الجمعة، 12 سبتمبر، 2014

هل تَنْبَعثْ الملوثات من الكائنات الفضائية؟



هناك هوس شديد ومستمر عند أفراد المجتمع الأمريكي خاصة من كُتاب وعلماء للبحث عن كائنات حية تشبه الإنسان وتعيش في مكانٍ ما في الفضاء الشاسع خارج كوكب الأرض، وربما هذا الاهتمام العميق ينبع من حب الإبداع عند الأمريكيين والبحث عن غير المألوف، والرغبة نحو استكشاف الجديد والغريب، والميل إلى المغامرة المحسوبة بشكلٍ دقيق وعلمي وتقني عالي المستوى من ناحية التخطيط والتنفيذ، وهذا الهوس انعكس بشكلٍ مشهود وملموس على هوليود، مصنع الأفلام الأمريكية والدولية، حيث أَنْتجت أفلاماً كثيرة منذ أكثر من قرن، وقدمت تصوراتٍ وتخيلات مختلفة ومتعددة عن هذه الكائنات الفضائية الدخيلة وغزوها للكرة الأرضية وقضائها على الجنس البشري.

وقد برزت خلال العقود الماضية عدة وسائل وطرق للبحث عن هذه الكائنات الفضائية والتعرف عليها، وتقصي آثارها، ومراقبة ومتابعة مؤشرات وجودها، وتركزت هذه الطرق أولاً على البحث عن كائنات حية بسيطة وغير معقدة في تركيبها من أسماك وبكتيريا وغيرهما وتعيش في ظروفٍ غير عادية وقاسية وصعبة ولا يمكن للإنسان أن يعيش فيها، مثل أعماق البحار والمحيطات على عمقِ كيلومتراتٍ طويلة تحت سطح البحر، حيث الظلام الدامس، والنقص المدقع في الأكسجين، والبرودة الشديدة، أو تحت سطح البحيرات المتجمدة في القطبين الشمالي والجنوبي، حيث البرودة القارسة غير الطبيعية وغير المناسبة لحياة البشر، أو في المياه الجوفية شديدة الحرارة والغليان التي لا يمكن أن تُعين أي كائن على الحياة والنمو والتكاثر، فوجود أي كائنٍ حي، مهما كان نوعه أو حجمه في مثل هذه البيئات والظروف القاسية قد يشير إلى احتمال وجود كائنات حية أيضاً في الكواكب الكونية التي لها ظروف مشابهة وبيئات قريبة منها.

وفي هذا الإطار، نَشَرتْ مجلة الطبيعة(Nature) في العدد الصادر في 20 أغسطس من العام الجاري بحثاً علمياً ميدانياً يؤكد اكتشاف 4000 نوعٍ من البكتيريا التي تعيش في بحيرات القطب الشمالي المتجمدة، وبالتحديد في بحيرة ويلانز(Lake Whillans)، وفي أعماق تحت سطح ماء البحيرة المتجمد تبلغ نحو 2600 قدم، أي قرابة 790 متراً، فتحيا في تلك البقعة النائية والشديدة البرودة من الكرة الأرضية والأكثر بعداً عن المدنية والتحضر وأنشطة البشر، فلم يتوقع العلماء أن تكون هناك حياة مزدهرة في مثل هذه البيئة القاسية، ولذلك فإن هذا الاكتشاف قد يؤشر على احتمال وجود حياةٍ في كواكب أخرى تعيش في الظروف والبيئة نفسها.

كما إن هناك طُرقاً أخرى تم استخدامها لدراسة إمكانية وجود كائنات فضائية مثل البحث عن غاز الأكسجين أو الميثان أو غيرهما في الكواكب خارج الكرة الأرضية، وهذه الغازات تعد مؤشرات حيوية تفيد بوجود نوعٍ ما من الكائنات الحية.

واليوم ابتكر علماء أحياء الفضاء العاملون في مركز سميثونين لفيزياء الفضاء في جامعة هارفورد آلية ووسيلة جديدة للبحث عن كائنات حية في الكون الفسيح خارج حدود كوكبنا، ونشروا هذه الآلية والفكرة الجديدة من خلال بحثٍ علمي متكامل وشامل في 24 يوليو من العام الجاري في مجلة الفيزياء الفلكية (Astrophysical Journal) تحت عنوان: "البحث عن تلوث الهواء من الكائنات الفضائية".

وهذه الفكرة الإبداعية تختلف عن الآليات والوسائل التقليدية التي كانت تُركز في بحثها على العمليات الحيوية الطبيعية للكائن الحي، وبخاصة الغازات العادية المعروفة التي تنبعث عن التفاعلات الحيوية داخل جسم الكائن الحي، فهذا الابتكار الفكري يتلخص بشكلٍ أساس في فرضية وجود كائنات حية ذكية كالإنسان في مكانٍ ما خارج كوكب الأرض، ووجود مثل هذه الكائنات الذكية يعني بالضرورة وجود مرافق وأنشطة ومصانع لهذه المجتمعات الفضائية، ووجود هذه المصانع الفضائية لا بد وأن تنبعث عنها ملوثات غازية تشبه الملوثات الغازية التي تنطلق من الأنشطة البشرية كالمصانع ووسائل النقل والمواصلات.

ومن أبرز الملوثات المعروفة للإنسان منذ الثمانينيات من القرن المنصرم هي مجموعة من مركبات الكلوروفلوروكربون(CFCs) التي نستخدمها منذ عقودٍ من الزمن في عملية التبريد في الثلاجات والمكيفات ومواد إطفاء الحريق، وبالتحديد رباعي فلورو الميثان وثلاثي كلوروفلورو الميثان، فالبعض من هذه الملوثات قد يبقى آلاف السنين في بيئتنا وفي الهواء الجوي بالتحديد دون أن يتغير أو يتحلل، ولذلك فاكتشاف هذه المجموعة من الملوثات في الكون مؤشر إيجابي وقوي على احتمال وجود كائنات فضائية ذكية مثل الإنسان. وهناك تلسكوب تابع لوكالة الفضاء الأمريكية(ناسا) سيدشن عام 2018 واسمه تلسكوب "جيمس وِبْ الفضائي" (James Webb Space Telescope) وله القدرة على الكشف عن هذه الملوثات في الفضاء خارج الغلاف الجوي لكوكب الأرض.  

فهل سينجح العلماء في اكتشاف ملوثاتٍ صناعية منبعثة من المجتمعات والكائنات الفضائية؟      

الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2014

علاوة التلوث



هناك عدة عوامل تجذب وتشجع العقول الأجنبية الفريدة والقادة التنفيذيين المتميزين والشركات الاستثمارية والدولية للانتقال إلى بلدٍ محدد، ومن هذه العوامل الجوانب الاقتصادية المتعلقة بالضرائب التي تفرضها تلك الدولة، والتسهيلات المالية التي تقدمها للأفراد والشركات، ومنها العامل الأمني من حيث استقرار الدولة وخلوها من الإضرابات العنيفة والمعرقلة لحركة النمو، إضافة إلى الأبعاد المتعلقة بالبنية التحتية في تلك الدولة وتوافر الخدمات الأساسية الضرورية من مطارات جوية وبرية، وموانئ، وشوارع ممهدة وواسعة، وأماكن الترفيه والتسلية، ووسائل الاتصال والمواصلات، وكل هذه الجوانب تدخل ضمن العوامل التقليدية المعروفة منذ عقود.


 


ولكن برز في السنوات الماضية عامل مهم جداً يؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ قرار الانتقال إلى بلدٍ آخر للعمل، سواء على المستوى الشخصي أو مستوى الشركات، وهو البيئة السليمة والصحية والنظيفة، وبخاصة نوعية الهواء الجوي وخلوها من الملوثات القاتلة، ونوعية مياه الشرب والمياه السطحية وسلامتها للاستهلاك الآدمي، فهذا البعد الجديد مرتبط ارتباطاً وثيقاً وقوياً بصحة الإنسان وسلامة بَدَنِه، وعادةً لا يُضحي الإنسان بصحته من أجل لقمة العيش، إلا عند الضرورة القصوى، والحاجة الملحة، وعدم وجود البديل المناسب.


 


ولذلك فالشركات الكبرى متعددة الجنسيات المضطرة لفتح فروعٍ لها في المدن الكبيرة المعروفة بتلوث هوائها وفساد مائها، ابتدعت فكرة جديدة لجذب التنفيذيين الأكفاء ذي الكفاءات العالية، والخبرات الفريدة التي لا يمكن الاستغناء عنهم، وتتمثل في إغراء وتحفيز هؤلاء الأفراد إلى العمل في هذه المدن، وتـَحَمُل تداعيات تلوث الهواء والماء من خلال استحداث مكافأة خاصة، أو علاوة جديدة هي "علاوة التلوث". وتشتمل هذه العلاوة على مبلغٍ مالي نقدي، إضافة إلى شراء أجهزة ومعدات لمنازلهم تقوم بتنقية وتصفية وترشيح الهواء الجوي الخارجي قبل دخوله إلى المنزل.


 


وهذه الحالة التي أتحدث عنها ليست افتراضية وليست نظرية من نسج الخيال، وإنما هي حقيقة واقعة في بعض مدن العالم، وعلى رأسها مدن الصين كالعاصمة بكين وشنغهاي. 


 


فعلى سبيل المثال قامت شركة كوكا كولا في بكين بمنح الأجانب غير الصينيين العاملين في الشركة علاوة خاصة أَطلقت عليها "علاوة خطر التلوث"، وذلك اعترافاً منها بحجم التلوث في العاصمة الصينية، وشدة معاناة الناس من هذا التلوث المـُؤثر على صحتهم وسلامة أجسامهم، وبخاصة من حيث الفساد الشديد الذي أصاب نوعية الهواء، فبكين تشتهر منذ عقود بانكشاف ظاهرة خطيرة تنزل عليها بين الحين والآخر فتُلقى الرعب والخوف في نفوس الساكنين والمواطنين، وتعرف بالضباب الضوئي الكيميائي.


 


فهذه الظاهرة التي تعاني منها بكين ليست محلية الصنع وخاصة بهذه المدينة، وإنما هي ظاهرة عالمية تقاسي منها معظم المدن الحضرية والصناعية في العالم، بما فيها البحرين، وهي ليست ظاهرة جديدة انكشفت في هذا القرن، وإنما هي مشكلة بيئية قديمة ومتجددة ظهرت أولاً في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية في مطلع الأربعينيات من القرن المنصرم.


 


فهذه المشكلة تنتج عن انطلاق الملوثات من وسائل النقل بصفةٍ خاصة، وبالتحديد السيارات، حيث تنبعث منها غازات أكاسيد النيتروجين، ومجموعة من الغازات الأخرى التي يُطلق عليها بالملوثات العضوية المتطايرة، وهذه الغازات عند وجودها في الهواء الجوي وأثناء سطوع أشعة الشمس الحارة تتفاعل مع بعض لُتنتج خليطاً معقداً وخطيراً من الملوثات السامة التي تهدد صحة كل إنسان، أو حيوان، أو طير، أو جماد يتعرض لها، وتُعرف علمياً بالملوثات المؤكسدة، وعلى رأسها غاز الأوزون المعروف بسميته العالية للإنسان والحيوان، وتأثيره المباشر على مواد البناء. وهذه الملوثات المؤكسدة تتراكم في الهواء ويزداد تركيزها مع الوقت، وتُكَون سحباً بُنية صفراء اللون تظهر في السماء ويمكن للجميع مشاهدتها بكل جلاءٍ ووضوح فلا تخفى على أحد، وعندما تظهر هذه السحب تدق وسائل الإعلام أجراسها محذرة الناس من الخروج من منازلهم، أو ممارسة الأنشطة خارج المنزل أو المكتب، فهي سحب تدمر صحة الإنسان، وتُسبب له العديد من الأمراض التي قد تكون قاتلة ومهلكة.


 


فلا عجب إذن أن يهرب الناس من هذه المدن الملوثة، ويتجنبون العمل فيها حفاظاً على صحتهم وصحة أبنائهم وأسرهم، ولا عجب في المقابل أن تضطر بعض الدول، أو الشركات الكبرى إلى إبداع طرق ووسائل جديدة غير تقليدية تواكب هذه التطورات المستجدة للتغلب على هذه الأزمة البيئية الصحية، وذلك من خلال التشجيع والدعم المادي والعلاوات المالية لترغيب الأفراد ذي الكفاءات العالية والخبرات الطويلة والمتميزة للعمل في هذه الدول، والبقاء فيها أطول فترة ممكنة من الزمن.


 

الاثنين، 8 سبتمبر، 2014

"النِيُو لُوْكْ" لشركات التبغ


تحاول شركات التبغ من جديد كسب قلوب الناس وثقتهم بطريقةٍ أو بأخرى مهما كلَّف الثمن، ومهما كانت الوسائل والسُبل، فتسعى جاهدة بكل ما أُعطيت من قوةٍ ومكرٍ ودهاء إلى جذب الجمهور نحو أي نوعٍ من أنواع التدخين، وبخاصة بعد خسائرها الفادحة لمعارك كثيرة كانوا يخوضونها في السنوات الماضية، مثل معركة عزوف الناس عن السجائر التقليدية، ومعركة الغرامات الكبيرة التي يقومون بدفعها كل يوم كتعويض للذين رفعوا شكاوى ضدهم في كل أنحاء العالم.

 

فهذه الشركات الآن تعمل على التكيف والتأقلم مع هذه المستجدات على الساحة الدولية للتدخين، وذلك ضمن تَكْتِيكٍ شيطاني جديد، ونموذج للعمل مغاير عن النماذج التقليدية، واستراتيجية علمية ماكرة مبنية على أحدث الدراسات، فتُقدم نفسها للجمهور بوجهٍ جديد، أو نيُو لُوْكْ، لعلها ترجع مرةً ثانية إلى عصر الازدهار الاقتصادي والماضي الغابر السعيد الذي كان يفتخر فيه الإنسان عندما يدخن، ويعتبر السجائر والتدخين موضة عصرية حديثة تتوافق مع الرجل أو المرأة العصرية.

 

وأستطيع أن أُلخصَ تكتيك هذه الشركات في نقطةٍ واحدة رئيسة تتمثل في إبداع وتصميم مُنتجات جديدة تنأى بنفسها عن السجائر التقليدية "الضارة"، فتُقدم هذه المنتجات انطباعاً مغايراً عن السجائر القديمة، من حيث إنها أقل خطورة للإنسان وتـٌجنب المدخن الأضرار الصحية المعروفة التي كانت تنجم عن السجائر التقليدية القديمة، وتُبعده عن السقوط في شر الأمراض المزمنة والمستعصية التي تصاحب عملية التدخين.

 

فتقوم هذه الشركات بتقديم هذه المنتجات الجديدة تحت "مسميات جديد"، و"وجه حديث أو نيو لوك". ومن أشهر هذه المنتجات التي انتشرت مؤخراً وارتفعت أعداد مستعمليها هي "السجائر الإلكترونية"، حيث تَدَّعي شركات التبغ بالاستناد إلى بعض "الأبحاث العلمية" التي ربما قاموا بتمويلها ودعمها بأن هذا النوع الجديد من السجائر لا تنبعث منه أية ملوثات سامة أو مسرطنة، أي أنه "بديل حديث" لا يضر بصحة الإنسان وينقذه من شر السجائر السامة والقاتلة، كما أنهم يَدَّعون بأن هذا النوع الحديث من السجائر في الوقت نفسه يساعد المدخنين مع الوقت على العزوف عن التدخين مستقبلاً وبالتالي يحمي صحتهم ويحافظ على أمنهم.

 

فالآن تهدف شركات التبغ إلى تغيير سمعتها السيئة أمام الناس، وبناء مصداقية جديدة تُعيد الثقة بهم وبمنتجاتهم، فهم حسب تكتيكهم الجديد يعملون على إنقاذ البشرية من شر التدخين وحمايتها من أضرار السجائر القديمة القاتلة، فهل نصدقهم ونثق بهم بعد أن كذبوا علينا أكثر من مائة عام؟    

 

الخميس، 4 سبتمبر، 2014

وأخيراً انفجرت قنبلة المخلفات




كتبتُ عدة مقالات منبهاً ومحذراً إلى احتمال انفجار عشرات الآلاف من البراميل والحاويات التي تحمل في بطنها مخلفات مشعة قاتلة ومنتشرة في عدة مواقع في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه التحذيرات أصبحت الآن واقعاً ملموساً شهدناه قبل فترة قصيرة، وبالتحديد عندما وقع انفجار غامض وغير متوقع في موقعٍ للمخلفات النووية بالقرب من مدينة(Carlsbad) الواقعة في منطقة صحراوية نائية جنوب شرق ولاية نيو مكسيكو الأمريكية. 

ففي 14 فبراير من العام الجاري حدث ما كنت أخشاه وأُخَوِفُ الناس من وقوعه عاجلاً أم آجلاً، حيث انفجرت فجأة وبدون سابق إنذار حاوية من الفولاذ سعتها 55 جالوناً مدفونة في أعماق الأرض وفي طبقات ملحية على مسافة في باطن الأرض قدرها 2150 قدماً ومشحونة بمخلفات صلبة وملوثة بعنصر البلوتونيم المشع، مما أدى إلى تسربٍ إشعاعي خطير وانبعاث ملوثات مشعة  هددت بشكلٍ فوري ومباشر سلامة وحياة نحو 22 عاملاً يشتغلون في هذا الموقع. 

ومنذ وقوع هذه الحادثة وأنا أُتابع تفاصيلها ودقائقها، وحتى الآن لم يعرف المختصون والعلماء في وزارة الطاقة الأمريكية عن ملابسات هذه الواقعة وأسباب حدوثها وأسرار وقوعها، أي أن وقوع حوادث أخرى أشد وطأة وأكثر تدميراً للحرث والنسل وعلى نطاقٍ جغرافي أوسع قد تقع في أي وقت، وستكون تداعياتها وعواقبها الوخيمة لا تقل عن انفجار قنبلة نووية، وستتخطى تأثيراتها الحدود الجغرافية للولايات المتحدة الأمريكية.

فمن المعروف أن هذا هو الموقع والمدفن الوحيد من نوعه في أمريكا، وتم افتتاحه عام 1999 لدفن نوعٍ خاص ومحدد من المخلفات المشعة العسكرية، وهي تلك المخلفات الناجمة عن إنتاج وتصنيع الأسلحة النووية والأسلحة القديمة التي لا يمكن استخدامها، سواء أكانت صواريخ نووية، أو ذخائر، أو قنابل ذرية، أو مخلفات عسكرية من الحروب السابقة، فكل هذه المخلفات تُجمع في براميل من الفولاذ وتخزن تحت الأرض إلى أجلٍ غير مسمى، دون أن يعرف أحد عن مصيرها بعد عقود من الزمن وتأثيراتها المحتملة على البشر والحجر.  

والآن هذا الموقع مغلق حتى إشعارٍ آخر، ولكن الطامة الكبرى التي تواجهها أمريكا هي تراكم وتكدس المخلفات المشعة التي كانت تخزن في هذا الموقع، فالتقديرات الأولية تؤكد وجود نحو 8841 برميلاً من المخلفات المشعة في قائمة الانتظار لا يعرف أحد أين سيكون دفنها وفي أية بقعةٍ سيكون مثواها الأخير.

فهذه الحادثة المتوقعة تكشف لنا حجم معاناة أمريكا من قضية مخلفات الدمار الشامل، أو قنابل المخلفات المشعة الموقوتة والمتراكمة منذ الحرب العالمية الأولى والتي تزداد يوماً بعد يوم، كما أن هذه الحادثة يجب أن تُثير الرأي العام ليس على مستوى أمريكا فحسب، وإنما على مستوى دول العالم أجمع، وبالتحديد الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إضافة إلى وكالات ومنظمات الأمم المتحدة المختصة بالوقود النووي والطاقة الذرية.

ولذلك فإنني أتساءل لماذا تتجاهل الأمم المتحدة الممثلة في مجلس الأمن الدولي من جهة، ودول العالم أجمع من جهةٍ أخرى عن هذ الآلاف من القنابل الذرية الموقوتة ومخلفات الدمار الشامل المشعة الموجودة في أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، وأراضي الدول النووية منذ عقودٍ من الزمن، والتي باتت تشكل تهديداً حقيقياً ومستمراً للسلم والأمن الدولي والاستقرار العالمي؟

وأين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من قضية عشرات الآلاف من الأطنان من هذه القنابل الذرية المخزنة في هذه الدول والمكدسة في أراضيها، والتي قد تنفجر في أية لحظة فتقتل ملايين البشر وتلوث الكرة الأرضية برمتها؟

وإنني على يقين لو كانت هذه القنابل الموقوتة المتمثلة في المخلفات المشعة مُخزنة في أراضي الدول النامية والفقيرة لهبت الدول الغربية جمعاء هبة رجلٍ واحد، وتبعتها أذيال منظمات الأمم المتحدة المـَعْنية وغير المعنية واتخذت كل الوسائل السلمية وغير السلمية لمكافحة وجود هذه التهديدات النووية، بل وتمت محاكمة رؤساء هذه الدول على هذه الجريمة البيئية النكراء، أو حتى غزو هذه الدول عسكرياً واستباقياً لامتلاكها مخلفات الدمار الشامل!

ولكن كما تعودنا، فإن الدول الغربية وأدواتها المـُطيعة لها، والمنفذة لتوجيهاتها من مؤسسات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية وبعض الجمعيات الأهلية دائماً تكيل بمكيالين مختلفين حسب المصلحة والأهواء السياسية، وتتبع عادة معايير مزدوجة ومتغيرة بناءً على الدولة الواقعة في قفص الاتهام!

الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2014

قرار منظمة الصحة العالمية حول السجائر الإلكترونية



كما يعلم الجميع فإن منظمة الصحة العالمية هي أحد أجهزة ومؤسسات الأمم المتحدة المعنية بمعالجة القضايا والمشكلات الصحية الحادة والمزمنة على المستوى الدولي، وطرح البرامج العملية والبحثية ووضع السياسات والمعايير والمقاييس الصحية لدول العالم أجمع، إضافة إلى تنسيق الجهود بين الدول والتعاون فيما بينها للوقاية من الأمراض والأسقام والعلل ومنع انتشارها على المستويين الإقليمي والدولي.


 


ولذلك فإن توصياتها وقراراتها وآرائها حول القضايا الصحية الملحة يجب أن تؤخذ بكل جدية وتقدير، وتعمل الدول على تنفيذها وتطبيقها كل حسب ظروفها وإمكاناتها.


 


وقد اتخذت منظمة الصحة العالمية في 26 أغسطس من العام الجاري موقفاً محدداً، وتبنت قراراً واضحاً لا لبس فيه حول السجائر الإلكترونية، حيث أوصت المنظمة في تقريرها الذي أعد خصيصاً للدول الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول التحكم في التبغ لعام 2003، والتي ستعقد مؤتمرها الدوري في موسكو في أكتوبر من هذا العام لمناقشة هذه التوصيات والتوجهات الجديدة حول السجائر الإلكترونية واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.


 


وقد تَبَنتْ منظمة الصحة العالمية عدة توصيات تصب جميعها في دعوة دول العالم عامة والدول الأعضاء في اتفاقية التحكم في التبغ خاصة إلى اتخاذ إجراءات حازمة وسريعة، ووضع قرارات صارمة حول كافة القضايا المتعلقة بهذا النوع الجديد غير التقليدي للتدخين وهو السجائر الإلكترونية من حيث تقنين بيعها، وتسويقها والإعلان عنها، وبالتحديد أوصت إلى ما يلي:


 


أولاً: منع تدخين السجائر الإلكترونية في البيئات الداخلية المغلقة التي لا تتوافر فيها وسائل وأدوات فاعلة للتهوية وطرد الملوثات.


ثانياً: منع تدخين السجائر الإلكترونية في الأماكن والمرافق العامة.


ثالثاً: حظر بيع السجائر الإلكترونية على الصغار ومن هم دون الـ 18 من العمر.


رابعاً: وضع قيود على نوعية النكهات والألوان والمواد التي تضاف إلى السجائر الإلكترونية، علماً بأن هناك 466 نوعاً من هذه السجائر ووصل عدد نكهاتها وألوانها حتى الآن إلى 7700 نكهة، وهذا العدد في ازدياد مطرد كل شهر.


 


وجدير بالذكر أن منظمة الصحة العالمية لا تقف وحدها في تبني مثل هذه التوجهات والتوصيات، فهناك جهود من مختلف الشخصيات المرموقة، والمنظمات ومراكز الأبحاث، وبعض الدول لتطبيق هذه التوصيات. فهناك مجموعة من 53 عالماً وقعوا رسالة إلى المنظمة لتشجيعها وتحفيزها على المضي قدماً في توصياتها، كذلك دعت جمعية القلب الأمريكية والمركز الأمريكي لمنع والتحكم في المرض إلى توصيات مطابقة مثل منع بيع السجائر الإلكترونية على صغار السن، وتقنين تسويقها والدعاية لها. وعلاوة على ذلك فقد منعت عدة مدن في العالم على منع تدخين السجائر الإلكترونية في الأماكن العامة مثل مدينة تورنتو الكندية، ومدينة لوس أنجلوس، ونيويورك، وشيكاغو الأمريكية.وفي بريطانيا ستدخل السجائر الإلكترونية بحلول عام 2016 ضمن المنتجات الطبية ومنتجات العناية بالصحة، أي سيتم التعامل معها كالأدوية والعقاقير، ولذلك فهي ستكون بحاجة إلى أدلة علمية دامغة تؤكد سلامتها للمستهلك.


 


كذلك قامت الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في إدارة الغذاء والأدوية إلى البدء في وضع أنظمة تقنن كيفية التعامل مع هذا المنتج الجديد منذ 24 أبريل 2014، من حيث الإنتاج والتوزيع والتسويق والإعلان وتقديم معلومات تفصيلية عن جميع المكونات والمضافات التي توضع في السجائر الإلكترونية والإفصاح عنها رسمياً، إضافة إلى وضع علامة تحذيرية تفيد بأن النيكوتين يسبب الإدمان للإنسان، كما يَنُص النظام الأمريكي الجديد على منع بيع هذه السجائر على الصغار، ومنع أجهزة الصراف الآلي للسجائر، ومنع العينات المجانية التي توزع على الناس في الأماكن والمرافق العامة.


 


لذلك نرى أن المجتمع الدولي بدأ يتحرك تدريجياً وبخطى ثابتة وراسخة لمواجهة هذا التهديد الصحي والبيئي الجديد، ومكافحة هذه الآفة القادمة التي ستدهور صحة الإنسان على المستويين الفردي والجماعي، وأتمنى أن نواكب في البحرين هذه الجهود الدولية ونلاحق كافة التطورات المتعلقة بالسجائر الإلكترونية، ونبدأ من الآن في وضع الأنظمة المناسبة واتخاذ القرارات الصارمة لدرء هذا الخطر العظيم والفساد الكبير عن شبابنا وأولادنا.


 

الخميس، 28 أغسطس، 2014

وأخيراً رَضَختْ الصين لهموم البيئة



بعد عقودٍ طويلةٍ من النمو الاقتصادي الأحادي الجانب، والذي ركز فقط على البعد الاقتصادي البحت، ووجه جُل اهتمامه ورعايته إلى رفع الـ جي دي بي، أو الناتج المحلي الإجمالي، اقتنعتْ الصين بأن هذا النمط من التنمية غير مستدام، أي أن هذا النوع من التنمية لن يستمر طويلاً، وسيأتي اليوم الذي سيتوقف فيه ويصيبه الشلل الكلي فيسقط جثة هامدة ميتة.

ولذلك تَنَبَهتْ الصين إلى هذه السياسة التنموية المعوقة غير الرشيدة التي كانت تُبصر بعينٍ واحدة وضَحتْ بكل شيء من أجل تحقيق الرفاه الاقتصادي، فأخذت تتراجع عنها في الوقت المناسب قبل فوات الأوان، فهناك الكثير من المؤشرات الواقعية التي ظهرت في السنوات الماضية وانكشفت أمام الناس بكل جلاءٍ ووضوح بحيث لا يمكن تجاهلها وغض الطرف عنها، مما أجبرت الحكومة الصينية إلى إجراء محاسبة شاملة وكاملة لسياساتها واستراتيجياتها  في النمو.

وأستطيع أن أُلخص هذه المؤشرات في عدة قطاعات، منها مؤشرات تدخل ضمن القطاع البيئي والصحي، وأخرى مؤشرات اقتصادية واجتماعية، ومن أخطر هذه المؤشرات والتي كان لها الأثر الملموس في تحريك الحكومة الصينية ودفعها نحو تغيير سياساتها هي المتعلقة بالجانب السياسي والأمني.

أما المؤشر البيئي فقد تمثل في تدمير شاملٍ وعلى نطاقٍ واسع لكافة مكونات البيئة الحية وغير الحياة، من هواءٍ ومياهٍ سطحية وجوفية وتربة وحياة فطرية نباتية وحيوانية، فلم يبق شبر من الصين إلا وتسمم بالمواد الكيميائية الخطرة، ولم تبق بقعة صغيرة أو كبيرة، قريبة من مصادر التلوث أو بعيدة عنها إلا وأصابها داء التلوث. فقد جاء في التقرير الحكومي الذي قامت بإعداده وزارة حماية البيئة بالتعاون مع وزارة الأرض والموارد في الصين، أن معظم الأراضي تلوثت بالعناصر الثقيلة والملوثات العضوية وأصبحت غير صالحة للزراعة، فقد أكد أن 19.4% من الأراضي الزراعية، أي نحو 3.33 مليون هكتار، مسمومة بملوثات خطرة تهدد صحة الإنسان والكائنات الفطرية النباتية والحيوانية ، وانعكس هذا التلوث على نوعية المحاصيل وجودتها وصلاحيتها لاستهلاك الإنسان، فزهاء 12 مليون طنٍ من الحبوب والرز التي تم إنتاجها كانت مسمومة بهذه الملوثات، مما يعني أن المواطن الصيني كان يأكل طوال السنوات الماضية حبوباً ورزاً مسموماً، إضافة إلى ملايين البشر في الدول الأخرى التي كانت تستورد هذه المحاصيل الصينية. وعلاوة على هذا التدهور الشديد للتربة، فقد أكد التقرير على أن نحو 60% من المياه الجوفية مسمومة وغير صالحة للشرب والاستهلاك الآدمي أو الحيواني أو النباتي، إضافة إلى أن 85% من أنهار الصين غير صالحة للشرب.

وعلاوة على تلوث التربة والمياه، فإن صحة الهواء الجوي أكثر تدهوراً وأشد فساداً منهما، فحوادث تلوث الهواء في المدن الصينية الكبرى نشهدها كل يوم، ووسائل الإعلام الصينية وغير الصينية غطت هذه القضية بكل إسهابٍ وتفصيل، حتى تم وصف الهواء في هذه المدن بأنه "الأشد تهديداً لصحة الناس".

هذا المؤشر البيئي الخطير انعكس بشكلٍ مباشر ومفضوح على الأمن الصحي للصينيين، حيث اعترفت التقارير الحكومية عن وجود نحو 400 قرية سرطانية، أي ترتفع فيها مستويات الإصابة بالسرطان.

وقد انفجرت تداعيات المؤشرات البيئية والصحية في وجه الحكومة الصينية المركزية لأنها بلغت درجة رهيبة مأساوية لا يمكن السكوت عنها أو تجاهلها، فثار الشعب الصيني على سياسات حكومته، وقام بمظاهرات عفوية عارمة في شتى المدن الصينية، وتحولت البعض من هذه الاحتجاجات إلى ساحة عنفٍ وشغبٍ وتخريب، وأدى إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

وهذا الوضع الأمني الذي هدد استقرار الصين هو الذي دفع الحزب الشيوعي إلى تبني سياسات جديدة تضع للبيئة اعتباراً ولهمومها اهتماماً، فقد أعلن رئيس الوزراء الصيني(Li Keqiang) في مارس 2014 ولأول مرة في تاريخ الصين في خطابه أمام مجلس الشعب الوطني الصيني "الحرب على التلوث"، وخصص مبلغاً مالياً قدره 270 بليون دولار على مدار خمس سنوات لتحسين نوعية الهواء.

ونحن في البحرين فقد سِرنا على نهج الصين القديم في التنمية، ولذلك فالمياه الجوفية تحولت إلى ملحٍ أجاج وعيوننا جفت ونضبت، والبحر أصبح عملة صعبة وكائناته الحية ضاقت بها الحياة، والهواء تشبع بجسمه بعض الملوثات، والناس في قلقٍ شديد ودائم حول تدهور صحة بيئتنا، فهل نُعلن نحن أيضاً الحرب على التلوث كما فعلت الصين؟