الثلاثاء، 18 يوليو، 2017

التحدي الحقيقي للحكومات


لا تدري ماذا تفعل الصين لتواجه التحدي العصيب الذي يقف أمام استدامة تنميتها، ولا تعلم كيف تتعامل مع هذه الأزمة الصحية البيئية العقيمة التي تعاني منها منذ أكثر من عقدٍ من الزمان وتقاسي من تداعياتها الكبيرة على المجتمع الصيني برمته، ففي حين أنها نجحت في الماضي في تحقيق المعجزة الاقتصادية المشهودة أمام الجميع وأبهرت العالم بهذا الإنجاز، فشلت حتى الآن في امتحان التحدي الجديد المتمثل في تحقيق الأمان الصحي البيئي لملايين المواطنين الذين يعيشون في المدن الحضرية الكبرى، مثل العاصمة بكين وشنغهاي وغيرهما، كما سقطت في إبداع الحلول الجذرية والمستدامة للقضاء كلياً عليها.

 

فالصين أيقنت اليوم وبعد هذه التجربة المريرة القاسية والخبرة الطويلة أن التحدي الحقيقي للدول لا يكمن في بلوغ النمو الاقتصادي الكبير والسريع فقط، وإنما في كيفية تحقيق هذا النمو الاقتصادي دون تدميرٍ أو إفسادٍ لجوانب أخرى حيوية وهامة جداً، كما يتمثل التحدي في كيفية إحداث التوازن الدقيق بين النمو الاقتصادي المنشود وبين النمو في الجوانب الأخرى في الوقت نفسه، وتجنب إلحاق الضرر والدمار بها، وبالتحديد الجانبين الاجتماعي والبيئي الصحي.

 

فالعمليات التنموية إذا ركزت فقط على الجانب الاقتصادي وأهملت الجوانب الأخرى فإنها ستنقلب حتماً ولو بعد حين إلى دمارٍ وفسادٍ كبيرين، وتصبح وبالاً ونقمة بدلاً من أن تكون ثراءً ونعمة، وتتحول من أداةٍ للخير والبناء إلى أداة للشر والخراب، ومن أداةٍ للرقي والتطور إلى عامل هدمٍ وتأخر.

 

فها هي الصين تجني الثمار الخبيثة للبذور الفاسدة التي زرعتها في الأرض ورعتها وروتها بمياهٍ آسنة أُجاج، فأقامت بشكلٍ عاجلٍ عشوائي وغير مدروس الملايين من المصانع بمختلف أحجامها وأنواعها في معظم بقاع الصين،وأنشأت الآلاف من محطات توليد الكهرباء العملاقة، وأدخلت كافة أنواع وسائل المواصلات في شوارعها وطرقاتها بدرجةٍ لم يسبق لها مثيلاً، وفي الوقت نفسه سمحت لملايين الأطنان من شتى أنواع الملوثات من جميع هذه المصادر من الدخول في كافة الأوساط البيئية، في الهواء والمياه السطحية والجوفية والتربة، دون حسيبٍ أو رقيب،أو نظامٍ رشيد يُقنن دخولها في البيئة.

 

وكانت النتيجة الحتمية والطبيعية لهذا النمط العشوائي للنمو هي التدمير الشامل لكافة الموارد والثروات البيئة وإفساد عام للأمن الصحي للناس. وجاءت مظاهر وصور هذا التدمير في ما يلي:

أولاً: تلوث شديد للهواء الجوي في بعض المدن الكبرى لدرجة أن هذا الهواء تحول من صحةٍ وعافية للناس إلى وباءٍ ومرض، واعترف عُمدة العاصمة الصينية وانج أنشن بهذا الوضع الكارثي للهواء الجوي عندما قال في 28 يناير من 2015 أن:"هواء بكين غير قابل للحياة"، أو بعبارة أخرى هواء العاصمة الصينية لا يمكن العيش فيه بالنسبة للإنسان.

ثانياً: اعترفت التقارير الحكومية الرسمية عن وجود أكثر من500 قرية سرطانية في الصين، أي قرى ترتفع فيها مستويات الإصابة بالسرطان نتيجة لتدهور الهواء، والمياه السطحية والجوفية وتسمم التربة.

ثالثاً: أكدت التقارير الحكومية بأن 19.4% من الأراضي الزراعية، أي نحو 3.33 مليون هكتار، مسمومة بملوثات خطرة تهدد صحة الإنسان والكائنات الفطرية النباتية والحيوانية ، وانعكس هذا التلوث على نوعية المحاصيل وجودتها وصلاحيتها لاستهلاك الإنسان، فزهاء 12 مليون طنٍ من الحبوب والرز التي تم إنتاجها كانت مسمومة بهذه الملوثات، إضافة إلى أن نحو 60% من المياه الجوفية مسمومة وغير صالحة للشرب والاستهلاك الآدمي أو الحيواني أو النباتي، و 85% من أنهار الصين غير صالحة للشرب.

رابعاً: هذا التدمير الشامل انقلب سلباً على النمو الاقتصادي حسب الدراسة المنشورة في مجلة علوم وتقنيات البيئة في أبريل من العام الجاري، تحت عنوان: "التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الانعكاسات الصحية من الجسيمات الدقيقة وتأثيرها على الناتج المحلي الإجمالي".

ونظراً لواقعية هذه الحالة واشتداد معاناة المجتمع الصيني بيئياً وصحياً واجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، قال الرئيس الصيني في عام 2014: أنَّ علينَا أن نتعامل مع البيئة بالطريقة نفسها التي نحافظ فيها على حياتنا، وأن البيئة يجب أن لا تعاني من أجل النمو الاقتصادي". ثم جاءت التصريحات التاريخية لرئيس الوزراء الصيني التي أعلن فيها الحرب على التلوث قائلاً: "التلوث مشكلة رئيسة، والحكومة ستعلن الحرب على الضباب الملوث للهواء في المدن من خلال التخلص من السيارات الملوثة للبيئة وإغلاق الأفران التي تعمل بالفحم"، وأضاف قائلاً أن: "التلوث هو التحذير والضوء الأحمر للطبيعة بسبب النمو غير الفاعل والأعمى في بلادنا، ولذلك فإن تبني سياسة النمو البيئي المعقول ضروري وهام لحياة الناس ومستقبل أمتنا".

ولذلك فالصين بعد أن حققت النمو الاقتصادي تواجه اليوم هذا التحدي الحقيقي الذي قد يقضي على نموها في السنوات الماضية، وفي كل يوم نقرأ عن إجراءات جديدة لمكافحة هذا الكرب العظيم، وآخرها في العاشر من يوليو من العام الجاري عندما أعلنت الصين عن إنشاء "مدن الغابات"، والتي تعتمد أساساً على زراعة غابات كثيفة من الأشجار في المباني والمنازل والشوارع وكافة مرافق المدينة بهدف امتصاص الملوثات الموجودة في الهواء الجوي وتحسين نوعية الهواء، إضافة إلى الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة التي لا تنبعث عنها السموم، وبعبارة أخرى فالصين تسعى الآن لتحقيق النمو الاقتصادي ولكن ليس على حساب البيئة ومواردها الحية وغير الحية.

 

فهل تنجح الصين في مواجهة هذا التحدي العظيم وفي حربها ضد التلوث بعد أن استفحل وانتشر الفساد البيئي والصحي في مُدنها وقراها؟

                              

الجمعة، 14 يوليو، 2017

البقرة في قَفَص الاتهام!


هذه البقرة الذلُول المطيعة التي تخدم البشرية جمعاء منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، فنستفيد من حليبها، ومن لحمها، ومن جلدها، ومن كل قطعةٍ صغيرة أو كبيرة من جسمها، وهي في الوقت نفسه التي تحرث الأرض، وتُنعش التربة، وتنمي الزرع، فقد عِشْنا على خيراتها سنواتٍ طويلة كما عاش الأقدمون، وستظل هذه البقرة معطاءة ومنتجة للأجيال اللاحقة.

فهذه البقرة أصبحت اليوم حَبِيسة في قفص الاتهام، ليس لها من يدافع عنها وعن حقوقها وعن تاريخها المشرِّف العريق، فالتُهمة الموجهة إليها الآن أنها وبعد قرونٍ طويلةٍ من العطاء، أصبحت غير "صديقة للبيئة"، فهي تنبعث عنها مخلفات غازية تؤثر على درجة حرارة الأرض وتُكوِّن ظاهرة التغير المناخي المشهودة، بل وإن الكثير من العلماء يُطلقون عليها بـ "القنبلة المناخية".

فتفاصيل هذه التهمة تتلخص في عدة نقاط. أما الأولى فهي انبعاث غاز الميثان من الأبقار نتيجة لعملية مضغ وهضم الطعام وتحلله في الجهاز الهضمي، حيث يخرج هذا الغاز من جسم البقرة من خلال "التَجَشؤ" والتنفس، وهذا الغازيعتبر من أشد الغازات والملوثات وطأةً وتأثيراً على الكرة الأرضية من حيث وقوع ظاهرة التغير المناخي وسخونة الأرض، فلهذا الغاز قدرة أكثر من23 مرة من الغازات الأخرى المتهمة برفع درجة حرارة الأرض، وبالتحديد غاز ثاني أكسيد الكربون. أما تركيز ونسبة الميثان التي تنطلق من الأبقار فتعتمد على نوعية الأعلاف التي تستهلكها هذه الأبقار وتتغذى عليها حسب الدراسة التي نشرتها منظمة "الحدائق الملكية البريطانية" ومركز أبحاث سينكبيرج للمناخ والتنوع الحيوي في 29 مارس من العام الجاري، حيث أكدت الدراسة على أهمية نوع الغذاء والعلف في حجم انبعاث الميثان من الأبقار، فكلما زادت صعوبة هضم البقرة للنبات أو العلف ارتفعت نسبة الميثان، لأن الأكل يستغرق في المعدة وقتاً أطول لهضمه.

وأما التهمة الثانية فهي أن مخلفات الأبقار الصلبة والسائلة عند تحللها وتعرضها للهواء الجوي ومتغيرات الطقس من حرارة وضوء وغيرهما تنبعث منهما أيضاً مجموعة من غازات الدفيئة، أو الغازات التي ترفع درجة حرارة كوكبنا، منها على سبيل المثال غاز أُكسيد النيتروز، وهو أقوى بـ 298 مرة من ثاني أكسيد الكربون، أي أن له قدرة شديدة ومرتفعة جداً على إحداث التغير المناخي في الكرة الأرضية. وأما النقطة الثالثة فتتعلق في تربية الأبقار والمواشي وما يصاحبها من استخدام واسع النطاق للمبيدات الحشرية بأنواعها المختلفة في زراعة الأعلاف، إضافة إلى استعمال الوقود الأحفوري في عملية الزراعة بشكلٍ عام، والتي تنبعث عنها ملوثات، وبخاصة ثاني أكسيد الكربون، المتهم الرئيس في وقوع ظاهرة التغير المناخي.

فالأبقار والمواشي بشكلٍ عام يتحملون مسؤولية 18% من مجموع انبعاث غازات الدفيئة والغازات التي تؤدي إلى سخونة الأرض على المستوى الدولي، حسب أحدث تقارير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة(الفاو).

وفي السياق نفسه، نشرتَ منظمة بيئية دولية غير ربحية يُطلق عليها مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية تقريراً في 20 مايو من العام الجاري حول علاقة المواد الغذائية التي يستهلكها المواطن الأمريكي بالتغير المناخي ورفع درجة حرارة الأرض، وقد شملت قائمة مكونة من عشرة أنواع من أكثر المواد الغذائية الرئيسة التي يستهلكها يومياً.

وقد جاءت نتائج الدراسة لتُؤكد التهمة الموجهة للبقرة، وتُثبت دورها الرئيس ومساهمتها الكبيرة في التغير المناخي، حيث أفادت بأن لحم البقر يقع في المرتبة الأولى من بين الأغذية التي يتناولها الأمريكي، فالكيلوجرام من لحم البقر ينبعث منه إلى الهواء الجوي قرابة 26.5 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون، في حين أن استهلاك كيلوجرامٍ من لحم الغنم يولِّد 22.9 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون، أي يحتل المرتبة الثانية بعد لحم البقر، ولحم الخنزير ينطلق منه قرابة 7.9 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء الجوي مقارنة بالدجاج والديك الرومي الذي ينبعث منه قرابة 5 كيلوجرامات من ثاني أكسيد الكربون.

ولذلك يوجه العلماء أبحاثهم الآن نحو كيفية الحد من انبعاث هذه الملوثات من الأبقار من أجل خفض تأثيرها على كوكبنا، منها إنتاج مادة كيميائية ضد "التجشؤ"، أو في الأقل أنها تُقلل من عدد مرات تجشؤ البقرة، فتُوضع هذه المادة الكيميائية مع العلف والمواد الغذائية التي تُقدم للأبقار ويُطلق عليها نيترو أوكسي بروبانول(3-nitrooxypropanol)، ومنها جمع غاز الميثان من الأبقار واستخدامه كمصدر للطاقة، حيث إنه من المعروف أن غاز الميثان هو الغاز الطبيعي الذي يستخرج من باطن الأرض ويستخدم في توليد الكهرباء وكمصدر للوقود.

الاثنين، 10 يوليو، 2017

أمريكا تَعْزل نفسها مناخياً


اختارتْ الولايات المتحدة الأمريكية بمحض إرادتها أن تَتَقَوقع عن العالم الخارجي، وتنطوي على نفسها، وتعزل جسمها عن محيطها الخارجي من دول العالم بسياستها التي تبنتها منذ تولي ترمب سدة الحكم تحت شعار "أمريكا أولاً"، وهذه السياسة الحِمائية والانعزالية تغطي مجالات وقطاعات واسعة من بينها السياسات والاستراتيجيات الخاصة بحماية البيئة ومواردها وثرواتها العامة المشتركة، وبالتحديد تلك المتعلقة بالتغير المناخي ورفع درجة حرارة الأرض.

 

وقد تجلت هذه العُزلة المناخية للولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ جلي وواضح في اجتماع دول مجموعة العشرين الذي أُسدل الستار عن أعماله في الثامن من يوليو من العام الجاري، حيث تمخضت عنه وثيقة ختامية تحت عنوان: “إعلان مجموعة العشرين: تَشكِيل لِعَالم مُتصل"، وجاءت في الإعلان بنود لا شك فيها تؤكد على القطيعة الأمريكية لقضية التغير المناخي خاصة، وتؤكد في الوقت نفسه إجماع واتفاق الدول كلها باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية على التعهد بتنفيذ اتفاقية باريس الخاصة بالتغير المناخي، ومن هذه البنود التي وردت في الإعلان:"نحن قد لاحظنا قرار الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من معاهدة باريس حول التغير المناخي.....ونحن قادة الدول نُؤكد على أن الاتفاقية غير قابلة للمراجعة ونهائية، ونُكرر التزامنا القوي بهذه الاتفاقية".

 

وجدير بالذكر أن هذه العزلة المناخية الطوعية والانشقاق عن الإجماع الدولي ليست وليدة اليوم، وإنما هي سياسة عامة يسير على نهجها الحزب الجمهوري منذ عقود ولكنها تكرست وتعمقت بشكلٍ أشد وأكثر قوة ووضوح في عهد الرئيس ترمب، فانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية في الأول من يونيو من العام الجاري من اتفاقية باريس حول التغير المناخي والتي وقعت عليها 195 دولة، سبقها انسحاب آخر من بروتوكول كيوتو لعام 1996 حول التغير المناخي في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن.

 

ولكن في هذه الحالة التي نشاهدها أمامنا اليوم، قرر المجتمع الدولي أن يُعلن بدء مسيرة قطار التغير المناخي، وأن يتحرك هذا القطار في اتجاه تنفيذ بنود اتفاقية باريس للتغير المناخي حتى بدون أن تركب الولايات المتحدة الأمريكية هذا القطار وتتخلف عنه.

 

فقد وجد العالم "فرصة" عظيمة يجب عدم تفويتها واستغلالها، وهي ليست فرصة لحماية مكونات البيئة الحية وغير الحية ومنع سخونة الأرض والتداعيات العصيبة التي تنجم عنها فحسب، وإنما هي في الوقت نفسه فرصة اقتصادية ثرية، وسوق مالية غنية وواسعة ستَتَكون على المستوى الدولي عند الالتزام باتفاقية باريس وتنفيذ بنودها بشكلٍ جماعي مشترك، وذلك من حيث التوجه نحو "الاقتصاديات الخضراء" والمتمثلة في اقتصاديات الطاقة النظيفة وأنواع الوقود المتجددة والصديقة للبيئة، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وطاقة المخلفات العضوية، والطاقة المائية، إضافة إلى الأنواع النظيفة ومنخفضة التلوث من الوقود الأحفوري، كالغاز الطبيعي، والغاز الطبيعي المـُسال.

 

فعند ولوج دول العالم برمتها نحو الاقتصاد الأخضر من خلال تحقيق أمن الطاقة وتطوير واستخدام والاستثمار في كافة أشكال وأنواع مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة بيئياً، فعندها يضرب المجتمع الدولي عصفورين بحجرٍ واحد. أما الأول فيتمثل في تحسين نوعية البيئة التي نعيش فيها، وبالتحديد بيئة الهواء الجوي، فنتخلص في الوقت نفسه من المظاهر البيئية الكارثية التي لها علاقة بجودة الهواء، وبخاصة ظاهرة التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة كوكبنا والتي لها تداعيات وانعكاسات وخيمة على الإنسان وبيئته على مستوى الأرض برمتها، مثل ارتفاع درجة حرارة المحيطات وارتفاع مستوى سطح البحر، ونزول الفيضانات والأعاصير المهلكة للحرث والنسل، وظهور الأمراض المعدية والمستعصية على العلاج. وكل هذه المردودات البيئية تضرب اقتصاد الدول، وترهق ميزانياتها وتدخل العالم في حالةٍ من الركود وعدم الاستقرار الاقتصادي. وفي الوقت نفسه فإن لهذه المردودات أبعاد أمنية خطيرة تهدد استقرار الدول وتزعزع الأمن على المستوى المحلي، والإقليمي، والدولي.   

 

أما الثاني فإن التوجه نحو تقانات مصادر الطاقة الحديثة نسبياً وخلق سوقٍ مستقل لها، يكون الملايين من الوظائف التي تحتاج إليها دول العالم قاطبة لتخفيف حدة البطالة وتحسين الاقتصاد ورفع مستوى معيشة الأفراد والمجتمعات.

 

ولذلك أيقنت دول العالم مَعالم وخيوط هذه الفرصة الذهبية السانحة، وتأكدت بأن لحظة القرار الدولي الجماعي المشترك قد جاءت ويجب عدم التفريط فيه، حتى لو كانت بدون الولايات المتحدة الأمريكية التي تُعد من أكبر اقتصاديات العالم ولها تأثير فاعل على الساحة الدولية.

 

فهل ستركب الولايات المتحدة الأمريكية قطار التغير المناخي لاحقاً، أم أنها ستبقى خارج المجتمع الدولي في قضية التغير المناخي؟  

الجمعة، 7 يوليو، 2017

هل هناك حَدٌ آمِنْ للتلوث؟



عباراتٌ ومصطلحات تتردد على ألسن الكثير من المسئولين ومن المثقفين والكُتاب منها عبارة "الحد الآمن للتلوث"، أو "المعايير البيئية الآمنة"، أو "المواصفات البيئية المسموح بها دولياً"، وكل هذه المصطلحات غير صحيحة وتقدم مفاهيم غير سليمة للناس، وأثبتت آخر الدراسات العلمية والأبحاث الميدانية على خطئها، بل وأَجْمعتْ على أنها لا تتفق مع الحقائق البيئية والعلمية التي توصلت إليها حديثاً.

فعندما نستخدم عبارة "الحد الآمن للتلوث" فإننا نُشيع للناس فكرة غير دقيقة، ومبدأً خاطئ وغير سليم، وهو أن الملوثات التي نُطلقها بأيدينا ونسمح لها بالدخول في عناصر بيئتنا من مصادرها التي لا تعد ولا تحصى لا تؤثر على مكونات بيئتنا الحية وغير الحية ولا تضر بصحتنا إذا وُجدتْ بمستويات محددة وبتراكيز معينة منخفضة.

كما أننا عندما نُطلق على الملأ مصطلح وعبارة "المعايير البيئية الآمنة" ونكررها في كل مناسبة، فإننا في الواقع نخدع الناس بأن المعايير البيئية الخاصة بالهواء، أو الماء، أو التربة تحقق الأمن الصحي للإنسان والكائنات الحية التي تعيش معه، وتمنع عنه شر الوقوع في شباك الملوثات القاتلة والأمراض المستعصية.

كذلك عندما نستخدم عبارة "المواصفات والملوثات البيئية المسموح بها دولياً" فإننا نُرسخ في أذهان عامة الناس بأن هناك مواصفات بيئية دولية قد أجمعت عليها دول العالم وأقرتها في مؤتمرات خاصة نُظمت لهذا الغرض، مما لا يتوافق مع الواقع، إذ لا توجد هناك معايير بيئية متفق عليها دولياً خاصة بالنسبة لجودة الهواء أو الماء، فكل دولة تضع المعايير البيئية التي تتناسب مع ظروفها البيئية، وأوضاعها الاقتصادية، وأهوائها السياسية والحزبية، وإمكاناتها الفنية والتقنية. وعلاوة على هذا، فإن تَبَني استخدام هذا المصطلح يُوحي بأن هناك مستويات للتلوث مسموح بها للدخول في بيئتنا، وأننا لا نمانع من انبعاث الملوثات عند مستويات معينة إلى الهواء الجوي، أو مياه البحار والأنهار والبحيرات، أو إلى المياه الجوفية، أو إلى التربة الزراعية وغير الزراعية.

فالحقائق العلمية التي انكشفت خلال السنوات القليلة الماضية تؤكد على ما يلي:
أولاً: لا يوجد حد آمن للتلوث في البيئة، فالملوثات جميعها تهلك جسد الإنسان وتدمر الحرث والنسل، ولو كانت بنسبٍ منخفضة جداً، ولو كان تركيزها أقل من المعايير والمواصفات الخاصة بعناصر البيئة.
ثانياً: المواصفات البيئية التي تضعها الدول ليست جامدة وثابتة، فهي تتغير مع الوقت واستناداً إلى المعلومات العلمية والبيئية التي تنكشف يوماً بعد يوم حول أضرار وتأثيرات الملوثات على الإنسان وبيئته، فوضع المعايير البيئية عملية ديناميكية متجددة، وتحتاج إلى التحديث من وقتٍ إلى آخر وتغيير تركيز الملوثات البيئية في هذه المواصفات، كما حدث بالفعل لبعض الملوثات، منها مواصفة غاز الأوزون في الهواء الجوي.

وآخر الدراسات التي تُثبت هذه الحقائق، ما قامت بها جامعة هارفرد الأمريكية العريقة ونشرتها في 29 يونيو من العام الجاري في المجلة الطبية المعروفة نيو إنجلند(New England Journal of Medicine) تحت عنوان: “تلوث الهواء وأعداد الموتى في الولايات المتحدة الأمريكية". فقد شملت الدراسة عينة ضخمة من المواطنين الأمريكيين بلغت 60 مليون يتعرضون لتلوث الهواء الجوي يومياً، وتابعت التطورات في حالتهم الصحية لمدة 12 عاماً، حيث أكدت هذه الدراسة على أن تلوث الهواء الجوي، وبالتحديد من غاز الأوزون ومن الدخان أو الجسيمات الدقيقة يؤدي إلى الموت المبكر ولو كان بنسبٍ منخفضة وأقل من المواصفات الأمريكية الخاصة بجودة الهواء. فالجسيمات الدقيقة بشكلٍ خاص تكمن خطورتها في أمرين، الأول في أنها متناهية في الصغر فتتمكن من النفاذ إلى أعماق الجهاز التنفسي في الرئتين والتراكم في الحويصلات النهائية وسد فتحاتها، والثاني فهذه الجسيمات تمتص على سطحها الملوثات الخطرة والمسرطنة الموجودة في الهواء الجوي وتُدخلها إلى أجسامنا عن طريق التنفس، فآثارها المهلكة عندئذٍ لا تنعكس على الجهاز التنفسي فحسب وإنما تمتد إلى الأوعية القلبية فتنقل الإنسان قبل أوانه إلى مثواه الأخير.

فهذه الاكتشافات الحديثة حول تلوث الهواء الجوي ودور الملوثات المشهود في تحطيم أجسادنا من المفروض أن تجعلنا نُشمر جميعاً للقضاء عليه كلياً أينما كان، ونمنع دخول الملوثات إلى كل مكونات بيئتنا، مهما كان تركيزها، فالملوثات كلها خطرة وضارة وليس هناك حد آمن أو تركيز سليم لا يؤثر على الصحة العامة.



الاثنين، 3 يوليو، 2017

سرطان في السجائر الإلكترونية


منذ أن دَخلتْ سجائر التبغ التقليدية المعروفة إلى الأسواق قبل أكثر من مائة عام، وأنا أَقرأ في كل يوم في المجلات العلمية عن اكتشافاتٍ جديدة حول أضرار التدخين على الإنسان والمجتمع برمته، والعلماء لا يُصيبهم الكلل أو الملل من المواصلة في سبر غور هذه الآفة الخطيرة والوباء المهدد لصحة البشرية وكَشفْ النقاب عن المزيد من هذه التداعيات البيئية والصحية يوماً بعد يوم.

 

وهذه الحالة بدأت تتكرر الآن مع البدعة القاتلة الجديدة والموضة الحديثة التي أدخلتها شركات التبغ إلى الأسواق كبديل غير ضار وآمِنْ لسجائر التبغ، والتي أُطلق عليها بالسجائر الإلكترونية، أو الشيشة الإلكترونية، أو غيرها من المسميات الشيطانية المضللة.

 

فشركات التبغ العملاقة تدَّعي بأن هذا النوع الجديد من السجائر يشجع المدخن لسجائر التبغ على العزوف رويداً رويداً عن التدخين بشكلٍ كلي، كما إنه في الوقت نفسه لا يسبب مشاكل صحية للمدخن.

 

ولكن الأبحاث الموثقة التي أَطلعُ عليها تؤكد لي كذب هذه الشركات بالنسبة لهذا المنتج الجديد، كما أنها كذبت على البشرية لسنواتٍ طويلة حول سجائر التبغ، واضطرت بعد أن أَجْمعت المنظمات الدولية المختصة والعلماء والأطباء على أضرارها إلى الاعتراف في المحاكم على كذبها وغشها للناس.

 

وآخر الدراسات المنشورة حول تهديدات السجائر الإلكترونية على الصحة العامة، ولن تكون حتماً الأخيرة، هي التي كشفت عن وجود مُلوثٍ سام ينبعث أثناء التدخين، ويُعرف عنه بأنه يصيب السرطان للإنسان، وبالتحديد سرطان الدم أو اللوكيميا، وهو مركب البنزين الذي ينبعث عند تدخين سجائر التبغ التقليدية، أو عند حرق البخور والعود في المنازل، أو أثناء حرق الوقود في السيارات.

 

فقد نُشر بحث ميداني في الثامن من مارس من العام الجاري في مجلة بلس ون(PLOS ONE) تحت عنوان: "تكوين البنزين في السجائر الإلكترونية"، وأكد فيه الباحثون بالتجارب المخبرية وتحليل وقياس الملوثات الموجودة في البخار المنبعث من هذه السجائر، أن البنزين المسرطن ينتج عند تسخين مخلوط النيكوتين السائل الموجود في السجائر الإلكترونية وبمستويات مرتفعة تتراوح بين 1.9 إلى 750 ميكروجراماً من البنزين في المتر المكعب من البخار، علماً بأن تركيز البنزين في الهواء الجوي في المدن الحضرية أقل بكثير من بخار السجائر الإلكترونية، حيث يصل إلى نحو 1 ميكروجرام من البنزين في المتر المكعب من الهواء الجوي.

 

وجدير بالذكر بأن هذا المركب المسرطن ليس هو الوحيد الذي يتعرض له المدخن للسجائر الإلكترونية، حيث أكدت الدراسات الكثيرة السابقة بأن هناك ملوثات مسرطنة أخرى تنبعث من تدخين هذا النوع من السجائر، منها الفورمالدهيد والأسيتلدهيد وغيرهما، إضافة إلى الاستنشاق المباشر للنيكوتين المعروف بسُميته العالية وأنه يسبب الإدمان.

 

ولذلك أتمنى من الجهات الصحية المختصة متابعة جميع التطورات والاكتشافات العلمية المتعلقة بالآثار الصحية والبيئية للسجائر الإلكترونية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة من الآن لمنع دخول هذا الوباء الجديد في البحرين.