الأحد، 30 أغسطس، 2015

مرضٌ يضرب نيويورك


الآلاف من المواطنين الأمريكيين، معظمهم من الجنود السابقين، حزموا أمتعتهم، وحملوا حقائبهم وشدوا الرحال، وودعوا أهاليهم متجهين إلى مؤتمرٍ روتيني يُعقد سنوياً في إحدى الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يعلم هؤلاء الجنود الأمريكيين أن هذه المرة سيكون الحال مختلفاً عن السنوات السابقة، وأن وداعهم لأقربائهم وذويهم سيكون الوداع الأخير، وستكون آخر مرة سيرون فيها هؤلاء الأحباب والأقارب من أسرهم.

 

فقد شارك زهاء 4000 أمريكي من جميع ولايات أمريكا في الاجتماع السنوي الـ 58 للجَحْفَل، أو الفَيْلَق الأمريكي"(American Legion)، والذي عُقد في الفترة من 21 إلى 24 يوليو 1976 في فندق خمسة نجوم اسمه بيلفيو ستراتفورد(Bellevue-Stratford) الواقع في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، وقد تم اختيار المكان والزمان ليتوافق ويتزامن مع احتفالات أمريكا بمرور مائتي عام على توقيع إعلان استقلال أمريكا، وولادة الولايات المتحدة الأمريكية في فيلادلفيا عام 1776.  

 

ولكن بعد ختام المؤتمر ومغادرة الوفود إلى مساكنهم، وقع أمر غريب لم يكن في الحسبان ولم يخطر على بال أحد، وفاجأ الجميع وباغتهم وأخذهم على حين غرة، فقد بدأ بعض المشاركين في السقوط مرضى وأصابتهم وكعة شديدة، وظهرت عليهم أعراض مرضية غريبة لأول مرة، وتمثلت أولاً في الحرارة المرتفعة، وآلام في الصدر، والشعور بالتعب وآلام في العضلات، وفقدان الشهية، ثم بعد هذه الأعراض البسيطة، بدأ المرضي يعانون من ضيق التنفس الحاد، فسقط منهم 34 صرعى ولقوا حتفهم ونقلوا إلى مثواهم الأخير، والبعض الآخر وعددهم 221 تمكن الأطباء من علاجهم وتقديم الدواء المناسب لهم.

 

فهذه الحالة المرضية الجديدة والمفزعة، حيَّرت علماء أمريكا وأطباؤها وألقت الرعب والهلع في قلوب المشاركين في الاجتماع من جهة وفي نفوس باقي المواطنين من جهةٍ أخرى، ولم يفك الأطباء خيوط لغز هذا المرض إلى بعد مضي أكثر من عامٍ على سقوط الضحايا البشرية، حيث تأكد لهم أن هناك نوعاً جديداً من البكتيريا لم يكتشفه الإنسان من قبل ويعيش في المياه الدافئة والرطبة، وينتقل إلى الإنسان عن طريق استنشاق رذاذ وبخار الماء، وأن هذا النوع الجديد هو المتهم بجريمة القتل ويقف وراء سقوط الناس صرعى، وأُطلق عليه بكتيريا اللجينولا(Legionella) أو البكتيريا الفَيْلَقِيَّة، نسبة إلى اجتماع الفَيْلق(اللِيجن) الأمريكي في فيلادلفيا، كما سُمي المرض أيضاً الليجينولوسيس(legionellosis)، وهو نوع من أنواع النيمونيا، أو الإلتهاب الرئوي الحاد.

 

والغريب أن مشهد مصرع الأمريكيين في يوليو 1976، يتكرر الآن وفي الشهر نفسه وكأنما التاريخ يعيد نفسه ولا يريد الإنسان أن يستفيد من زلاته وهفواته، ولكن هذا المشهد الجديد وقع في العاشر من يوليو عام 2015، أي بعد مرور 39 عاماً على المشهد الكارثي الأول، فقد سقط خلال أقل من شهر منذ اكتشاف هذه العلة القاتلة 12 مواطناً أمريكياً من مدينة نيويورك ضحية لهذا المرض، كما مرض أكثر من 120 منهم وأدخلوا المستشفيات في حالات الطوارئ القصوى، ولم يُعرف مصدر المرض ومنشأ البكتيريا ومكان تكاثرها إلى بعد مرور ثلاثين يوماً، حيث تم اكتشافها في برج التبريد الخاص بأجهزة التكييف الموجود فوق سطح فندق أوبرا هواس(Opera House) في منطقة البرونكس(Bronx) المعروفة، وبعد هذا الاكتشاف على الفور اُرسلتْ فرق الطوارئ الخاصة لتنظيف وتعقيم البرج كلياً من هذا التلوث الحيوي والقضاء على هذه البكتيريا المميتة، إضافة إلى تعقيم كل المياه الموجودة في الفندق.

 

وربما مثل هذه الحوادث التي يذهب ضحيتها البشر من موت سريعٍ ومفاجئ، ومرضٍ حادٍ وشديد، تُذكرنا بأن التلوث مهما كان نوعه وحجمه، فإنه يضرب ضربة واحدة قاسية وقاصمة للظهر، ومن حيث لا ندري ولا نتوقع، وينزل علينا جميعاً فجأة من حيث لا نحتسب على الفقير والغني والدول المتطورة والنامية والفقيرة على حدٍ سواء، مما يؤكد علينا ضرورة أخذ كافة أشكال وأنواع الحِيطة والحذر، والتثبت من منع تضخم تركيز الملوثات الكيميائية والحيوية والفيزيائية وارتفاع مستواها في أية بيئةٍ كانت، صغيرة كانت أم كبيرة، سواء أكانت بيئة الماء، أو الهواء، أو التربة، أو المنزل، أو في سطح البحار وأعماق المياه الجوفية.

 

الأربعاء، 26 أغسطس، 2015

معركة القمامة تتفاقم


معركة "القمامة" في بيروت بدأت يوماً بعد يوم تحتدم وتتفاقم وتخرج عن السيطرة الأمنية العامة، فقد انحرفت إلى أبعادٍ أمنية وعنيفة خطيرة، ومواجهات شديدة بين الأمن والمتظاهرين وسقوط جرحى من الطرفين، كما أدت الآن إلى اعتصاماتٍ جماعية غير متوقعة تهدد السلم الأهلي واستقرار الحكومة، ولا تتناسب في رأي البعض مع مشكلةٍ "بسيطة وصغيرة" مثل تكدس القمامة والتأخر في جمعها ونقلها إلى مثواها الأخير.

 

ولكنني شخصياً، وانطلاقاً من خبرتي وتجربتي المتواضعة في التعامل مع القضايا البيئية بشكلٍ عام ومن خلال متابعاتي الحثيثة منذ أكثر من ثلاثين عاماً لانعكاسات المشكلات البيئية في دول العالم عبر هذه السنوات الطويلة، فإنني أرى بأن آلت إليها الأوضاع في العاصمة اللبنانية بيروت بعد أكثر من شهر من استمرار مشكلة تجمع المخلفات المنزلية والبلدية الصلبة في الطرقات والمجمعات والمرافق العامة، هي النتيجة الواقعية والمنطقية والحتمية التي تنجم عن اهمال وتجاهل هموم وشؤون البيئية ومشكلاتها، وعدم التصدي لها جذرياً ومعالجتها وهي في مهدها عندما تكون صغيرة وسهلة العلاج والتحكم وقبل أن تنمو وتكبر وتتحول إلى غولٍ عملاق لا يمكن السيطرة عليه والتحكم في ردود فعله وتصرفاته.

 

فمشكلة القمامة بدأت صغيرة وغير ملحوظة لدى الكثير من المواطنين، وتمثلت في تأخر جمعها وتراكمها مع الأيام، حتى أصبح منظرها مألوفاً ومزعجاً للسكان وهي متكدسة بعضها فوق بعض، ومع الوقت تحولت إلى ظاهرة بيئية وصحية من حيث انبعاث الروائح السامة والكريهة والعفنة، وخروج مخلفات سائلة من تحت هذه الأكوام المتراكمة وتحويل الطرقات إلى مجرى لهذه المياه الآسنة والسامة. وبالرغم من كثرة شكاوى المواطنين من هذا المشهد المؤذي للنظر والمفسد للهواء والصحة العامة، إلا أن الجهات المعنية لم تحرك ساكناً وكأن المشكلة غير موجودة ولا يعاني أحد من تفاقمها شيئاً فشيئا، فكان التجاهل الأعمى من المسؤولين والأذن الصامتة التي لا تسمع نداءات المواطنين وتخفف عنهم آلام الضرر الذي لحق بهم.

 

ومع الأسف أن أزمة القمامة لم تأت "منفردة ومنعزلة" عن المشكلات الأخرى، وإنما تزامنت مع أزمات أخرى يواجهها المواطن اللبناني، ويعاني من وطأتها منذ سنوات، فمنها قضية الفراغ السياسي وغياب رئيس لبنان منذ أكثر من عام وبالتحديد من مايو 2014 ، ومنها شلل الحكومة والبرلمان وعدم قدرتهما على أداء أدوارهما ووظائفهما، ومن جانبٍ آخر هناك الضائقة المعيشية التي نزلت على المواطن من انقطاع الكهرباء والماء والإنترنت بشكلٍ دوري مستمر، ومنها الحرب في سوريا التي ألقت بظلالها الكئيبة من جميع النواحي على الشعب اللبناني، ومنها الوضع الاقتصادي السيئ والمتدهور للحكومة اللبنانية والمتمثل في تراكم الديون الخارجية، وقد لخص رئيس الوزراء هذا الوضع المأساوي في 23 أغسطس واصفاً إياه بـ "المخلفات السياسية"، وقال بأن لبنان متجهة نحو الانهيار.

 

فمع هذا الوضع المتراكم مع الزمن والمتدهور يومياً أمنياً، وسياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، جاء في الوقت نفسه "التدهور في الوضع البيئي"، فكان كما يقول المثل:" القشة التي قصمت ظهر البعير"، فلم يستطع ظهر المواطن أن يتحمل المزيد من الأثقال، ولم يعد يتحمل أعباءً جديدة أخرى إضافية، فقَلْت حيلته ونفد صبره، وانفجر غاضباً وخرج إلى الشارع يُعبر عن استيائه وسخطه من الحالة المزرية التي يعيش فيها من جميع الجوانب.

 

وعلينا نحن في البحرين أن لا تمر علينا هذه التجربة القاسية والمؤلمة مرور الكرام، فلا بد من أن نقف أمامها ونتعلم من سلبياتها وهفواتها، وألخصها في النقاط التالية:

أولاً: يجب علينا أن نُقدم الحلول الناجعة والجذرية والمستدامة لكل مشكلة بيئية نعاني منها، ولا ندعها تتفاقم وتتضخم، فتولد لنا مشكلة سياسية وأمنية نحن في غنى عنها.

 

ثانياً: مشكلة إدارة القمامة معقدة جداً وتحتاج إلى علمٍ دقيق وخبرة واسعة، فلا بد من أن نضع لها استراتيجية طويلة الأمد تتمثل في كيفية التعامل مع القمامة المتزايدة في البحرين، فلا نعتمد فقط على "الدفن"، فالبحرين صغيرة المساحة ولن تكون هناك مواقع مناسبة للدفن مستقبلاً.

 

الأحد، 23 أغسطس، 2015

الإعلان الإسلامي حول التغير المناخي


أستطيع أن أُجزم، وبكل ثقةٍ واطمئنان أن التغير المناخي هي قضية العصر، فهي الشغل الشاغل للقادة السياسيين على مستوى رؤساء الدول والعلماء إلى حدٍ سواء منذ قمة الأرض في البرازيل عام 1992 والتي تمخضت عنها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغير المناخي، فقد أخذت قضية التغير المناخي منذ ذلك الوقت أبعاداً كثيرة ومتعددة تمثلت في البعد الأمني، والسياسي، والبيئي، والاقتصادي، والاجتماعي، حتى أن علماء الأديان من الدين المسيحي والإسلامي وغيرهم أفتوا في هذه القضية، وأدلوا بدلوهم.

 

فقد دخل مؤخراً بابا الفاتيكان على خط التغير المناخي، وأصدر وثيقة كاملة أو رسالة بابوية في 18 يوليو من العام الجاري وتتكون من 192 صفحة، وتؤكد هذه الرسالة على أن التغير المناخي قضية أخلاقية ولا بد من مواجهتها وإيجاد الحلول اللازمة للتصدي لها على المستوى الدولي، وأشار بأن الفقراء هم الأشد تضرراً من تداعيات وانعكاسات التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض.

 

واليوم اختتم المنتدى الدولي الإسلامي للتغير المناخي والذي عُقد في اسطنبول في الفترة من 17 إلى 18 أغسطس من العام الجاري أعماله، وتمخض عنه "الإعلان الإسلامي حول التغير المناخي"، حيث شارك فيه قادة سياسيون وعلماء من تخصصات مختلفة يمثلون عشرين دولة إسلامية.

 

وقد جاء الإعلان الإسلامي متكوناً من تسع صفحات بدءاً بمقدمة عامة، ثم مؤكداً على بعض المبادئ الأساسية من رؤية إسلامية، وأخيراً دعا الإعلان إلى التقيد والالتزام بست نقاط جوهرية والعمل الجماعي المشترك لمواجهة هذه الظاهرة المناخية الدولية والتصدي للتهديدات الناجمة عنها، كما دعا الإعلان الدول الإسلامية إلى تبني سياسة النمو المعتدلة والحكيمة التي تأخذ في الاعتبار متطلبات هذا الجيل دون الإضرار باحتياجات الأجيال اللاحقة وتوريثهم موارد وثروات سليمة وصحية من الناحيتين النوعية والكمية.

 

وفي الحقيقة فإن هذا الإعلان ليس بالغريب، أو الدخيل على الدين الإسلامي الحنيف، فقد أكد الإسلام من خلال الآيات القرآنية وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم على حماية الموارد الأرضية الحية وغير الحية، ووضع منذ نحو 15 قرناً أسس ودعائم الحفاظ عليها ورعايتها وصيانتها.

 

وتتمثل هذه المبادئ في عدة توجيهات وقواعد رئيسة، منها أولاً أن الإسلام حدد دور ووظيفة الإنسان في الأرض وهي عبادة الله وحده لا شريك، وجعله خليفته في الأرض، وحدد شروطاً لهذه الخلافة، فهو مدير الأرض لا مالكها، ويشترك مع غيره من سكان الأرض في الموارد والثروات البيئية العامة التي هي ملك كل فردٍ يعيش على سطح الأرض من إنسانٍ وحيوانٍ وطير، فعليه أن يُعمر الأرض وينميها ويصلحها لما في خير الشركاء الآخرين في هذا الجيل والأجيال اللاحقة من بعده، فيبني دون أن يدمر، ويعمر دون أن يفسد، ويحافظ على عطاء عناصر البيئة وثرواتها نوعياً وكمياً. وانطلاقاً من هذا الدور فإن الإسلام يمنع الإنسان من إفساد مكونات البيئة بالملوثات والمواد الكيميائية والحيوية والفيزيائية التي تضر بصحتها وصحة الإنسان والحياة الفطرية من نباتٍ أو حيوان، ولذلك فكل ما يؤثر سلباً عليها ويلحق بها الضرر والأذى فهو حرام في الإسلام، بل ويؤثم كل من يقوم به، وفي المقابل يؤجر كل من يدفع الأذى والضرر عن أي مكونٍ بيئي حي أو غير حي، كما قال رسولنا في أحديث كثيرة منها: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة".

 

والمبدأ البيئي العام الثاني فإن الإسلام يدعو الإنسان إلى الوسطية والاعتدال في كل أمرٍ من أموره اليومية، وفي كل شأنٍ من شؤون حياته العامة، سواء أكانت الشعائر التعبدية، أم الأمور الاستهلاكية العامة، والإنفاق، واستعمال الموارد والثروات الطبيعية من ماءٍ وغذاءٍ وملبسٍ وطاقة، وجعل الوسطية والاعتدال من سلوك الإنسان المسلم الملتزم، فلا تبذير ولا إسراف، ولا تفريط ولا تقتير، كما أكد على الاعتدال والترشيد في الاستهلاك في جميع الظروف والأحوال، سواء أكانت الظروف ميسرة أم معسرة، وسواء أكانت هذه الثروات والموارد شحيحة وقليلة أم كثيرة ومتوافرة، فسياسة الترشيد أسلوب ونمط حياة عند المسلم، وليست ظاهرة آنية مؤقتة يطبقها بسبب ظروف قاهرة تنزل عليه، من نقصٍ في المال، أو شحٍ في الماء أو موارد الطاقة.

 

وكلي أمل بعد أن عرجنا على دور الإسلام في حماية البيئة، أن يرى هذا الإعلان الإسلامي حول أحد شؤون ومشكلات البيئة، وهو التغير المناخي النور في التنفيذ في دولنا، كما أتمنى مثل هذه الإعلانات الجماعية المشتركة في قضايا بيئية أخرى لا تقل أهمية، وعلى رأسها حماية البحر وثرواته الغذائية، والمحافظة على الثروة المائية التي لا حياة بدونها.

الخميس، 20 أغسطس، 2015

امرأةٌ تُنقذ أُمة



مرضٌ عضال مُدمر للفرد والأسرة والمجتمع ومستعصي على العلاج، ظَهَر في الكثير من دول العالم وعانى منه عشرات الآلاف من البشر، ومازالت هذه المعاناة القاسية مستمرة منذ أكثر من خمسين عاماً، ولكن الأمر الغريب والذي نحن بصدد الوقوف أمامه وسبر غوره هو أن هذه العِلة المزمنة والخبيثة لم نشاهدها في الولايات المتحدة الأمريكية ولم نسمع عنها بتاتاً في هذه الدولة الكبرى، فلم تنكشف أية حالةٍ مرضيةٍ على مواطنٍ أمريكي، فيا تُرى ما هو السبب في نزول هذا المرض في دول العالم باستثناء أمريكا؟

السبب بكل بساطة يكمن وراء وقوف امرأة بكل شجاعة وقوة ورَبَاطة الجأش في اتخاذ القرار الصحيح والجريء دون مُهادنة، أو تردد، أو خوف من أحد، وتحمل المسؤولية وأمانة الوظيفة، فقد كَادتْ هذه المرأة الأمينة والشريفة أن تضحي بوظيفتها ومستقبلها المهني من أجل الثبات على المبادئ والقيم وأخلاقيات المهنة وعدم غلبة المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.

فمحور هذا المرض الغريب الكارثي، وهذه القصة الحزينة والمفجعة التي تصدت لها هذه المرأة الأمريكية لوحدها، والذي هَزَّ بعض المجتمعات دون المجتمع الأمريكي، يدور حول استعجال الكثير من الدول في إدخال نوعٍ من الدواء إلى الأسواق، والسماح للإنسان باستخدامه مباشرة دون تحقيقٍ مستفيض، وبدون إجراء التجارب الدقيقة والشاملة حول آثاره الجانبية، فقد تم تسويق هذا العقار المعروف علمياً بالثالدوميد بأنه "الدواء السحري" الذي يعالج فوراً آلام المرأة الحامل عند استيقاظها من النوم في الصباح الباكر، ويُبعد عنها شبح المعاناة ومتاعب الألم، وبالفعل انتشر تعاطيه في معظم دول العالم والملايين من النساء الحوامل استخدمن هذا الدواء منذ عام 1957، حتى إنه اُعتبر كالمسكنات العادية التي تباع دون وصفةٍ طبية وفي البرادات والمحلات العامة كالبندول والأسبرين.

وعندما أراد هذا الدواء أن ينتقل إلى الطرف الثاني من الكرة الأرضية، قامت الشركة المنتجة بتقديم طلبٍ لتسويق الدواء إلى إدارة الدواء والغذاء في الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم تجاري هو كيفادون(Kevadon)، وبالتحديد كان هذا الطلب في سبتمبر 1960، فقد كان الطلب يعتبر "روتينياً" عادياً لا غبار عليه، فالعقار تم تسويقه واستخدامه في الكثير من دول العالم، وأصبح يُباع بكثرة كمُسكن ومهدئ في هذه الدول، ولحسن حظ أمريكا أن هذا الطلب تحول إلى هذه المرأة المخلصة التي كانت تعمل في هذه الإدارة المختصة بالترخيص للأدوية الجديدة، فلم تأخذ هذا الطلب بعجالة فتضع بصمتها عليه بالموافقة الفورية، كما فعلت الدول الأخرى، وإنما أَبَت إعطاء الترخيص إلا بعد التدقيق في أمر الدواء وتفاصيله وأعراضه الجانبية، فطلبت من الجهة المنتجة معلومات إضافية أكثر دقة ووضوح، ثم بعد تقديم المعلومات، قامت بطلب توضيحات أخرى ليطمئن قلبها وتقتنع بعدم وجود أضرارٍ للدواء، ولكن مصنعي الدواء لم يعجبهم مثل هذه التصرفات وتكرار طلب الأسئلة والاستفسارات، فقاموا بتهديدها ورفع شكوى إلى الجهات العليا ضدها لتأخير الرخصة، كما جندوا بعض المرتزقة لتلميع صورة وفاعلية هذا الدواء، ولكنها بالرغم من ذلك رفضت الرضوخ للضغوط الكبيرة التي مورست عليها، وأصرت على موقفها وثَبَتَت على قناعاتها، ولحس الحظ أنه مع تأخير الموافقة على الطلب ومرور الوقت في استخدام الدواء، بدأت تظهر في أوروبا واستراليا وكندا وبعض دول الشرق الأوسط حقائق مخيفة عن هذا الدواء، وانكشفت مظاهر مؤلمة ومفجعة شاهدها الناس في كل أنحاء العالم، ومازالت هذه المشاهد نراها أمامنا حية جلية لتحكي قصة هذه المأساة البشرية، والتي تمثلت في ولادة عشرات الآلاف من الأطفال المشوهين والمعوقين خَلْقياً والذين فقدوا بعض أعضاء الجسم، فعاشوا سنواتٍ طويلة، وبعضهم مازال حياً حتى يومنا هذا بدون يدٍ، أو رجلٍ، أو أطرافٍ أخرى، فمنهم من لا يستطيع المشي، ومنهم من يستطيع الأكل بنفسه، ومنهم من لا يستطيع القيام بأية حركة وكأنه أصيب بشللٍ تام أَوْقف كل أعضاء جسمه عن الحركة.

ولذلك ونتيجة لإخلاص هذه المرأة في عملها، وتفانيها في أداء واجباتها ومهامها الوظيفية، تم رفض الطلب وإنقاذ الولايات المتحدة الأمريكية من شر تداعيات هذا الكَرْب الذي نزل على قرابة 46 دولة، فمنعت بهذا العمل البسيط كارثة ولادة ملايين الأطفال المعوقين والمشوهين في الولايات المتحدة الأمريكية، وجنبت بلادها والشعب الأمريكي ويلات هذه المعاناة الأزلية الخالدة، ونالت بكل جدارة واستحقاق بسبب مواقفها الشجاعة والبطولية هذه أعلى وسام في الخدمة المدنية الاتحادية لأمريكا في أكتوبر عام 1962، واستلمت هذا الشرف العظيم من الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي، وعلاوة على هذا التكريم فقد وُضع اسمها في عام 2000 ضمن القائمة الوطنية لمشاهير النساء في أمريكا.

وهذه المرأة الشامخة في عطائها، والمخلصة لوطنها، والموالية لبلدها، والمتفانية في حبها، واسمها الدكتورة فرانسسكيلسي(Frances Kelsey)، وَدَّعَتْ الحياة الدنيا في السابع من أغسطس من العام الجاري عن عمرٍ ناهز 101، فتركت وراءها سيرة عطرة وزكية، وسجلاً حافلاً مضيئاً ومشرقاً، وبصمة حُفرت ونقشت في صفحات التاريخ الأمريكي، بل وفي تاريخ البشرية جمعاء، فخلدت ذكراها وانجازها المهني على مَرِّ الأزمان والعصور.

الاثنين، 17 أغسطس، 2015

تَتَجَشْأ البقرة فتَرتَفع حرارة الأرض


تَستغربْ عندما تَقْرأ الآن أن البقرة تُمثل تهديداً حقيقياً لصحة كوكبنا الأرض، فهي من الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى تدهور نوعية الهواء الجوي وتلوثه، وتنجم عنه ظاهرة حدوث التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، بل وإن الكثير من العلماء يُطلقون عليها بـ "القنبلة المناخية".

 

فكما أن الإنسان يَتَجَشْأ(يِتْجدِّه) عندما يهضم المواد الغذائية في جسمه فتنبعث منه الغازات، فإن الحيوانات وبالتحديد الأبقار والمواشي بعد عملية تخمر الغذاء وهضمه في الجهاز الهضمي تتجشأ أيضاً فيتولد عنها غاز الميثان الذي يعتبر من أشد الغازات والملوثات وطأةً وتأثيراً على الكرة الأرضية من حيث وقوع ظاهرة التغير المناخي وسخونة الأرض، فهذا الغاز له قدرة 23 مرة أعلى من الغازات الأخرى المتهمة برفع درجة حرارة الأرض، وبالتحديد غاز ثاني أكسيد الكربون.

 

وتؤكد إحصاءات منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة المنشورة هذا العام أن قطاع زراعة المواشي يُسهم بنسبة 18% من الانبعاثات الكلية للغازات المعنية برفع درجة حرارة الأرض أو غازات الدفيئة وغازات الاحتباس الحراري، وبنسبة تصل إلى 35% من غاز الميثان، أي ربما أعلى من القطاعات الأخرى كقطاع المواصلات والصناعة.

 

ولذلك فكر العلماء في كيفية التخفيف من حدة هذا المصدر في تلويث الهواء الجوي من جهة، وخفض تأثيراته المشهودة على المناخ الدولي من جهةٍ أخرى، وهناك الكثير من الاقتراحات والآراء التي طُرحت لعلاج هذه المشكلة الخطيرة، منها ما نُشر مؤخراً في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية في الثلاثين من يوليو من العام الجاري، حيث صَمَّم العلماء في المختبر مادة كيميائية ضد "التجشأ"، أو في الأقل أنها تُقلل من عدد مرات تجشؤ البقرة، فتُوضع هذه المادة الكيميائية مع العلف والمواد الغذائية التي تُقدم للأبقار ويُطلق عليها نيترو أوكسي بروبانول (3-nitrooxypropanol) وهي من مركبات الكحول. وأكدت نتائج الدراسة إلى هذه المادة نجحت في خفض انبعاث الميثان الناجم عن تجشأ الأبقار بنسبة 30%، ودون أن تؤثر على نوعية وكمية حليب الأبقار.

 

وهنا أفكار أخرى طُرحت في السنوات السابقة، ومن أكثرها إبداعاً وجاذبية في التطبيق هو جمع غاز الميثان من الأبقار واستخدامه كمصدر للطاقة، حيث إنه من المعروف أن غاز الميثان هو الغاز الطبيعي الذي يستخرج من باطن الأرض ويستخدم في توليد الكهرباء وكمصدر للوقود.

 

الأحد، 16 أغسطس، 2015

أمريكا بلد العنصرية


مازال المواطن الأمريكي من أصول أفريقية يبحث عن حقوقه المدنية الضائعة في بلده، ويجاهد ويكافح يومياً ليحصل عليها، ومازال هذا المواطن منذ عشرات السنين يُنظم الاحتجاجات والمظاهرات والمسيرات ليُقنع الحكومة الأمريكية ويُذكرها بأنه مواطن أمريكي كباقي المواطنين، فكل ما يطالب به ويعمل من أجله منذ عقودٍ وسنوات طويلةٍ  عِجاف هو المساواة في التعامل والحقوق وعدم التمييز بينه وبين باقي المواطنين على أساس اللون.

 

فالعنصرية والتمييز على أساس لون البشرة ليس تاريخاً قديماً من العصور الغابرة السوداء في الولايات المتحدة الأمريكية فنقرأ عنه في صفحات الكتب، وإنما هو واقع مشهود يعاني منه السود حتى يومنا هذا، والحوادث المؤلمة التي نقرأ عنها ونشاهدها تثبت هذه الحقيقة وتؤكد استمرارية وجود ظاهرة التمييز والعنصرية والكراهية للسود، وآخر هذه الحوادث المقيتة، ولن تكون حتماً الحادثة الأخيرة قيام شابٍ أبيض مراهق في 17 يونيو من العام الجاري بإعدام تسعة من المصلين السود في إحدى الكنائس التاريخية في مدينة جارلستن(Charleston) بولاية جنوب كارولينا.

 

ولذلك كان لزاماً على الأمريكي الأسود من الأصول الأفريقية أن يواصل المطالبة بحقوقه المدنية المشروعة دستورياً منذ أن بدأها بفاعلية ومنهجية داعية الحقوق المدنية مارتن لوثر كينج عندما قام بثلاث مسيرات تاريخية أولها في السابع من مارس عام 1965 من مدينة سلما التاريخية العريقة(Selma) إلى مدينة مونتجومري بولاية ألباما المعروفة بعنصريتها واضطهادها للسود وتمييزها الفاحش والبذيء بين السود والبيض، فقد قام وبعد مرور خمسين عاماً على المسيرة الأولى بتذكير أمريكا بتلك المسيرات والمحاولة من جديد في الثاني من أغسطس من العام الجاري بمسيرة احتجاجية طولها زهاء 1385 كيلومتراً من مدينة سلما إلى العاصمة واشنطن، وأَطلق عليها "رحلة أمريكا للعدالة"، وتستغرق هذه المسيرة أربعين يوماً مروراً بعدة ولايات منها جورجيا وولاية كارولينا وفيرجينيا وتنتهي في 15 سبتمبر.

 

واليوم هذه المدينة التاريخية نفسها تشهد نوعاً آخر جديدْ من العنصرية والتمييز وعدم المساواة في التعامل بين السود والبيض، وبين الفقراء والأغنياء، وبين الأقليات والفئات الأخرى، وبين المستضعفين وغير المتعلمين ورجال الثروة والمال والنفوذ السياسي، وهذا النوع من التمييز يُعرف بـ "العنصرية البيئية"، أو بمصطلحٍ أعم وأشمل "العدالة البيئية".

 

وتتلخص هذه العنصرية في تحويل مناطق الفقراء والمعدومين والأقليات الضعيفة وغير المتعلمين الذين لا حول لهم ولا قوة، وليست لهم القوة والكفاءة والنفوذ القانوني والسياسي إلى مواقع لدفن المخلفات بأنواعها المختلفة من قمامة ومخلفات صناعية وغير صناعية، أو إنشاء محطات لمعالجة مياه المجاري والمناطق الصناعية فيها. وقد بدأت ملامح هذه الظاهرة تنكشف منذ السبعينيات من القرن المنصرم، عندما قام مجلس نوعية البيئة بكتابة تقريرٍ في عام 1971 موجهٍ إلى الرئيس الأمريكي رداً على احتجاجات السود في قضية مقاطعة وارن مقاطعة وارن(Warren County) في ولاية شمال كارولاينا والمتعلقة برفضهم إنشاء مدفن لمخلفات الـ  بي سي بي(PCBs) المعروفة بسميتها العالية في منطقة سكنهم.

 

 ثم مع الوقت بدأت الصورة تتضح أكثر، وبخاصة في عام 1993 بعد أن نُشرت دراسة تفصيلية وشاملة أكدت فيها على واقعية ظاهرة انتشار المدافن والمصانع ومحطات معالجة المخلفات في الأحياء الفقيرة ذوي الدخل المحدود من السود وغيرهم من الأقليات المستضعفة، مما اضطر الرئيس الأسبق بيل كلينتون في عام 1994 إلى توقيع أمرٍ تنفيذي رقم 12898 حول العدالة البيئية إنشاء جهاز خاص يعالج هذه القضية العنصرية.

 

ولذلك نرى أنه بالرغم من هذا الأمر الرئاسي، إلا أن مجتمعات السود الفقيرة مازالت تقع تحت وطأة هذا النوع من التمييز، فعلى سبيل المثال، مدينة يونيون(Uniontown) التي تبعد نحو 45 كيلومتراً من مدينة "سلما" التاريخية هي مرة أخرى تشهد الآن مسرحية العنصرية الجديدة وتفرض نفسها في الصفحات الأولى من تغطيات وسائل الإعلام، ففيها أكبر موقع للمخلفات في ولاية ألباما، ويعاني السكان السود من الملوثات الخطرة التي تلوث هواءهم وتعرضهم للأمراض المزمنة، وقد نشرت عدة تحقيقات صحفية تؤكد هذا الوضع التمييزي العنصري الذي يقاسي منه السود، منها التحقيقات المنشورة في صفحة أخبار الـ إن بي سي(NBC) وآخرها الصادر في السابع من أغسطس من العام الحالي.

 

ولذلك تستحق أمريكا لقب "بلد العنصرية"، فشعبها يقاسي من كل أنواع التمييز العنصري وعدم المساواة في الحقوق بين أفراد مجتمعها.

 

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

البحرين الثانية خليجياً في السرطان


أكدتْ الإحصاءات التي نُشرت مؤخراً حول أعداد المصابين بمرض السرطان في دول مجلس التعاون أن البحرين تحتل المرتبة الثانية بمعدلات الإصابة بالسرطان بين سكانها بتسجيل 150 حالة لكل مائة ألف شخص سنوياً، فيما تتقدم دولة قطر على نظيراتها بتسجيل 180 حالة، فهي تتصدر القائمة الخليجية بالنسبة لهذا المرض العضال.

 

وعندما يقرأ الإنسان هذه الإحصاءات يظن للوهلة الأولى أننا في دول الخليج وحدنا الذين نعاني من هذا الوباء المستعصي على العلاج، ولكن في نظرةٍ معمقة وشاملة إلى حالات السرطان في الدول الأخرى وعلى المستوى الدولي عامة، نتأكد بأن الإصابة بهذا المرض العضال تُعد "ظاهرة عالمية"، أي أنها غير محصورة وغير مقتصرة على دول الخليج فحسب، وإنما كل دول العالم تقع الآن تحت وطأة هذه العلة التي تهدد الحياة.

 

فالتوقعات التي نُشرت مؤخراً في تقرير منظمة الصحة العالمية تؤكد أن السرطان هو السبب الرئيس لموت البشر، فتشير الإحصاءات إلى أن عدد الإصابات والحالات الجديدة بمرض السرطان في سنة واحدة سيرتفع من 14.1 مليون في عام 2012 إلى 24 مليون بحلول عام 2035، وعدد الموتى سيتضاعف في الفترة نفسها من 8.2 مليون إلى 14.6 مليون، كما أن التقرير يشير إلى أن هذا الارتفاع سيظهر وينكشف بصورة أشد وأعم في الدول الفقيرة، والتي من المتوقع أن تزيد فيها نسبة الإصابة بالسرطان 44% مقارنة بالدول الغنية وهي 20%. كما توقع التقرير أن حالات التعرض للسرطان ستزيد بنسبة 70% خلال العقدين الماضيين، وحذر بأن "المد السرطاني سيكتسح العالم خلال العشرين سنة القادمة".

 

وفي تقديري فإن هناك ثلاثة أسباب للإصابة بالسرطان. فالسبب الأول خارج عن إرادة الإنسان، ولا يقع تحت هيمنته ولا يمكن السيطرة عليه، وهذا ما أَطْلق عليه العلماء الآن بـ"سوء الحظ"، حسب البحث المنشور في مجلة "العلم" في العدد الصادر في الثاني من يناير من العام الجاري، حيث أكدت الدراسة أن هناك طفرات عشوائية لا إرادية ولا يعلم أحد عن أسبابها وتحدث عند نمو وانقسام بعض الخلايا في الجسم، فتتحول إلى خلايا سرطانية بدلاً من خلايا طبيعية، وهذا ما نُطلق عليه في العقيدة الإسلامية بـ"القضاء والقدر"، أي أن الله قد قَدَّر على عبده المرض ليبتليه بالفتن والمصاعب والمحن مثل مرض السرطان، فيختبر صبره ومعدنه، مصداقاً لقوله تعالى:"ونَبْلُوكم بالشر والخير فتنة".

 

والسبب الثاني فهو ما يتعرض له الإنسان في هذا العصر، رغماً عن أنفه، للمواد الكيميائية الخطرة والملوثات المسرطنة التي تنبعث من السيارات والطائرات والمصانع والمنتجات اليومية التي لا غنى عنها، فهي الآن تتواجد في شرابنا وغذائنا وهوائنا وفي عقر دارنا، فهذه الملوثات نجدها بين أيدينا، ومن أمامنا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا ومن تحتنا، فليس هناك بيت مَدَرٍ ولا وَبَر إلا ودخله هذا التلوث الـمُسرطن، وليس هناك شبراً من البيئة، بعيداً كان أم قريباً، في المدن كان أم في الأرياف والقرى النائية، إلا وقد أصابه داء التلوث، بحيث أصبحنا اليوم لا نستطيع أن نُجنب أنفسنا التعرض له، ولو هربنا إلى بروجٍ مشيدة في أعالي السماء، فالتلوث يُدركنا جميعاً ولو كُنا في بروجٍ مشيدة.

 

والسبب الثالث وهو المهم بالنسبة لي وأريد أن أُشدد عليه، ويتمثل في المصادر التي نحن نتعرض لها طواعية ورغبة منا، فهي تحت أيدينا، ونستخدمها يومياً، ونستطيع أن نتجنبها ونبعد عن أنفسنا شبح السقوط في هذا المرض المرعب. وهذه المصادر كثيرة ومتعددة أُلخصها لكم حسب ما وردت في الأبحاث العلمية الموثقة، فمنها السجائر بمختلف أنواعها وأشكالها وصورها والتي تحتوي على آلاف المواد الكيميائية الخطرة ومئات الملوثات المـُشعة والمسرطنة والمسببة لقرابة 12 نوعاً من السرطان، ومنها شرب الخمر الذي يسبب عدة أنواع من السرطان، ومنها عملية "دباغة الجلد" أو التانينج وتحويل الجلد إلى اللون الذهبي والبرونزي وهذه العملية من المعروف أنها تسبب سرطان الجلد، ومنها التعرض بشكلٍ مستمر لبعض الملوثات المسرطنة المنبعثة من حرق البخور والعود، ومنها تناول المواد الغذائية التي تحتوي على مواد حافظة وألوان ونكهات ومضافات صناعية أخرى، أو بها نسبة مرتفعة من الدهون، ومنها العادات والسلوكيات وأنماط الحياة الخاطئة والسيئة كعدم ممارسة الرياضة وزيادة الوزن والبدانة والسمنة المفرطة.

 

وخلاصة القول فإنني أدعو إلى التركيز على السبب الثالث من أسباب الإصابة بالسرطان والأخذ بكافة الأسباب لتجنب التعرض للملوثات بشكلٍ عام والمسرطنة منها بشكلٍ خاص، أي كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ".