الثلاثاء، 20 سبتمبر، 2016

إعلان مُثير للمَحْكمة الجنائية الدولية


أَعلنتْ المحكمة الجنائية الدولية في 16 سبتمبر من العام الجاري عن خبرٍ جديد لم نعهده من قبل من هذه المحكمة، ولم يقع ضمن دائرة اهتمامها، وليس له علاقة مباشرة بأهداف إنشائها، ويتلخص الخبر في أن المحكمة قد وسَّعَتْ من دائرة اهتماماتها واختصاصاتها، فهي منذ اليوم ستعطي اهتماماً خاصاً لملاحقة ومتابعة الجرائم المتعلقة بتدمير البيئة.

 

وبناءً على هذا الخبر أطرح السؤال التالي: هل تدمير البيئة ومكوناتها الحية وغير الحية من ماءٍ وهواءٍ وتربة ومحيطات وأنهار وبحار ومياه جوفية وقتل الحياة الفطرية من نباتات وحيوانات تُعد من "الجرائم"، وهل ترقى إلى الجرائم الدولية كجرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الإبادة الجماعية؟

 

وهل الجرائم البيئية التي يرتكبها الأفراد، أو الشركات، أو الدول يمكن أن تقع ضمن دائرة اختصاصات وأهداف إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست عام 2002 كأول محكمة دولية قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب؟ فهل يحق لهذه المحكمة التحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي تلحق يومياً بمكونات بيئتنا؟

 

ولكي أجيب عن هذا السؤال أَرجِع إلى تعريف وتصنيفات الجرائم الدولية حسب القوانين الدولية، حيث إن الجرائم الدولية، وبالتحديد الجريمة ضد الإنسانية تعني أي فعل من الأفعال المحظورة والمـُحَددة في نظام روما متى ارتكبت في وقت الحرب أو السلام، وفي إطار هجومٍ واسع النطاق، أو منهجي مُوجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وتتضمن مثل هذه الأَفعال القتل العَمْد، والإبادة الجماعية، والاغتصاب، والعبودية الجنسية، والإبعاد أو النقل والتهجير القسري للسكان، وجريمةِ التفرقة العنصرية وغيرها.

 

واستناداً إلى هذا التعريف المتعلق بالجرائم الدولية وأنواعها، والتي من ضمنها "القتل العَمْد"، أُقدم لكم مثالاً صارخاً لجريمة بيئية تُرتكب في كل ساعة في حق البيئة والإنسانية منذ أكثر من سبعين عاماً ولم يتحرك أحد لمحاسبة الجناة والمذنبين، وهو تلوث الهواء الناجم عن التدخين بأنواعه وأشكاله وأسمائه المختلفة وانعكاساته المشهودة على صحة البيئة وأمن الإنسان في كل أرجاء المعمورة.

 

فشركات التبغ والسجائر قتلت ومازالت تقتل "عمداً" ومع سبق الإصرار والترصد ملايين البشر منذ ولادة السجائر، فهي منذ عام 1959 كانت تعلم بخطورة التدخين على الإنسان، كما كانت تعلم بأن التبغ الذي يوضع في السجائر يحتوي على مادة مشعة هي عنصر البولونيوم-210(polonium-210) المُشع، وأن الملوثات التي تنتج عن دخان السجائر تحتوي أيضاً على مادة مشعة قاتلة، وأخرى مسرطنة تؤدي إلى الموت الجماعي للمدخنين ولمن يجلس حولهم. وقد اعترفت هذه الشركات بهذه الحقائق التي تم اكتشافها بعد عقودٍ طويلة من نشر السم في شرايين البيئة وجسم الإنسانية، أي أنها اعترفت بجريمتها الشنعاء المتعلقة بالقتل العمد حتى يومنا هذا للملايين من الناس في كل أنحاء العالم، فهل ستتحرك المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة هذه الشركات ومطاردة مرتكبي هذه الجريمة البيئية الصحية ضد الإنسانية؟

 

وفي السياق نفسه هناك الدول الغربية الصناعية الكبرى التي استباحت حرمات البيئة لعقودٍ طويلةٍ من الزمن واعتبرتها مُلكاً شخصياً لها تفعل بها ما تشاء دون حسيبٍ أو رقيب، فارتكبت جرائم بيئية أخرى ضد الإنسانية وضد الكرة الأرضية برمتها، مثل جريمة تدمير طبقة الأوزون التي تقي الإنسانية جمعاء من الهلاك والتعرض للأشعة البنفسجية القاتلة القادمة من الشمس، أو جريمة انبعاث الغازات من آلاف المصانع التي تبث سمومها منذ أكثر من مائتي عام، والمتهمة بالتغير المناخي ورفع درجة حرارة الأرض والكوارث الخطيرة التي تقع بسبب سخونة الأرض على البشرية جمعاء.

 

فكل هذه أمثلة بسيطة على جرائم بيئية ارتكبتها أيدي الغرب خاصة في حق الإنسانية، وكلها يمكن اعتبارها جرائم دولية وتقع ضمن الجرائم ضد الإنسانية، فهل للمحكمة الجنائية الدولية القوة والسلطة على محاكمة الأفراد، أو الشركات، أو الدول الغربية الصناعية على هذه الجرائم، أم أنها مختصة فقط لمحاكمة الأفراد في دول العالم الثالث، وبخاصة الدول الأفريقية؟  

 

الأحد، 18 سبتمبر، 2016

تقرير خطير للبنك الدولي


يُعد البنك الدولي إحدى الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة، ويهتم دائماً بالشأن الاقتصادي التنموي، وكل أعماله وتقاريره تنصب في الجانب المالي النقدي، وقد اقترن اسم البنك الدولي عادة بالقروض المهلكة التي تُقدمها للدول فتقع تحت رحمته وهيمنته مدى الحياة.


 


ولذلك يضع البنك نصب عينيه كل القضايا التي لها بعد اقتصادي إنمائي، وتنعكس سلباً على الجانب المالي لدول العالم، ولها مردودات خطيرة تهدد الأمن الاقتصادي والنظام المالي العام.


 


ومن القضايا التي كانت تعتبر في السابق خارج نطاق عمل البنك الدولي ولا تقع ضمن شؤونه واهتماماته اليومية وأهداف إنشائه هو البيئة، وبالتحديد تلوث الهواء الجوي وفساد نوعيته وهويته. ويعزى السبب في تهميش البنك الدولي للبيئة وهمومها وشجونها هو عدم ربط تدهور البيئة بالجانب الاقتصادي، وعدم وجود علاقة أزلية وقوية بين تلوث الهواء الجوي والجانب المالي ووقوع أزمة اقتصادية في دول العالم نتيجة لذلك.


 


ولكن مع الزمن وتراكم المعلومات والأبحاث والخبرات تأكد للبنك الدولي أن قضايا البيئة يجب أن يكون لها مكاناً مرموقاً في جدول أعمال البنك، ويقع ضمن أولوياته الرئيسة، فقد أثبتت الأيام والكوارث التي وقعت خلال المائة عام المنصرمة أن هموم البيئة لا تنعكس فقط على الجانب البيئي البحت والمتعلق بفساد نوعية الهواء والماء والتربة والبحار والمحيطات، وإنما تضرب الأمن الصحي للإنسان في كل أنحاء العالم، وهذا بدوره ينعكس بشكلٍ مباشر على الجانب الاقتصادي المتمثل في توفير العلاج الصحي والرعاية المستدامة للمرضى نتيجة للتعرض للملوثات السامة والمواد الكيميائية المسرطنة الفتاكة، إضافة إلى خفض إنتاجية الفرد وموته وهو في ريعان شبابه وإنتاجه للمجتمع، وفي ذروة عطائه الفكري والعقلي والجسدي.


 


وفي هذا الإطار نَشَر البنك الدولي في الثامن من سبتمبر من العام الجاري دراسة شاملة ومتكاملة تحت عنوان:"كُلفة تلوث الهواء: إثبات البعد الاقتصادي من أجل اتخاذ الإجراءات"، وقد غطى التقرير كل دول العالم وشمل فترة زمنية من عام 1990 إلى 2013، حيث توصلت الدراسة إلى استنتاجات مخيفٍ جداً يتلخص في تكبد دول العالم قاطبة لخسائر اقتصادية باهضة وغير متوقعة وسترهق كاهل ميزانياتها، حيث بلغت الكلفة الإجمالية التي على العالم تحملها ودفعها نقداً من ميزانياتها الخاصة بالتنمية نتيجة للتعرض للهواء الملوث والسام والمسرطن في الداخل والخارج إلى قرابة خمسة تريليونان دولار سنوياً. كما أكدت الدراسة إلى أن تلوث الهواء كَلَّف بريطانيا نحو 7.6 بليون دولار عام 2013، والولايات المتحدة الأمريكية 45، وألمانيا 18 بليون دولار، في حين أن الصين خسرت قرابة 10% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب تلوث الهواء في عام 2013، والهند 7.68%، وسيريلنكا قرابة 8%.  


 


وقد استند تقرير البنك الدولي على دراساتٍ وأبحاث كثيرة منشورة في كل دول العالم، ومن أهمها تقارير منظمة الصحة العالمية الدورية والتي تؤكد فيها مسؤولية تلوث الهواء الرئيسة في نقل الناس إلى مثواهم الأخير قبل الأوان وفي سنٍ مبكرة وإصابتهم بأمراض القلب والجهاز التنفسي المزمنة، حيث تفيد هذه التقارير أن فساد الهواء في البيئات الداخلية والخارجية يقضي مبكراً على قرابة 5.5 مليون إنسان سنوياً، ويقع تلوث الهواء في المرتبة الرابعة لأسباب وفيات الإنسان بعد التدخين، وسوء التغذية، والبدانة والسمنة المفرطة.


 


وقد خلص تقرير البنك الدولي إلى استنتاجٍ هام على كافة دول العالم الإطلاع عليه وتنفيذه، كما يلي:"تلوث الهواء يُعد تحدياً يهدد حياة الإنسان الأساسية، ويدمر الطبيعة وثروات الإنسان ومكونات البيئة الحية وغير الحية، ويُعرقل النمو الاقتصادي".


 


وتأتي أهمية هذا الاستنتاج في أنه جاء على لسان وكالة أممية غير متخصصة في القضايا البيئية، وغير مَعْنية بشكلٍ مباشر بالبيئة وهمومها، ولا يقع حل مشكلات البيئة ضمن أهدافها ورؤيتها، فهي وكالة اقتصادية مالية وتنموية بحته، ولذلك أتمنى انطلاقاً من تقرير البنك الدولي هذا من كافة السياسيين ومتخذي القرار وضع البيئة نُصب أعينهم ووضع همومها في أول سلم الأولويات، إذ لا تنمية بشرية، ولا نمو اقتصادي مستدام، ولا حياة كريمة وسعيدة بدون حماية البيئة والحفاظ على ثرواتها ومواردها الطبيعية.


 

الجمعة، 16 سبتمبر، 2016

من يُحيي المخلفات المدفونة وهي رَمِيْم؟



يؤمن المسلم بأنه عندما يموت سيبعثه الله من جديد، فسيُحيي الله عِظامنا المتَفَتتة البالية مثل التراب، كما أَنْشَأَهَا أول مرةٍ من غير شيء، وسيُعيدنا مرة ثانية ويبعثنا من قُبورنا ومن بطن الأرض ليوم العقاب والحساب والثواب، فإما إلى جنة عرضها السماوات والأرض وإما إلى النار، ولكن في المقابل أطرح تساؤلات تؤرقني دائماً وهي ماذا سيحدث لملايين الأطنان من المخلفات الصلبة وشبه الصلبة بأنواعها المختلفة من نووية مشعة قاتلة ومخلفات خطرة غير مشعة التي دفنها الإنسان في مقابر جماعية كثيرة في ظلمات قاع الأرض، وظَن أنه قد تخلص منها كلياً منذ أكثر من 70 عاماً، ومازال حتى الآن يقوم بهذه الممارسات؟

فهل ستخرج علينا هذه المخلفات يوماً ما من أعماق بطن الأرض السحيقة، وتعود إلينا مرة ثانية وكأنها استيقظت من جديد، فتسبب لنا أَرقَاً وهماً شديدين لا يمكن التخلص منهما، كما كان عليه الحال قبل دفنها؟

وهل ستُبعث مخلفات الدمار الشامل هذه يوماً ما من آلاف المقابر الجماعية المنتثرة في كل أرجاء العالم؟ وهل سيكون يوم خروج المخلفات من مقابرها قريباً أم بعيداً؟

كل هذه التساؤلات يطرحها العلماء الآن، وهي هموم وشؤون واقعية قد تحدث في المستقبل في أية لحظة، وليست من نسج الأحلام العلمية أو من أفلام هوليود الخيالية، وقد ثارت هذه الاستفسارات والتحذيرات المنطقية نتيجة للتغيرات المزمنة التي تطرأ حالياً على الكرة الأرضية من ارتفاعٍ مشهودٍ في درجة الحرارة، والتغير المناخي، وذوبان الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي، وارتفاع مستوى سطح البحر، ووقوع الفيضانات والكوارث الطبيعية الأخرى، وكل هذه النوائب الجسام ستُوقع أضراراً فادحة، وتُولِّد آثاراً عظيمة مدمرة على المرافق فوق سطح الأرض وما تحمل في بطنها وفي أعماقها تحت السطح.

ومن التحديات الحديثة التي بَرزت إلى السطح نتيجة للتغيرات المناخية التي تشهدها الكرة الأرضية هي ارتفاع حرارة الأرض وما ينجم عنه من سرعة ذوبان الثلوج في القطب الشمالي خاصة، وهذه الظاهرة التي تحدث حالياً بمعدلات بسيطة قد تكون لها عواقب وخيمة لا يعلم مداها إلا الله.

ومن الحالات الواقعية الكارثية التي قد تقع نتيجة لانصهار الثلوج تلك التي نُشرت في الرابع من أغسطس من العام الجاري في مجلة(Geophysical Research Letters). فمشهد هذه الحالة ومسرح العمليات يقع في المناطق الثلجية في القطب الشمالي في جرينلند(Greenland Ice Sheet)، وبالتحديد في بقعةٍ استخدمت كقاعدة بحثية عسكرية أمريكية في نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وأُطلق عليها مخيم القرن(Camp Century). وبعد إغلاق القاعدة في عام 1967 تم التخلص من آلاف الأطنان من مخلفات وقنابل الدمار الشامل البيولوجية، والنووية، والكيميائية من خلال وضعها في مقابر جماعية على شكل أنفاقٍ متشابكة وسرية تحت سطح الأرض في أعماق الثلوج المتراكمة، وظن القائمون على العملية بأنهم قد تخلصوا منها إلى الأبد، فهي ستبقى هناك خالدة مخلدة في مقاربها بعيدة عن أعين وآذان البشر، وستتراكم عليها يوماً بعد يوم الثلوج الكثيفة التي تنزل عليها بغزارة وباستمرار كل ساعة.

ولكن الآن وبعد أن نَسي العالم وجود هذه المقبرة، وبعد مضي أكثر من 49 عاماً على الدفن، يُحذر العلماء من احتمال انبعاث هذه المخلفات من مقابرها وخروجها مرة ثانية من بطن الأرض إلى سطحها، حيث أشارت المشاهدات والتوقعات أنه منذ الفترة من عام 2007 إلى 2011 فَقَدتْ الأسطح الثلجية في مقبرة المخلفات في جرينلند نحو 260 بليون طن من الثلج، أي نحو 8000 طنٍ في الثانية،وذلك بسبب ذوبانها نتيجة لارتفاع درجة حرارة الأرض، وهذه العملية ستستمر بوتيرةٍ أسرع كلما ارتفعت درجات الحرارة أكثر، مما يُعري ويكشف سوءة مخلفات الدمار الشامل من مقبرها ويظهرها على السطح مرة ثانية.

والسؤال الخطير والشائك المطروح الآن هو: لو حَدَثَ هذا بالفعل، فمن سيتحمل مسؤولية مخلفات وقنابل الدمار الشامل؟ فهل هي أمريكا التي قامت ببناء هذه القاعدة ودَفَنت المخلفات فيها، أم الحكومة الدنمركية التي سمحت لأمريكا بإقامة هذه القاعدة العسكرية عندما كانت جرينلند تحت سيطرتها، أم جرينلند نفسها التي تُعد حالياً مقاطعة مستقلة؟

فلا شك بأن هذه الطامة الكبرى ستخلق أزمة بيئية وسياسية خانقة ومعقدة لا يمكن التكهن بكيفية الخروج منها.

الأحد، 11 سبتمبر، 2016

أطفال العراق بين القتل والمرض



عيناي تفيض دماً وليس دمعاً، وقلبي يعْتَصُر ألماً وحسرة، ونفسي تتقطع حزناً وأسفاً لحال بلد الرافدين، العراق، وما آلت إليها أوضاع هذا البلد العربي المسلم من دمارٍ وتفتيتٍ وانقسام، وضحايا بشرية تتساقط أمام أعيننا كل يوم.

ولكن الأدهى من ذلك كله والأمر هو الكثير من الخراب والفساد الصحي والبيئي الذي حَلَّ بالشعب العراقي، وبخاصة الأطفال نتيجة للمعارك والحروب، والذي لا تراه أعيننا في وسائل الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي، ولا نسمع عنه أو نقرأ تفاصيله وعمق وانتشار دائرة تأثيره على المجتمع العراقي عامة إلا من خلال الاطلاع على الدراسات المتخصصة والأبحاث المنشورة في المجلات العلمية والبحثية.

ومنها مؤخراً دراسة تحت عنوان:"التعرض قبل الولادة في الشرق الأوسط: أثر الحرب على صحة أسنان الأطفال" والمنشورة في 28 يونيو 2016 في مجلة تقييم ومراقبة البيئة(Environmental Monitoring and Assessment)، حيث قامت هذه الدراسة الميدانية بتحليل مستوى العناصر الثقيلة السامة، مثل الرصاص والزئبق في أسنان أطفال العراق الذي عانوا من مشكلات أثناء الولادة، والأجنة التي عانت من تشوهات خَلْقية وإعاقات جسدية وعقلية، وتمت مقارنتهم بأطفال لبنان وإيران الأصحاء، فوجود هذه العناصر السامة في أعضاء جسم الإنسان يُعد مؤشراً حيوياً على التدهور الصحي الذي يعاني منه الأطفال في العراق وأعداد الضحايا البشرية التي سقطت نتيجة لتلوث الهواء الجوي.

وقد أكدت الدراسة على اكتشاف مستوياتٍ مخيفة للملوثات السامة، وبالتحديد الرصاص وتراكمه منذ سنوات في أجسام الأطفال وتهديده لصحتهم وتعريضه لهم للإعاقات الجسدية والعقلية، حيث زادت مستويات الرصاص في أسنان بعض أطفال العراق خمسين ضعفاً مقارنة بأطفال لبنان وإيران، ومن المعروف علمياً أن الرصاص يؤثر على مستوى الذكاء عند الإنسان ويصيبهم مع الوقت لمشكلات ذهنية وعقلية مزمنة، كما أكدت الأبحاث أن تراكم الرصاص في جسم الإنسان يؤدي إلى زيادة مَيل هذا الإنسان نحو السلوكيات الخاطئة والتصرفات المنحرفة والعنيفة وارتكاب أعمال الشغب والجرائم.

كذلك هناك أبحاث نُشرت قبل سنوات أكدت على تدهور صحة المواطنين العراقيين بسبب الحروب نتيجة لاستخدام شتى أنواع الذخائر والقنابل التقليدية وغير التقليدية، ومنهاقنابل اليورانيوم المنضب أو المستنفد(depleted uranium) والقنابل الفسفورية البيضاء الحارقة، فعلى سبيل المثال، هناك دراسة  نُشرت في نوفمبر 2012في مجلة "التلوث البيئي والسُمية"(Environmental Contamination and Toxicology Bulletin)، تحت عنوان: "التلوث بالعناصر وَوَبَاء ولادة الأطفال المشوهين في المدن العراقية"، وهذه الدراسة أجراها باحثون من كلية الصحة العامة بجامعة ميشيغان(University of Michigan) وأطباء من مستشفى البصرة للولادة على الأطفال المولودين في مستشفى الولادة بالبصرة قبل الغزو الأمريكي وبعد الغزو منذ مارس 2003، وقامت بمقارنة أعداد الأطفال المولودين بتشوهات عضوية بَدَنية في الفترتين الزمنيتين.

ففي الفترة بين 1994و 1995 كانت الولادات المشوه لكل 1000 ولادة هو 1.37، في حين عام 2003 بلغت 23 لكل 1000، ثم تضاعف العدد 17 مرة في السنوات من 2003 إلى 2011. أما بالنسبة لحالات الإجهاض للنساء الحوامل فقد زادت من 10% قبل الغزو إلى 45%.

وجدير بالذكر أن آثار غزو العراق لم تؤثر على العراقيين فحسب، وإنما رَدتْ على الجنود الأمريكيين أنفسهم وتضرر منها عشرات الآلاف منهم فتجرعوا من السم نفسه، حيث أعدَّ ضابط أمريكي اسمه جوزيف هيكمان(Joseph Hickman) كتاباً نُشر في فبراير 2016 تحت عنوان :"الحُفَر المحترقة: تسمم الجنود الأمريكيين"، وأكد فيه بالأدلة العلمية والوثائق الرسمية أن أكثر من 85 ألف جندي أمريكي من الذين شاركوا في احتلال العراق يعانون الآن من أعراضٍ مرضية غريبة في الجهاز التنفسي وصعوبات وضيق في التنفس وأمراض عصبية أخرى، وقد نزلت عليهم هذه الأمراض بسبب حرق المخلفات العسكرية النووية وغير النووية من ذخائر ومعدات، ومبيدات، وأدوية، ومخلفات كيميائية، ونفايات طبية، في حفرٍ بدائية في الهواء الطلق فتعرضوا مباشرة لخليطٍ معقدٍ وسام من الملوثات الكيميائية المشعة وغير المشعة التي انبعثت منها. 


الثلاثاء، 30 أغسطس، 2016

هل ستَصْمد فولكس واجن أمام الضربات؟


إذا كُنتَ مصارعاً عنيداً، وملاكماً صنديداً قوياً في حَلبة المصارعة، وأمامك خصم يوجه لك اللكمات المتلاحقة في بطنك ورأسك وخصرك لعدة جولات، فهل تستطيع أن تصمد أمام هذه الهجمات المتتالية؟ وهل تتمكن من الوقوف طويلاً لتدافع عن نفسك، أم أن قُواك ستنهار في نهاية الأمر وتسقط صريعاً على الأرض؟

 

فهذا ما يحدث الآن لشركة فولكس واجن، هذه الشركة الألمانية العملاقة التي تُعَد فخر الصناعة الألمانية ومن أكبر شركات السيارات في العالم وأكثرها مبيعاً لعدة أنواع من السيارات المعروفة على المستوى الدولي مثل أُودي، وبِنْتلي، وبُورش، فهذا الصرح الشامخ في عالم السيارات انهالتْ عليه اللكمات من كل جهة منذ أن سقط في فضيحةٍ مُدوية انتقل صداها إلى كل قُطْرٍ في العالم وقد تُلقى به إلى الهاوية، حيث أثرت بشكلٍ مباشر بسمعته الدولية، وأضرت كثيراً بمبيعاته في كل الدول بدون استثناء، ورُفعت ضده الآلاف من القضايا المدنية والجنائية في محاكم دول العالم تُطالب بتعويضات تبلغ مئات المليارات من الدولارات.

 

ولكي تتعرفوا على حجم الضرر القانوني والمادي والمعنوي والاقتصادي الذي يلاحق فولكس واجن في كل مكان في العالم، وتَتَأكدوا بأنفسكم من قوة الضربات القانونية التي على الشركة مواجهتها والتصدي لها، دعوني أُقدم لكم بعض الأمثلة الصارخة.

 

أولاً: في الثاني من أغسطس من العام الجاري أعلنت كوريا الجنوبية تعليق كافة مبيعات شركة فولكس واجن في الدولة، وطالبت الشركة بدفع غرامة مالية تبلغ قرابة 15 بليون دولار بتهمة التزوير والغش في الوثائق المرتبطة بنوعية وحجم الإنبعاثات التي تنطلق من سيارات الديزل التي تم تصديرها إلى كوريا الجنوبية.

ثانياً: في التاسع من يوليو من العام الجاري تلقت فولكس واجن ضربة موجعة وقوية جداً، اضطرت على إثرها دفع غرامة مالية باهظة لجمعيات حماية حقوق المستهلكين في الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى 14.7 بليون دولار لتسوية فضيحة تصدير سيارات مغشوشة عددها 475 ألف سيارة ديزل.

ثالثاً: وافقت فولكس واجن في يونيو على تحمل ضربة أخرى من 44 ولاية أمريكية، حيث إنها ستدفع مبلغاً قدره 603 ملايين دولار كجزاءات وتعويضات لجميع مالكي هذه السيارات المغشوشة والمزورة.

رابعاً: في المستقبل القريب ستتلقى فولكس واجن لَكَمات كثيرة بسبب القضايا الأخرى المرفوعة ضدها في عدة دول، وبعضها قضايا بتهمٍ جنائية، ومنها قضية مرفوعة من الحكومة الألمانية نفسها تطلب فيها غرامات لأسباب "تأديبية" وأخلاقية لعدم تحمل الشركة لمسؤولياتها المهنية والإنسانية والقيام عمداً بعملية التزوير والغش لمنتجاتها، وبالتحديد السيارات التي تعمل بوقود الديزل، وهذه الغرامات ستمثل ضربات ثقيلة ترهق كاهل ميزانية هذه الشركة، وحتماً ستؤخر نموها وتطويرها لمنتجات جديدة تنافس بها الشركات الأخرى المتربصة بها.

خامساً: في 22 أغسطس من العام الجاري توقفت شركة فولكس عن الإنتاج كلياً في عددٍ من مصانعها لأكثر من أسبوع، وهذا كَلَّف الشركة خسائر تُقدر بأكثر من 70 مليون دولار أمريكي، وأدى إلى تَوَقُف قرابة 27700 موظف عن العمل.

 

فهذه الكارثة الأخلاقية التي فاحت رائحتها النتنة من ألمانيا إلى العالم في 18 سبتمبر عام 2015 وتحت سمع وبصر وعِلْم دول الاتحاد الأوروبي، حسب تحقيق مجلة الشبيجل الألمانية في 19 أغسطس من العام الجاري، عَلَّمتني شخصياً الكثير من الدروس، واستخلصتُ منها العديد من العِبر، وخرجت منها بخبراتٍ جديدة في مسيرة حياتي، وأود هنا أن أشاطركم كل هذه الدروس والفوائد، ومنها أن لا نثق كلياً بما تدَّعيه وتسوقه الشركات العملاقة الكبرى، سواء شركات السيارات، أو الأدوية، أو منتجات التبرج والجمال والزينة، أو غيرها من الشركات التي تصنع المنتجات الاستهلاكية، فثقافتها المتجذرة في مؤسساتها هي التسويق الكبير والربح السريع وجني المال الوفير باتخاذ كافة الوسائل المباحة والمشروعة، أو المحرمة وغير المشروعة وعلى حساب أي شيءٍ آخر، سواء صحة الإنسان وسلامته، أو أمن البيئة وعافيتها، ولذلك علينا أن تَكُون لنا قنوات وآليات شعبية خاصة نتأكد عن طريقها من كل ادعاءات هذه الشركات عن منتجاتها التي تطرحها في الأسواق.

 

أما الفائدة الثانية فإن الجشع والكذب والتزوير والغش من أجل جني المال من الحرام يُوقع الإنسان أولاً في الإثم العظيم في الدنيا، والعقاب الأليم والخزي والندامة في الآخرة، كما إنه في الوقت نفسه، كما يقول المثل الشعبي: حَبْلْ الكذب قصير"، تنكشف الفضائح ولو بعد حين ويظهر الكذب والغش ولو بعد سنوات، وعندها ستضيع كل مكتسبات هذه الشركة، وستسقط إلى الحضيض الاجتماعي والاقتصادي وقد تقفل أبوابها بالشمع الأحمر إلى الأبد.

 

وبالرغم من هذه النْكبة الكبرى والكارثة العظمى التي زلزلت هذه الشركة وافتضح أَمْرُها في كل دول العالم، إلا أن الشركات العملاقة بشكلٍ عام لا تريد أن تتعلم من هذه الدروس التي تُلدغ منها كل يوم، فهي تُكرر التجربة نفسها من غشٍ وكذبٍ وتزوير على الشعوب لأن هذه هي ثقافتها وتربيتها، وآخرها ولكن تكون حتماً هي الأخيرة ما قرأتُ عن شركة هارلي ديفيدسن للدراجات النارية(Harley-Davidson) في 19أغسطس من العام الجاري، حيث صَرحتْ وزارة العدل الأمريكية بأن الشركة وافقتْ على دفع غرامة مالية قدرها 12مليون دولار للغش في الأجهزة التي تضعها في دراجاتها والمعنية بخفض انبعاثها للملوثات، أي كما فعلت فولكس واجن بالضبط!