الاثنين، 25 مايو، 2015

حِبْرٌ أسود من رئةِ مُدخن


ألقيتُ مؤخراً محاضرة عامة حول التداعيات الصحية الضارة والمـُهلكة للتدخين بكافة أنواعه على المدخن نفسه وعلى من يجلسون بالقرب منه، سواء التدخين كان من سجائر تقليدية، أو الشيشة، أو السجائر الإلكترونية، أو السـِيجار، وأخذتُ معي إلى المحاضرة عينة من "الفِلْتَـر"، أو المرشح الذي يوضع على فم وفوهة السجائر من أجل ترشيح الملوثات وحبسها في المرشح، ومنعها من الدخول إلى جسم المدخن، وبخاصة الجهاز التنفسي.

 

فبدأتُ المحاضرة بفتح هذا الفلتر وطرحتُ السؤال الآتي على الجمهور: من منكم يأخذ الفلتر الذي بيدي ويُدخل محتوياته في جسمه؟

 

فَرفضَ الجميع ذلك، ولم يتطوع أحد بالقيام بهذه المهمة، بل وأبدى الجميع امتعاضه واشمئزازه من القيام بهذه العملية المقرفة ورأيتُ هذا الإحساس والشعور واضحاً على تعابير وجوههم، فقلتُ لهم إنَّ ما رفضتم القيام به جميعاً، يقوم به كل مُدخن مع كل سيجارة يشعلها ويدخنها في كل ساعة، فيُدخل كمياتٍ كبيرة من هذه المادة البُنية السوداء القذرة والقاتلة التي تفلت من الفلتر إلى جسمه طواعية، وهو في غاية السرور والسعادة والبهجة!

 

واليوم أقرأُ عن مشهدٍ مماثلٍ في احدى الصحف اليابانية عن أن بعض النشطاء والجمعيات الأهلية في تايلند والذين يقومون بحملاتٍ مستمرة ضد عملية التدخين، قد شرعوا في حملةٍ إبداعية غريبة وغير مسبوقة لإقناع المدخنين للعزوف عن التدخين وتجنب السجائر كلياً. فقد قاموا، بالتعاون مع احدى الجامعات المختصة بجمع عيناتٍ من "الفحم"، أو المادة البُنية السوداء المتجمعة والمتراكمة منذ سنوات في رئات بعض المدخنين، والذي تبرع بها لهذه الجامعة، حيث قامت مختبرات الجامعة بصناعة وإنتاج حِبرٍ أسود اللون من هذه المادة القاتلة، وكتبوا عبارات ضد التدخين من هذا الحبر، ثم وزعوا عينات منه على الجمهور، وأَطْلقوا على هذه العينات السامة أو الحبر الجديد، حِبْر الرئات السوداء(The Black Lungs Ink). 

 

فأضرار التدخين وقتله للبشر قد أجمع عليها المجتمع الطبي، بل وإن شركات التبغ نفسها تعترف بهذه الأضرار الصحية، ولذلك فالأمر يحتاج إلى قرارٍ سياسي حازم يتمثل في "منع استيراد السجائر بكافة أنواعها". 

 

السبت، 16 مايو، 2015

أعداءٌ يتحدون لمحاربة عدوٍ مشترك


عدوٌ شرس لا يمكن إيقافه من قبل أي دولةٍ لوحدها مهما كانت قوتها وعظمتها وعدتها وعتادها، ومهما كانت لديها من أجهزة متطورة، ومعدات حديثة، وذخائر ثرية، فهذا العدو لا تنفع معه المعدات الحربية العسكرية من دبابات وصواريخ وطائرات وقنابل نووية أو تقليدية، فهو لا يَعْرف الحدود الجغرافية المـُصْطنعة، بل ولا يعترِفُ بوجودها، فينتقل بكل سهولةٍ ويُسر من دولةٍ إلى أخرى ومن منطقةٍ إلى أخرى، ويزحف من مكانٍ إلى آخر دون حسيبٍ أو رقيب، فيضرب ضربةً موجعة وقاسية في أية دولةٍ أو منطقةٍ ينزل عليها، فيُهلك الحرث والنسل، ويقضي على الأخضر واليابس، ويُفسد ويدمر كل شيء يقف في طريقه من إنسانٍ أو نباتٍ أو حَجَر.

 

ولذلك اضطرت الدول المجاورة، حتى ولو كانت بينها عداوات تقليدية، أو حروباً طاحنة وقعت بينها في الماضي، أن تتوحد قواها، وتجند كل إمكاناتها ومواردها للدفاع عن نفسها، وتنشئ قوة مشتركة بينها لحمايتها جميعاً، ومكافحة هذا العدو اللدود المشترك ومواجهته بشكلٍ جماعي.

 

هذا العدو المشترك هو "التلوث"، سواء أكان الملوثات القاتلة التي تنطلق إلى الهواء الجوي من وسائل النقل والمصانع ومحطات توليد الكهرباء فتتحرك عبر حدود الدول الوهمية، حتى ولو كانت بعيدة عن مصدر التلوث دون أن يمنعها أحد، أو تلك الملوثات السامة التي تُصرف إلى المسطحات المائية السطحية والجوفية المشتركة بين الدول فتنتقل من خلالها إلى حدود الدول الأخرى.

 

ومن الأمثلة الواقعية الحديثة التي يمكن الاستشهاد بها وضربها للتأكيد على هذه الظاهرة، وإثبات هذه الحقيقة المشهودة هي الاتفاقية الثلاثية المشتركة بين الصين، وكوريا الجنوبية، واليابان. فبالرغم من المناوشات العسكرية والسياسية بين هذه الدول حول الجزر الحدودية، وبالرغم من خلافاتها السياسية والعقدية عبر العصور، إلا أن هذا لم يمنع اتحادها في مواجهة عدو التلوث المشترك، وعقد اتفاقية ثلاثية للتصدي لهذا العدوان الغاشم، ووضع خطة تنفيذية تقوم بها كل دولة على حدة حسب مصادر التلوث فيها، فتُسهم هذه الدول في خفض انبعاث نسبة الملوثات التي تنطلق إلى الهواء الجوي، أو إلى الأنهار والبحار والبحيرات التي تشترك فيها مع بعض في الحدود الجغرافية.

 

ولذلك اجتمعت الدول الثلاث عدة مرات، كان آخرها الاجتماع الوزاري الذي عقد في شنجهاي في 22 أبريل من العام الجاري وأَكدتْ على اتخاذ خطوات عملية وحاسمة لمواجهة هذا العدو الغازي، ومراقبة كافة تحركاته من المصدر إلى آخر مكانٍ تنزل عليه، وتحديد التقانات اللازمة للتصدي له وتخفيف آثاره على موارد البيئة والإنسان.

 

وقد أيقنت دول العالم برمتها هذه الحقيقة المشهودة والواقعية، وتَأكدَ المجتمع الدولي أنه لا مَفَرَّ من الاتحاد لمواجهة التلوث، ولا بد من السعي نحو العمل الدولي المشترك لمكافحته ونبذ كافة أنواع الخلافات والنزاعات السياسية والأمنية والاقتصادية وعلى جميع المستويات، فتَبَنى المجتمع الدولي ممثلاً في منظمات الأمم المتحدة المتخصصة آلية وأداة دولية تُلزم كل دولة على حدة للمساهمة في علاج التلوث، وهذه الآلية التي أَجْمعت عليها دول العالم دون استثناء هي الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية، مثل بروتوكول مونتريال الخاص بحماية طبقة الأوزون التي تحمي الإنسان من شر الأشعة فوق البنفسجية القاتلة، واتفاقية التنوع الإحيائي المعنية بحماية التراث الطبيعي من بيئات وكائنات حية نباتية وحيوانية وكائنات دقيقة، ومنها أيضاً الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي والخاصة بمنع ارتفاع درجة حرارة الأرض وحدوث التغير المناخي على مستوى الكرة الأرضية، ومعاهدة الاتجار الدولي في الكائنات الحية الحيوانية والنباتية المهددة بالانقراض، وحماية الأنواع الحيوانية المهاجرة في البر والبحر.

 

فالبيئة إذن وهمومها وشؤونها تستطيع أن تُوحد الدول تحت شعارٍ واحد هو "حماية كوكبنا"، وتبني علاقات وثيقة وقوية بين كل دول العالم مهما كانت الخلافات بينهما، فكُلنا يعيش على هذه الأرض، فلا أرضَ غيرها تصلح للحياة، ولا أرض غيرها نعرفها حتى يومنا هذا، فعلينا جميعاً أن نحافظ عليها ونحميها ونمنع أية دولة، مهما كانت قوتها، من الإضرار بصحتها وأمنها ومصيرنا المشترك.

  

 

 

 

الثلاثاء، 12 مايو، 2015

شوارعٌ في أعماقِ البحر!


امتلأ قلبي حزناً وألماً، وشعرتُ بالحسرة والأسف الشديدين للفيلم الوثائقي الذي شاهدته مؤخراً عن الوضع المأساوي للبيئة البحرية البحرينية، وما آلتْ إليها هذه البيئة المنتجة والمعطاءة للأجيال السابقة، وبخاصة الحالة الكارثية التي وصل إليه قاع البحر والحياة الفطرية من النباتات والأعشاب والحيوانات التي تعيش في الأعماق وتختبئ في تربتها، وستظل بظلها، وتحتمي بها هي وصغارها من الكائنات الكبيرة المفترسة.

 

فقد رأيتُ مناظر لم أصدقها، ولولا أنني قد علِمتُ مسبقاً أني أشاهد فيلماً عن البيئة البحرية، لكذبت عيني، ولظننتُ أنها لقطات حية لما هو فوق سطح البحر وفي البيئات البرية بالتحديد، حيث شاهدتُ شوارع ترابية لمسافاتٍ طويلة في قاع البحر كالشوارع الموجودة في البر، وكأن هناك سيارات ذا دفعٍ رباعي كانت تسير على تلك الشوارع فتَركتْ آثارها واضحة ومشهودة للجميع، وبصماتها محفورة بعمق في تلك المناطق.

 

فهذه الشوارع البحرية القاعية تكونت بسبب الآلاف من شباك الجر القاعية التي تسحبها السفن في مواسم الصيد منذ عدة سنوات، وبالتحديد صيد الربيان والأسماك القاعية، حيث عملت شباك الجر هذه كجرافات الدمار البحري الشامل، أو "البولدورزات البحرية" التي لا تُبقي ولا تذر، فتزيل كل شيء يقف أمامها، الأخضر واليابس، وتدمر كل صغيرٍ وكبيرٍ في طريقها، فهي تلتهم وتأكل كما يأكل النار الحطب، ومازالت حتى يومنا هذا تواصل أعمالها التخريبية والتدميرية بالرغم من الحظر المفروض عليها، دون أن يتمكن أحد من إيقافها!

 

فشباك الصيد هذه، وشباكٌ أخرى ممنوعة هي من الأسباب التي تُهدد استدامة عطاء الثروة البحرية لنا وللأجيال القادمة من بعدنا، وهي من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى التدهور الكمي والنوعي في الكائنات البحرية من أسماك وروبيان وجعلت أسعارها تفوق بدرجة ملحوظة لجميع المواطنين أسعار المصادر الأخرى للغذاء والبروتين الذي يحتاج إليه الإنسان في وجباته اليومية.

 

كما أن هناك مصادر أخرى هامة أثرت على هذه الثروة السمكية الفطرية الغالية، منها عمليات الحفر والدفن. أما بالنسبة لأعمال الحفر فهي تعني حفر مناطق بحرية محددة لاستخراج الرمل منها، ثم نقلها إلى المناطق المراد دفنها، فهذه العملية التي تُستخدم فيها آليات الحفر الحادة العملاقة والضخمة تدمر كلياً البيئة القاعية، وتقضي تماماً على كل كائنٍ حي يعيش في منطقة الحفر، أو المناطق المجاورة لها، ومن جانبٍ آخر هناك الشق الثاني من العملية، وهو نقل الرمال لمسافات طويلة عبر الأنابيب ودفن المناطق البحرية الساحلية أو غير الساحلية، وهذه تعني أيضاً التدمير الشامل للمنطقة المدفونة، ودفن وقتل كل الكائنات الحية الموجودة عليها دون رجعة، وتحويلها إلى مقبرة جماعية لثروة فطرية حية.

 

كذلك هناك التلوث الناجم عن صرف مياه المجاري المعالجة جزئياً، أو غير المعالجة في بعض الأحيان، إضافة إلى مياه الصرف الصناعي والزراعي والمياه الحارة والمالحة التي تنجم عن عمليات التبريد في محطات تحلية المياه، فكل هذه المياه الآسنة تحمل في بطنها خليطاً معقداً من الملوثات السامة والخطرة التي تؤثر على البيئات البحرية والكائنات الحية النباتية والحيوانية البسيطة والدقيقة التي تعيش في تلك المناطق وتمثل الحلقة الأولى والأساسية للسلسلة الغذائية البحرية. وفي المقابل أيضاً هناك القمامة والمخلفات الصلبة التي تتراكم في السواحل بجميع أنواعها وأحجامها، ومنها ما وصل إلى قاع البحر وجثم هناك في مثواه الأخير.

 

فكل هذه المصادر والأسباب هي التي أوصلتْ البيئة البحرية والموارد البحرية الحية إلى هذا الوضع الكارثي ودمرت هذا المورد الغذائي والاقتصادي، فهي التي جعلت سعر الكيلوجرام من سمك الهامور يرتفع من "روبيات" إلى أكثر من سبعة دنانير!

   

 

الثلاثاء، 5 مايو، 2015

أزمة المرور ودور المجلس الأعلى للمرور


تابعتُ بكل شغفٍ واهتمام وقائع وقرارات وتوصيات الاجتماع الثاني والثلاثين للمجلس الأعلى للمرور من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والتي أَكدتْ على ايجاد حلول جذرية لمشاكل المرور من خلال تقديم بعض الحلول التي قد تخفف من حدة المشكلة وتقلل من تداعياتها على المواطن والمجتمع.

 

ولكن ما يثير قلقي، ويعمق من مخاوفي هو حصر قضية السيارات في الزاوية المرورية الضيقة، والتعامل معها وإدارتها عن طريق البعد المروري فقط، ثم تجاهل ونسيان الأبعاد والجوانب الأخرى للسيارات التي لا تقل أهمية من ناحية تأثيراتها الكبيرة على الفرد والجماعة والدولة بكل أركانها، بل وأستطيع أن أجزم وأؤكد بأن تداعياتها الخطرة أشد وطأة وتأثيراً من الجانب المروري، فهي تُـهدد الأمن الصحي والبيئي والاقتصادي من جهة وأمن مصادر وموارد الطاقة من جهة أخرى، فمن الخطأ الفادح إذن أن نقتصر في حديثنا عن قضية السيارات في الأزمة المرورية التي تنشئ عنها، إذ لا بد من طرح الرؤية الشاملة والمتكاملة لهذه القضية، وتبني حلولاً شاملة ومتكاملة تعالج كافة الجوانب المتعلقة بقضية السيارات حتى نقضي على المشكلة من جذورها ونبتعد عن الحلول المسكنة والقصيرة الأمد والتي وقعها يكون عادةً بسيطاً وقصيراً، ثم ترجع المشكلة وتظهر كما كانت مرة أخرى، وربما أكثر تفاقماً من قبل.

 

وقد تأملتُ منذ التسعينيات من القرن المنصرم في قضية السيارات، ودرستها بعمق وموضوعية، وتيقنتُ بأنها هي القضية المستقبلية في مملكة البحرين، فنشرتُ رؤيتي وأفكاري في الكتاب الذي صدر عام 1999 تحت عنوان: "السيارات، المشكلة والحل". 

 

وفي هذا الكتاب بيَّنتُ أولاً قضية السيارات كمشكلة عالمية تعاني منها معظم المدن الحضرية، فالبحرين لا تقف وحيدة أمام هذه الظاهرة والقضية الشائكة، ثم تطرقت إلى كافة الأبعاد والجوانب المتعلقة بمشكلة السيارات وتعمقت في تداعياتها وخطورتها، مثل البعد البيئي من ناحية تلوث الهواء وتدهور صحتها نوعياً وكمياً والمظاهر التي تنكشف عنها في الهواء الجوي، ثم البعد الصحي والأمراض الحادة والمزمنة التي تنجم عن التعرض لملوثات السيارات السامة والمسرطنة وانكشاف ظاهرة الموت المبكر في المدن بسبب عوادم السيارات، وبعد هذين البعدين تناولت الجانب المروري من حيث زيادة درجة الازدحام والاكتظاظ والحوادث المؤلمة في الشوارع وما تنجم عنها من مشكلات فرعية أخرى، ثم الجانب المتعلق بأمن الطاقة ونفودها، وأخيراً تطرقت إلى الجانبين الاقتصادي والاجتماعي الناجمين عن أبعاد قضية السيارات.

 

وبعد أن شخصتُ المشكلة بكامل أبعادها وعرفتُ أن هذه القضية معقدة جداً ومتشابكة ومتشعبة ومرتبطة بقضايا أخرى، قدمتُ فصلاً أطلقتُ عليه: "الإدارة المستدامة والمتكاملة لمشكلة السيارات"، حيث طرحت فيه الحلول على عدة مستويات منها مستوى الجهاز التنفيذي، ومستوى الجهاز التشريعي، ومستوى الشركات الصناعية، ومستوى الجمعيات والأندية والأفراد. أما بالنسبة للحل على المستوى الحكومي فقد قدمتُ بإسهاب دور كل وزارة وهيئة حكومية في المساهمة في علاج هذه القضية، بحيث تقوم كل وزارة أو هيئة بتقديم الحلول وتنفيذها حسب اختصاص ومهمات ووظائف هذه الوزارة أو الهيئة، كذلك الحل على مستوى الشركات الصناعية التي لها دور في إنتاج الوقود للسيارات، فكل جهةٍ من هذه الجهات تعالج جانباً وبعداً محدداً من أبعاد قضية السيارات حسب مهماتها واختصاصاتها، وفي نهاية المطاف يصب الجميع في دائرة علاج هذه القضية المعقدة.

 

وهنا يأتي دور المجلس الأعلى للمرور ليُنسق بين كل هذه الجهات المختلفة المعنية بالحل فيرسم "خارطة طريق" لإدارة قضية السيارات، وتبدأ خارطة الطريق بمخاطبة جميع الأجهزة الحكومية وغير الحكومية واستطلاع رأيها في تقديم مجموعة من الحلول العملية القابلة للتنفيذ كل حسب وظيفتها واختصاصها ووضعها جميعها في بوتقة واحدة ستكون هي "الحل المتكامل والمستدام" لقضية السيارات.      

 

وأتمنى جميعاً أن لا نستهين بقضية السيارات وتداعياتها المهددة للوطن والمواطن، ونعمل سوياً لعلاجها، فيُسهم كل منا في الحل، فهي ستكون قضيتنا المستقبلية.

 

الاثنين، 4 مايو، 2015

القبضة الحديدية لمكافحة التلوث


ربما لأول مرة في تاريخ الصين يُلقي المسؤولون الصينيون تصريحاتٍ نارية عارمة حول قضايا لا تخص الأمن أو الاقتصاد، وإنما تدور حول القضايا البيئية والفساد الكبير والشامل الذي استفحل في المجتمع الصيني وهزَّ  صحة الإنسان والحيوان والنبات، ودمر عطاء وإنتاجية الهواء والماء والتربة إلى درجةٍ سواء.

 

فقد صدرت هذه التصريحات الحازمة والقوية من رأس الهرم الحزبي ومن قمة رجال الدولة وهو الرئيس الصيني كساي جينبينج(Xi Jinping)، حيث قال بلهجةٍ شديدة وغاضبة في العاشر من مارس من العام الجاري أثناء الاجتماع السنوي للمجلس الشعبي الوطني الصيني: "سنقُوم بمعاقبة المخالفين بالضرب بيدٍ من حديد لكل من يدمر مكونات البيئة، وبدون استثناء"، وأضاف الرئيس الصيني مشدداً على أهمية حماية البيئة والمحافظة على ثرواتها الطبيعية وبلغةٍ لم نعهدها من قبل، حيث قال: "حماية البيئة هي مفتاح تأمين حياة المواطنين وعلى الجميع العناية بالبيئة كما يعتني بأعينهم وحياتهم".

 

وفي الحقيقة فإنني كتبتُ عدة مقالات حول الظاهرة الصينية في النمو وانعكاساتها المباشرة والخطيرة على صحة الإنسان والحياة الفطرية بشقيها النباتي والحيواني وعلى سائر عناصر البيئة، وإنني أُشدد وأرُكز على هذه الحالة الصينية لأنها تجربة معاصرة، وخبرة نراها أمامنا رؤي العين فيجب أن لا نتجاهلها، أو تفوتنا الاستفادة منها في بلادنا، فلا نريد أن نقع في زلاتهم، وتنزلق أقدامنا في هفواتهم.

 

وهناك مؤشرات أراها في البحرين قد تصل بنا إلى ما وصلت إليها الصين، فمئات العيون العذبة الفرات في البر والبحر قد جَفتْ وانتهت كلياً من خارطة البحرين، والمياه الجوفية تحولت إلى ملحٍ أجاج غير سائغٍ للشاربين، والبحر نأكل من جسمه رويداً رويدا، وفي كل يوم نقطع شرياناً من شرايين هذا البحر، ونبتر عضواً من أعضائه المنتجة التي تمدنا بالماء والغذاء، فنقضي كلياً مع كل هذا على مواطن الأسماك والحياة الفطرية الجميلة والبديعة. وفي الجانب الآخر فإن الهواء الذي من المفروض أن يحمي صحتنا ويُعيننا في استدامة حياتنا وبقائنا، فلا حياة صحية بدونه، قد أَطْلقنا في بطنه كافة أنواع الملوثات من السيارات التي بدأت تخنقنا في الطريق وفي الجو وتسبب مشكلات بيئية وصحية واجتماعية واقتصادية.

 

فكل هذه المؤشرات الواقعية الحية تؤكد لي شخصياً أننا سائرون على الدرب الصيني، وإذا لم نغير مسارنا، فعلينا أن نتوقع أن يصيبنا ما أصاب الصين. 

 

الثلاثاء، 28 أبريل، 2015

من المباني المستقبلية إلى مُدن المستقبل


نشرتُ مؤخراً في أخبار الخليج مقالاً عنوانه :"مباني المستقبل" أو المباني الخضراء وتناولتُ فيه مفهوماً جديداً في بناء المباني والعمارات والمساكن بحيث يأخذ هموم البيئة والحفاظ على ثرواتها ومواردها في الاعتبار كجزء رئيس عند مرحلة التصميم والتنفيذ والصيانة لهذه المباني، واليوم أجد نفسي مضطراً إلى النظر بشكلٍ عام وعلى مستوى أكبر في هذه المفهوم الحديث وبالتحديد عند تصميم وبناء المدن، أو عند توسعة وصيانة مدن قديمة.

 

ولكن في حالة تصميم وبناء المدن البيئية والخضراء فإننا نقف أمام قضيةٍ كبيرة وعلى مستوى واسع، ونواجه أمراً معقداً ومتشابكاً وفيه مَطَبات وعوائق كثيرة منها سياسية، ومنها اقتصادية، ومنها اجتماعية، ولذلك سنكون بحاجةٍ إلى إحداث انقلابٍ عام أو "ثورة بيئية"، و"ثورة خضراء" تكون على مستوى تحديات هذه القضية، بحيث تُحدث تغييرات جذرية معمقة في البنية التحتية وفي كافة التسهيلات والمرافق المرتبطة بها. فنحن بحاجةٍ إلى ثورة في تغيير المعلومات لدى الأفراد والمسؤولين وكافة شرائح المجتمع، وثورة في تغيير المفاهيم، وثورة في تغيير الاتجاهات، وثورة في تغيير السلوكيات، أي ثورة بيئية واجتماعية واقتصادية وسياسية وإعلامية وتشريعية عامة تغطي كافة مناحي الحياة وتُعطي البيئة الأولوية عند تصميم أو تنفيذ أي مشروع في المدينة، صغيراً كان أم كبيراً، مشروعاً سكنياً كان أم تجارياً، مشروعاً صناعياً كان أم غير ذلك، وبعبارة أخرى أي مشروعٍ أو عمل يقام في المدينة. 

 

فهذا الانقلاب البيئي المطلوب عند بناء أو تنمية المدن يعتمد على مفهومٍ بسيط هو البناء بدون التدمير، والتعمير بدون الافساد، والتنمية بدون الهدم، أي على سبيل المثال بناء وتشييد المصانع دون السماح لها بإطلاق الملوثات الضارة إلى الهواء الجوي التي تقتل البشر والشجر، ودون السماح لها بصرف المياه الملوثة والسامة إلى المسطحات المائية أو الجوفية التي تهلك الحياة الفطرية المائية وتضر بالإنسان والحيوان، وفي الوقت نفسه إجبار هذه المنشآت الصناعية على منع إنتاج كافة أنواع المخلفات الصلبة والسائلة والغازية، أو معالجتها وإدارتها بشكلٍ بيئيٍ وصحيٍ سليمين، كذلك التنوع في توفير وسائل للمواصلات العامة والخاصة بحيث تخفض من تلويث الهواء الجوي نوعياً وكمياً وتقلل من الازدحام والاكتظاظ المروري في الشوارع وتقلل من الهدر في موارد الطاقة غير المتجددة، ومن جانب آخر نُعَمَّر المباني والمساكن والعمارات الشاهقة دون أن نقضي على المساحات الخضراء الطبيعية أو الحياة الفطرية النباتية أو الحيوانية، ونأخذ في الحسبان جميع الوسائل والتقنيات المتاحة والمتوافرة لخفض وترشيد استهلاك الموارد والثروات الطبيعية غير المتجددة والناضبة، سواء أكانت الكهرباء، أو الماء، أو مواد البناء، ونقلل من إنتاجنا للمخلفات الصلبة والسائلة.

 

وهذا الانقلاب أو الثورة البيئية العامة المطلوبة عند بناء المدن تعني أيضاً التنوع في مصادر إنتاج الكهرباء والماء وعدم الاعتماد كلياً على المصادر التقليدية والناضبة وغير المتجددة، مثل مشتقات النفط أو الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء وتشغيل محركات السيارات، والتفكير في المصادر النظيفة والمتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرهما، كذلك بالنسبة لمصادر المياه والاعتماد على تقنيات التدوير وإعادة الاستعمال، سواء بالنسبة للمياه الصناعية أو مياه المجاري.

 

فالانقلاب البيئي الذي أدعو إليه يفرضه الواقع المؤلم الذي يعاني منه معظم المدن الحضرية من فسادٍ كبير لنوعية الهواء، وتدميرٍ عميق لمياه البحر، وهدرٍ كبير للموارد والثروات الطبيعية، وانتشارٍ واسعٍ ومشهود للأمراض الناجمة عن هذا التدهور البيئي في المدن، فالتجارب السابقة في بناء المدن أكدت فشلها وعدم استدامتها ولم تحقق أهدافها، ولذلك كان لا بد لي من طرح هذه الرؤية الشاملة الجديدة لنحقق لأنفسنا السعادة، ولبيئتنا الصحة والسلامة، ولمواردنا الاستدامة في العطاء والبقاء.     

 

الأحد، 26 أبريل، 2015

المَبَاني المُستقبلية


كَثُر الحديث في الأيام القليلة الماضية في وسائل الإعلام المحلية عن "المباني الخضراء"، وتركزت هذه الأخبار على شُروع إحدى الوزارات الحكومية على بناء مثل هذا النوع من المباني، وفي الحقيقة فإن هناك مصطلحات كثيرة تُطلق على هذا النوع الجديد من المباني والعمارات وهي في مجملها تتلخص في مفهومٍ واحد مُحَدد هو إنشاء المساكن والمباني بكافة أنواعها وأحجامها بحيث إنها تأخذ الهموم البيئية في الاعتبار عند التصميم، والإشراف، والتنفيذ، والصيانة والتشغيل، إضافة إلى قيامها الحد من أية آثارٍ سلبية تنجم عن المبنى على المكونات البيئية الحية وغير الحية من الناحيتين الكمية والنوعية، ومن هذه المصطلحات غير "المباني الخضراء" التي تحقق هذا المفهوم العام هي "المباني الصديقة للبيئة"، أو "المباني المستدامة"، أو "المباني البيئية"، أو "المباني المستقبلية".

 

وهناك عدة معايير ومبادئ دولية قد حُددت ووُضعت لتصنيف أي مبنى، أو عمارة بالمباني الخضراء، وهذه المعايير مستخلصة من أربعة مجالات عامة. فالمجال الأول متعلق بالطاقة والكهرباء وسبل ترشيد استهلاكه بأكبر كفاءة ممكنة، وتشغليه بأكبر قدر من الفاعلية، والمبرر في ذلك أننا كلما زاد استهلاكنا للكهرباء، زاد انبعاث الملوثات إلى الهواء الجوي وارتفعت وتيرة وحدة تدهور الهواء وتعجلت سرعة وقوع التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض. ولذلك ابتكر العلماء عدة وسائل لتحقيق هذا الهدف، منها النوافذ السميكة ذات الثلاثة ألواح، إضافة إلى تصنيع زجاج النوافذ من مواد تسمح الضوء في الدخول في المبنى وتقلل من السماح للحرارة بالدخول، مما يعني المحافظة على حرارة أو برودة المبنى. كذلك إبداع مصابيح منخفضة إطلاق الحرارة ومرتفعة إعطاء الضوء والإنارة، إضافة إلى أنها مصابيح تبقى سنوات دون الحاجة إلى تغييرها، مما يوفر الكثير من الجهد، والمال، والكهرباء، ويقلل من التلوث، ويخفض من إنتاج المخلفات الصلبة الخطرة. وفي المقابل أيضاً ابتدع خبراء المواد والبناء مواد وأصباغ وطوب عازل للحرارة يُوضع فوق سطح المبنى، أو في الجدران فيُقلل من دخول الحرارة ويوفر الكهرباء، وبالتالي يقلل من تدهور وتلوث الهواء الجوي ويخفض من الضرر الصحي له. كذلك من الضروري التفكير كلما أمكن وفي بعض التطبيقات العملية، استخدام الطاقة المتجددة والنظيفة، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وغيرهما. وعلاوة على هذا فإن خفض استهلاك الطاقة يُطيل من عمر مصادر الطاقة، وخاصة أننا في البحرين نُنْتج الكهرباء من مشتقات البترول أو الغاز الطبيعي، وكلها مصادر ناضبة وغير متجددة للطاقة.

 

أما المجال الثاني فهو الثروة المائية وسبل ترشيدها وخفض استهلاكها من جهة، والاستفادة من مصادر المياه غير التقليدية في المباني، مثل مياه المجاري المعالجة، أو مياه الأمطار من جهة أخرى. أما من جانب ترشيد الاستهلاك فإن عقل الإنسان أبدع في إنتاج حنفيات وأدوات مختلفة تُقلل من استهلاك الماء، وتُرشد في استخدام هذه الثروة الحيوية. ومن جانبٍ آخر يمكن إعادة استعمال مياه المجاري على حسب درجة معالجتها لأغراض متعددة في المباني وفي ري النباتات والمسطحات الزراعية.

 

أما المجال الثالث فهو نوعية المواد المستخدمة في المباني، سواء تلك المستخدمة في خارج المبنى، أو في التصميم الداخلي، بحيث إنها يجب أن تكون مستخلصة من المواد الخام المتوافرة محلياً، إضافة إلى التأكد على أنها لا تنبعث عنها سموم وملوثات، مثل بعض أنواع الجرانيت التي ينبعث عنها غاز مشع عديم اللون والطعم والرائحة يسمى الرادون، أو أخشاب مضغوطة تنبعث منها مادة الفورمالدهيد المسرطنة، أو الدهان والأصباغ التي تنطلق منها ملوثات عضوية سامة، وبعضها يسبب السرطان.

 

والمجال الرابع فهو المخلفات الصلبة، أو القمامة، وهذه تُعد في كل المدن حضرية مشكلة كبيرة جداً وتسبب أزمة خانقة وعبئاً شديداً على كاهل المسئولين عن إدارتها، ولذلك هناك الكثير من الطرق التي يمكن تبنيها لخفض إنتاج المخلفات، وتقليل أحجامها.

 

والجدير بالذكر أن للمباني الخضراء المستقبلية أبعاد اقتصادية مشهودة، أي أنها مربحة لمالك المبنى على المدى الزمني القريب والبعيد، ولذلك قام ملاك الكثير من المباني القديمة الموجودة منذ مئات السنين بتطبيق آليات وأدوات ووسائل العمارة الخضراء لإعادة تأهيل المبنى بشكلٍ كلي، ومن أروع الأمثلة التي يمكن الاستئناس بها هو أشهر أول أطول عمارة تاريخية في العالم، وهي ناطحة سحاب "إِمْبير ستيت" في مدينة نيويورك، حيث قام صاحبها بصرف الملايين لإعادة تأهيلها بيئياً.

 

فالمباني الخضراء هي المباني المستقبلية التي يجب تنفيذها على أرض الواقع، فعن طريقها نضرب أكثر من عصفورين بحجرٍ واحد.