الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

حافلة مُتحركة تنقل السرطان لمنازلنا



قبل أيام وأنا أسوق سيارتي في الشارع، وإذا بي أَرى حافلة صغيرة تقف أمامي عند الإشارة الحمراء، ومَكتوبٌ عليها بالخط العريض والواضح الذي يلفت نظر أي إنسان "سيارة متنقلة للتانينج"، أي بعبارةٍ أخرى سيارة تقدم خدمة منزلية للمواطن لتغيير لون جلدهم ليكون متماشياً مع آخر صيحات الموضة، ومواكباً للمستجدات العصرية في مجال التبرج والزينة والجمال.

 

وفي الحقيقة عجبتُ كثيراً واندهشت من هذا الإعلان المنافي لصحة المواطن والذي يتعارض كلياً مع الاستراتيجية الصحية التي وضعتها وزارة الصحة، كما حزنتُ في الوقت نفسه على وجود حافلة خاصة تنقل السرطان إلى عقر دار المواطنين.

 

فعملية التانينج، أو عملية تغيير لون البشرة إلى اللون الذهبي، تَحول في السنوات الماضية إلى هَوسٍ مُفرط عند النساء، وبخاصة صغار السن من المراهقات فأصبح مظهراً عصرياً للجمال عند المرأة، حتى أن الصالونات التي تُقدم هذه الخدمة القاتلة انتشرت اليوم في الدول الغربية كانتشار النار في الهشيم، فعلى سبيل المثال، نشرت جامعة ميامي دراسة ميدانية طريفة مؤخراً، أكدت فيها أن أعداد صالونات التانينج في ولاية فلوريدا الأمريكية تفوق أعداد فروع مطاعم المكدونالد المشهورة عالمياً!، وهذه الصالونات لم تبق في الدول الغربية فحسب، وإنما انتقلت عدواها المرَضِية إلى دولنا، فنحن تحولنا إلى شعوبٍ لا هوية لها، فنقلد الغرب شبرٍ بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلناه معهم.

 

فالغرب بعد أن رَوَّج عدة سنوات لهذه العادة السيئة الخطرة، وجنَّد لها خبراء الإعلان والتسويق والدعاية لتشجيع المرأة وتحفيزها على ممارستها بشكلٍ دوري مستدام في الصالونات وفي المنازل، وعرَّض بيديه فلذات أكباده سنواتٍ طويلة لهذه العملية، تأكد له حجم المعاناة والضرر الأليم الذي سببه للمرأة بشكلٍ خاص وللرجل، وأنه قد دمَّر فعلياً حياة عشرات الآلاف من الشابات والشباب، وأنزل عليهم المرض العُضال الفتاك الذي لا علاج له، ونقلهم إلى مثواهم الأخير وهم في سنٍ مبكرة.

 

فهذه العملية الانتحارية تتم بتعريض جميع أعضاء جسم المرأة للمصابيح التي تنبعث منها الأشعة البنفسجية الضارة بجرعاتٍ عاليةٍ ومركزة ولفترة قصيرة من الزمن، وهذه الأشعة، كما أجمع عليها العلماء والأطباء، تؤدي في نهاية المطاف وبشكلٍ سريع إلى مخاطر الإصابة بسرطان الجلد، وبالتحديد النوع القاتل منه وهو سرطان المِلَنُوما(melanoma ).

 

فالكثير من الإحصاءات والتقارير نشرت في الدول الغربية للتأكيد على هذه الحقيقة، منها التقارير الكثيرة التي أعدتها الأكاديمية الأمريكية لأمراض الجلد، حيث أفادت هذه الجمعية الطبية المتخصصة بأنه منذ عام 1973 ارتفع عدد المصابين بسرطان الجلد بنسبة 200%، وأن هذا المرض يقضي على أكثر من ألف أمريكي سنوياً فينقلون إلى مثواهم الأخير. كما أشارت تقارير أخرى بأن نحو 400 ألف حالة سنوياً يضافون إلى قائمة المصابين بسرطان الجلد، ومن هؤلاء 6000 حالة من نوع الملنوما القاتل.

 

واستناداً إلى هذه التقارير الموثوقة سَنَّت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تشريعاً تمنع فيه عملية التانينج لصغار السن، أو الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، كما يفرض هذا القانون على كل مستخدم لهذه المصابيح في الصالونات أن يُوقع على استمارة خاصة تفيد بِعِلْمه بمخاطر هذه العملية، والتي تشتمل على الإصابة بسرطان الجلد والحروق في الجلد والعينين. كما قامت، حتى كتابة هذه السطور، 14 ولاية أمريكية بتطبيق هذا التشريع الاتحادي ومنع صغار السن من الدخول في صالات الانتحار الطوعي.

 

أما على المستوى الدولي، ممثلاً في المنظمة الأممية المعنية بالصحة، وهي منظمة الصحة العالمية فقد صَنَّفت مصابيح التانينج التي تنطلق منها الأشعة البنفسجية بأنها "مسرطنة للإنسان".

 

والآن وبعد كل هذه الأدلة العلمية والطبية والإجماع الدولي على أضرار هذه العملية، أتمنى من الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصحة اتخاذ الإجراءات اللازمة، وعلى وجه السرعة لمنع شبابنا من الانتحار.

 

الأربعاء، 30 نوفمبر، 2016

بدأ ترمب سريعاً بتغيير لونِ جِلْده



خلق الله سبحانه وتعالى الكائنات الحية الفطرية بشقيها النباتي والحيواني وأبدع في جسمها آليات وإمكانات فريدة تدافع فيها عن نفسها وتخيف أعداءها فتبعدهم عنها، أو تجذب الآخرين إليها، وهذه الآليات تختلف وتتغير من كائنٍ إلى آخر.

 

ومن هذه الكائنات المعروفة والمشهورة تاريخياً حيوان الحرباء الذي يغير لون جلده حسب المتغيرات التي تَستجِد في بيئته من الضوء والحرارة وحركة الكائنات من حوله، وحسب وضعه الفيزيائي والفسيولوجي.

 

وقد استفاد بعض رجال السياسة من هذه الخاصية الفريدة للحرباء والكائنات الحية الأخرى، فهم يغيرون لون جلدهم حسب الحالة التي يمرون عليها، وحسب المرحلة التي يعيشونها، فجلدهم أثناء مرحلة الدعاية الانتخابية للوصول إلى منصبٍ سياسي، أو تشريعي، أو تنفيذي له لون براقٌ وجميل، وجذاب وأنيق، يُلفت أنظار الناس إليه، ويزيد من ميلهم نحو التصويت له، فلون جلده يكون حسب ما يحبه الناس وينجذبون إليه ويرغبون في مشاهدته، وإذا ما انتهت هذه الحالة واستطاع هذا السياسي أن يتخطاها بنجاحٍ وتفوق وينتقل إلى مرحلة الجلوس على الكرسي والحصول على السلطة، فعندها سيكون لون الجلد كريهاً أنانياً يتقلب حسب هواه ومصالحه الذاتية، وطموحاته الشخصية الآنية، ثم إذا ما انتهت هذه المرحلة، رجع جلده إلى وضعه الطبيعي.

 

وهذه المتغيرات والمراحل التي يمر عليها رجال السياسة، أراها أمامي الآن وبأم عيني في الولايات المتحدة الأمريكية، بدءاً بالرئيس أوباما الذي سيغادر كرسي الزعامة في العشرين من يناير عام 2017، حيث إنه أثناء حملته الانتخابية عام 2008 والذي أطلق عليها حملة "الأمل"، انتقد بشدة سجن خليج جوانتينامو في كوبا ووصف السجن السيئ الصيت بأنه" وصمة العار في سمعة وروح أمريكا الديمقراطية"، وقطع على نفسه عهداً بأنه إذا انتخب رئيساً فسيُغلق فوراً سجن التعذيب والمهانة، وعندما انتقل إلى مرحلة الرئاسة الفعلية غير لون جلده وأطلق المبررات الواهية لعجزه على الوفاء بالتزامه، وها هو الآن وبعد مرور أكثر من ثمان سنوات على تربعه عرش البيت الأبيض لم يتمكن من إثبات مصداقيته، فلم يغلق إلا قسماً صغيراً جداً من هذا المعتقل الكبير وفي آخر أيامه في الحكم، وبالتحديد في سبتمبر من العام الجاري.

 

ومن أوباما ننتقل إلى الحرباء "ترمب" الذي غير لون جلده سريعاً عندما تحول من حالة "المرشح للرآسة" إلى حالة "الرئيس المنتخب"، ولا أعلم سيتلون جلده إلى أي لون عندما يبلغ حالة "رئيس أمريكا"؟

 

ودعوني أضرب لكم مثالاً واحداً على تغيير مواقفه بسرعةٍ شديدة، وهذا المثال في الشأن الذي أُتابعه وأهتم به منذ أكثر 35 عاماً وهو الهَم البيئي، وبالتحديد في هذه الحالة قضية التغير المناخي. فترمب يُعد داعية متطرف ومتشدد لنكران دور الإنسان وأنشطته التنموية في رفع درجة حرارة الأرض، حيث صرح في عدة مناسبات، منها التغريدة التي نشرها عام 2012 قائلاً: “إن الصينيين اخترعوا فكرة التغير المناخي من أجل إضعاف تنافسية الصناعات الأمريكية"، وقال في مراتٍ عديدة بأن التغير المناخي "خُدعة وهراء"، أما بالنسبة لاتفاقية باريس للتغير المناخي فقد شدد كثيراً على أن المعاهدة سيئة بالنسبة لأمريكا وتضر بمصالحها التجارية، وأعلن في كلمة له في مايو من العام الجاري قائلاً: “سنقوم في أول مائة يوم من حُكمي بإلغاء اتفاقية باريس للمناخ والتوقف عن جميع مدفوعات أمريكا لبرامج الأمم المتحدة للتغير المناخي".

 

وما أن انتقل إلى حالة "الرئيس المنتخب" وبعد أسبوعين فقط، فقد غيَّر لون جلده، ولين من شدة مواقفه تجاه التغير المناخي، وخفف من عنف لهجته السابقة، ففي مقابلة حصرية أجرتها معه صحيفة النيويورك تايمس في 22 نوفمبر من العام الجاري حول عدة قضايا ساخنة محلية ودولية ومن بين القضايا تلك المتعلقة بالشأن البيئي، وبالتحديد القضية المعقدة والمتشابكة، قضية العصر، وهي التغير المناخي، فعندما سأله توماس فريدمان، أحد كتاب الأعمدة حول مرئيات عن التغير المناخي وبالتحديد اتفاقية باريس، فأكد على تغيير مرئياته السابقة قائلاً بأني: “مستعد للنظر في القضية بعنايةٍ شديدة، وهي قضية مثيرة للاهتمام"، كما أضاف في رده بأن: "هناك بعض العلاقة بين أنشطة الإنسان والمناخ"، مما يعني أن  لم يغلق باب التغير المناخي كلياً، وجعله مفتوحاً بعض الشيء، وكأنه يقدم للمجتمع الدولي بصيصاً من الأمل، ونقطة ضوء في نفق التغير المناخي المظلم.

 

وبالرغم من هذه المواقف الإيجابية المستجدة، إلا أن أفعاله على أرض الواقع لا تُبشر كثيراً بخير، فقد أكد بوب واكر، أحد كبار مستشاري ترمب في 23 نوفمبر من العام الجاري على خفض ميزانية وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، وبالتحديد قسم علوم الأرض المعني بمراقبة التغيرات المناخية وسخونة الأرض، بل وصرح بأن ترمب سيعمل على وقف الأبحاث في مجال التغير المناخي، وفي المقابل فإن تعييناته الإدارية الجديدة لأشخاص معروفين بنكرانهم للتغير المناخي لا تَدَعْ كثيراً مجالاً للتفاؤل.

ولا أدري كيف سيكون لون جلد ترمب عندما ينتقل إلى حالته الأخيرة والمرحلة الجديدة من حياته وهي "رئيس الولايات المتحدة الأمريكية"؟

 

الاثنين، 28 نوفمبر، 2016

أُمنياتي لحوار المنامة الثاني عشر



منذ أحد عشر عاماً وأنا أُتابع عن كثب اجتماعات منتدى حوار المنامة والمتعلقة بدراسة ومناقشة أمن واستقرار المنطقة، وآليات وطرق العمل الجماعي المشترك لمواجهة الصراعات الإقليمية، وسبل مكافحة تهديد التطرف والإرهاب، وفي كل مرة يخيب ظني، وتتبد آمالي، وأُصاب بالإحباط، فأنتظر بفارغ الصبر الاجتماع القادم لعله يُشفي غليلي، فيتطرق إلى قضايا أمنية حديثة حساسة جداً وخطيرة غير العوامل التقليدية المعروفة منذ وجود البشرية، والتي تهدد الأمن الوطني والإقليمي بل والدولي على حدٍ سواء وتسبب حالات عدم الاستقرار، وتؤدي إلى الصراعات المسلحة وارتكاب أعمال العنف والشغب.

 

ففي كل عام يُعقد فيه الحوار أَنْظر بعمق إلى جدول الأعمال وعناوين جلسات النقاش والمحاضرات، وأطلع إلى قائمة المشاركين والحضور الذين غالباً ما يكونون من رجال السياسة والأمن، وفي كل عام يدور محور الحوار حول قضايا أمنية تقليدية، وعوامل معروفة منذ الأزل تسبب زعزعة الأمن على كافة المستويات وتؤدي إلى نشؤ الحروب والصراعات المسلحة، ومازلت أنتظر أي يضم إلى مواضيع الحوار والنقاش والمحاضرات البعد الجديد الذي دوغ العلماء، وحيَّر رجال السياسة، وجعل القادة الأمنيين في كل دول العالم يقفون مكتوفي الأيدي أمامه لا يعرفون كيف يواجهونه، وليست لديهم الآليات الدولية الفاعلة للتصدي له ومكافحته.

 

هذا البعد الجديد هو قضية التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع درجة حرارتها وما ينجم عنها من ارتفاعٍ لمستوى سطح البحر، والفيضانات والأعاصير، وذوبان للثلوج في القطبين، إضافة إلى الظواهر والجوانب الأخرى التي تنكشف في كل يوم.

 

فقد بدأت مشكلة التغير المناخي كظاهرة بيئية بحتة في الثمانينيات من القرن المنصرم، يهتم بها ويراعي شؤونها وهمومها علماء البيئة والمناخ، ومع مرور الوقت وانكشاف حقائق ومظاهر جديدة تحولت إلى مشكلة اقتصادية، واجتماعية، وصحية، ثم تأكد العلماء ورجال الأمن والسياسة وكبار القادة العسكريين أن هذه المشكلة تتخطى هذه الأبعاد، وأن لها في الواقع جوانب أمنية تهدد راحة الدول واستقرارها، وتؤدي إلى إثارة الثورات والصراعات المسلحة في الدول الواحدة وبين الدول على المستويين الإقليمي والدولي.

 

فبدايةً أُجريت الأبحاث العلمية حول العلاقة بين التغير المناخي والبعد الأمني، وأشارت فيها أن هناك علاقة قوية وراسخة بين ارتفاع درجة حرارة الأرض والتغيرات المناخي التي تشهدها الكرة الأرضية وتأثيراتها المباشرة على أمن الدول. ونتائج هذه الدراسات انعكست على تقارير الأمم المتحدة، ومنها التقرير الصادر من الهيئة شبه الحكومية حول التغير المناخي لعام 2014 والذي أكد فيه على أن: "مع التغيرات المناخية المتعاظمة، فإن التهديد لأمن الإنسان سيرتفع تدريجياً"، كما قامت هذه الهيئة الأممية بتخصيص فصلٍ مستقل ودائم حول التغير المناخي والأمن.

 

ثم جاءت تصريحات قوية وواضحة من المسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية سواء على مستوى الرئيس أوباما، أو على مستوى وزيري الخارجية والدفاع لتؤكد على الجانب الأمني للتغير المناخي. فقد طرح أوباما هذه العلاقة الحميمية بين التغير المناخي والأمن القومي في عدة مناسبات، آخرها في العشرين من مايو 2015 في الخطاب الذي ألقاه في أكاديمية خفر السواحل في مدينة نيو لندن، فقد أكد في خطابه قائلاً: “لا توجد مناعة لأية دولة من تداعيات التغير المناخي"، وأضاف قائلاً: " أَنا هُنا لِكي أقول إن التغير المناخي يشكل تهديداً خطيراً للأمن الدولي، ويمثل خطراً فورياً لأمننا القومي، كذلك فإن له تأثيرات على كيفية قيام الجيش للدفاع عن وطننا.... ولذلك علينا أن نعمل، وأن نحتاج أن نعمل الآن"، وفي الوقت نفسه أكد أوباما على أن التغير المناخي يُعد من أسباب نهوض الحركات الإرهابية مثل بوكو حرام في نيجيريا، كما ساهم في نشوب واستمرار الحرب الأهلية في سوريا.

 

وفي السياق نفسه ألقى كيري وزير الخارجية خطاباً في 16 فبراير من العام الجاري في العاصمة الإندونيسية جاكرتا أمام حشدٍ من الطلاب، حذَّر فيه إلى أن التغير المناخي بسبب أنشطة الإنسان من المصانع والسيارات ومحطات توليد الطاقة يُهدد أسلوب ونمط حياته، ويُعد خطراً شديداً لا بد من مواجهته بشكلٍ جماعي مشترك وبصورةٍ عاجلة، لأنه يعتبر، حسب وصف كيري "التحدي الأعظم لجيلنا هذا". كما أضاف قالاً بأن التغير المناخي يُعد: "سلاحاً آخر من أسلحة الدمار الشامل، وربما السلاح الأخطر والأكثر فزعاً من بين أسلحة الدمار الشامل". وعلاوة على ذلك فقد صنَّف وزير الخارجية الأمريكي قضية التغير المناخي مع القضايا المصيرية والرئيسة الأخرى التي تتصدي لها أمريكا منذ سنواتٍ طوال، كقضية الإرهاب، والفقر، وأسلحة الدمار الشامل. 

 

وهذه التصريحات ما هي إلا مجرد أمثلة لمواقف حازمة وجادة تجاه التغير المناخي ودوره المشهود في زعزعة الأمن القومي والإقليمي والدولي، فمتى ستتحقق أُمنيتي في وضع التغير المناخي كقضية محورية مصيرية في جدول أعمال حوار المنامة؟

 

الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2016

الكارثة قادمة، فكيف نواجهها؟



كوارث بيئية صحية وقعت في الكثير من دول العالم في الشرق والغرب في التاريخ المعاصر، ولم تنزل فقط على الدول الصناعية المتقدمة والمتطورة، ولكنها على حدٍ سواء أُصيبت بها الدول النامية والفقيرة، وهذه المصائب الكبرى مازالت تقع اليوم أمامنا ولا يمكن أن يغفل عنها أحد، فنراها بأم أعيننا وضوح الشمس في رابعة النهار، ونسمع عن مردوداتها الخطيرة على البشر وتهديداتها المستدامة على التنمية، ونحن في البحرين لسنا بمنأى عنها، فستنزل علينا هذه الطامة حتماً عاجلاً أم آجلاً، وسنعض حينها أصابع الندم لعدم العمل بجدية وحزم على الوقاية منها، وهي في مهدها، قبل أن تنمو وتكبر فتتحول إلى غولٍ عظيم لا يمكن السيطرة عليه.

 

 

فمن أكثر المِحن البيئية الصحية بشاعة وأشدها وطأة على المجتمع البشري تلك التي وقعت في العاصمة البريطانية لندن في الأسبوع الأول من ديسمبر عام 1952 عندما بلغت مستويات تلوث الهواء ذروتها ووصلت إلى درجاتٍ مرتفعة لا يمكن لأي جسمٍ بشري أن يقاومها ويتكيف معها ويتحمل العيش في ظلها، فبدأت الضحايا البشرية تتساقط أمام أعين الناس ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، حتى أكل التلوث جسد أكثر من 4000 لندني في أسبوع واحد، ونقلهم فوراً إلى مثواهم الأخير.

 

فهل استطاعت بريطانيا بتقدمها العلمي والتقني أن تقضي على مشكلة عمرها أكثر من سبعين عاماً، وتعاني من ويلاتها طوال هذه العقود الطويلة؟ والجواب أن هذه المشكلة شديدة التعقيد وتهديداتها إذا وقعت لا يمكن القضاء عليها بسهولةٍ ويسر، ولذلك بريطانيا حتى يومنا هذا تقاسي من أضرارها بيئياً، وصحياً، واقتصادياً حيث إن التقارير الرسمية الحكومية المنشور العام الحالي تؤكد بأن تلوث الهواء يُسقط الشباب والشيوخ معاً فيموت أكثر من 40 ألف بريطاني سنوياً موتاً مبكراً، ويكلف الدولة نحو 27 بليون جنيه إسترليني! 

 

ومن أوروبا الغنية والمتطورة، ننتقل إلى قارة أفريقيا النامية والفقيرة، وبالتحديد نيروبي عاصمة كينيا، حيث إن عدوى تلوث الهواء بدأ يضرب هذه الدول غير المتطورة، فمصادر تلوث الهواء كثيرة ومتعددة، ومن أشدها ضراوة السيارات القديمة التي زادت بدرجةٍ مرعبةٍ تشبعت بها الشوارع، فتوقفت الحركة المرورية وتعطل العمل والإنتاج، وفي الوقت نفسه أصبحت هذه السيارات تُنفث من بطنها السموم المسرطنة والقاتلة التي بدأت تفسد الهواء الجوي فتحصد ضحاياها بين مريضٍ وسقيم، وبين من يعاني من سكرات الموت.

 

أما في الصين حيث يُضرب بها المثل في النمو السريع والكبير خلال العقود الماضية، فهي تقف اليوم مكتوفة اليدين ومتحسرة أمام ما فعلت هي ببيئتها وصحة شعبها، فقد وصل تلوث الهواء إلى درجةٍ كبيرةٍ جداً شلَّت تنميتها، وكادت تهدم كل ما بنتها وسهرت عليها طوال السنوات الماضية من نموٍ وازدهار، ولذلك لم يستطع أي مسئول حكومي على كافة مستوياتهم من تجاهل هذه الأزمة المهددة لحياة الصينيين، أو حتى السكوت عنها، بل واضطرت الصين وعلى لسان أعلى سلطة فيها وهي رئيس الدولة من "إعلان الحرب" على تلوث الهواء، وتشديد الإجراءات على كل المصادر التي تفسد نوعية الهواء الجوي.

 

وفي الهند، وفي العاصمة نيودلهي فالحالة المأساوية نفسها تتكرر، وربما رأى الجميع وقرأ هذه الأيام عن إعلان حالة الطوارئ الصحية في المدينة، وإغلاق المدارس لعدة أيام ومنع بعض المصانع من العمل وتقييد الحركة المرورية.

 

وننتقل معاً الآن إلى أمريكا الجنوبية، حيث مدينة المكسيك التي تختنق كلياً من الكثافة المرورية العالية من جهة، ومن تدهور نوعية الهواء من جهةٍ أخرى. فإعلان حالات الطوارئ البيئية والصحية في العاصمة المكسيكية أصبح أمراً روتينياً يتعرض لها المواطنون مراتٍ عديدة في كل شهر.

 

والآن وبعد هذه الأمثلة القليلة التي قدمتها لكم من مختلف دول العالم، هل نحن في البحرين بعيدين عن وقوع مثل هذه الكوارث التي تنزل يومياً على هذه المدن؟

 

والجواب هو أن أسباب نزول كارثة تلوث الهواء وموت الناس نتيجة لذلك موجودة بين أيدينا، ونعاني منها يومياً ولا يمكن لأي مواطن أن لا يدرك وجودها عندنا، بل وأرى أنها تتحول يوماً بعد يوم إلى همٍ وغمٍ شعبي ينعكس على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. فالسيارات وهي رأس المشكلة، تتزايد بدرجةٍ غير معقولة بحيث إن مساحة البحرين الضيقة باتت لا تستوعب هذه الأعداد المهولة، حتى أصبح الازدحام في كل شارع، وفي كل وقت من اليوم والليلة، ومع هذه الأحجام المرتفعة من السيارات، تزيد معها نسبة الملوثات في الهواء الجوي، فتفسد نوعيتها وتضر بأمننا الصحي، وتُوقِع مع الوقت الضحايا البشرية. وفي المقابل هناك المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، والمطارات، وجميعها تصب في خلق بذور وقوع كارثة قادمة لا محالة.

 

فهل نحن مستعدون لمواجهتها والتصدي لها؟

 اللهُم إني قد بَلغَت اللهم فاشهد.

 

 

الاثنين، 21 نوفمبر، 2016

التلوث يُعَجِّل من ظهور تجاعيد وجْهِك




يُعرِّض الكثير من الناس، وبخاصة النساء، حياتهم للخطر من خلال إجراء عمليات جراحية تجميلية للوجه، سواء بنفخ الشفاه، أو شد الوجه وإزالة التجاعيد والخطوط والبُقع التي تنكشف على الوجه وتحت العينين عندما يَهن عَظم الإنسان ويشتعل رأسه شيباً، وفي حالات أخرى يلجأ هؤلاء الناس إلى "الكريمات" المختلفة المنتشرة في الأسواق والتي قد تهدد صحتهم من خلال التعرض للسموم والملوثات الموجودة فيها من أجل تحسين البشرة والجلد، وإزالة معالم الشيب وطول العمر وعلامات كبر السن.

 

ولكن العلماء اكتشفوا اليوم أن تجاعيد الوجه وخطوطها المحفورة فيه لا تظهر فقط بشكلٍ طبيعي نتيجة لكبر السن وتقدم الإنسان في العمر، وإنما تنكشف قبل أوانها ووقتها لسببٍ جديدٍ آخر لم يتوقعه العلماء، ولم يخطر على بال بَشَر، وهو تعرض الإنسان للملوثات التي يتشبع بها الهواء الجوي، ثم سقوط هذه الملوثات وترسبها على سطح الجلد من مصادرها الكثيرة المتعددة والمختلفة.

 

فتأثير الملوثات على الجلد من العلوم الحديثة والاكتشافات الجديدة التي لا يعرف العلم عنه كثيراً، فتلف الجلد وظهور مؤشرات وعلامات الشيب والتجاعيد أصبح الآن من مؤشرات المدن الملوثة ومن علامات ارتفاع نسبة التلوث في هواء المدن، أي أن التغيرات التي تنكشف على وجه الإنسان دليل ومؤشر على ارتفاع درجة التلوث.

فمن الأسباب التقليدية المعروفة منذ سنوات بتأثيراتها الضارة المباشرة على الجلد هي التلوث الفيزيائي والمتمثل في الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس، حيث حذر العلماء قديماً من تهديد أشعة الشمس للجلد وإصابته للأمراض المزمنة والمستعصية، ومنا سرطان الجلد.

واليوم أكدت دراسة منشورة في 15 مايو من العام الجاري في مجلة حدود علوم البيئة(Frontiers in Environmental Science)تحت عنوان: "تلوث الهواء والجلد"، أن التعرض المتكرر ولفتراتٍ طويلة من الزمن للملوثات الموجودة في الهواء الجوي له تأثيرات جمة وخطيرة على الجلد، كما أفادت دراسة أخرى أُجريت على الناس في ألمانيا والصين بأن غازات أكاسيد النيتروجين التي تنبعث من السيارات ومحطات توليد الكهرباء تجعلك تحس بمعاناة الشيب وتشعر بآلام كبر السن قبل وقته، فهي تُعجل من طول العمر وظهور علاماته على الوجه، مثل زيادة البقع الداكنة على الجلد والوجه أو الخدين.

 

والآن بعد أن أكد العلم دور تلوث الهواء الجوي في انكشاف علامات كبر السن وظهور مؤشرات الشيب على الجلد، فستهرع شركات إنتاج مساحيق التجميل والزينة وستتنافس في سرعة صناعة كريمات خاصة تدَّعي حِفاظها على الجلد من التلوث وحماية الإنسان من ظهور علامات الشيب المبكر، وستُطلق عليها كريمات "إزالة بُقع التلوث"، أو كريمات "حماية الجلد من التلوث"، ولذلك فاحذروا من مثل هذه المنتجات الاستهلاكية القادمة ولا تستعجلوا في استخدامها. 

 

الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

كيف أُبْعِدُ عن نفسي شَبَح السرطان؟




يعترف العلماء والأطباء ويُجْمعون على أن ما نُطلق عليه كمسلمين بـ "القضاء والقَدر"، ممثلاً في الجينات الوراثية التي يكتسبها الإنسان من آبائه وأجداده، يُعد من أسباب السقوط في فخ السرطان القاتل، وذلك حسب الدراسة المنشورة في المجلة المرموقة "الطبيعة" في يناير عام 2015، إضافة إلى البحث المنشور في مجلة علم الأورام للجمعية الطبية الأمريكية في يناير 2015، والذي أشار إلى أن نحو 65% من حالات الإصابة للسرطان هي لا إرادية، أي لا دَخل للإنسان نفسه في الوقوع فيها، وليست لها علاقة بما يتعرض له الإنسان في حياته من مؤثرات وملوثات، في حين أن قرابة  20 إلى 40% من حالات الإصابة بالسرطان ترجع لأسباب لها علاقة بتصرفات الفرد اليومية ونمط وأسلوب حياته.

ولكن في الوقت نفسه فإن هناك عوامل أخرى يَتَحملها الإنسان نفسه، ولها علاقة بسلوكياته اليومية، ونمط حياته، ولها دور أيضاً في الإصابة بالسرطان. ولذلك للتغلب على هذه المعضلة المعقدة وللوقاية من هذا المرض الخبيث، على الإنسان أن يتبنى المنهج الإسلامي في التعامل مع هذا المرض والأمراض بشكلٍ عام، فيأخذ بالأسباب التي بين يديه والتي يمكنه السيطرة عليها والتحكم بها، فيتجنب كل العوامل التي قد تُسقطه في التعرض للمرض اتباعاً لنهج الرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال: "اعْقِلْهَا وتوكل".

ومن أجل كتابة هذه المقالة وتحديد العوامل التي تزيد من مخاطر الإصابة بالسرطان، قُمتُ بتحليل أكثر من خمسين دراسة طبية نُشرت في عامي 2015 و 2016، وتُعنى بتشخيص مرض السرطان، وتسبر غور العوامل التي تجعل الإنسان يقع فريسة لهذا المرض العضال.

ومعظم هذه الدراسات، ومن أهمها وأكثرها مصداقية وثقة وشمولية، البحث الصادر في 19 مايو 2016 في مجلة علم الأورام للجمعية الطبية الأمريكية، قد ركزت على نمط حياة الإنسان وممارساته اليومية، وأطلقت عليه بـ "العادات غير الصحية"، أو "نمط الحياة غير الصحي". ولقد حَدَّدتْ الأبحاث هذه العادات السيئة في الممارسات التالية:
أولاً: التدخين بأنواعه وأشكاله ومسمياته المختلفة تعد من أهم أسباب الإصابة بالسرطان، حيث إن هناك اجماعاً دولياً على أن هناك قرابة 4 آلاف مادة كيميائية خطرة تنبعث من تدخين السجائر، منها أكثر من 50 مادة تؤدي إلى السقوط في مخاطر التعرض لهذا المرض العضال، كما أن هناك إجماعاً على أن التدخين يسبب 12 نوعاً من أنواع مرض السرطان، وفي مقدمتها سرطان الرئة. فعلى سبيل المثال، أكد البحث المنشور في 24 أكتوبر من العام الجاري في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية(الطب الباطني) أن 30% من الأمريكيين الذي يسقطون ضحية مرض السرطان يكون بسبب التدخين.
ثانياً: شرب الخمر، وهذا هو الوباء الذي أَطلق عليه رسولنا بأم الخبائث، فهو المسبب لأمراض كثيرة من بينها المرض الخبيث، السرطان.
ثالثاً: التعرض للأشعة فوق البنفسجية القاتلة، سواء من خلال الجلوس تحت أشعة الشمس لساعات طويلة كل يوم، أو التعرض لمصابيح الأشعة فوق البنفسجية عند القيام بالعمليات التجميلية لتغيير لون البشرة إلى اللون الذهبي أو البرونزي والتي يُطلق عليها الآن بـ "التانينج"، حيث أكد الأطباء بأن هذه المصابيح تصيب الإنسان بنوعٍ قاتلٍ وفريد من أنواع سرطان الجلد ويعرف بالمِلانُومَا.
رابعاً: السُمنة والبَدانة المفرطة والكسل المستدام وعدم ممارسة أي نشاطٍ رياضي عضلي يؤدي مع الزمن إلى زيادة مخاطر السقوط في شباك مرض السرطان.
خامساً: التعرض للملوثات في الهواء الجوي الناجمة عن السيارات ومحطات توليد الكهرباء، علماً بأن منظمة الصحة العالمية صَنَّفتْ "تلوث الهواء" ضمن المواد المسببة للسرطان.
سادساً: نوعية وكمية الغذاء الذي يتناوله الإنسان بشكلٍ يومي، حيث إن المعلبات والمواد الغذائية غير الطازجة تحتوي على مواد حافضة ومضافات كثيرة أخرى، بعضها يعرض الإنسان للإصابة بالسرطان.

وبالرغم من معرفة الإنسان لبعض الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بالسرطان، إلا أن هناك الكثير من الغموض والأسرار التي تحيط بهذا المرض المستعصي عن العلاج، مما أجبر أكبر دول على وجه الأرض وأكثرها تقدماً وتطوراً إلى إعلان الحرب على السرطان عام 1971، أي قبل أكثر من 45 عاماً، وجاء هذا على لسان الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون الذي صدَّق على "القانون القومي للسرطان" ، وتبعه في هذا التوجه الرئيس أوباما في 12 يناير 2016 وأثناء خطابه عن "حالة الاتحاد"، عندما دَشَّن مشروعاً وطنياً وأطلق مبادرة جديدة تحت مسمى "مون شت" للسرطان(Moonshot)، وشكل قوة رئاسية ضاربة متعددة التخصصات لمواجهة هذا العدو الشرس المجهول، وأطلق على هذه القوة: "المكتب الوطني الاستشاري للسرطان"، وكَلَّف نائب الرئيس جو بايدن بالمهمة، ووضع أهدافاً محددة زمنياً ومكانياً للتعجيل في أبحاث السرطان والعمل على منعه بين أفراد المجتمع الأمريكي.

ولذلك نجد أن المجتمع الدولي برمته يخوض حالة حربٍ مستمرة منذ أكثر من مائة عام ضد السرطان، فينتصر في بعض المعارك، ويخسر في معارك كثيرة أخرى، ولا أدري متى سيتحقق النصر المـُبِين؟

الأربعاء، 16 نوفمبر، 2016

قريباً سيَدفِن ترمب اتفاقية باريس للتغير المناخي




قبل سنوات دَفَنتْ الولايات المتحدة الأمريكية رغماً عن أنف دول العالم برمتها بروتوكول كيوتو لعام 1996، والذي التزمت بتنفيذه دول العالم الصناعي والمتقدم من خلال خفض انبعاثاتها من الغازات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض وإحداث التغير المناخي.

 

واليوم، وبعد فوز دونلد ترمب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنة الجمهوريين على الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ(السينِتْ)، فإنني أتوقع قيام الولايات المتحدة الأمريكية بضرب الاجماع الدولي عرض الحائط، والسعي مرة ثانية لدفن اتفاقية باريس الجديدة لعام 2015 حول التغير المناخي تحت الثَّري بأسرع وقت ممكن.

 

فهل يُعيد التاريخ نفسه؟

 

ولكي أجيب عن هذا السؤال سأروي لكم قصة دفن بروتوكول كيوتو للتغير المناخي والملابسات والظروف التي كانت تحيط به في تلك الحقبة الزمنية، وأُبين لكم أنَّ الظروف نفسها موجودة اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فقصة المجتمع الدولي مع التغير المناخي تبدأ مع قمة الأرض، أو المؤتمر التاريخي الذي عقد في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية حول البيئة والتنمية في عام 1992 والذي تمخض عنه الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي ووقع عليها كل دول العالم، ثم بعد هذه القمة توالت اجتماعات الدول حتى وصلت ذروتها في كيوتو باليابان عام 1996، حيث وافقت دول العالم على بروتوكول كيوتو والذي يلزم الدول الصناعية والمتقدمة فقط على خفض انبعاثاتهم من الغازات المسؤولة عن رفع درجة حرارة الأرض ووقوع الخلل المناخي للكرة الأرضية. وقد وقَّعَ معظم دول العالم على هذه الاتفاقية، ومن بينهم الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وافق بيل كلينتون من الحزب الديمقراطي على هذا البروتوكول عندما كان رئيساً لأمريكا في ديسمبر 1997، ولكنه لم يأخذ موافقة الكونجرس في الوقت نفسه. وعندما دخل جورج بوش الإبن من الحزب الجمهوري البيت الأبيض في عام 2001، أعلن رسمياً بأنه لن يوافق على البروتوكول لسببين رئيسين. الأول أنه بروتوكول غير عادل لأنه لا يُلزم جميع دول العالم على حدٍ سواء إلى خفض انبعاثاتها من الملوثات، والثاني أن تطبيق هذا البرتوكول يُشكل عبئاً اقتصادياً كبيراً على محطات توليد الكهرباء والمصانع الأخرى، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة والكساد الاقتصادي في جميع الولايات في أمريكا. وعلاوة على قرار بوش، فقد أصدر الكونجرس في يوليو 1997 قراراً بالإجماع يؤكد فيه أن الكونجرس لن يصادق على أية اتفاقية دولية تؤثر على الاقتصاد الأمريكي. وفي 28 مارس 2001 أعلن الرئيس الأمريكي بوش مَوتْ بروتوكول كيوتو رسمياً والبدء في إجراءات مراسم الدفن، ومع هذا الإعلان انتهى بروتوكول كيوتو على المستوى الدولي وتوقف تنفيذه كلياً.

 

والآن هذا الوضع الذي مَرَّت به الولايات المتحدة الأمريكية يتكرر مرة ثانية، فقد وَقَّعَ أوباما من الحزب الديمقراطي على اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2015، دون الحصول على مباركة الكونجرس، واليوم يجلس على عرش الولايات المتحدة الأمريكية رئيس جديد من الحزب الجمهوري هو دونلد ترمب ومعه أغلبية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، فهل سينسحب من الاتفاقية الدولية كما فعل سلفه بوش، ويحطم آمال الشعوب التي انتظرت طويلاً لترى النور في هذا النفق الطويل؟

 

فالمؤشرات الأولية تتجه نحو رفض ترمب للاتفاقية والانسحاب كلياً من التزاماتها، ويمكن تلخيص هذه المؤشرات في النقاط التالية. أولاً: من المعروف أن ترمب منذ سنوات يُعارض فكرة التغير المناخي، ومواقفه وآراؤه تُشكك في وقوع هذه الظاهرة، وتقلل من دور الإنسان في حدوث التغيرات المناخية المشهودة، حيث وصف في عدة مناسبات التغير المناخي بأنه "خدعة" و "هُراء"، كما اتهم الصين بأنها هي التي تقف وراء "خدعة" التغير المناخي، وأنه بدعة اختلقها الصينيون.

ثانياً: عَيَّن ترمب في العاشر من نوفمبر أحد أكبر المعارضين شراسة لواقعية ظاهرة التغير المناخي، وهو مايرن إبل(Myron Ebell) لقيادة الفريق الخاص بعملية انتقال السلطة في وكالة حماية البيئة، كما يُعرف عن هذا الرجل التصدي لكل القوانين الخاصة بخفض نسبة الانبعاثات إلى الهواء الجوي والمتعلقة برفع درجة حرارة الأرض، إضافة إلى محاربته العلنية لكل جهود أوباما التي تصب في استخدام أنواع الوقود النظيفة وتخفف من حدة التغير المناخي.

ثالثاً: نَشرتْ وكالة رويتر في 13 نوفمبر خبراً يتلخص في أن ترمب يحاول التملص من الاتفاقية والخروج منها، متحدياً بذلك الإجماع الأممي، وقاتلاً لجهود دول العالم التي استمرت قرابة عشرين سنة من أجل الوصول إلى هذه المعاهدة والتوافق حولها.

 

وبعد أن بَينتُ هذه الحقائق والمؤشرات، هل يشك أحد في سعي ترمب لدفن اتفاقية باريس، كما فعل بوش في دفن اتفاقية كيوتو؟