الخميس، 29 يناير، 2015

تصريحات غير متوقعة من الرئيس الصيني



تصريحات وسياسات قادة الصين، وعلى رأسهم الرئيس الصيني ورئيس الوزراء قد تغيرت خلال السنوات الماضية تغيراً جذرياً وغير متوقعاً، فتحولت من سياساتٍ لا مبالية بهموم البيئة، ومتجاهلة كلياً لشؤونها اليومية، إلى سياساتٍ وتصريحات شديدة وحازمة تصب في مصلحة البيئة، وتؤكد على حمايتها وصيانة مواردها وثرواتها الطبيعية.

فمن التصريحات غير المألوفة والقوية للرئيس الصيني كساي جينبينج(Xi Jinping) ما أدلى به في 22 يناير من العام الجاري حيث شدَّد على رعاية مكونات البيئة وحماية عناصرها إلى درجة أنه أكد عليها قائلاً: "على الصين أن تـَحمي بيئتها كما يحمي الإنسان ويُثمِّن عينيه"، كما أضاف الرئيس الصيني أثناء زيارته لمقاطعة يونان(Yunnan) بأن حماية البيئة يجب أن تكون في مقدمة جدول أعمال الصين، "وأنَّ علينَا أن نتعامل مع البيئة بالطريقة نفسها التي نحافظ فيها على حياتنا، وأن البيئة يجب أن لا تعاني من أجل النمو الاقتصادي". 

فهل هذه السياسات الجديدة تجاه البيئة وثرواتها الفطرية الطبيعية جاءت مرة واحدة، وفجأةً دون مقدمات وبين عشيةٍ وضحاها، أم أن هذه التصريحات والسياسات للقيادة الصينية جاءت مفروضة عليهم ومكرهين على اتخاذها؟

فمن المعروف أن الصين دولة ثابتة ومحافظة لا تتزعزع سريعاً في التحول عن سياساتها، وتغييرها يحتاج إلى وقتٍ طويل وإجراءات معقدة ومتشابكة، ولذلك فإن هذا التغيير الذي قد طرأ على السياسية الصينية البيئية تؤكد لي بأنه لا بد أن أمراً جللاً قد وقع، أو أن زلزالاً شديداً قد ضرب الصين، فهز الأرض من تحت القيادة الصينية، وهدد استقرارهم وأمنهم وحُكْمهم، فأدى إلى تحويل وتغيير سياساتهم واستراتيجياتهم البيئية على المدى القريب والبعيد.

وفي تقديري فإن هناك أسباباً أمنية، وسياسية، وصحية، واجتماعية، واقتصادية تقف وراء هذا التغيير الملحوظ في السياسات البيئية. أما العوامل الأمنية السياسية، وهي الأهم بالنسبة للحكومات لأنها تهز عروشهم وتسقط حكوماتهم، فقد تمثلت في خروج المواطنين في مظاهرات عارمة واحتجاجات شديدة وعنيفة، رغم منع الحكومة الصينية مثل هذه المظاهرات، لإبداء غضبهم وسخطهم على الوضع البيئي المتدهور في الماء والهواء والتربة، وإصابة الناس بأمراض مستعصية ومزمنة مثل السرطان بسبب التعرض للملوثات التي ملأت الأرض والجو والماء، إضافة إلى احتجاجهم على إنشاء مصانع جديدة ملوثة للبيئة ومدمرة لصحتهم في مدنهم وقراهم، حيثاعترفت التقارير الحكومية عن وجود نحو 459 قرية سرطانية منكوبة، أي وجود قرى ومدن ترتفع فيها مستويات الإصابة بالسرطان مقارنة بالقرى والمدن الصينية الأخرى.

كذلك فإن التداعيات الاقتصادية للتدهور البيئي الصحي بلغت رقماً صعباً يُرهق كاهل الميزانية الحكومية، حيث قُدرت كُلفة الدمار العميق الذي وقع على جميع مكونات البيئة وصحة الإنسان بقرابة 222 بليون دولار أمريكي في عام 2009، وارتفع في عام 2010 بنسبة 9.2%. كما أكدت التقارير أن الصين صَرَفَتْ في عام 2010 فقط نحو 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي(GDP) على المشاريع الخاصة بإعادة تأهيل البيئات المتضررة في البر والبحر والنهر، ووضع أجهزة التحكم والمعالجة على مصادر انبعاث الملوثات الغازية والسائلة، إضافة إلى معالجة المخلفات الصناعية الصلبة وشبه الصلبة والخطرة.

فهذه العوامل والانعكاسات الخطرة التي هددت استقرار الحكومة الصينية ودهورت الأمن الصحي لعامة الناس، هي التي دفعت القيادة الصينية دفعاً اضطرارياً إلى الاهتمام بالبيئة ووضعها في مقدمة الأولويات، وحان الوقت لنا أيضاً في البحرين أن نُقدم البيئة إلى الأمام في جدول أعمالنا طوعاً وليس اضطراراً حتى نحقق التنمية المستدامة حسب برنامج الحكومة.

الثلاثاء، 27 يناير، 2015

التلوث ينْخر في بَدَن تاج محل


شاهدتُ اليوم صورة مؤثرة لأحد أعظم صروح التراث المعماري الإسلامي التاريخي العريق، وهو في حالةِ معاناةٍ شديدة، واحتضار الساعات الأخيرة، فقد رأيتُ أجهزة البناء مثبتة على وجهه، ومعدات التشييد والصيانة تملأ قبته الأثرية الجميلة، والسقالات(السكالات) اكتظت بجسمه العليل، وفوقها مئات العمال يتسلقون أعضاء جسمه كتسلق النمل فوق غصون الأشجار، فكل واحد منهم يقوم بمهمته ودوره لإنقاذ هذا البناء العالمي الفريد من نوعه.

 

هذا الصرح هو تاج محل في الهند الذي انبهر بجماله وتنسيق بنائه علماء الهندسة المدنية والعمارة، وفنيو التصميم الخارجي والداخلي، وحرفيو التشييد والرسم والتصوير، فهو يُعد بذلك من أروع وأجمل تحف التصميم والبناء في العالم، فهو فريد من نوعه من حيث أنه يمثل مزيجاً رائعاً وجذاباً من العمارة الإسلامية، والمغولية، والهندية، والتركية، والفارسية، حتى أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم(اليونسكو) أعلنت هذا البناء العظيم من ضمن مواقع التراث العالمي الثقافي في عام 1983. 

 

فتاج محل أصيب الآن بداء العصر، ومرض القرن العشرين، وتفشت في جسمه الملوثات، فدخلت وانتشرت في أعماق كافة أعضائه منذ عشرات السنين، حتى بلغ مرحلة الشيخوخة المبكرة، فانكشفت آثار هذا التلوث على بدنه، وظهرت عليه أعراض مرضية لا يمكن إخفاؤها أو تجاهلها، إذ تحول لون القبة الرخامية الناصعة البيضاء التي تسر الناظرين إلى اللون البني الكريه الذي يُنفِّر الناظر ويبتعد عنها المشاهد، وبذلك احتاج إلى تدخلٍ جراحي سريع، وعمليةٍ طويلة لإعادة الروح إلى جسمه، والقلب إلى نبضه وحيويته. 

 

ومن أجل إجراء هذه العملية الجراحية العاجلة لهذا الصرح العليل، اجتمع أفضل علماء الهند والولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة فشرعوا أولاً بتشخيص المرض الذي يعاني منه، وتحديد أعراضه بشكلٍ كامل ودقيق، ثم عملوا على تحديد نوعية التدخل الجراحي، وأخيراً وصفوا الدواء العاجل والشافي لإكمال كل جوانب العلاج. فجاء هؤلاء العلماء متحدين لإنقاذ تاج محل حاملين معهم أجهزتهم وعتادهم ومعداتهم، فأخذوا عيناتٍ من الهواء الجوي الذي يحيط بتاج محل لمدة شهرين كاملين، إضافة إلى عيناتٍ صلبة من أعضاء بَدَنِه السقيم، وبالتحديد من القبة الرخامية التي يصل طولها إلى 115 قدماً والمئذنة وطولها 130 قدماً، ثم نُقلت هذه العينات فوراً إلى مختبرات الهند وأمريكا لتحليلها تحليلاً كاملاً للتعرف على نوعية الملوثات التي ضربت جسم تاج محل، وحجمها، وبخاصة من ناحية الجسيمات الدقيقة. وقد أكد العلماء أن الجاني الذي سبب هذه الأعراض المرضية لهذا التراث الدولي العظيم هو تلوث الهواء، وأن المتهم هو عنصر الكربون الأسود، والكربون العضوي البني، والغبار، وهذه الملوثات تنجم أساساً عن حرق الوقود في السيارات، وفي مصانع الطابوق، إضافة إلى حرق المخلفات الصلبة والمخلفات الزراعية.   

 

وقد وصف العلماء نتائج واستنتاجات دراستهم هذه في مجلة تقنيات علوم البيئة الأمريكية في العدد الصادر في السادس من يناير من العام الجاري تحت عنوان:"تغير لون تاج محل بسبب جسيمات الكربون وترسب الغبار".

 

وهذه الحالة التي يعاني منها تاج محل الآن، تذكرني بالتراث الفني الغربي من تماثيل وصروح تذكارية وقصور خالدة، حيث إن جميع هذه التماثيل كانت قد تحللت أعضاء جسمها، أو تآكلت رويداً رويداً بسبب المطر الحمضي القاتل الذي كان ينزل على مدن أوروبا وأمريكا فيحول غاباتها الكثيفة الخضراء إلى صحاري قاحلة، وبحيراتها وأنهارها إلى مقابر جماعية مقفرة لا حياة فيها ولا روح لها.

 

فما أصاب تاج محل والمواقع الأثرية والتراثية في كل دول العالم من داء التلوث يشير إلى المردودات المتعددة والمختلفة للتلوث والتي تشمل الجانب الصحي، والاقتصادي، والاجتماعي، والتراثي، والسياحي، مما يؤكد علينا الاهتمام بقضية حماية البيئة من التلوث ومنع انتشار وانطلاق الملوثات إلى بيئتنا.

 

 

الجمعة، 23 يناير، 2015

التهديد النووي لأمريكا من الداخل وليس من الخارج



تقريرٌ خطير نشرته مجلة بريطانية اسمها الأسبوع(The week) في العدد المنشور في 20 يناير من العام الجاري تحت عنوان:" الخطورة في الترسانة النووية الأمريكية القديمة"، حيث جاء فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني بشدة منذ عقود من ترسانتها النووية التي أصابتها الشيخوخة، من أسلحة وذخائر وقنابل وصواريخ نووية قديمة والتي تمت إحالتها على التقاعد منذ سنوات، حيث خفضت أمريكا من ترسانتها النووية من 31 ألفاً إلى 4800 خلال العقود الماضية، وهذه الأعداد المتعاظمة من الأسلحة النووية العتيقة بمختلف أحجامها وأنواعها وقوتها تُشكل منذ الأربعينيات من القرن المنصرم تهديداً أمنياً واقعياً ليس للبيئة والمواطن الأمريكي خاصة، وإنما لكافة البشر ولكوكب الأرض عامة.

وقد اعترف بهذه التهديد الحقيقي قائد أمريكي عسكري رفيع المستوى في القوات الجوية الأمريكية هو جيمس كوالسكي(James Kowalski) عندما صرح قائلاً:" اليوم، التهديد النووي الحقيقي لأمريكا ليس هو العدو الخارجي، ولكن الخطر الأعظم هو احتمال وقوع حادثةٍ مفاجئة أو خطأ بشري".

فالمشكلة تكمن في أن هذه الأسلحة تكدست مع الوقت خلال أكثر من سبعين عاماً، وهي مخزنة منذ ذلك الوقت في عدة ولايات أمريكية في ظروفٍ غير آمنة وغير مستقرة، وبطرق بسيطةٍ وغير سليمة، ولم تـُخصَص لرعايتها وحمايتها المبالغ المالية الكافية اللازمة لصيانتها وتأمينها وإعادة تأهيلها وتدريب العاملين على تشغيلها على مدار الساعة، فهي معرضة لعمليات التآكل والصدأ وتغيرات المناخ، إضافة إلى احتمال تسرب الملوثات المشعة منها الوقت دون أن يعلم أحد عنها، وفي الجانب الآخر فإن صيانة هذه الأسلحة والذخائر ترهق كاهل ميزانية أمريكا، حيث بلغت في عام 2014 نحو 8.3 بليون دولار، وهذا الرقم في ارتفاعٍ مطرد بشكلٍ سنوي.

وفي المقابل هناك أيضاً المعاناة الأزلية من المخلفات النووية المشعة ليس في أمريكا فحسب وإنما في كل الدول النووية، سواء أكانت المخلفات الناجمة عن صنع الأسلحة والذخائر والقنابل النووية، أو المخلفات التي تنتج عن المفاعلات النووية في الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية أو محطات توليد الكهرباء، وهذه تُعد قنابل ذرية موقوتة وتدخل في باب مخلفات الدمار الشامل. فالولايات المتحدة الأمريكية مازالت تتخبط في إدارة هذه المخلفات المشعة التي بلغت عشرات الآلاف من الأطنان والمخزنة بعضها في باطن الأرض، أو في برك مائية بصفةٍ مؤقتة في أكثر من ثلاثين موقعاً، ولم تتمكن حتى يومنا هذا من إيجاد الحل الجذري والمستدام.

واليابان فمعاناتها مركبة، فهي من جهة تقاسي من تكدس مخلفات محطات توليد الطاقة منذ عقود، ومن جهةٍ أخرى فهي تقف حائرة أمام كابوسٍ مخيفٍ نزل عليها في مارس عام 2011،عندما احترقت مفاعلات فوكوشيما وولدت آلاف الأطنان من المخلفات المشعة الغازية، والسائلة، والصلبة، وشبه الصلبة والتي تحتاج إلى طرقٍ آمنة وسليمة لمعالجتها والتخلص منها. 

وبريطانيا العظمى هي أيضاً تقف عاجزة أمام مئات الآلاف من قنابل الدمار الشامل المشعة التي تكدست ومازالت تتكدس بشكلٍ يومي عبر السنوات، ولم تنجح حتى كتابة هذه السطور في إيجاد المثوى الأخير لها.

كذلك فإن كوريا الجنوبية تواجه أزمة حقيقية بسبب المخلفات المشعة الناجمة عن تشغيل 23 محطة لتوليد الكهرباء والتي تعمل بالطاقة الذرية، فالكمية الموجودة حالياً تقدر بنحو 9000 طنٍ مخزنة في ظروفٍ غير آمنة في بركٍ مائية لا تتسع لهذه الأحجام الكبيرة والمتزايدة سنوياً.

وبناءً عليه فإن هذه الدول النووية التي تكتظ على أراضيها بمخلفات القنابل والأسلحة الذرية المشعة، عليها أن تأخذ حذرها وتتحرك سريعاً لإيجاد حلولٍ دائمة لهذه المخلفات، وإلا فستنقلب عليها، وستأتيها الضربة النووية من داخلها، ومن حيث لا تحتسب.

الثلاثاء، 20 يناير، 2015

البُخور وأمراض القلب


كنتُ دائماً أُحدثُ نفسي عن التأثيرات البيئية والصحية الناجمة عن حرق البخور والعود في منازلنا ومكاتبنا، وكنتُ في شوقٍ شديد، ولهفةٍ عميقة للتعرف على كمية ونوعية الملوثات التي تنبعث عند حرق البخور والعود والأنواع الأخرى منهما في البيئات الداخلية المغلقة، وبالتحديد بيئة المنزل .

 

ولكن نظراً لعدم توافر الأجهزة والمعدات الدقيقة الخاصة للقيام بهذه المهمة العلمية المتعلقة بإجراء القياسات الميدانية اللازمة لمعرفة هوية وتركيز المركبات الكيميائية التي تنطلق عند حرق البخور، اضطررت إلى حزم أمتعتي، وشد الرحال وأخذ كافة الأدوات والمواد المستخدمة في حرق البخور والخاصة بهذا البحث، إلى مختبرٍ في بريطانيا متخصصٍ في الدراسات المتعلقة بتلوث البيئات الداخلية.

 

فانطلقت فور وصولي إلى المختبر، ومكثت فيه نحو شهرٍ واحد، فقُمت بحرق البخور باستخدام المكبس أو المبخر الكهربائي في بيئة داخلية مغلقة، وجَمعتُ لمدة يومين كاملين الكثير من عينات الهواء في هذه البيئة الداخلية التي احترق فيها البخور، وأجريت التحاليل اللازمة عليها.

 

 

فكانت النتائج مفاجأة غير سارة لي ولجميع مستخدمي البخور، حيث وجدتُ أن هناك أكثر من خمسين نوعاً من الملوثات التي تنطلق بعد حرق البخور، ومن أخطر هذه الملوثات وأشدها فتكاً بصحة الإنسان هي البنزين المعروف بأنه من أحد مسببات الإصابة بسرطان الدم، إضافة إلى مركب الفورمالدهيد المُسرطن، والأسيتلدهايد، والطولوين، وثنائي إيثيل الثاليت(diethylphthalate) الذي قد يكون من المركبات المسرطنة، ومجموعة كبيرة من الملوثات الأخرى الغازية والصلبة.

 

وليست دراستي هي الوحيدة التي تؤكد المفاسد البيئية التي تنجم عن البخور أو العود أو غيرهما، ولكن هناك الكثير من الأبحاث المنشورة حتى يومنا هذا والتي تدخل بعمق في الجوانب الصحية المتعلقة بحرق البخور، وآخرها دراسة نشرت في مجلة أمريكية تُعنى بالجوانب الصحية للملوثات واسمها "شؤون صحة البيئة" في العدد الصادر في ديسمبر 2014، وكانت حول العلاقة بين حرق البخور والعود وارتفاع أعداد الموتى بسبب أمراض القلب، وجاءت هذه الدراسة تحت عنوان: “مخاطر الطقوس: استخدام البخور والموت من أمراض القلب".

 

وهذه الدراسة أُجريت في سنغافورا، وشملت 63257 إنساناً ماتوا، أو يعانون من أمراض القلب، حيث قامت بتحديد العلاقة بين استخدام البخور لسنوات طويلة، وبشكلٍ يومي في المنزل، أو المكتب، أو دور العبادة والتعرض للموت من أمراض القلب المختلفة. وقد تمخضت عن الدراسة عدة استنتاجات من أهمها أن هناك علاقة قوية بين الاستخدام طويل الأمد للبخور وأمراض القلب، فالذين يتعرضون لدخان البخور طوال سنوات حياتهم أشد احتمالاً للإصابة والموت من أمراض القلب، وبنسبة 12%، مقارنة بالذين يستخدمون البخور لفترات قصيرة من عمرهم، أو الذين لم يستخدموا البخور تماماً.

 

وبعد هذه الدراسات سيسأل الجميع: هل نستخدم البخور والعود أم لا؟

 

في الحقيقة، ولي أكون واقعياً في إجابتي، فإنني أدعو إلى استخدامه إذا كان لا بد من ذلك، ولكن باعتدال ووسطية، وتجنب الإسراف والمغالاة، إضافة إلى أخذ الحيطة والحذر والإجراءات الوقائية التالية ومنها استخدام المكبس الكهربائي لحرق البخور أو العود بدلاً من الفحم، وتجنب حرق البخور لزمنٍ طويل في المنزل أو المكتب، والامتناع عن استنشاق الملوثات المنبعثة أثناء الحرق، وعمل التهوية المناسبة بعد حرق البخور أو العود، وإذا قُمنا بهذه الإجراءات فإنني على يقين بأن أضراره البيئية والصحية ستكون منخفضة جداً.

 

 

الاثنين، 19 يناير، 2015

قضايا بيئية لمجلس النواب


بعد أن نشرتُ مقالاً في 29 نوفمبر من العام المنصرم في صحيفة أخبار الخليج تحت عنوان:"دراسة حول البيئة في البرامج الانتخابية للمترشحين"، تأكدتُ بأن هناك حاجةً ماسة وضرورية لتنبيه أعضاء المجلس النيابي القادم بدمج القضايا البيئية ضمن أولويات البرامج والمواضيع التي ستُطرح للمناقشة.

 

فقد جاءت النتائج مخيبة مقارنة بأهمية القضية البيئية، حيث لم تحظ بالاهتمام تماماً من قبل المترشحين، إلى درجة أن كلمة "البيئة" وردت 11 مرة فقط في كافة البرامج الانتخابية لمائة مترشح،و90 مترشحاً لم يتطرقوا كلياً إلى قضية البيئة وشؤونها التي تخص كل إنسان يعيش على هذه الأرض المباركة.

 

واستناداً إلى نتائج هذه الدراسة فإنني أتمنى من النواب إعطاء الأولوية للقضايا البيئية انطلاقاً من ثلاث نقاط رئيسة، فالأولى من دستور البحرين الذي قدَّم الفصل الثاني منه تحت عنوان "المقومات الأساسية للمجتمع" وبالتحديد المادة التاسعة ح أن "تأخذ الدولة التدابير اللازمة لصيانة البيئة والحفاظ على الحياة الفطرية"، والثانية من ميثاق العمل الوطني الذي أورد في الفصل الثالث، المادة الخامسة تحت عنوان: "البيئة والحياة الفطرية" ما يلي: "نظراً للضغط المتزايد على الموارد الطبيعية المحدودة فإن الدولة تسعى للاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والتنمية غير الضارة للبيئة وصحة المواطن...". أما النقطة الثالثة فهي وجود قضايا بيئية ملحة ومزمنة نقاسي منها،ويجب مناقشتها بإسهاب وتحديد سبل منعها وعلاجها من خلال سن التشريعات والقوانين المناسبة، إضافة إلى توجيه الجهات المعنية بضرورة التعامل الجدي والحازم مع هذه القضايا.

 

وفي تقديري ومن خلال الأبحاث والدراسات التي قُمتُ بها، أُلخص أهم القضايا البيئية في ما يلي:

 

أولاً: قضية تلوث الهواء، وبخاصة من السيارات. فالسيارات تُعد من أخطر الأزمات البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية التي نعاني منها الآن بشكلٍ يومي مشهود، وهذه الأزمة في تفاقمٍ مستمر مع الزمن، وقد نشرتُ كتاباً تحت عنوان: "السيارات، المشكلة والحل" لأقدم فيه تصوراتي حول علاج هذه المشكلة.

 

ثانياً: قضية البيئة البحرية، وبالتحديد البيئات الساحلية التي تواجه بشكلٍ يومي ضغوطاً كثيرة، منها عمليات الدفن المستمرة منذ أكثر من 60 عاماً، ومنها المخلفات السائلة التي تصب في بطنها كل يوم من محطات معالجة مياه المجاري والمصانع، وخليج توبلي أوقع مثالٍ يمكن تقديمه ليشهد على هذه المعاناة، حيث أعددت كتاباً شاملاً عنوان "خليج توبلي".

 

والمهم التنبيه إليه أن القضية البيئية لها أبعاد صحية واجتماعية واقتصادية، وإذا تم تجاهلها وإهمالها فإنها مع الوقت تتحول إلى قضيةٍ سياسية وأمنية نحن في غنى عنها.

 

 

 

الأحد، 18 يناير، 2015

الهَجْمَة الأمريكية على التغير المناخي


بينما تتجه أنظار شعوب العالم نحو الضوء الذي يُنير في نهاية نفق التغير المناخي المظلم، نجد أن قادة الولايات المتحدة الأمريكية، كما فعلوا من قبل ببروتوكول كيوتو، يريدون بقوتهم وجبروتهم إطفاء هذا النور بأيديهم وأفواههم، وإخماد الشمعة التي تُولِّد بريقاً من الأمل لدى سكان الأرض.

 

فالتغيرات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية المتمثلة في انتخابات الكونجرس وحكومات الولايات وفوز الجمهوريين بالأغلبية الساحقة، أَرجعتْ قضية التغير المناخي إلى نقطة الصفر. فالحزب الجمهوري بشكلٍ عام يقف حجر عثرة أمام أي تطورٍ في قضية التغير المناخي، سواء على المستوى الأمريكي القومي، أو على المستوى الدولي، وذلك تلبيةً لضغوط شركات البترول والفحم العملاقة ومحطات توليد الطاقة التي تمول وتدعم الجمهوريين في الحملات الانتخابات. فكل قانون أو نظام في مجال التغير المناخي، وبالتحديد في باب خفض انبعاث الملوثات المتهمة برفع درجة حرارة الجو وإحداث التغير المناخي من المصانع ومحطات توليد الكهرباء، له مردودات مالية سلبية على هذه الشركات، وتخفض من نسبة أرباحهم، وتهدد استثماراتهم المستقبلية.

 

ولذلك حرصت هذه الشركات على دفع أموال ضخمة لدعم المترشحين لمجلس الشيوخ، أو حكام الولايات الذين لا يتعاطفون مع قضية التغير المناخي ويؤمنون بأن التغير المناخي الذي نشهده الآن هو جزء من الدورة الطبيعية للمناخ ولا دخل للإنسان فيه، إضافة إلى تجنيد جماعات الضغط لإقناع رجال السياسة والقانون لتبني آرائهم ومعتقداتهم، فجاءت نتيجة الانتخابات لصالحهم تماماً، فلم تـُهدر أموالهم، ولم تذهب جهودهم سدى مع الريح، فقد بدأوا يجنون ثمار استثماراتهم السياسية ويحصدون ثمن غرسهم، حيث بلغ سدة الكونجرس رجال لا يؤمنون بالتغير المناخي، بل ومنهم من ينكر وجود هذه الظاهرة ويحاربها علناً.

 

فعلى سبيل المثال لا الحصر،السيناتور الجمهوري جيم إنهوف النائب عن ولاية أوكلاهوما استلم أكثر من مليون دولار تبرعات لصالح حملته الانتخابية من شركات النفط والغاز التي ترفض أي تشريع يخص التغير المناخي، وقد نال هذا المبلغ الكبير مكافأةً له على مواقفه وآرائه المتشددة والمتطرفة عن التغير المناخي، فهو يُنكر كلياً واقعية ظاهرة التغير المناخي ودور الإنسان في تغير درجة حرارة الأرض،ويقول بأن التغير المناخي من"صُنع الله وليس من صنع البشر"، بل وإن تاريخه المهني وسيرته الذاتية تؤكد أنه منذ زمنٍ بعيد يعد العدو اللدود للبيئة وأنظمتها وقوانينها، سواء المتعلقة بالتغير المناخي، أو المتعلقة بمواصفات ومعايير جودة الهواء وغيرهما من الأنظمة.

 

وقد نشر هذا السيناتور كل أفكاره ونظرياته المـــُـتــَنـَطِعة في كتابه المنشور عام 2012 تحت عنوان:"الخُدعة الأعظم: كيف إن مؤامرة التغير المناخي تـُهدد مستقبلك"، فيقول فيه أن "الأمم المتحدة هي التي اخترعت فكرة التغير المناخي من أجل إغلاق آلة يُطلق عليها أمريكا"، ويقصد أن التغير المناخي "مؤامرة أممية" ضد التنمية في الولايات المتحدة الأمريكية لإعاقة تطورها ونموها التقني والاقتصادي، كما يُدعم ويؤيد مزاعمه هذه بالاستشهاد بآياتٍ من الإنجيل يبين فيها أن الله هو المتكفل بالأرض وهو الذي يحميها ويسيرها كما يشاء.

 

فهذه الشخصية النافذة المتطرفة والمغالية هي التي ترأس الآن اللجنة المختصة بشؤون البيئة والتغير المناخي في الكونجرس وهي "لجنة البيئة والأشغال العامة"، وقد صرح مؤخراً بأنه سيفرض كل آرائه حول التغير المناخي على جدول أعمال اللجنة.

 

والآن وبعد أن عرفنا هذه الحقائق على أرض الوقائع، وأثبتنا وجود قوةٍ شديدة النفوذ على رأس الهرم التشريعي والسياسي في أمريكا تحارب أي محاولة أو مشروع قرار لخفض تركيز الملوثات المعنية بالتغير المناخي، هل نتوقع أي مستقبل مشرق لقضية التغير المناخي؟ وهل نأمل أن تتصدر أمريكا قيادة العالم في قمة باريس للتغير المناخي في ديسمبر من العام الجاري فتؤيد اتفاقية دولية تلتزم فيها حكومات العالم للحد من انبعاثاتها؟

 

أنا شخصياً غير متفائل، وأشك في حدوث أي اختراقٍ أو انجازٍ ملموس ومشهود في قمة باريس.

الخميس، 15 يناير، 2015

البلاستيك في "الشِيكِنْ نَـجِتْ"



فضيحة خطيرة نزلت على سلسلة مطاعم ماكدونلد في اليابان عندما تم اكتشاف قطع بلاستيكية صغيرة الحجم في وجبة الماكْنَجِت(McNuggets)، أو شِيكِنْ نـَجِتْ(chicken nugget)، وهي الوجبة التي تتكون من قطع الدجاج المقلية، وهذه الفضيحة تكررت في عدة فروع للمطعم في الشهر الجاري من هذا العام الجديد.

وفي الحقيقة هناك العديد من القضايا الحيوية التي أستطيع أن أستخلصها من هذه الحادثة، منها السلامة الغذائية لأطفالنا وشبابنا الذين يُكثرون يومياً من تناول وجباتهم الغذائية في مطاعم "الفَاستْ فُود" أو مطاعم الوجبات السريعة، ولكنني اليوم أريد أن أُركز على قضيةٍ هامة أخرى تتمثل في المنتجات أو المخلفات البلاستيكية التي وُجدت اليوم في كل مكان حتى في قطع الدجاج التي يأكلها أبناؤنا، فهي فعلياً وواقعياً غزت كوكب الأرض، وانتشرت في كل بقعةٍ من بقاع الأرض، قريبةٍ كانت أم بعيدة، صغيرةٍ كانت أم كبيرة، فأصبحنا الآن نراها حتى في أبعد بقاع الأرض عن الأنشطة البشرية كالقطبين الشمالي والجنوبي، بل واكتشف وجودها الإنسان في الأعماق المظلمة في قاع البحار والمحيطات وعلى بعد عشرات الكيلومترات تحت سطح الأرض.     

فقضية المخلفات البلاستيكية وخطورتها والتهديدات التي تسببها للبيئة والإنسان لا تكمن فقط في المخلفات البلاستيكية الكبيرة الحجم التي نراها في البر، والبحر، وعلى غصون وفروع وأوراق الأشجار، ولكن الخطورة العظمى تكون في المخلفات البلاستيكية الدقيقة الحجم، والتي تُعرف بالميكروبلاستيك(microplastic)، حيث إن المخلفات البلاستيكية الكبيرة بمختلف أنواعها تتكسر وتتفتت عندما تدخل في الأوساط البيئية، وبخاصة البيئة البحرية عند تعرضها مع الوقت وعبر السنين للظروف المناخية من درجة الحرارة، وضوء الشمس، والرياح العاتية، إضافة إلى تعرضها المستمر للتيارات البحرية السطحية والقاعية القوية والشديدة، فتتحول إلى قطعٍ بلاستيكية ومخلفات أصغر فأصغر مع الزمن، حتى تبلغ أقل من واحد مليمتر فلا ترى في بعض الأحيان بالعين المجردة، ثم أيضاً مع مرور الوقت تترسب في نهاية المطاف إلى التربة القاعية في الأعماق السحيقة، أي أن قاع البحار والمحيطات والبحيرات والأنهار تصبح الملاذ النهائي والمثوى الأخير لهذه المخلفات.

 وتُعد هذه الظاهرة من الاكتشافات الحديثة جداً للعلماء، حيث نشروا التفاصيل الدقيقة لهذه الظاهرة الجديدة في مجلة الجمعية الملكية للعلوم(Royal Society Open Science journal) في العدد الصادر في 17 ديسمبر 2014 تحت عنوان:" البحار العميقة، المثوى الأخير للمخلفات البلاستيكية الدقيقة".

فقد قامت هذه الدراسة الميدانية بتحليل تربة 12 موقعاً بحرياً، مثل البحر الأبيض، والمحيط الأطلسي والهندي، ووجدوا نسباً مرتفعة من هذه المخلفات قد تراكمت في التربة، إما أنها كانت موجودة على سطح التربة، أو أنها كانت مدفونة بداخلها، وفي أعماق بعيدة تصل إلى قرابة 3000 مترٍ تحت سطح البحر!

والخطورة في هذا الاكتشاف الجديد والغريب في الوقت نفسه تكمن في أن انتقال المخلفات البلاستيكية إلى التربة القاعية للبيئات البحرية يعني أنها ستصبح جزءاً من البيئة البحرية وستدخل مع الوقت ضمن السلسلة الغذائية البحرية والتي تنتهي في نهاية المطاف بالإنسان، والطيور البحرية، والكائنات الفطرية الحيوانية الأخرى التي تعيش على الكائنات البحرية الصغيرة والكبيرة، وهذا يعني أنا أجسامنا وأجسام الكائنات الفطرية ستتلوث بهذه المخلفات البلاستيكية الدقيقة المجهرية، وستتراكم هذه السموم في أجسامنا دون أن ندري، وستصيبنا بالأمراض والعلل المستعصية ولا ندري حينها من أين نزلت علينا هذه الأسقام.