الاثنين، 21 يوليو، 2014

أُكسفورد سِتريت



كل سائح يذهب إلى بريطانيا، وبالأخص العاصمة لندن، فإنه لا بد من أن يمشي ويتجول ويتسوق في أهم شارع في لندن وهو شارع أكسفورد، والمعروف عند الجميع بأكسفورد ستريت.


 


فهذا الشارع يُعد القلب التجاري والسياحي النابض بالحياة طوال اليوم وعلى مدى العام كله، ولكن ما لا يعلمه هذا السائح، وربما يستغرب ويندهش منه هو أن هذا الشارع يُعتبر من أكثر الشوارع في بريطانيا، وربما على المستوى الدولي تلوثاً، وأشدها فساداً من ناحية ارتفاع تركيز الملوثات، وبخاصة الدخان أو الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد النيتروجين، حيث أكد الخبراء في جامعة كينجز(King's College) في لندن أن "مستويات ثاني أكسيد النيتروجين تُعد الأسوأ في العالم".


 


فهذا الوضع البيئي والصحي السيء خلق عدة مشكلات لبريطانيا، غير تلك المتعلقة بتدهور البيئة وفساد نوعية الهواء الجوي وتدمير صحة الإنسان وموت أكثر من 4300 من سكان لندن كل عام ونحو 29 ألف بريطاني سنوياً، حيث وضع بريطانيا في موقفٍ قانوني حرجٍ جداً مع الاتحاد الأوروبي وقوانينه المتعلقة بجودة الهواء. فمنذ سنوات طويلة وجودة الهواء في بعض المدن العريقة كلندن، وبيرمينجهام، وليدز تتجاوز فيها نسبة بعض الملوثات عن الحدود المسموح بها، وتزيد مستوياتها بشكلٍ فاضحٍ مشهود عن المعايير الأوروبية المتعلقة بجودة الهواء، مما اضطر الاتحاد الأوروبي بعد سنواتٍ طويلة من الصبر والتهديد والوعيد إلى رفع قضية ضد بريطانيا في محاكم العدل الأوروبية لكي تقوم بريطانيا بتوفيق أوضاعها البيئية والتعهد بالتزامها بالمواصفات الأوروبية، ولذلك تواجه بريطانيا الآن موقفاً صعباً جداً يتمثل في غرامة مالية فُرضت عليها ويجب دفعها خلال السنوات القليلة القادمة وتبلغ 300 مليون جنيه إسترليني كل عام. 


 


ولو حَللنا الوضع البيئي في لندن خاصة لنتعرف على أسباب ومصادر هذا التلوث الشديد الذي يعاني منه سكان هذه المدينة التاريخية العريقة لوجدنا أن المتهم الرئيس هو سيارات الأجرة والحافلات التي تملأ شوارع لندن وتعمل بوقود الديزل، ولذلك فالحل يكمن في تغيير أو تحسين نوعية الوقود الذي يُسير هذه المركبات، ومن بين الحلول المطروحة هي استخدام السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية.


 


وانطلاقاً من تجربة وخبرة لندن مع السيارات، فإنني أحذر من تكرارها في البحرين، فإن مقوماتها وأسباب وقوعها موجودة ومرئية للجميع، فالسيارات الآن في كل مكان، وأعدادها في ارتفاع مطرد لا تخفى على أحد، فهل نعمل على تفادي تجربة لندن، أم ننتظر حتى تنزل علينا، ثم نتحرك؟  


 

الجمعة، 18 يوليو، 2014

كيف تَقْتُل أدويتُنا الإنسان والطير؟



قصةٌ واقعية حدثت مؤخراً وتحتاج مِنا إلى وقفة تأملٍ وتفكر، فقد قام الأطباء البيطريون في بعض دول جنوب آسيا مثل الهند وباكستان وبنجلادش والنيبال باستخدام دواءٍ معروف للبشر اسمه دايكلوفِينَك(diclofenac) يستخدم لعلاج الالتهابات والآلام التي تصيب الحيوانات والمواشي بشكلٍ عام، وبعد أقل من عشر سنوات من حقن الحيوانات بهذا الدواء، انخفضت أعداد العِقْبانٌ في هذه الدول، وبخاصة في باكستان بنسبةٍ مخيفة بلغت 99.9%، أي أنه حدث انهيار شامل، وتدمير كامل ومفاجئ لطائر العقاب من هذه البلدة، فأدخله ضمن قائمة الطيور شبه المنقرضة!

فماذا وقع لهذا الطائر الجميل الفريد من نوعه؟ وهل وقعت مذبحة جماعية بسبب قنبلة تدمير شامل أُنزلت على هذه الطيور؟

إن ما حدث بالفعل يؤكد جهل الإنسان العميق بالكثير من شؤون دنياه، ويبين قِلة علمه بمصير المواد الكيميائية التي يستعملها بشكلٍ يومي، سواء أكانت على شكل أدوية وعقاقير تُستخدم للإنسان والحيوان، أو على شكل مواد كيميائية ومنتجات نستعملها في منازلنا ومكاتبنا، أو كملوثات تنبعث من المصانع ومحطات توليد الكهرباء والسيارات والطائرات.

فهذه الكارثة التي نزلت على هذا النوع من الطيور تثبت أن على الإنسان إجراء دراسات معمقة وشاملة ومتكاملة لكل مادة كيميائية قبل أن يُسمح له باستعمالها، أو إدخالها في بيئته.

فما حدث في دول جنوب آسيا هو أمر بسيط جداً في مظهره الخارجي، وممارسة عادية يقوم بها أي طبيب بيطري، ولكن كانت تداعياتها الواقعية كارثية وخطيرة جداً، فقد استعمل الأطباء البيطريون هذا الدواء المضاد للالتهابات والمسكن للألم لأعدادٍ كبيرة من المواشي، وبعد موت هذه الحيوانات ترُكت جثثها في المزارع والحقول الواسعة الانتشار، فجاءت طيور العقبان لتأخذ وجبتها اليومية وتتغذى عليها، حيث إن هذه الطيور تعمل في هذه الحالة بشكلٍ طبيعي فطري كعمل البلديات في المدن، أو كمكنسة كهربائية سريعة وفاعلة، وهي إزالة المخلفات من الشوارع والطرقات والحقول وتنظيفها بشكلٍ كامل، فكل حيوان يموت طبيعياً في البراري والغابات، تأتي هذه الطيور وتلعب دورها ضمن النظام الطبيعي البيئي فتأكل هذه الجثث قبل أن تتعفن وتتحلل وتكون مصدراً للأوبئة والأمراض لمجتمع الحياة الفطرية والناس إلى حدٍ سواء.

فعندما أكلت هذه الطيور الحيوانات التي عولجت بدواء الدايكلوفِينَك، دخل هذا الدواء في أجسامها فأُصيبتْ مباشرة بأمراضٍ متعلقة بالكلية، مما أدى إلى سقوطها صريعة ميتة بأعدادٍ مهولة لا يمكن تجاهلها، بحيث إنها خلال سنوات معدودة كتب اسمها في قوائم الطيور التي توشك على الانقراض.

وفي السياق نفسه فهناك الأدوية والهرمونات بأنواعها المختلفة الكثيرة التي تُعطي للحيوانات مثل المضادات الحيوية وهرمونات النمو وغيرهما، فهذه المواد الكيميائية، أو بقايا تحلل هذه المواد الكيميائية تنتقل إلينا مباشرة عند تناولنا للحوم والدواجن، وتأثيراتها وانعكاساتها السلبية لا شك بأنها عظيمة على أمننا الصحي ولا يمكن في هذه المرحلة معرفتها بدقة من ناحية حجم ونوعية الضرر الصحي الذي سيلحق بنا وبأولادنا وأحفادنا، فالدراسات العلمية بدأت تـُحذر منذ زمنٍ قريب وبشدة من الإفراط والإسراف في استخدام الأدوية والعقاقير والهرمونات، وتؤكد هذه الأبحاث الطبية والبيئية على أهمية إجراء دراسات مستفيضة وشاملة حول تأثير هذه المواد على أعضاء جسم الإنسان المختلفة، سواء أكانت هذه التداعيات مباشرة وقصيرة المدى، أو أنها ستكون تداعيات غير مباشرة وسنعاني منها بعد فترة طويلة من الزمن من حياتنا أو حياة الأجيال اللاحقة.

وإنني على يقين من التجارب والخبرات السابقة أن هذه الأدوية والمواد الكيميائية الأخرى التي تعطي للحيوانات تحت مسميات مختلفة ستنعكس علينا عاجلاً أم آجلاً، كما انعكست على العقاب، وستكون تداعياتها أمراضاً مزمنة لا يعلمها إلا رب العالمين.

الاثنين، 14 يوليو، 2014

دراسة أمريكية عن الشيشه


من العادات السيئة صحياً واجتماعياً وبيئياً التي نقلها وصدَّرها الشرق إلى الغرب، وبالتحديد إلى الولايات المتحدة الأمريكية هو تدخين الشيشة أو ما يُطلقون عليه الهوكه(hookah)، فهذه العادة اليومية أخذت في التوسع في أمريكا وانتشرت في ولاياتها كانتشار النار في الهشيم، حتى أصبحت الآن ظاهرة مخيفة وآفة مرضية جذبت أنظار الباحثين والعلماء، سواء أكانوا علماء البيئة، أو الأطباء، أو علماء الاجتماع.

 

وبدأت الدراسات العلمية تُنشر لسبر غور هذه الظاهرة المستجدة، ومعرفة أبعادها ودرجة انتشارها بين فئات وطبقات المجتمع الأمريكي، وكان آخر هذه الدراسات تلك التي صَدَرَتْ في الأول من يوليو تحت عنوان:"استعمال الهوكه بين طلاب الثانوية في أمريكا" في مجلة طب الأطفال(Pediatrics)، وقد خلصت إلى عدة استنتاجات هامة منها أن تدخين الشيشة أصبح أكثر شعبية بين طلاب المدارس الثانوية من تدخين السجائر التقليدية المعروفة التي تدنت شعبيتها بدرجة مشهودة في السنوات الماضية، حيث ارتفعت نسبة مدخني الشيشة في عام 2013 إلى  18%،أي طالب واحد مدخن للشيشة من بين خمسة طلاب، مقارنة بـ 4.1% في عام 2011، ومعظم الطلاب المتعاطين للشيشة يكونون من الطبقة الاجتماعية الغنية والرفيعة المستوى.

 

فهذه الدراسة المنشورة في أمريكا تدق ناقوس الخطر ليس في أمريكا وحدها وإنما في الدول الأخرى، وبخاصة دول الخليج وفي مقدمتهم البحرين، حيث انتشرت هذه الظاهرة السيئة بشكلٍ ملحوظ لا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها، ومع الأسف تزداد حدتها وشدتها في شهر رمضان المبارك في ما يُطلق عليها بالخيام الرمضانية، علماً بأن الكثير منها لا يحمل ترخيصاً لتقديم الشيشة.

 

فكما أنني حذرت مراراً وتكراراً لسنوات من خطورة تدخين السجائر التقليدية ثم السجائر الإلكترونية على الصحة العامة، فإنني أكرر تحذيري من تدخين الشيشة، وأُلفت انتباه الجميع إلى تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2005 حول الشيشة والذي خلص فيه إلى استنتاجٍ هام يؤكد على أن مدخن الشيشة يستنشق من السموم والمواد المسرطنة في جلسةٍ واحدة أكثر من الذي يدخن مائة سيجارة!   

السبت، 12 يوليو، 2014

حرق صهاريج النفط وسياسة الطاقة



تكررت حوادث حرق وتفجير صهاريج أو سيارات نقل النفط في أفغانستان وباكستان منذ سنوات، ومؤخراً شهدنا قيام طالبان بحرق زهاء 200 صهريج تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي(ناتو) تنقل النفط ومشتقاته من جازولين وديزل وكيروسين إلى القوات الأمريكية وقوات الناتو على الحدود العاصمة الأفغانية كابول، وتهدف هذه العمليات إلى قطع وتجفيف خطوط إمدادات النفط والوقود التي تحتاجهما القوات الأمريكية والقوات الأخرى الموجودة في أفغانستان.

وهذه المعضلة المتمثلة في نقل وتوصيل الوقود إلى الجنود الأمريكيين ليست في أفغانستان فحسب، وإنما كانت موجودة في العراق إلى حدٍ سواء، ولذلك كان لا بد من التفكير عن البديل لهذا الوقود واستحداث طرق إبداعية أخرى أكثر أمنناً وسلامة لتوصيله من أجل ضمان توافر أي نوعٍ آخر من الوقود لهؤلاء الجنود وبشكل مستمر ودائم لا ينقطع.

وهذه الحوادث التي نراها أمامنا من حرق لصهاريج الوقود تجبرنا على الولوج في قضيةٍ خطيرة تهدد أمن واستقرار الدول، ألا وهي "أمن الطاقة" أو "سياسة الطاقة" التي تتبناها الكثير من دول العالم. فلو بحثنا وتعمقنا في القضية على النطاق الضيق، وهو تأمين خط إمداد الوقود للجيش الأمريكي في أفغانستان، أو غيرها من الدول التي تحتلها أمريكا، فقد اتجهت أنظار الجيش الأمريكي وجل أبحاثه ودراساته الميدانية نحو الطاقة النظيفة والمتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية. فقد صنع الجيش الأمريكي الكثير من المنتجات والمعدات التي يحتاج إليها الجنود في الميدان تعمل وتشتغل بالطاقة الشمسية، مثل صناعة بطانيات متنقلة يمكن حملها بسهولة ويسر لشحن البطاريات، أو مصابيح الطاقة الشمسية، أو الكمبيوتر الذي يعمل على طاقة الشمس، أو مخيمات تعتمد على الألواح الشمسية لتوليد الكهرباء، وبهذه المعدات يخفض الجيش من اعتماده وحاجته إلى الوقود الأحفوري الذي ينقل عبر الصهاريج والشاحنات، وتكون عادة أهدافاً سهلة جداً يمكن تدميرها والقضاء عليها، ومنع وصول الوقود الذي يحتاج إليه الجنود بشكلٍ يومي ولا يمكن الاستغناء عنه.

وهذه المنتجات التي تعمل بالطاقة الشمسية تقع ضمن استراتيجية واضحة، وسياسة طويلة الأمد تتبعها أمريكا كجزء من أمن الطاقة وخفض الاعتماد مستقبلاً على مصادر الوقود الأجنبية، سواء أكانت من الدول العربية أو غيرها، وبالتالي تحقيق الاستقلالية التامة في مجال الطاقة.

وعلينا هنا أن نتعلم من خبرات وتجارب أمريكا في ميدان الطاقة، ونعمل على تصميم وإعداد سياسةٍ خاصة بنا، تتلاءم وتتوافق مع ظروفنا المحلية، وتتماشى مع أوضاعنا الحالية والمستقبلية. وفي تقديري فإنني ألخص هذه السياسة في النقاط التالية:
أولاً: رفع وزيادة كفاءة وفاعلية حرق الوقود في محطات توليد الكهرباء وفي المفاعلات الصناعية باستخدام أحدث الأجهزة والتقانات المتوافرة في السوق، وذلك بهدف خفض الاستهلاك من جهة، وتقليل انبعاث الملوثات القاتلة من جهةٍ أخرى.
ثانياً: استخدام كافة الوسائل والسبل لترشيد وخفض استهلاك الطاقة على مستوى المصانع والمحطات الحكومية وعلى مستوى المصانع الخاصة، إضافة إلى رفع مستوى الوعي الشعبي العام بضرورة وأهمية ترشيد الاستهلاك على المستوى الفردي في المنازل والمكاتب والمحلات التجارية.
ثالثاً: تقليل الاعتماد تدريجياً على الوقود الأحفوري الناضب وغير المتجدد والملوث للبيئة، سواء أكان هذا الوقود هو البترول ومشتقاته الكثيرة، أو الغاز الطبيعي، والولوج من الآن بقوة في ساحة مصادر الطاقة البديلة والمتجددة والنظيفة، سواء أكانت الطاقة الشمسية، أو طاقة الرياح، أو أي نوعٍ من أنواع الطاقة المتجددة التي تتناسب مع ظروفنا المحلية وواقعنا الخاص بنا.    

الثلاثاء، 8 يوليو، 2014

خِطَاب الملكة إليزابيث



أَلقتْ الملكة اليزابيث، ملكة بريطانيا في مجلس اللوردات في 4 يونيو خطاباً تاريخياً إيذاناً بافتتاح الدورة الجديدة للبرلمان البريطاني، حيث أَعلنتْ فيه الملكة وفي كلمةٍ مكتوبة تُلقيها نيابة عن الحكومة، جدول أعمال الحكومة البريطانية، وسياساتها العامة المستقبلية، والقوانين والتشريعات التي تعتزم سَنها.


 


فقد أعلنت الملكة عن 11 قانوناً، من بينها قانون خاص بالبيئة ويعالج قضية بيئية معروفة لدى الجميع وهي مشكلة الأكياس البلاستيكية وتداعياتها البيئية على الإنسان والحياة الفطرية النباتية والحيوانية، حيث يشمل القانون فرض رسومٍ قيمتها 5 بنسات، أو ما يعادل قرابة 30 فلساً بحرينياً، بدءاً من أكتوبر 2015 على كل كيس بلاستيك يأخذه الناس من المحلات التجارية والبرادات وغيرهما.


 


وبالرغم من أهمية هذا القانون في خفض استهلاك الأكياس البلاستيكية، وبالتالي تقليل الآثار والأضرار المعروفة التي تنجم عن استخدامها، إلا أن هناك جانباً لم يكن في الحسبان، وبُعداً جديداً لم يفكر فيه أحد قد انكشف مؤخراً بعد تطبيق مثل هذا الإجراء في بعض الدول.


 


فقد أكدت الدراسات المنشورة مؤخراً على أن هذا الإجراء يُشجع الناس ويحفزهم على استخدام الأكياس القابلة للتدوير وإعادة الاستعمال مرات عديدة، وهذه الممارسات أدت فعلياً إلى ارتفاع حالات التسمم الغذائي والإصابة بأمراض الحساسية. فاستخدام هذه الأكياس التي تُوضع فيها المواد الغذائية كالخضروات والفواكه واللحوم والأسماك مراتٍ ومراتٍ متكررة قد تترك في كل مرة بعض المخلفات الغذائية القابلة للتحلل والتعفن مع الوقت، أي أن هذه الأكياس البلاستيكية تؤدي إلى نمو كائناتٍ دقيقة مرضية من فطريات وبكتيريا القولون وغيرهما فيها، فيتعرض لها الإنسان مع الوقت وتؤدي إلى تسممه ومرضه وفي بعض الحالات الحادة إلى موته.


 


فهذه الدراسات التي أُجريت في المدن التي قامتْ بوضع ضريبة على الأكياس البلاستيكية، أكدت وجود علاقة بين وقت تطبيق هذه الضريبة وازدياد حالات التسمم الغذائي. فعلى سبيل المثال، زادت حالات دخول الناس لقسم الطوارئ في المستشفيات بسبب التسمم البكتيري في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، وذلك بعد ثلاثة أشهر من تطبيق قانون الأكياس البلاستيكية، وأكدت هذه الدراسات عن وجود بكتيريا القولون المسببة للتسمم في 51% من الأكياس البلاستيكية التي يستخدمها الناس عند شراء حاجياتهم اليومية. 


 


ولذلك فإن هذه الحالة الميدانية تؤكد لنا ضرورة دراسة كافة الأبعاد والجوانب المتعلقة بأية قضيةٍ بيئية، وبخاصة عند فرض إجراءٍ بيئي محدد على عامة الناس حتى لا نخلق لأنفسنا مشكلة أخرى جديدة نحن في غنى عنها.


 

السبت، 5 يوليو، 2014

وأَرْسلنا الرياح لواقِح، ظاهرة سلبية أم إيجابية؟



لم يخلق الله سبحانه وتعالى أي مخلوقٍ عبثاً، سواء أكان من الكائنات الحية كالإنسان والحيوان والنبات، أو كان من المخلوقات غير الحية كالرياح، والجبال، والبحار، والصحاري، والثلوج وغيرها، فلكل منها دور ووظيفة ومهمة يقوم بها ضمن الأنظمة البيئية التي يتواجد فيها، وقد اكتشف عقل الإنسان على مر السنين مهمة ووظيفة الكثير من هذه الكائنات، ومازال حتى يومنا هذا يسبر غور أسرار وجود الآلاف من الكائنات الأخرى الموجودة في الأعماق السحيقة والمظلمة من المحيطات، أو في البيئات الثلجية القارسة البرودة وعلى مسافات بعيدة ونائية عن أي نشاطٍ بشري.

فعلى سبيل المثال، لا الحصر اكتشف العلماء دور حركة وجريان الرياح من منطقةٍ إلى أخرى في القيام بوظيفةٍ محددة تتمثل في عملية التلقيح الطبيعي، فمنها نَقل حبوب اللقاح إلى أعضاء التأنيث في أزهار النباتات ليتم الإخصاب وتكوين الثمار، ومنها تلقيح السحب بذرات الماء حتى تمتلأ وتُنزل مطراً، مصداقاً لقوله تعالى:"وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ".

ولكن في الوقت نفسه فإن هذه الريح المباركة الطيبة التي يرسلها رب العالمين ويسخرها لتؤدي دوراً حيوياً للإنسان وتقوم بوظيفة مجانية لا يمكن الاستغناء عنها، أصبحت الآن في بعض الأحيان شراً للإنسان وتقوم بدورٍ بغيضٍ غير مرغوبٍ فيه، فهي كما أنها تحمل الخير والعطاء للنباتات والسحب، فإنها أيضاً تحمل معها كل ما هو موجود في الهواء الجوي من عشرات الآلاف من الملوثات الحيوية والكيميائية التي أطلقناها بأيدينا إلى الهواء الجوي، فتنقلها إلى مناطق ودول لا علاقة لها بهذه السموم القاتلة، ولا توجد بها أصلاً مصادر تنبعث منها هذه الملوثات، فتسبب لهم الأسقام والعلل. 

فمن الأمثلة التي تؤكد هذا الدور السلبي للرياح هي ظهور مرضٍ غريب تم اكتشافه عام 1967 من قِبَل عالمٍ ياباني اسمه كاواساكي فأُطلق عليه مرض كاواساكي(Kawasaki disease)، وهذا المرض يُصيب الأطفال بصفةٍ خاصة في كل أنحاء العالم، ولكن الأشد تضرراً منه هم أطفال اليابان وفي مواسم محددة، فهذا المرض يصيب الطفل بالحمى واحمرار شديد في الجلد وسقوط أظافر الأصابع، وفي حالات حادة يؤدي إلى أعراض أكثر خطورة مثل انسداد الأوعية القلبية، ولكن مازال العلماء في حيرةٍ من أمرهم حول أسباب هذا المرض المجهول. وهناك عدة نظريات طُرحت حول أسباب المرض، آخرها نظرية نُشرت في مجلة "وقائع الأكاديمية القومية للعلوم" في العدد المنشور في يونيو من العام الجاري من مركز أبحاث مرض كاواساكي(Kawasaki Disease Research Center) في جامعة كاليفورنيا في مدينة سان ديجو، حيث يفيد بأن أعداد المصابين بالمرض يرتفع عندما تهب الرياح من مزارع الحبوب المنتشرة على نطاق واسع في شمال شرق الصين، فهي تـَحْمل معها العديد من الملوثات الكيميائية والحيوية منها نوعاً من الفطريات يُطلق عليه كانديدا(Candida) فتسبب مرض كاواساكي.

وفي السياق نفسه هناك أزمة حادة تسببها الرياح بين بعض الدول مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، حيث إن الرياح تحمل الملوثات الكيميائية الناجمة عن المصانع الصينية فتنقلها إلى المدن اليابانية والكورية الواقعة بالقرب من الحدود الصينية فتمثل تهديداً بيئياً وصحياً للدولتين، مما اضطر هذه الدول بالرغم من وجود عداوات بينهما إلى التعاون لمواجهة خطر هذه الملوثات على الصحة العامة، وذلك من خلال عقد اجتماعات دورية لمناقشة هذه القضية، كان آخرها في 30 أبريل 2014 في مدينة(Daegu) بكوريا الجنوبية.

كذلك تحمل الرياح معها تداعيات الكوارث البيئية التي تقع في بعض دول العالم مثل كارثة تشرنوبيل في أوكرانيا وفوكوشيما في اليابان إلى الكرة الأرضية برمتها عن طريق نقل الملوثات المشعة القاتلة والمسرطنة إلى كل الدول التي تقع في طريق ومسار حركتها، حتى ولو كانت تبعد آلاف الكيلومترات عنها.

ولذلك نجد أن الإنسان ساهم بشكلٍ مباشر في إعطاء دورٍ سلبي للرياح وتحويلها من رياح رحمةٍ وبركة وازدهار إلى رياح نقمةٍ وعذاب وأمراض، وذلك من خلال السماح لآلاف الملوثات الكيميائية والحيوية والفيزيائية من الدخول في الهواء الجوي، ثم قيام الرياح بنقلها من بلدٍ إلى آخر ونزولها إلى الأرض، إِما من خلال المطر والثلج والندى والرطوبة، وإما سقوطها جافة بعد تراكمها مع بعض على شكل جسيمات ثقيلة تنزل على سطح الأرض.


الأربعاء، 2 يوليو، 2014

غزو السجائر الالكترونية


تأمل معي هذه الأرقام والإحصائيات العلمية المـَوْثوق بها والمنشورة في مجلة التحكم في التبغ(journal Tobacco Control) في العدد الصادر في يوليو والتي بالفعل تُثير الاستغراب والدهشة والاستفسار، فهذه الإحصاءات تفيد بأنه منذ ولوج السجائر الإلكترونية في الأسواق الأمريكية عام 2007، فإن هناك الآن أكثر من 466 نوعاً من السجائر الإلكترونية التي تُباع مباشرة في الأسواق، أو عن طريق التسوق في بحر الإنْتَرنت، وهذه السجائر تُقدَّم إلى الناس بأكثر من 7764 طعماً ونكهةً ورائحة مختلفة حسب الأذواق والرغبات والميول الأهواء الشخصية المتنوعة، منها النعناع والفواكه بكل أنواعها والشكولاتة والفانيلا والحلويات والقهوة والشاي، وهذه الأرقام من ناحية عدد أنواع السجائر والنكهات الفريدة من نوعها في ازدياد مطرد شهرياً وليس سنوياً!

 

كذلك تأمل معي هذه المعلومات المنشورة في المجلة الأمريكية لطب الأطفال في العدد الصادر في يونيو وفي مجلة الجمعية الأمريكية للقلب(Circulation)، حيث تفيد بأن زهاء 1.78 مليون شاب أمريكي جربوا السجائر الإلكترونية وأن هذا العدد تضاعف خلال عامي 2011 و 2012، إضافة إلى تضاعف العدد بين طلاب المدارس حيث ارتفع من 4.7% في عام 2011 إلى 10% في 2012، وفي بريطانيا أيضاً زاد عدد مدخني السجائر الإلكترونية من 700 ألف عام 2012 إلى 2.1 مليون عام 2013، ولذلك فإن مبيعات السجائر الإلكترونية بلغت قرابة بليونين دولار سنوياً في أمريكا، ونحو عشرة بلايين على المستوى الدولي. وفي المقابل أكدت هذه الدراسات أن مشاهدة دعايات السجائر الإلكترونية زادت بنسبة 256% من عام 2011 إلى 2013.

 

واستناداً إلى هذه الإحصائيات والمعلومات العلمية حول السجائر الإلكترونية، ألا تتفق معي بأن هناك غزواً فعلياً وممنهجاً للسجائر الإلكترونية في مجتمعاتنا؟

 

وهذا الغزو لم يأت عشوائياً وبدون تخطيطٍ وتدبيرٍ عميقين، وإنما تقف وراءه قوى متنفذة وشيطانية ماكرة تعمل ليلاً ونهاراً وبكل ما أوتيت من مكرٍ ودهاءٍ وخبث، وتستخدم كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لنشر هذه الآفة الجديدة بين الشباب وتشجيعهم على الإدمان على استخدامه.

 

فمن الملاحظ أن معظم الشركات المنتجة للسجائر الإلكترونية هي نفسها التي تقوم الآن بإنتاج السجائر التقليدية، وتقوم بتسويقها تحت عدة مبررات وأسباب، فتارةً تَدعي بأن هذه السجائر الإلكترونية أكثر أماناً وأقل ضرراً من الناحيتين الصحية والبيئية على المدخن، وتارةً أخرى تقول بأن هذه السجائر صُممت وأُنتجت من أجل أن يعزف المدخن تدريجياً عن تدخين سجائر التبغ التقليدية، كما أنها أقل ثمناً منها. 

 

وبالنسبة لي شخصياً فإنني لا أصدق كلياً هذه الشركات ولا أثق بما تقول، فهي أصبحت الآن تُردد الاسطوانة القديمة نفسها عندما أدخلت في الأسواق لأول مرة السجائر بشكلٍ عام، ثم بعد أن أَثبت وأَجمع العلماء على ضررها الفادح والمدمر على الصحة والبيئة، كرروا الاسطوانة المشروخة مرة ثانية، ولكن بالنسبة للسجائر "الخفيفة"، أو السجائر "منخفضة القطران"، وقالوا بأنها قليلة الضرر على الصحة، وهكذا عبر التاريخ تأكد كذبهم المستدام، وتلفيقهم المستمر للحقائق والتستر عليها وإخفائها عن عامة الناس.

 

ولذلك وضعت إدارة الغذاء والأدوية الأمريكية في 24 أبريل 2014 نظاماً يُقنن استخدام السجائر الإلكترونية من ناحية الإنتاج، والتوزيع، والتسويق، والإعلان، مثل منع بيعها على الأطفال، ومنها إجبار شركات إنتاج السجائر الإلكترونية على الإعلان عن محتواها، إضافة إلى وضع إعلانات تحذيرية تفيد بأن النيكوتين يسبب الإدمان، وانطلاقاً من هذا النظام الجديد أعلنت 28 ولاية عن منع بيعها على الأطفال.

وإنني على يقين بأن الوقت كفيل بالكشف عن الأسرار الضارة الخفية لهذه البدعة الجديدة في عالم السجائر، وستعلمن نَبَأَهُ بعد حين.