الاثنين، 20 يونيو، 2016

الغش والتحايل من ثقافة الشركات الكبرى


قبل أشهر كانت أضواء فضيحة الغش والتحايل مُسلطة ومُركزة دولياً على شركة فولكس واجن الألمانية لصناعة السيارات، والتي كانت وباعترافها تُقدم أرقاماً خاطئة ومضللة عمداً للحكومات والشركات والمنظمات الدولية حول نسبة الانبعاثات والملوثات التي تنطلق من سياراتها التي تعمل بوقود الديزل، وذلك من أجل إقناع الناس وترغيبهم إلى شراء سيارات الفولكس واجن الصديقة للبيئة، والتي لا تلوث الهواء الجوي ولا تضر بصحة الإنسان.

 

وما أن خَفَّتْ هذه الأضواء الإعلامية وتضاءلت قليلاً عن هذه الفضيحة الكبرى، وإذا بِنا نقف أمام فضيحة جديدة، ولكن هذه المرة ليست في الغرب وإنما في دول المشرق، وفي أحد أكبر الشركات اليابانية المصنعة للسيارات، وبالتحديد شركة ميتسوبشي للسيارات.

 

ففي العشرين من أبريل من العام الجاري اعترفت هذه الشركة العملاقة على لسان رئيسها التنفيذي بأنها تَعَمَّدتْ التلاعب في الاختبار والفحص الخاص بترشيد وفاعلية استهلاك الوقود في أربعة أنواعٍ من السيارات الصغيرة التي ينتجونها، وبلغ عددها أكثر من 625 ألف، حيث قامت بالمبالغة الشديدة والتضليل في حجم الوقود الذي تستهلكه هذه السيارات منذ عام 2013، واضطرت الشركة بعد انكشاف سِرها وهي ذليلة وصاغرة أمام الملأ قائلة: "قُمنا بإجراء فحوصات مضللة لتعطي نتائج إيجابية وجيدة تختلف عن الاستهلاك الحقيقي والواقعي للوقود في السيارة، واستخدمنا طرق لا تتوافق مع القوانين....وبالتالي نحن نُعبر عن أسفنا العميق".  

 

والغريب أن هذه الشركة لم تتعلم من تجاربها السابقة وخبراتها الماضية، فهي تُلدغ الآن للمرة الثانية من الجُحر نفسه، حيث إنها في مطلع عام 2000 تم فضحها في كارثة أخلاقية أخرى وقعت فيها، عندما اعترفتْ بأنها ولأكثر من عقدين من الزمن كانت تخفي عمداً العيوب والأخطاء الكبيرة الموجودة في السيارات التي تصنعها وتبيعها على الناس، مما أدى إلى اعتقال الرئيس التنفيذي، وكادت الشركة أن تتهاوى وتسقط كلياً.

 

فهل هذه الفضائح الأخلاقية والبيئية التي ترتكبها الشركات الكبرى في حق الإنسانية هي حوادث فردية تقع بين الحين والآخر، أما أن الغش والتضليل وتبني سياسة "الغاية تبرر الوسيلة" تُعتبر في صُلب ثقافة الشركات العملاقة ومتجذرة في أعماق مؤسساتها وممارسات مديريها التنفيذيين؟

 

التاريخ، والحوادث الكثيرة المتكررة التي عاصرتها شخصياً، تؤكد لي بأن الشركات الكبرى لا ترقُبُ في أحدٍ إلاً ولا ذمة، فهي تقوم على الربح السريع وجني المال الوفير على حساب المبادئ والقيم والأخلاقيات الإنسانية، فاحذروا دائماً من ادعاءاتها، وتَبَيَّنُوا بأنفسكم من مصداقيتها.

  

 

الأحد، 19 يونيو، 2016

رؤية الهِلال والتلوث الضوئي


قبيل وبعد بزوغ وولادة هلال رمضان من كل عام ومنذ عشرات السنين، يحتدم الجدال ويطول النقاش في المجالس وبين الناس حول رصد ورؤية هلال شهر رمضان، وما إذا كانت الرؤية صحيحة وصيامنا سليماً، ثم تنطوي صفحة النقاش عند ذلك اليوم، وينسى الناس خبر رؤية الهلال وطلوع الهلال في كل شهر من الأشهر القمرية حتى يحل علينا شهر رمضان مرة ثانية فيتجدد هذا النقاش العقيم غير المفيد مرة أخرى، وهكذا نرى هذا المشهد في كل سنة.

 

والحديث عن رؤية الهلال ينقلنا إلى التطرق إلى قضايا بيئية كبيرة بدأت تتفاقم مع الوقت، وتنكشف تداعياتها السلبية الضارة يوماً بعد يوم، وأصبحت لها بصمات واضحة تنعكس على صفاء السماء من فوقنا، ونقاء الأجواء العلوية، وتؤثر مباشرة على وضوح الرؤية، سواء لشروق القمر ومشاهدة الهلال، أو التمتع والابتهاج برؤية الملايين من الأجرام السماوية بمختلف أنواعها وأحجامها وأشكالها والتي تزين سماءنا، وتجعلها كالمصابيح المضيئة المنيرة التي تُسعد النفس، وتسر القلب، وتملأ الروح بهجة وسروراً عند مراقبتها ومتابعة سيرها وحركتها في السماء.

 

ومن هذه القضايا البيئية التلوث الكيميائي المتمثل في ارتفاع تركيز الملوثات والمواد الكيميائية في الهواء الجوي، مثل الغبار والجسيمات الدقيقة، وأكاسيد النيتروجين والكبريت، والملوثات الهيدروكربونية والتي تتفاعل مع بعض لتكون ملوثات أشد وطأة وخطورة على الإنسان وبيئته، وتظهر على شكل سحبٍ صفراء بنية اللون يُطلق عليها "الضباب الضوئي الكيميائي"، فتُعكر صفاء السماء، وتُكدر نقاوتها، وتحجب رؤية أي جسمٍ في أعالي السماء، بل وتبدوا في بعض الأوقات للعين المجردة والناظر إليها من الأرض على هيئة هلال أو ريشة وخيط رفيع ودقيق من السحب الملوثة والقاتلة، ولذلك يقع خلط وشك في الرؤية بين الهلال الحقيقي والهلال المزيف.

 

كذلك انكشفت الآن ظاهرة بيئية أخرى، وتُعد حالياً من المظاهر الجديدة نسبياً وانعكاساتها أخذت في التزايد مع الوقت، وبخاصةٍ مع توسع وارتفاع نسبة الإضاءة ودرجة الإنارة في المدن والأرياف، وهذه الظاهرة يُطلق عليها بالتلوث الضوئي الناجم عن انتشار أنوار المدن الساطعة والشديدة من المباني والعمارات الشاهقة وناطحات السحاب، إضافة إلى التوهجات الشديدة الصادرة عن مصابيح الشوارع والطرقات والمنازل والبيوت والمصانع. 

 

وهذه الظاهرة البيئية لا تُولِّد غمامة ضوئية وضباباً من الأنوار العالية التي تحجُب عيون الناس عن رؤية الهلال فحسب، وإنما تحرم الإنسان من الاستمتاع بمشاهدة ومراقبة ودراسة ظواهر كونية وفلكية أخرى، حيث أكدت على واقعية هذه الظاهرة المستحدثة في كل مدن العالم الدراسة المنشورة في العاشر من يونيو من العام الجاري في مجلة تطورات العلم(journal Science Advances). وهذه الدراسة الشاملة التي غطت الكرة الأرضية برمتها كانت عبارة عن "أطلس دولي" تم إعداده باستخدام الأقمار الصناعية وبالتحديد القمر الصناعي(Suomi NPP satellite)، ويبين هذا الأطلس تأثيرات ودرجة التلوث الضوئي التي تنعكس على مشاهدة الأجرام السماوية والنجوم والكواكب في كل أنحاء العالم، حيث أكد على أن 80% من سكان العالم لا يمكنهم، على سبيل المثال مشاهدة ورؤية نجوم درب اللبانة أو درب التبانة(Milky Way) حتى في أكثر الليالي صفاءً ووضوحاً، بل وأشار الأطلس على أنك في الكثير من المدن لا ترى السماء الحقيقة التي خلقها الله سبحانه وتعالى في صورتها الفطرية الطبيعية، وإنما تشاهد سماءً مزيفاً تُغطيها غشاوة من الأنوار الساطعة، وسحب من الأضواء اللامعة، وضباب ضوئي متوهج يفسد رؤية السماء وجمالها التي تزينها الكواكب والأجسام المضيئة.

 

وقد تسابق العلماء والباحثون مؤخراً لسبر غور هذا التحدي الجديد، والتعرف على هذه الظاهرة عن كَثَبْ، وإجراء الأبحاث الميدانية والمخبرية لتحديد تأثيراتها الضارة ليس على رؤية الظواهر الفلكية المختلفة فحسب، وإنما على الحياة الفطرية النباتية والحيوانية، وبالتحديد الكائنات الحية التي تَنْشط أثناء الليل وعند حلول الظلام، إضافة إلى مردوداتها السلبية على الإنسان، وبخاصة الصحة النفسية، حيث إن على الإنسان والمهتمين بالقضية الآن السفر مئات الكيلومترات للتمتع برؤية السماء النقية الصافية الحقيقية التي أصبحت عملة نادرة يصعب الحصول عليها.

 

 

 

الخميس، 16 يونيو، 2016

الهاتف النقال يُسبب السرطان



هذه الدراسة التي نُشرت في 26 مايو من العام الجاري  ليست كمثيلاتها من الدراسات والأبحاث الأخرى التي اطلعتُ عليها لعدة أسباب موضوعية، منها أنها دراسة معمقة شاملة ومتكاملة، وقامت بها جهة حكومية رسمية تمثل الحكومة الأمريكية الاتحادية وأرهقت كاهل الميزانية العامة بمبلغ وقدره 25 مليون دولار أمريكي، كما أنها استغرقت وقتاً طويلاً حتى الآن، وستستمر حتى عام 2017، ولذلك فهي دراسة فريدة من نوعها واستنتاجاتها وتوصياتها ستكون على درجةٍ عالية من الثقة والمصداقية والثبات.

فقد أجرى علماء من البرنامج القومي الأمريكي لعلم السموم(National Toxicology Program) في مختبرات كولد سبرنج هاربر(Cold Spring Harbor Laboratory) التابع للمعهد القومي للصحة(National Institutes of Health) دراسة مخبرية تهدف إلى التعرف على العلاقة بين الأشعة وموجات الراديو التي تنبعث من هواتفنا النقالة أو المحمولة، واحتمال نمو الخلايا والأورام السرطانية والإصابة بهذا المرض الخبيث العضال، وتمثلت هذه الدراسة في تعريض 2500 من ذكور الفئران لمدة تجاوزت السنتين لموجات الراديو نفسها التي تنبعث من هواتفنا النقالة التي نستخدمها كل ساعة من كل يوم على مدار السنة وعلى مدار عُمرنا.

وقد أكدت الدراسة على أن بعض الفئران الذي تعرض للأشعة المنبعثة من الهواتف النقالة قد ظهر عليهم نوعين نادرين من الأورام السرطانية في المخ والقلب، حيث إن ما يتراوح بين 2 إلى 3% من الفئران انكشف عليهم ورم الجليوما(glioma) في المخ، وما يتراوح بين 2 إلى 6% أصيبوا بورم في القلب يُطلق عليه شوانوما(schwannoma)، وفي المقابل فإن هذه الأورام النادرة لم تظهر على الفئران الأخرى التي لم تتعرض للموجات والأشعة الخارجة من الهواتف المحمولة.

فهذه الدراسة تعتبر الآن في المجتمع الطبي والعلمي المهتم بالجوانب البيئية والصحية للهواتف النقالة الأولى من نوعها التي تصل إلى هذا الاستنتاج بدرجةٍ عالية من الثقة والمصداقية، وتؤشر إلى أن التعرض المستمر لسنواتٍ طويلة، وساعاتٍ ممتدة من اليوم لأشعة الهواتف النقالة تؤدي إلى نمو الخلايا السرطانية، وبالتالي الوقوع في شِباك شَرِّ هذا المرض المستعصي على العلاج.

ولذلك فإن هذه الدراسة تُشعل الآن مرة ثانية ومن جديد فتيل الصراع المحتدم والدائر بين المؤيدين والمعارضين للهواتف النقالة، وبين العلماء والأطباء المهتمين بهذه القضية الشائكة وبين شركات الهواتف النقالة وأجهزة اللاسلكي.

فنتائج مثل هذه الدراسات لا تصب في مصلحة شركات أجهزة اللاسلكي بشكلٍ عام وأجهزة الهواتف المحمولة بشكلٍ خاص، لأنها تُعد ضربة قاسية لتِجَارتهم، وتجعل بضاعتهم مع الوقت أقل جاذبية، وأقل رغبة لشرائها من قبل المستهلكين، ولذلك جاءت رُدود فعل هذه الشركات سريعة ومباشرة وتُشوه من سمعة هذه الدراسة ومصداقيتها، وتُشكك في قوة استنتاجاتها.

وهذا المخاض العسير الذي تمر به قضية الهواتف النقالة وعلاقتها بصحة الإنسان، ليس بالجديد على المجتمع البشري، فعند دخول السجائر والتدخين في الأسواق لم تكن هناك دراسات حول علاقته بالبيئة والصحة بشكلٍ عام، سواء صحة المدخن نفسه أو الذين يجلسون بالقرب منه، ومع الوقت بدأت الأبحاث تظهر رويداً رويداً وعلى استحياء، وتؤشر إلى أن التدخين يسبب الأمراض للإنسان ومنها السرطان، وهذا المخاض استمر أكثر من خمسين عاماً حتى اتضحت نتائج الولادة للمجتمع البشري، وأجمع على أن التدخين يسبب أكثر من عشرة أنواع من السرطان.

ولذلك بالنسبة للهاتف النقال، فبالرغم من نتائج الدراسة الحالية، ففي تقديري فإن نمط وأسلوب استخدام الهاتف النقال هو العامل المحدد لإصابة الإنسان بالسرطان، وهذا النمط في الاستعمال أُلخصه في النقاط التالية:
أولاً: الفترة الزمنية التي يستخدم فيها الإنسان الهاتف النقال طوال عُمره.
ثانياً: كيفية استخدام الهاتف أثناء المكالمات من حيث وضعه مباشرة على الأذن والمخ، أو استعمال البُلوتوث، أو مُكبر الصوت(السْبيكر).
ثالثاً: نوعية الهاتف التي يستخدمها الإنسان، حيث إن الطاقة وشدة الموجات التي تنبعث من كل هاتف تختلف من شركةٍ إلى أخرى.

واستناداً إلى هذه العوامل فالإنسان بيده تجنيب نفسه التعرض للأمراض من استخدام الهاتف النقال، والاعتدال في الاستخدام هو كلمة السر.

الأحد، 12 يونيو، 2016

صادق خان يُقاضي حكومته


مهمة العُمدة الجديد للعاصمة البريطانية لندن صادق خان صعبة جداً ومعقدة، فهو مُسلم ومن الأقليات في بريطانيا، ولذلك عليه أن يثبت نفسه وكفاءته وبراعته في القيام بهذا العمل أكثر مِنْ لَو كان العمدة من اللندنيين البيض ومن السكان الأصليين لبريطانيا.

 

ومن الصِعاب الثقيلة التي يواجهها الآن، ومن القضايا الساخنة التي تقف حجر عثرة أمام تقدمه ونجاحه، حيث فشل كل من سبقه في علاجه والتغلب عليه، بل وإن الحكومات البريطانية المتعاقبة لم تنجح كلها في تقديم الحلول الجذرية والمستدامة لهذه القضية المعقدة على بريطانيا بشكلٍ عام وعلى المجتمع اللندني بصفةٍ خاصة، فهي قضية قديمة ومتجددة، ومازالت تتصدر قائمة القضايا المستمرة منذ أكثر من مائة عام. 

 

فمنذ النَكْبة العظيمة التي نزلت على سكان لندن في ديسمبر 1952 بسبب فساد الهواء الجوي ودخول الآلاف من الملوثات السامة والقتلة إلى الهواء، والتي أودت بحياة أكثر من  4000 لندني في أسبوعٍ واحد فقط وأدخلت الآلاف إلى المستشفيات وهم يعانون من ضيق التنفس وتدهور حاد في وظائف القلب، وحولت موسم الأعياد والأفراح إلى أيام مأتمٍ وأحزان، فمنذ ذلك الوقت وسكان لندن لم يتمتعوا تماماً بهواءٍ نظيفٍ وصحي يُقوى أجسامهم وتستقيم به صحتهم، ولذلك فهذا التحدي الكبير انتقل مع الزمن من جيلٍ إلى آخر، ومن حكومةٍ بريطانية إلى أخرى، ومن عمدة إلى الآخر دون أن يتمكن أي واحدٍ منهم من القضاء عليه كلياً، فكل جيل يُورث الجيل الآخر ابناً معوقاً يصعب إعادة تأهيله وعلاجه.

 

فالآن جاء دور صادق خان ليُجرب حظه أمام هذه القضية، ويُدلي بدلوه ليقدم الحلول ويطرح العلاج الناجع والمستدام، فتَـبَنى منذ البداية الخطة الهجومية بدلاً من الخطة الدفاعية، واختار أن يُلقي هذا العبء الثقيل الذي ورثه من السابقين على الذين كانوا من قَبْله حتى لا يُعاتبه أحد على التقصير وعدم اتخاذ إجراءات لعلاج هذه القضية الخالدة، حيث قرر الذهاب إلى المحكمة العليا ليقدم شهادته ومرئياته ويدافع عن نفسه ضد الحكومة البريطانية أمام القضية المرفوعة للمرة الثانية من إحدى الجمعيات الأهلية حول أزمة تلوث الهواء الخانقة والمهددة لصحة سكان لندن، وقال في هذا الصدد: “خطة الحكومة لمواجهة تلوث الهواء غير كافية لحماية صحة اللندنيين"، وأضاف قائلاً: “أنا أعلم من خبرتي الشخصية أن هواء المدينة يدمر صحة الناس حيث إنني أعاني منذ الصغر من الربو".

 

 وجدير بالذكر أن معضلة تدهور نوعية الهواء في لندن والمدن البريطانية العريقة الكبرى لم تَعُد الآن بالنسبة لبريطانيا هماً محلياً، وشأناً داخلياً لا يَلجُ فيه أحد، كما لم تعد قضية بيئية وصحية، فقد تحولت بسبب التجاهل والإهمال لسنواتٍ طويلةٍ إلى قضيةٍ سياسيةٍ كبرى ومحْرجة بالنسبة للحكومة البريطانية، فقد تدخلت محاكم الاتحاد الأوروبي لتحكم ضد بريطانيا لعدم التزامها بمعايير نوعية الهواء ومواصفات جودة الهواء الجوي الأوروبية، وقررت غرامة مالية كبيرة، على بريطانيا دفعها الآن.

 

وعلينا هنا في البحرين أن نقف أمام هذه التجربة المــُـرَّة التي تقاسي منها بريطانيا أكثر من سبعين عاماً، ومازالت هذه المعاناة حاضرة ومستقرة وتُكبل صحة جيلٍ بعد جيل، حتى أن الإحصاءات الرسمية الحالية تفيد بأن ما يتراوح بين أربعين إلى خمسين ألف بريطاني يلقون حتفهم قبل وقتهم، ويموتون موتاً مبكراً سنوياً نتيجة لتدهور نوعية الهواء الجوي، مما يؤكد أهمية تدارك قضية جودة الهواء الجوي منذ أن تكون في مهدها وقبل أن تكبر وتتفاقم وعندها سيكون العلاج شبه مستحيل وشديد الكلفة.

 

ومن خبرتي المتواضعة فإنني في هذا المجال أؤكد على ضرورة توجيه جُل عنايتنا ورعايتنا في البحرين إلى قضية السيارات بكل أبعادها المرورية، والبيئية، والصحية، والاجتماعية، والاقتصادية، وإعطائها الأولوية القصوى من حيث العمل على خفض الانبعاثات الناجمة عنها أولاً، ومنعها كلياً في المستقبل المنْظور.        

 
 

الأحد، 29 مايو، 2016

25 عاماً وأنا أُلاحق السَرَاب


منذ عام 1992 وحتى يومنا هذا، أي منذ انعقاد قمة الأرض في مدينة ري ودي جانيروا في البرازيل والتي تمخضت عنها "الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي"، وأنا أُتابعُ وأراقب كافة التطورات المتعلقة بالتغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، وأُلاحق يوماً بيوم الجهود الدولية المكثفة والمستمرة منذ 25 عاماً والرامية إلى مكافحة هذه الظاهرة العالمية المشتركة، وهذه القضية الشائكة والمعقدة التي شغلت كل فرد يعيش على سطح الأرض، من مواطنٍ عادي إلى رئيس دولة، حيث تمثلت جهود العالم ومنظمات الأمم المتحدة المعنية بالتغير المناخي في السعي نحو تحقيق صفقة تشريعية دولية واتفاقية مُلزمة تطبقها كل دول العالم بدون استثناء.

 

وتبين لي أنني طوال هذه السنوات، أي طوال نحو ربع قرن من متابعتي لاتفاقية التغير المناخي المنشودة، أَلحق سراباً وهمياً لا وجود واقعي مشهود وملموس له، فأصبحتُ الآن ينطبق علي قول الله سبحانه وتعالى في سورةالنور:" كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً".

 

فدُول العالم في عام 1992 وافقتْ على الخطوط العريضة والمبادئ الأساسية للتغير المناخي والتي كانت هي حجر الأساس والقاعدة التي ينطلق منها بِناء معاهدة دولية تتعهد بتنفيذها كل الأطراف الدولية بدون استثناء، ولكن هذا البناء لم يكتمل بعد، وقد لا يكتمل أبداً في صورته النهائية المطلوبة التي تحقق هدف إيقاف التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، فمازال المجتمع البشري حتى يومنا هذا يضع وببطءٍ شديد طوباً فوق طوب كل سنة، وحجراً فوق حجر.

 

فقد وصل المجتمع الدولي إلى منتصف هذا الطريق الطويل وأَكْمل نصف البناء في 1997، عندما اتْفَقت دول العالم في مدينة كيوتو اليابانية على بروتوكول للتغير المناخي أُطلق عليه "بروتوكول كيوتو"، ومن أهم الإنجازات التي تحسب لهذه الاتفاقية أنها ألزمت الدول الصناعية الكبرى على خفض انبعاثاتها من الملوثات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض وإحداث التغير المناخي، ولكنها كانت اتفاقية غير مكتملة وناقصة، حيث إنها استثنت الدول النامية ودول العالم الثالث من تنفيذها.

 

ولكن حركة البناء لهذه المعاهدة توقفت كلياً وأصابها الشلل التام عندما تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أكبر دولة ملوثة للبيئة ومسئولة عن انبعاثات غازات الدفيئة، عن تعهداتها التي قطعتها على نفسها في كيوتو، حيث امتنع الكونجرس الجمهوري بزعامة ودَعْم جورج بوش من البيت الأبيض من التصديق على المعاهدة، فانسحبت كلياً من هذا البروتوكول الدولي، وبالتالي هَدَمْت أمريكا وحَطَّمت كل ما بناه المجتمع الدولي في قرارٍ واحدٍ فقط، وقضت على أحلام وطموحات الملايين من البشر في حماية كوكبهم والحفاظ عليه من تداعيات وانعكاسات التغير المناخي المهددة لاستدامة حياة الإنسان على الأرض.

 

وهنا وقف المجتمع الدولي حائراً وعاجزاً عن مواصلة البناء، فاضطر على بدء العملية من جديد ومن نقطة الصفر، وأخذ يجر مرة ثانية عجلة البناء لعله يتمكن من إعادة ما سهر على بنائه طوال العقود الماضية، فعُقدت الاجتماعات واحدة تلو الأخرى حتى وضع المجتمع الدولي آماله في الاجتماع الذي عقد في كوبنهاجن في الدنمارك في ديسمبر عام 2009 وبحضور زعماء العالم، يَتَقدمُهم الرئيس الأمريكي أوباما، ولكن خابت الآمال، وفشلت القمة، ولم يتفق قادة الدول على اتفاقية ملزمة، فاتجهتْ أنظار الشعوب من جديد في هذا النفق المظلم إلى اجتماع باريس في ديسمبر 2015، فاستبشرتُ خيراً لعل السراب الذي ألاحقه سيكون حقيقة، فانتهى الاجتماع بمعاهدة دولية ملزمة وغير ملزمة وطوعية في الوقت نفسه ومَرِنة جداً، بحيث إن الدول العالم كلها وافقت عليها دون تردد ووقعت عليها في 22  أبريل من العام الجاري في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، فهي تدعو الدول إلى التعهد والالتزام بخفض انبعاثات الغازات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض، وفي المقابل تَمْنح الدول الحرية المطلقة، وتُعطيها الصلاحيات الكاملة بأن تقوم كل منها حسب إمكاناتها وظروفها بتحديد "مستوى" خفض الانبعاث، ولكن فَشَل الاجتماع في وضع آليةٍ للمحاسبة والعقوبات على كل دولة لا تقوم بخفض انبعاثاتها.

 

ولذلك في تقديري فإنني مازلت ألاحق سراب "معاهدة التغير المناخي" في آخر النفق الطويل الذي لا نهاية له، فالعالم لم يتفق على معاهدة مُلزمة لجميع الدول دون استثناء لخفض انبعاثاتها بمستوى محدد وثابت، ولم يُجْمع على آلية لمعاقبة الدول المخالفة والتي لا تنفذ تعهداتها، وفي المقابل فإن الأرض ترتفع حرارتها وتعاني وتتألم يومياً من سقمها المزمن، ودول العالم حتى يومنا هذا تتفاوض ولا تتفق.

 

الأربعاء، 25 مايو، 2016

المقارنة بين حادثة سقوط الطائرة وحادثة تلوث الهواء


تألمتُ وحزنت كثيراً من سقوط طائرة مصر للطيران يوم الخميس 19 مايو، والتي ذهب ضحيتها 66 راكباً وهي في طريقها من باريس إلى القاهرة، كما أن وسائل الإعلام بجميع أشكالها وأنواعها وصورها ووسائل التواصل الاجتماعي هرعت منذ وقوع الحادثة، ومازالت حتى الآن، لتُغطي هذا الخبر، وتنشر كافة التفاصيل المتعلقة بنكبة هذه الطائرة سواء من الجوانب الخاصة بكيفية وأسباب سقوطها، أو الجوانب الإنسانية المتعلقة بالآلام الإنسانية والمعاناة البشرية لأهل وأقارب وذوي الذين لقوا حتفهم وقضوا نحبهم فجأة ومن غير أية مقدمات أو إنذار. 

 

وفي المقابل وقبيل فترة قصيرة من الزمن، وبالتحديد في 13 مايو من العام الحالي، نُشر تقرير دولي خطير من المفترض أن يُرعب الإنسان، وينشر في القلب الفزع والخوف، وهذا التقرير العلمي الجامع والشامل الذي نشرته إحدى منظمات الأمم المتحدة وهي منظمة الصحة العالمية يتحدث أيضاً عن الموت الجماعي للبشر والقتل المبكر للناس، ولكن هنا يختلف السبب عن حادثة سقوط الطائرة، فالسبب هو نتيجة لتلوث الهواء الجوي وتعرض الإنسان في كل ثانيةٍ من حياته للملوثات الخطرة والسامة والمسرطنة التي تَشبع بها الهواء في كل مدن العالم بدون استثناء.  

 

فالتقرير يؤكد أن خبرات الإنسان ونتائج أبحاثه تتجه نحو الاستنتاج بأن الهواء الذي نستنشقه ولا يمكننا الاستغناء عنه دقيقة واحدة يؤدي إلى إصابتنا بأنواع مختلفة من الأمراض الحادة والمزمنة القاتلة مثل أمراض الجهاز التنفسي، وأمراض القلب، وأمراض السرطان، وأشار إلى أن الجسيمات الدقيقة أو الغبار والملوثات المؤكسدة مثل الأوزون هي من الأسباب الرئيسة المؤدية إلى السقوط في هذه الأسقام والعلل المهددة لحياة الإنسان.

 

فهذا التقرير الكبير الذي غطى في حدوده الجغرافية 3000 مدينة، يمثلون 103 دول، أكد بأن أكثر من 80% من سكان هذه المدن يعانون من تلوث الهواء، ويعيشون في وسط هذه الأجواء القاتلة والمهلكة للصحة، كما أشار إلى أن تلوث الهواء يؤدي سنوياً إلى موت أعدادٍ مهولة من البشر تبلغ قرابة ثلاثة ملايين إنسان، يسقطون ضحية الإصابة بأمراض القلب، والسكتة، وسرطان الرئة وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى، وهذا العدد يفوق الذي يسقطون ضحايا مرض الإيدز والملاريا.

 

وعلاوة على هذه الاستنتاجات المفزعة والمخيفة فإن التقرير أكد أن الوضع العام للهواء الجوي في معظم دول العالم في تدهورٍ مستمر وتدني مدقع، حيث أفاد بأن تلوث الهواء زاد بنسبة 8% خلال السنوات الماضية، والنسب العليا كانت في المدن الفقيرة غير المتقدمة، وهذه النسبة في تزايد كل سنة.

 

فهناك من دول العالم التي بلغ فيها مستوى تلوث الهواء درجة شديدة بحيث إن الهواء فيها أصبح غير قابلٍ للحياة ولا يمكن العيش فيها، وتحول إلى مستوى بليغ وحرج جداً لا يمكن تجاهله، أو السكوت عنه حتى من قبل الحكومات نفسها، كما حدث في الصين عندما أعلنت الحكومة الصينية ولأول مرة في تاريخها الطويل العريق "الحرب على التلوث" وأعلنت حالة الطوارئ الصحية القصوى في معظم أيام السنة، كما هو الحال في العاصمة بكين.

 

فبالرغم من هذه الحقائق المرعبة والمقلقة حول التأثيرات المميتة لتلوث الهواء إلا أن الحكومات ووسائل الإعلام لا تعيرها الأهمية المطلوبة منها، والتي تتناسب مع فداحتها وقوة أضرارها على المجتمع الإنساني، كما أن هذا التقرير الجامع الذي يؤكد على موت الملايين من البشر بسبب تلوث الهواء مَرَّ مُرور الكرام على معظم الصحف، وكأنهم لا يبالون بموت الإنسان، كما أن الحكومات لم تُصغ لنتائجه الصادمة، وكأنها لم تك شيئاً.

 

فهل موت الإنسان من سقوط طائرة، أو حادثة مرورية، يختلف عن موته لأسباب بيئية، مثل تلوث الهواء؟

 

أليس الموت "واحد".. أليست انعكاساته وآثاره على الفرد والأسرة والمجتمع واحدة، مهما كان السبب؟ فلماذا إذن هذا الاهتمام والرعاية من الجميع بنوعٍ واحدٍ من الموت، وفي المقابل تجاهل وإغفال الأنواع الأخرى الفاضحة والجلية من الموت، وفي مقدمتها الموت لأسباب بيئية، وبخاصة تدهور نوعية الهواء الجوي؟

 

 

الاثنين، 23 مايو، 2016

هَدْر الطعام ظاهرة محلية أم عالمية؟


أساءنا جميعاً وتألمنا كثيراً من منظر العمال وهم يَرمُون بدمٍ بارد مئات الكيلوجرامات من الخضروات والفواكه الطازجة في سيارة جمع المخلفات، وكأنها نفايات تالفة لا قيمة لها وانتهت صلاحيتها فتُلقى إلى مثواها الأخير وتدفن في مقابر المخلفات.

 

ومثل هذا المشهد الذي قام به العمال ليس غريباً على الجميع، فنحن نراه أمامنا في مناسباتٍ كثيرة في بلادنا، سواء في الأفراح أم الأحزان، ويصل مثل هذا المشهد المحْزن ذروته في شهر رمضان إلى درجة أنني كتبتُ مقالاً قبل سنوات تحت عنوان: "رمضان شهر المخلفات".

 

ولكن هل هذا المشهد، أو "الظاهرة" المتمثلة في الإسراف في الطعام وهدر المواد الغذائية والتي تنعكس في نهاية المطاف على كمية المخلفات التي ينتجها الفرد أو المجتمع، تُعد ظاهرة محلية تنفرد بها البحرين، أم أنها مشكلة عالمية يمكن مشاهدتها في الكثير من دول العالم، وبخاصة الدول الصناعية الثرية والدول المتقدمة الغنية؟

 

لكي أجيب عن هذا السؤال اطلعتُ على الدراسات والأبحاث المتعلقة بهذه الظاهرة، وخرجت بالعديد من الحقائق حول هذه القضية البيئية الاجتماعية المتشابكة والمعقدة، وهي ما يلي:

أولاً: ظاهرة الإسراف في استهلاك المواد الغذائية وهدرها والتخلص منها بشكلٍ كبيرٍ ومشهود لها علاقة بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي للفرد والمجتمع، فبشكلٍ عام الدول الغنية أكثر هدراً للغذاء، وأشدها إنتاجاً لمخلفات الطعام، مما يعني بأن تصحيح سلوك أفراد المجتمع، ورفع الوعي الشعبي، وتغيير الاتجاهات يجب أن يكون من الأولويات على المستوى الحكومي للتقليل من حدة هذه الظاهرة. وسأُقدم مثالاً واحداً فقط لأُبين هذه الحقيقة، حيث قَدرت وكالة حماية البيئة الأمريكية أن المواطنين الأمريكيين، حسب إحصائية عام 2013 يُنتجون نحو 35 مليون طن من المخلفات الغذائية، ونحو 95% منها تنتقل إلى مقبرة المخلفات.

 

ثانياً: أَكدتْ منظمة الغذاء والزراعة(الفاو) التابعة للأمم المتحدة بأن قرابة ثلث الإنتاج العالمي من الغذاء لا يصل أصلاً إلى المستهلك وإلى موائد الطعام، أي يتم هَدْره والتخلص منه بعد إنتاجه مباشرة لأسباب متعددة منها سياسية ومنها اقتصادية، وهذا يعني أن نحو 1.3 بليون طن من المواد الغذائية يتحول إلى مخلفات ويصل أخيراً إلى مدافن المخلفات.

 

ولذلك فمن الواضح أن ظاهرة هدر وسوء إدارة المواد الغذائية تعتبر ظاهرة عالمية وليست محلية، ولكن درجاتها تتفاوت حسب المستوى الاقتصادي للشعب والدولة وحسب الوعي المجتمعي تجاه قضية المخلفات، ولكي نخفف من وطأة هذه الظاهرة، عَلَينا إتباع المنهج الإسلامي المتمثل في الوسطية والاعتدال في كل شأنٍ من شؤون الحياة، سواء في الأكل والشرب، أو استهلاك الماء والطعام، أو في العبادة.