الأربعاء، 10 ديسمبر، 2014

وأخيراً حَكَمَتْ المحكمة


من عجائب هذه القصة التي سأرويها لكم أن جمعية أهلية بريطانية أعضاؤها من المحامين والحقوقيين ورجال القانون اسمها "زبون الأرض"(ClientEarth) تَرفع شكوى بيئية وصحية في الوقت نفسه في محكمة العدل الأوروبية التابعة للاتحاد الأوروبي ضد حكومتها، أي ضد الحكومة البريطانية!

 

ولكن هذه الجمعية البريطانية لم تلجأ إلى الشكوى للغريب والبعيد ضد حكومتها بين عشيةٍ وضحاها، ودون إعطاء الحكومة الفرصة الكافية والوقت المناسب للنظر في دعواها والتداول في حيثيات شكواها، وإنما انتظرت سنواتٍ طويلة عجاف، وصبرت كثيراً على المعاناة والمرض لعل حكومتها تحرك ساكناً، وتعمل على علاج مشكلاتها، ولكن بعد أن نفد الصبر، وتفاقمت الأزمة، وفشلت الحكومة في علاج المشكلة، اضطرت هذه الجمعية إلى الذهاب إلى محكمة العدل الأوروبية.

 

وقد جاءت مبررات رفع الدعوى ضد الحكومة البريطانية على لسان محامي الجمعية الذي قال:"إن من حق كل مواطن أن يستنشق هواء نظيفاً وعليلاً ونقياً وأن يعيش في بيئةٍ صحيةٍ وسليمة، وعندما تفشل الحكومة في حمايتنا من التلوث الضار بصحتنا وصحة بيئتنا، فنحن لدينا الحق في اللجوء إلى المحاكم للمطالبة بحقوقنا، وكلما تأخرت الحكومة في اتخاذ الإجراءات المناسبة، كلما زاد أعداد المرضى والموتى".

 

فالقضية إذن تأتي في باب "حقوق المواطن الأساسية"، وبالتحديد "الأمن البيئي والصحي"، والدول والحكومات واجبها إعطاء هذه الحقوق وتأمينها للمواطن، وفي حالة عدم القيام بهذا الواجب، أو التقصير فيه ، أو فشلها في برامجها، فيجب محاسبتها بكل الوسائل القانونية المتاحة. فإحصاءات منظمة الصحة العالمية المتعلقة بتلوث الهواء، وبالتحديد من الجسيمات الدقيقة، تؤكد الموت المبكر لنحو سبعة ملايين إنسان سنوياً على المستوى الدولي، كما تفيد تقارير الاتحاد الأوروبي عن الموت المبكر لأكثر من 40 ألفسنوياً على مستوى الاتحاد الأوروبي بسبب تلوث الهواء، وفي بريطانيا عدد الهالكين من فساد الهواء يبلغ قرابة 29 ألف، وعلاوة على هذه الأعداد المرتفعة من البشر الذين يسقطون ضحايا سنوياً، فإن تلوث الهواء حسب إحصاءات وكالة البيئة الأوروبية المنشورة في 25 نوفمبر يُكبد بريطانيا خسائر مالية تقدر بأكثر من عشرة بلايين جنيه، كما اعترف علماء بريطانيا بأن "شارع أكسفورد" والمعروف بأكسفورد ستريت هو الأسوأ في العالم بالنسبة لتركيز الملوثات في هوائها.

 

ولذلك فالقضية مسألة حياةٍ أو موت، مسألة أن يعيش الإنسان بصحة وعافية وسعادة، أو أن يعيش طوال حياته في بؤس وشقاء وهو يعاني من الأسقام والعلل المزمنة، وقد تم رفع قضايا عدة ضد الحكومة لأكثر من عشر سنوات لعلاج هذه الظاهرة المدمرة لصحة الإنسان، ولكن دون جدوى، كما أن الاتحاد الأوروبي هدد بريطانيا وحذرها مراتٍ كثيرة على تجاوزها للحدود المسموح بها لتركيز بعض الملوثات في الهواء الجوي وأنذرها بضرورة التقيد والالتزام بالمعايير والمواصفات الأوروبية المتعلقة بجودة الهواء الجوي، وبالرغم من كل هذه الجهود إلا أن الحكومات البريطانية المتعاقبة لم تفعل بجدية وفاعلية لتلبية هذا الحق الدستوري للمواطن.

 

فجاء أخيراً وبعد طول انتظار، وانتهت وقائع هذه القصة في19 نوفمبر من العام الجاري، عندما صدر الحُكم لصالح الجمعية الأهلية البريطانية، حيث اتخذت محكمة العدل الأوروبية قراراً حاسماً وواضحاً وهو أن على بريطانيا اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة فوراً وبصفة مستعجلة لخفض مستوى الملوثات في الهواء الجوي والالتزام بأنظمة الاتحاد الأوروبي، ويُعد هذا الحكم تاريخياً في مسيرة الاتحاد الأوروبي، فيعتبر الأول من نوعه في مجال تنفيذ القانون الأوروبي حول جودة الهواء.

 

وأتمنى من دول مجلس التعاون أن يقتدوا بالاتحاد الأوروبي في وضع قوانين صارمة مشتركة لجودة الهواء، ويحددوا آلية واضحة لتطبيقها ومعاقبة من لا يلتزم بها، حتى يكون هواؤنا دائماً سليماً ونقياً ويحمي صحتنا من الأمراض والأسقام.  

 

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014

حوار المنامة



حوار المنامة الذي يُنظم سنوياً في البحرين ويشارك فيه العديد من قادة العالم لمناقشة التحديات الأمنية الراهنة والمستقبلية على المستويين الإقليمي والدولي، نجده كالمعتاد يركز على العوامل التقليدية المعروفة المتعلقة بقضايا الأمن والحفاظ على الاستقرار القومي والإقليمي.

وفي المقابل يتجاهل الحوار كلياً، أو يغيب من جدول أعماله، الجانب والبعد الجديد الذي له علاقة مباشرة بالأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وأثبتت الأيام دور هذا العامل في إحداث أعمال العنف والشغب، والتسبب في عدم استقرار الدول والحكومات، ويؤدي إلى زعزعة الأمن على كافة المستويات.

وقد اعترفت الحكومة الأمريكية مؤخراً بواقعية هذا العامل ودوره في الإخلال بالأمن القومي الأمريكي، وهذا العامل الجديد هو "البيئة"، ممثلة في مشكلة التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض. فقد أكد تقرير منشور من البنتاجون، أو وزارة الدفاع الأمريكية في 24 نوفمبر 2014 تحت عنوان: "خارطة الطريق لعام 2014 للتكيف مع التغير المناخي:"إن التغير المناخي يُشكل تهديداً فورياً وآنياً للأمن القومي"، وأنه يُعد "تهديداً مركباً، ويفوق تأثيره التحديات التي نتعامل معها اليوم"، كما أكد التقرير أن تداعيات وانعكاسات التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، مثل ارتفاع مستوى سطح المياه يُهدد سلامة القواعد العسكرية الأمريكية، كذلك فإن ارتفاع درجة الحرارة والأجواء القاسية كلها تؤدي إلى عدم الاستقرار، والمجاعة، والفقر، والنزاعات والصراعات، وتؤدي إلى نقص المياه والغذاء ووقوع أمراضٍ وبائية وتنتج عنها مشكلة اللاجئين البيئيين"، كذلك جاء في التقرير " إن التغير المناخي يُعد عاملاً مساعداً لنشوب النزاعات، وأنه عامل من عوامل عدم الاستقرار، ويشكل بذرة خصبة لنشؤ العنف والحروب".

كما قال وزير الدفاع الأمريكي المستقيل تشيك هيجل في الخطاب الذي ألقاه في بيرو في 13 أكتوبر في مؤتمر وزراء دفاع الدول في القارة الأمريكية والمكون من 34 دولة، "إن التغير المناخي مشكلة عالمية، وتأثيراتها لا تحترم الحدود الوطنية، ولذلك فالسياسة والأفكار يجب أن لا تقف أمام التخطيط السليم لمواجهته". كما أضاف الوزير في خطابه قائلاً: إن وزارة الدفاع الأمريكية تأخذ المخاطر الناجمة عن التغير المناخي بجدية بالغة، وهي اليوم تُدشن خارطة طريق جديدة للتكيف مع التغير المناخي، كما تضع الخطوات الرئيسة لمواجهة التحديات التي تنجم عن التغير المناخي، وستدمج هذه التحديات ضمن خطة وبرامج الوزارة"، وختم وزير الدفاع خطابة قائلاً: "يجب علينا أن نضع نصب أعيننا التهديدات الأمنية التي يسببها التغير المناخي، ويجب أن نتخذ خطوات استباقية لمواجهته".

وفي السياق نفسه ألقى كيري وزير الخارجية خطاباً في 16 فبراير من العام الجاري في العاصمة الإندونيسية جاكرتا أمام حشدٍ من الطلاب حذر فيه إلى أن التغير المناخي بسبب أنشطة الإنسان من المصانع والسيارات ومحطات توليد الطاقة يُهدد أسلوب ونمط حياته، ويُعد خطراً شديداً لا بد من مواجهته بشكلٍ جماعي مشترك وبصورة عاجلة، لأنه يعتبر، حسب وصف كيري "التحدي الأعظم لجيلنا هذا". كما أضاف قالاً بأن التغير المناخي يُعد "سلاحاً آخر من أسلحة الدمار الشامل، وربما السلاح الأخطر والأكثر فزعاً من بين أسلحة الدمار الشامل". وعلاوة على ذلك فقد صنَّف وزير الخارجية الأمريكي قضية التغير المناخي مع القضايا المصيرية والرئيسة الأخرى التي تتصدي لها أمريكا منذ سنواتٍ طوال، كقضية الإرهاب، والفقر، وأسلحة الدمار الشامل. 

ولذلك وبعد كل هذه الأدلة الدامغة التي تؤكد العلاقة الوطيدة بين المشكلات البيئية عامة، ومشكلة التغير المناخي خاصة، واستتاب الأمن والاستقرار على المستوى القومي والإقليمي والدولي، يأتي "حوار المنامة" سنة تلو الأخرى ليتجاهل هذا العامل الخطير المهدد للأمن، ويغيبه تماماً من مناقشاته وحواراته، فهل يجوز هذا؟ 

الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

وصفة غذائية لمواجهة التغير المناخي


هوس التغير المناخي والدعوة إلى مواجهته وإيجاد الحلول للحد من تأثيراته على الإنسان وصل حتى إلى وصفات الطبخ، وإعداد الطعام في المنزل، والوجبات الغذائية التي نتناولها بشكلٍ يومي، وأُطلق عليها بــ" وصفات صديقة للمناخ"، أو "وصفات بيئية للطبخ"، حسب المقال الذي نُشر مؤخراً في صحيفة الجارديان البريطانية، وفي كتابين نشر أحدهما تحت عنوان: "وجبات غذائية لكوكبٍ ساخن"، والثاني عنوانه: "وجبات غذائية لكوكبٍ صغير".

 

وهذه "الوصفات" تعتمد أساساً على فكرة تجنب استخدام كل مادة غذائية من فواكه، وخضروات، أو لحوم، أو غيرها، والتي تأتي إما من مصادر تنبعث منها ملوثات تؤدي إلى رفع درجة حرارة الأرض وإحداث التغير المناخي للكرة الأرضية، أو إن عملية إنتاجها تنطلق منها هذه الملوثات الضارة بكوكب الأرض.

 

فمعظم هذه الوصفات المتعلقة بطبخ الوجبات الغذائية تُؤكد على تناول السمك أولاً، ثم الدجاج، وأخيراً لحم البقر أو الغنم أو غيرهما من اللحوم الحمراء، فالأولوية تُعطى للسمك لعدم وجود أية تأثيرات بيئية ومناخية ملموسة تنجم عن صيده ونقله واستهلاكه مقارنة باللحوم. فمن المعروف أن القطاع الزراعي ممثلاً في اللحوم أو الإنتاج الحيواني من أشد القطاعات وطأة على البيئة وإسراعاً في وقوع ظاهرة التغير المناخي وارتفاع سخونة الأرض. فالأبقار على سبيل المثال تنبعث من العمليات الحيوية في أجسامها أحجام كبيرة من الملوثات التي تؤدي إلى رفع درجة حرارة كوكبنا، وبالتحديد غاز الميثان الذي يعتبر من أشد الغازات رفعاً لدرجة حرارة الأرض وتهديداً لإحداث التغير المناخي، حتى أن الكثير من العلماء يُطلقون على الأبقار بأنها "قنبلة مناخية".

 

وفي الجانب الآخر تؤكد هذه الوصفات الغذائية على اختيار المواد الغذائية المنتجة محلياً والقريبة منك، سواء أكانت خضروات وفواكه، أو أسماك ولحوم من مختلف أنواعها، وذلك بهدف خفض نسبة انبعاثات الملوثات التي تَصدر من وسائل النقل من طائرات وباخرات وشاحنات، فكلما كانت مسافة النقل أقصر وأقل زمناً كلما وفَّرنا في استهلاك الطاقة وقَللنا من تركيز الملوثات في الهواء الجوي، وبالتالي حمينا كوكبنا من ارتفاع درجة حرارتها.

 

ولذلك تذكر دائماً بأنك على المستوى الشخصي تستطيع المساهمة فعلياً في تقليل تأثيرات وتداعيات التغير المناخي من خلال الوجبة الغذائية التي تتناولها يومياً.

 

الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

دراسة حول "البيئة" في البرامج الانتخابية للمترشحين


أَجريتُ دراسة سريعة لمحتوى البرامج الانتخابية للمترشحين لمجلس النواب، من حيث تضمين البعد والهم البيئي في قائمة البرامج التي طرحها كل مترشح، فقد قُمتُ بجمع عينة عشوائية من البرامج الانتخابية لمائة مترشح من المحافظات الأربع، وهي العاصمة، والمحرق، والشمالية، والجنوبية.

وقد هَدفتْ هذه الدراسة البسيطة إلى الإجابة عن عدة أسئلة، كما يلي:
أولاً: كم مرة وردت كلمة "البيئة" في البرنامج الانتخابي لكل مترشح لمجلس النواب؟
ثانياً: ما هي القضايا البيئية المطروحة في البرنامج الانتخابي لكل مترشح لمجلس النواب؟ وهل هذه القضايا ذات أولوية ومرتبطة بالواقع المحلي؟
ثالثاً: هل هناك علاقة بين الاهتمام بالقضايا البيئية وبين المحافظات، وبخاصة المحافظات التي توجد بها مناطق صناعية ومصانع ثقيلة؟

وبعد إجراء تحليل المضمون للبرامج الانتخابية للمترشحين في عينة الدراسة، وصلتُ إلى النتائج التالية:
أولاً: ذُكرتْ كلمة "البيئة" 11 مرة فقط في كافة البرامج الانتخابية لمائة مترشح، حيث إن 90 مترشحاً لم يتطرقوا كلياً إلى قضية البيئة وشؤونها التي تخص كل إنسان يعيش على هذه الأرض الطيبة.
ثانياً: بالنسبة للمترشحين الذي تنالوا قضية البيئة في برامجهم الانتخابية، فلم يطرح معظمهم قضية بيئية محددة، وإنما ورد ذكر عبارة "حماية البيئة من التلوث"، أو "حماية السواحل"، أو غيرهما من العبارات العامة التي لم تُعرَّف مشكلة محددة ذات أولوية نعاني منها في المجتمع البحريني، كما إنهم لم يقدموا برنامجاً واضحاً وعملياً لمواجهة وعلاج أية قضية بيئية.
ثالثاً: لم أجد هناك علاقة بين المحافظات التي تعاني من مشكلة بيئية كوجود المناطق الصناعية والمصانع الثقيلة والملوثة للبيئة واهتمام المترشح بهذه المشكلة الموجودة في محافظته.

وانطلاقاً من هذه النتائج أستطيع أن أقول بأن البعد البيئي جاء ضعيفاً في البرامج الانتخابية، ولم يرق إلى المستوى المطلوب، ولم يتناسب مع أهمية وأولوية القضايا البيئية المتعلقة بشكلٍ مباشر بالصحة العامة. فالاهتمام بالجانب المعيشي والاقتصادي للمواطن نال حيزاً كبيراً من الاهتمام والرعاية من جميع المترشحين، وهذه قضية حيوية تعتبر من هموم الشعب البحريني اليومية ولا يختلف عليها أحد.

ولكن دعوني أطرح سؤالاً جوهرياً على الجميع وهو: ما فائدة "المال" إذا كانت البيئة ملوثة وتحيط بها السموم والملوثات من كل مكان؟ وما فائدة "المال" إذا كانت البيئة غير صحية وتُعرض الإنسان للأمراض المستعصية والمزمنة؟

فهذا "المال" الذي قد يحصل عليه الإنسان سيصرفه كله على علاج نفسه وأسرته من الأسقام والعلل التي تنزل عليه بسبب وجود الملوثات المسببة للأمراض في الهواء أو التربة أو ماء البحر.

فمن المفرض إذن أن تكون البرامج الانتخابية للمترشحين متوازنة ومتكاملة بحيث إنها لا تركز وتهتم كلياً بجانب واحد يحتاج إليه الإنسان، وهو الجانب الاقتصادي، وينسى كلياً هموم وشؤون الجوانب الأخرى التي لا تقل أهمية وأولوية بالنسبة للمواطن، ولا سيما الجانب البيئي الصحي.

ولا بد لي هنا لأبين وأدلل على أهمية الجانب البيئي أن أُلفت عناية كافة المترشحين إلى وثيقتين معتمدتين من الشعب، وهما الدستور وميثاق العمل الوطني. أما الدستور فقد قدَّم الفصل الثاني منه تحت عنوان "المقومات الأساسية للمجتمع" وبالتحديد المادة التاسعة ح أن "تأخذ الدولة التدابير اللازمة لصيانة البيئة والحفاظ على الحياة الفطرية"، وميثاق العمل الوطني أورد في الفصل الثالث، المادة الخامسة تحت عنوان: "البيئة والحياة الفطرية" ما يلي: "نظراً للضغط المتزايد على الموارد الطبيعية المحدودة فإن الدولة تسعى للاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والتنمية غير الضارة للبيئة وصحة المواطن...".

ولذلك أتمنى أن لا نتجاهل هموم البيئة، فصلاحها صلاح وتنمية للإنسان.

السبت، 22 نوفمبر، 2014

مقابلة مع وزير قبل 32 عاماً حول خليج توبلي


بعد أن نشرتُ مقالاً في 11 نوفمبر من العام الجاري في صفحة "بيئتنا" في أخبار الخليج تحت عنوان "أزمة خليج توبلي الخالدة"، أَرسل لي أحد الأخوة الفضلاء والمهتمين بخليج توبلي والمراقبين للتطورات التي يشهدها هذا الخليج الحزين، مقابلة صحفية أجراها الأستاذ الفاضل حافظ إمام رحمه الله مع أحد الوزراء المعنيين بخليج توبلي، ونُشرتْ في صحيفة "الأضواء" يوم السبت الموافق 30 يناير 1982، أي قبل قرابة 32 عاماً.

 

وهذه المقابلة ناقشت محوراً واحداً فقط هو مستقبل خليج توبلي وبرامج التطوير والتأهيل المقترحة لهذا الخليج، حيث بَيَّن سعادة الوزير أولاً المخاطر التي تحيط بهذه البقعة المائية من حيث التعدي على حدوده الشاطئية والذي أدى إلى ظهور آثار سلبية على تكوينه الطبيعي الجميل وعلى مستقبل هذا المسطح المائي المميز، كما أضاف منبهاً إلى التدهور الكبير الذي نزل على بساتين النخيل في جزيرة النبيه صالح. ثم تطرقت المقابلة إلى مستقبل الخليج والدراسة الواقعية المتكاملة التي أعدتها الوزارة المعنية والتي هدفت إلى تحويل خليج توبلي إلى مركز ترفيهي حضاري في إطار طبيعي من خلال إقامة العديد من المرافق، منها أماكن مفتوحة، ومتنزهات عامة، ومبنى للأحياء المائية، وقبة سماوية، ومسرح في الهواء الطلق، إضافة إلى أنشطة مختلفة أخرى تتناسب مع كافة الفئات العمرية مثل التزحلق على الماء والقوارب الصغيرة، وإنشاء مطاعم ومقاهي على السواحل.

 

وهذا هو الجانب الإيجابي المشرق الأول بالنسبة لخليج توبلي، من حيث إجراء الدراسات والتصورات الأولية المتعلقة بتطويره وتأهيله، وهي موجودة في الوزارة وفي متناول يد الجميع، والجانب المشرق الثاني فهو متعلق بسن التشريعات اللازمة لحمايته والمحافظة عليه من أيدي البشر المتعدية على حرماته، فهناك أولاً المرسوم بقانون رقم (53) لسنة 2006 باعتبار خليج توبلي منطقة محمية طبيعية، والصادر في الخامس من أغسطس 2006، حيث جاء في المادة الأولى أنه يعتبر خليج توبلي محمية طبيعية من الفئة الثانية، أو متنزه وطني، وجاء في مادة ثانية أن مساحة الخليج يجب أن لا تقل عن 13.5 كيلومتر مربع.

 

وانطلاقاً من هذا المرسوم صدر قرار وزير شئون البلديات والتخطيط العمراني رقم (70) لسنة 2011 بشأن تحديد خط الدفان في خليج توبلي والصادر بتاريخ 12 يونيو 2011، حيث حدد مساحة الخليج بـ 15.91 كيلومتر مربع، أي أن هذا القرار ظهر إلى الوجود بعد أكثر من خمس سنوات من المرسوم!

 

والآن نجد أنفسنا أمام قضيةٍ بيئيةٍ وطنية ملحة ومكتملة الأركان من حيث تحديد ووضع الحلول المناسبة لعلاجها، فالرؤى موجودة وموثقة، والقوانين والقرارات اللازمة لأعمال التطوير والإنشاء أيضاً موجودة ومعروفة للجميع، فماذا ننتظر بعد هذا كله لتفعيل التصورات والمقترحات وتنفيذ المراسيم والقرارات؟ 

 

في تقديري الشخصي فإن هناك عدة عوامل قد تقف حجر عثرة أمام استقرار خليج توبلي بشكلٍ دائم، وتعرقل أو تبطئ من تنفيذ القوانين والتصورات التي أَشرتُ إليها، وهي كما يلي:

أولاً: هناك حاجة لإصدار وثيقة رسمية هي "وثيقة أرض محمية خليج توبلي" استناداً على شهادة مسح معتمدة تبين على أرض الواقع كل نقطة من حدود هذه المحمية.

ثانياً: حل مشكلة الأراضي التي يمتلكها بعض المواطنين في خليج توبلي.

ثالثاً: تخصيص الموارد المالية اللازمة لتطوير وإعادة تأهيل الخليج من جميع النواحي.         

 

 

الثلاثاء، 18 نوفمبر، 2014

الصين تُراقب أجهزة السفارة الأمريكية


صراعٌ خفي يدور بين السلطات الصينية وبين السفارة والقنصليات الأمريكية في الصين، وبالتحديد في العاصمة بكين، فقد بدأ المشهد الأول لهذه المواجهة الساخنة في عام 2008 عندما وضعت السفارة الأمريكية فوق سطح مبنى السفارة أجهزة خاصة تهدف إلى قياس تلوث الهواء والتعرف على جودة الهواء الجوي في كل يوم، ثم نشر هذه المعلومات إلى جميع المهتمين بنوعية الهواء ومدى توافقها مع المعايير والمواصفات الخاصة بتركيز الملوثات.

 

ومنذ ذلك الوقت والصين تمسك تحفظها على وجود هذا الجهاز الأمريكي، وتلتزم بالصمت والهدوء وضبط النفس، وغض النظر عنه وعن المعلومات التي تنشرها في الصين، ثم يبدأ المشهد الثاني من الصراع، حيث ولجنا في مرحلةٍ ثانية أبدت فيها السلطات الصينية اعتراضها ولكن بشكلٍ صامت ودبلوماسي لم يُحدث أي خللٍ في العلاقات الثنائية، ولم يحدث أي ضجةٍ إعلامية. ولكن هذا الصراع دخل مرحلة المواجهة الكلامية بعد أن تبين للحكومة الصينية أن هذه القراءات المنشورة على "التويتر" والهواتف النقالة ووسائل الاتصال الجماعية الأخرى عن وضع وحال الهواء غير الصحي للإنسان تفضح الصين، وتُبين سوءتها البيئية، وتكشف عورتها أمام شعبها ودول العالم أجمع من خلال متابعة أكثر من 50 ألف صيني للنتائج التي تنشرها السفارة الأمريكية، فعند ذلك اضطرت الحكومة الصينية إلى أن تُبدي انزعاجها واستيائها وتقديمها احتجاجاً رسمياً ضد السفارة الأمريكية.

 

وجاء هذه الاحتجاج والإنذار الحكومي من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده وو زياكنج(Wu Xiaoqing) نائب وزير البيئة الصيني في 5 يونيو 2012، حيث دعا السفارات الأجنبية إلى التوقف فوراً عن نشر المعلومات والتقارير الخاصة بجودة الهواء الجوي في المدن الصينية، وأكد على أن الحكومة الصينية فقط هي التي لديها الصلاحيات لمراقبة الوضع البيئي لعناصر البيئة الحية وغير هي الحية، وهي فقط المسئولة عن نشر أية معلومات عن صحة وسلامة البيئة ومكوناتها في الصين. ولكن الحكومة الأمريكية لم تقف متفرجة على هذه التهديد الصيني وجاء الرد سريعاً، ففي اليوم التالي، وبالتحديد في 6 يونيو 2012، قال المتحدث والناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية مارك تونر(Mark Toner): “إن السفارة الأمريكية في الصين لن تتوقف عن نشر المعلومات المتعلقة بجودة الهواء في المدن الصينية، وليست لديها مانع من قيام الحكومة الصينية بنشر المعلومات عن جودة الهواء في المدن الأمريكية”.

 

ثم استدل الستار على هذا المشهد وتوقفت المناوشات الكلامية بين البلدين في نهاية يونيو 2012، ولكنها خَرجتْ مرة ثانية إلى السطح أثناء انعقاد منتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي ودول الباسيفيك أو قمة الأبيك الذي عقد في منتصف نوفمبر من العام الجاري، حيث حاولت الصين تحسين سمعتها البيئية من خلال اتخاذ إجراءات رادعة وحازمة لخفض تركيز الملوثات في الهواء الجوي ومنع أية جهة من نشر أية معلومات متعلقة بتركيز الملوثات في الهواء الجوي، حيث أمرت السلطات الصينية السفارة الأمريكية من خلال مذكرة رسمية بمسح المعلومات التي تقرأها الأجهزة عن نوعية الهواء، وعدم السماح لها بنشرها أمام الملأ، إضافة إلى منع وضعها في صفحة وزارة الخارجية الأمريكية على الإنترنت.

 

وبالرغم من كل هذه الإجراءات إلا أن التلوث لم ينقشع أثناء زيارة الزعماء ووفود الدول، مما أحرج الصين وألزمها إلى الاعتراف رسمياً بواقعية تلوث الهواء وتدهور نوعيتها عن طريق أعلى سلطة هي الرئيس الصيني، حيث قال في كلمته أثناء حفل العشاء الذي أقيم على شرف الزعماء والوفود المشاركة:" في هذه الأيام أول شيءٍ أَقُوم به عندما استيقظ هو التأكد من جودة الهواء، وكلي أمل أن لا يكون الضباب الملوث كثيفاً حتى يرتاح ضيوفنا الكرام أثناء وجودهم هنا....كما إنني آمل أن أرى كل يوم سماءً زرقاء، وجبال خضراء، وأنهار صافية في جميع أنحاء الصين".  

 

فحري بنا نحن في البحرين أن نقف ملياً أمام هذه التجربة الصينية الثرية بالعبر والمواعظ، وأن لا نكرر الأخطاء التي وقعوا فيها واعترفوا بها رسمياً، وكلها تنصب في أن التنمية يجب أن تأخذ في الاعتبار حماية البيئة وثرواتها الحية وغير الحية، وإلا ستكون فساداً ودماراً على المدى البعيد أكثر من أن تكون بناءً وإعمارا. 

  

الاثنين، 17 نوفمبر، 2014

مُنْتج مُسرطن يلعب به أطفالنا


عندما رأيتُ هذا المنتج في البحرين، وشاهدتُ أمام عيني الأطفال والصغار والكبار يلعبون بهذا المنتج المشبوه صحياً وبيئياً، ويصنعون منه المنتجات الترفيهية والجمالية الأخرى التي توضع في الأصابع واليدين والرقبة والرأس والصدر، اضطررت إلى الكتابة عنه وتنبيه الجميع من المواطنين والمسؤولين إلى الاستعجال في سحبه من الأسواق ومنع اللعب به.

 

ولست الوحيد الذي يدعو إلى تحريم تداول هذه المنتج، فقد قامت الشركة نفسها التي كانت تبيعه في محلاتها إلى سحبه فوراً من جميع فروعها، حيث أعلنت سلسلة محلات الإنترتينر(The Entertainer) التي لها أكثر من 92 فرعاً متخصصاً في بيع ألعاب الأطفال في تصريحٍ مكتوبٍ قائلة:" :"نحن في شركة إنترتينر نضع سلامة الأطفال على رأس قائمة أولوياتنا، ولذلك كإجراءٍ احترازي، قُمنا بسحب هذا المنتج من جميع فروعنا....وسنقوم بتعويض زبائننا أو استبدالهم ببضاعةٍ أخرى".

 

وقد جاء هذا التحذير من هذا المنتج البلاستيكي الملون بألوان زاهية وجميلة وجذابة والذي يُباع على هيئة أشكال متعددة منها حبال بلاستيكية تلبس كأساور في اليد، من محطة الـ بي بي سي في بريطانيا، والتي أجرت تحليلاً لهذا المنتج عن طريق مختبر مستقل اسمه مكتب الفحص في بيرمنجهام(Birmingham Assay Office)، حيث كشف عن وجود نوعين من مركبات الباثاليت (phthalates) المحظورة بسبب تصنيفها كملوثات مسرطنة وبنسبٍ مرتفعة تراوحت بين 1% إلى 50%، وتفوق الحد المسموح به من قبل الاتحاد الأوروبي وهو 0.1% بالوزن في ألعاب ومستلزمات الأطفال.

 

ومركبات الباثاليت تُعتبر مجموعة من الملوثات الكيماوية التي تضاف إلى المواد البلاستيكية لزيادة مرونتها وليونتها وسهولة تشكيلها والتعامل معها لصناعة منتجاتٍ عملية يستفيد منها الناس في حياتهم اليومية، وهذه المضافات التي يُطلق عليها البلاستيسايزر(plasticizers)  موجودة في منتجات كثيرة نستعملها بشكلٍ يومي مثل السجاد، وكراسي السيارات، ومواد التجميل، وبعض الأدوية، وألعاب الأطفال، علماً بأن سبعة مركبات منها تم منعها حسب قوانين الاتحاد الأوروبي لأنها مسرطنة وتحوم حولها الشبهات.

ولذلك تأتي خطورة هذه المركبات في أنها تدخل في الأوساط البيئية بعد استعمالها مع الزمن ثم أخيراً إلى الإنسان، كما إنها بالتحديد تُشكل خطورة على الأطفال لأنهم يضعون الألعاب في الفم ويمتصونها فتدخل هذه السموم في أجسامهم.

 

وانطلاقاً مما سبق وأخذاً بمبدأ "الوقاية خير من العلاج" فإنني أتمنى من الجهات المعنية سحب هذا المنتج من الأسواق حفاظاً على صحة فلذات أكبادنا، وحماية لبيئتنا.