلها تنسى أَمْر هذه الحشرات، وفعلاً أخذتها سِنة وغفوة قصيرة واستيقظت بعدها على نداء كابتن الطائرة بالنزول التدريجي إلى مطار هيثرو اللندني وربط الحزام استعداداً للهبوط.

 

ولكن بعد استيقاظها رأتْ بأم عينيها ما كانت تتخوف منه وما تخشى على نفسها، فعندما كشفت عن ساقيها وساق ابنتها الصغيرة، شاهدت البُقع الجلدية الحمراء المنتفخة التي ملأت رجلها وفخذها في كل مكان، مما جعلتها تهرع إلى خدمات الزبائن التابعة للخطوط لتُريهم آثار الجريمة التي تركتها هذه الحشرات أثناء الرحلة، ولكن لم تَلْق آذاناً صاغية، ولم يبد الموظفون تجاوباً معها أو اهتماماً بالواقعة الأليمة التي مرَّت بها والتجربة الموجعة التي خاضتها، فاضطرت إلى فضح الشركة أمام العالم من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي، فنشرت الخبر وصور ابنتها وجسدها المشوه بالاحمرار من عضات بقة السرير في التويتر، وهذا ما ألزم المعنيين في الخطوط البريطانية إلى التحرك سريعاً والاعتذار من خلال بيان رسمي جاء فيه: "نحن على اتصال بالمسافر للاعتذار والتحقيق في القضية. الخطوط البريطانية تشغل أكثر من 280 ألف رحلة سنوياً وحوادث مشاهدة بقة السرير على متن هذه الرحلات نادرة جداً، وبالرغم من ذلك فإننا نراقب باستمرار طائراتنا".

 

فهذه الواقعة التي تبدو صغيرة وبسيطة هي مؤشر عملي واضح على ظاهرة عامة وقضية دولية كبيرة ومعقدة هي التنوع الحيوي، وغزو أو استيطان بعض الكائنات الحية النباتية أو الحيوانية التي تعيش في البر أو البحر في بيئات تعتبر غريبة عليها وأجنبية بالنسبة لها، فلم تولد فيها ولم تتكاثر عليها، مما يجعلها في بعض الحالات تسيطر على الكائنات الحية الأخرى فتقضى عليها يوماً بعد يوم وتهدد النظام البيئي برمته، كما يحدث الآن في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعاني منذ عقود من غزو سمكة الكارب الآسيوية لنهر ميسيسيبي والبحيرات العظمى والقضاء على أسماكها التجارية الاقتصادية.

 

فبقة السرير هذه يجب الحذر منها كثيراً فحجمها صغير ولها منقار حاد وطويل نسبياً يخترق جدار الجلد كالإبرة، فتفرز ملوثات تخدر الجلد، ثم تعضك وتتلذذ بامتصاص دمك طوال الوقت وأنت لا تدري ولا تحس بوجودها حتى تشبع من وجبتها، ثم بعد فترة من الزمن تشاهد الاحمرار الشديد والملفت للنظر على جلدك. وهذه الحشرة المؤذية الطفيلية تعودت على السفر مجاناً دون الحاجة إلى تذكرة سفر، أو جواز تنتقل به من دولة إلى أخرى، كما حصل في طائرة الخطوط البريطانية، فهي تدخل في أية قطعة من أدواتك ومعداتك، سواء أكانت حقيبة السفر، أو الملابس، أو الأحذية، وتنتقل معك من الفندق أو المطعم وأنت لا تعلم بوجودها حتى تصل على منزلك فتسكن معك وتستوطن في مخدة النوم، أو البطانية، أو الألحفة والوسائد القطنية، وهناك تبدأ بتكوين أسرة والتكاثر بأعداد مهولة.

 

فنصيحتي إلى جميع المسافرين هي التأكد أن لا تُحضر معك إلى وطنك ومنزلك وأسرتك مفاجأة غير سارة، وأن لا تَحمل معك وأنت لا تعلم ضيفاً ثقيلاً يُنْغص عليك حياتك.

 

 

الثلاثاء، 31 أكتوبر، 2017

الآباء يتعاطون المخدرات والأبناء يُدمنون!


هل سمعتم عن ظاهرة إدمان الجنين على المخدرات عندما يكون نُطْفة أو عَلَقة في رَحم أمه ؟

 

وهل سمعتم عن إدمان الطفل الرضيع البريء بعد خروجه من بطن أمه على المخدرات، بحيث إن هذا الطفل إذا لم تُعط له جرعة من المخدرات فلن يتمكن من البقاء على قيد الحياة؟

 

هذه الظاهرة الكارثية التي انتشرت في العقدين الماضيين واستوطنت في المجتمع الأمريكي برمته، تُعد مؤشراً مشهوداً ودليلاً دامغاً قوياً لا غبار عليه ولا لَبْس فيه على إدمان المجتمع الأمريكي على تعاطي المخدرات بشكلٍ عام وعلى الإدمان على الهيروين والأفيون بشكلٍ خاص، بحيث إنه لم يسلم أي بيتٍ أمريكي، ولم تسلم أية أسرة أمريكية من هذه الآفة العصيبة استناداً على تقرير الهيئة الرئاسية العليا حول "مكافحة الإدمان على المخدرات وأزمة الأفيون" والتي أكدت في تقريرها المنشور في 31 يوليو من العام الجاري على حقيقةٍ بسيطة جداً قائلة "إن هذا الوباء إذا لم يُصبك أنت، أو أحد أفراد عائلتك حتى الآن، فإنه سينزل عليك عاجلاً حتماً وتُصاب به، إذا لم تتخذ الحكومة الإجراءات الصارمة لمكافحته".

 

فهؤلاء الأطفال المدمنون ذنبهم الوحيد فقط أن أُمهم مدمنة على تعاطي المخدرات ومسكنات الألم المدمنة كحبوب الأفيون وغيرها، حيث إنها تنتقل من الأوعية الدموية للمرأة الحامل إلى المشيمة ثم إلى مخ الجنين فتستقر وتتراكم في خلاياه، وعندما يخرج هذا الجنين المسكين من بطن أمه إلى الحياة الدنيا يواجه أول محنةٍ شديدة، وفتنةٍ عظيمة، فتنكشف عليه أعراض مرضية تتمثل في العرق الشديد، والقيء، والبكاء المستمر، وتصلب الجسم، إضافة إلى مشكلات في النوم والأكل.

 

وتشير الإحصاءات الرسمية المنشورة في أكتوبر من العام الجاري من مراكز منع والتحكم في الأمراض، أن هناك طفلاً واحداً مُدمناً على المخدرات يولد كل 25 دقيقة، كما أكد تقرير مجلة "النَشُنل جُويوجرافيك" العريقة في العدد الصادر في سبتمبر من العام الجاري، أن 22 ألف طفلٍ ولدوا مدمنين على المخدرات، وبزيادة قدرها أربع مرات خلال العقدين الماضيين. كذلك نشرت الواشنطن بوست تحقيقاً شاملاً في 16 أكتوبر من العام الحالي وبناءً على تقارير مراكز منع والتحكم في المرض بأن ستة أطفال من بين كل ألف طفل يولدون في أمريكا يكونون مصابين بالإدمان على المخدرات.

 

أما المحنة الثانية التي يواجهها هؤلاء الأطفال هو تخلي أمهاتهم عنهم ونبذهم لهم وهم يعانون في المستشفيات، فيكون بالتالي مصيرهم الانتقال إلى دُور ومراكز تبني الأطفال، حيث ارتفع العدد في هذه المراكز أكثر من 30 ألف في عام 2015 مقارنة بعام 2012.

 

فهذه الزيادة السنوية المطردة في أعداد الأطفال الذين يقاسون من وباء المخدرات هي انعكاس بيِّن وجلي لاستشراء وتجذر آفة تعاطي المخدرات في أعماق كل بيتٍ من بيوت الولايات المتحدة الأمريكية حتى بات ينخر في جسد أمريكا من الداخل، فقد نشرت مجلة التايمس في العدد الصادر في 29 أغسطس من العام الجاري تحقيقاً شاملاً تحت عنوان "الموت بسبب الأفيون يتضاعف منذ 2009 حتى عام 2015"، كما أكدت على هذه الحقيقة المرَّة الدراسة المنشورة في مجلة "سجلات الجمعية الأمريكية للأمراض الصدرية"، حيث أفادت بأن 22 ألف مريض دخلوا وحدة العناية القصوى في 162 مستشفيي في 44 ولاية بسبب جرعة زائدة من الأفيون خلال الفترة من 2009 إلى 2015، كذلك خلال الفترة نفسها زاد عدد الداخلين إلى قسم الطوارئ بنسبة 34%، وأعداد الذين انتقلوا إلى مثواهم الأخير فلقوا حتفهم في المستشفى تضاعف خلال السبع سنوات التي أجريت عليها الدراسة. أما الإحصاءات الإجمالية لتعاطي المخدرات عامة والأفيون خاصة فقد بلغت أرقاماً مخيفة ومفزعة حيث قدَّرت إدارة "خدمات الصحة العقلية وسوء استعمال المواد" في سبتمبر من العام الجاري العدد بنحو 11.8 مليون أمريكي يعانون من الأفيون بطريقة أو بأخرى، منهم قرابة 948 ألف يتعاطون الأفيون، وفي المقابل قدرت صحيفة التليجراف البريطانية في العدد الصادر في 21 أكتوبر أعداد المتعاطين للمخدرات في أمريكا بنحو 20 مليون، يموت منهم يومياً 150.

 

فهذه الطامة الكبرى وحالة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الأمريكي، اضطرت الرئيس الأمريكي ترمب في العاشر من أغسطس إلى إعلان حالة الطوارئ، حيث قال بأن وباء الأفيون في الولايات المتحدة الأمريكية يعد "حالة طوارئ قومية"، كما وصف هذه الآفة قائلاً: "مشكلة خطيرة لم نواجه مثلها من قبل"، كما أضاف: "سنصرف الكثير من الوقت ونبذل الكثير من الجهد والكثير من المال على أزمة الأفيون"، ولكن بالرغم من هذا الإعلان إلا أنه حتى كتابة هذه السطور لم يُصدر بعد ما يفعل تصريحاته على أرض الواقع، وبالتحديد من الناحية التشريعية ومن ناحية تخصيص الأموال اللازمة لمواجهة غزو هذا الغول للمجتمع الأمريكي.

 

فهذا الموت الجماعي البطيء للشعب الأمريكي بسبب المخدرات قد يُعادينا إذا اتبعنا سننهم وتبنينا سلوكهم وثقافتهم ونمط حياتهم، فالخبر المنشور في وسائل الإعلام البحرينية في 21 أكتوبر حول "شاب يقتل والده في قلالي تحت تأثير المخدرات" من المفروض أن يدق عندنا ناقوس الخطر، فنتحرك سريعاً حتى لا نصبح مثل أمريكا.

الاثنين، 30 أكتوبر، 2017

لماذا تأكل الأسماك البلاستيك؟


من المعروف الآن علمياً بأن الأسماك والكائنات البحرية والطيور المائية تأكل المخلفات البلاستيكية بجميع أشكالها وأحجامها وأنواعها، فقد أجمعت الدراسات الميدانية وكشفت عن أنواعٍ متعددة من هذه المخلفات البلاستيكية في بطون  الكائنات البحرية الصغيرة منها والكبيرة وفي الطيور التي تأكل الأسماك، بل وأكدت هذه الدراسات عن وجود مخلفاتٍ بلاستيكية دقيقة متناهية في الصغر ولا تُرى بالعين المجردة في لحوم الأسماك التي تباع في الأسواق ونقوم نحن بشرائها وأكلها مباشرة، أي أن هذه المخلفات البلاستيكية في نهاية المطاف تستقر في بطوننا وتتراكم في أعضائنا في سريةٍ وخفاءٍ شديدين ونحن لا ندري!

 

وقد أثارت هذه الظاهرة العالمية المهددة لصحة الإنسان قريحة العلماء، وشجعت فيهم روح البحث والرغبة في التعرف عن كثب عن أسبابها وسبر غور تفاصيلها ودقائقها، وقد طرح الباحثون أمامهم السؤال التالي: لماذا تأكل الكائنات البحرية المخلفات البلاستيكية وتُفضلها على المواد الغذائية الطبيعية الموجودة في البيئة البحرية؟

 

وقد جاء الجواب عن هذا التساؤل في البحث المنشور في 16 أغسطس من العام الجاري في مجلة وقائع الجمعية الملكية البريطانية(العلوم الحيوية)، حيث أفاد العلماء بأن المخلفات البلاستيكية عندما يتم التخلص منها في البيئة البحرية تتفتت مع الوقت وبفعل الظروف المناخية القاسية من ضوء وحرارة الشمس والتغيرات البحرية من تيارات ورياح إلى قطعٍ أصغر فأصغر، وهذه القطع تُعد بيئة صالحة وغنية وثرية لنمو الكائنات البحرية النباتية، وبخاصة الطحالب، وهذه الطحالب مع الوقت تنمو وتتكاثر بسرعةٍ عالية وبدرجةٍ كبيرة فتغطي سطح القطعة البلاستيكية برمتها، كما أنها في الوقت نفسه تُفرز مواد كيميائية عطرة وتنبعث منها روائح نفاثة وقوية تجذب الكائنات البحرية، وبالتحديد السلاحف والأسماك الصغيرة منها والكبيرة، فتجري نحوها بسرعة شديدة وتحوم حولها حُباً للاستطلاع والاستكشاف، فتحسبها وجبة شهية دسمة لذيذة لا تُفوت، فتقوم أخيراً بالتهامها وأكلها، كما إن هذه الروائح القوية تجذب الطيور المائية وتغريها وتحفزها على أكلها واستهلاكها مباشرة.

 

فهذه المخلفات البلاستيكية الزكية ذات الروائح القوية وبطعم الطحالب اللذيذة والشهية تُغري الكائنات البحرية فتُفضل أكلها كوجبة غذائية على المواد الغذائية الطبيعية التي خلقها الله في البيئة البحرية ضمن التوازن الغذائي الطبيعي والسلسلة الغذائية التي تنتهي ببني البشر.