الأربعاء، 10 فبراير، 2016

وفاة أمٍ وطفلها


خبرٌ عابر وصغير نشرته صحيفة النيويورك تايمس الأمريكية في 25 يناير من العام الجاري تحت عنوان: "أم وابنها يموتان بسبب التسمم من غاز أول أكسيد الكربون في السيارة"، ولكن بالرغم من صغر مساحة وموقع هذا الخبر في الصحيفة إلا أن له مدلولات صحية وبيئية  عظيمة ومؤثرة تنعكس على المليارات من البشر في كل أنحاء العالم، ويندرج ضمن قضية عامة تُعاني منها كل مدن العالم بدون استثناء، وهي تلوث الهواء من السيارات ودوره في قتل الإنسان وإصابته بالعلل التي يعجز الأطباء عن علاجها.

 

فهذه الأسرة الأمريكية المنكوبة فُجعت وتألمت ألماً شديداً، وعانت من جرحٍ عميق لن يندمل على ما أصابها من مصيبة الموت وفقدان الأم والابن في حادثة واحدة وفي الوقت نفسه عندما تعرض أفراد العائلة للملوثات التي تنبعث من السيارات، وبالتحديد الغاز الصامت، أول أكسيد الكربون، الذي لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، فيقضي هذا القاتل الصامت على الإنسان، ويباغته فجأة دون أن يحس بوجوده، وبدون أن يشعر بالألم كثيراً وهو يذوق طعم الموت. 

 

فالرياح الثلجية الصرصر العاتية هزَّت أركان أكثر من 13 ولاية أمريكية لأكثر من أسبوع في نهاية شهر يناير من العام الجاري، وشلت حركتها، وأغلقت مدارسها ومجمعاتها، وتوقفت الحياة فيها أياماً طويلة، وأُعلنت حالة الطوارئ الاتحادية في مدنها وقراها، ثم بعد أن هدأت العاصفة وسكنت الرياح، خرج الناس من منازلهم ليتفقدوا خسائرهم والدمار الذي نزل على بيئتهم، ويزيلوا الثلوج التي خيمت فوق سياراتهم، فغاصت فيها، وغطتها كاملة.

 

ومن هؤلاء الناس الذين خرجوا من بيوتهم، أُسرة بأكملها تعيش في مدينة باسياك(Passaic) بولاية نيوجيرسي، ومكونة من رجلٍ وزوجته وطفل رضيع عمره سنة واحدة، وبنت تبلغ من العمر ثلاث سنوات، فقال الرجل لامرأته أدخلي السيارة مع الأطفال، وأشغلي محرك السيارة، وابقي معهم للهروب من البرد في الخارج وللحصول على قسطٍ من الراحة والدفء بالجلوس في السيارة. وأثناء وجود الأسرة في السيارة ومحرك السيارة يعمل، قام رب الأسرة بإزالة الثلوج من فوق السيارة، واستغرقت العملية نحو نصف ساعة، ثم ذهب بعدها إلى السيارة ليُحركها ويخرج مع الأسرة في نزهةٍ قصيرة، فصُعق بالمنظر الرهيب الذي رآه أمامه، وكاد أن يسقط مغشياً عليه من هول المشهد، فقد شاهد أسرته واقعة على كراسي السيارة دون أية حركة، أو أي نبضٍ للقلب يشير إلى أنهم أحياء، فسارع إلى الاتصال بالطوارئ وسيارات الإسعاف التي هرعت إلى المكان فوجدت الأم وطفلها قد سلما الروح لبارئهما، ولكن الطفلة الصغيرة مازالت حية ولكن في حالةٍ صحيةٍ خطيرة جداً فنقلت فوراً إلى المستشفى.

 

فماذا حدث خلال هذه الدقائق البسيطة التي خرج فيها الرجل لإزالة الأكوام الثلجية من فوق السيارة؟

 

فعندما أَدَار هذا الرجل محرك السيارة لم يعلم بأن الثلوج قد سَدَّت وأغلقت أنبوبة عادم السيارة التي تخرج منها الملوثات إلى الهواء الجوي، ولذلك فالسموم القاتلة التي كانت تنجم عن حرق الجازولين في السيارة لم تجد لها منفذاً للخروج، ولم تجد طريقاً لها إلى خارج السيارة، فكانت طوال هذه الدقائق ترجع مرة ثانية إلى داخل السيارة، فتتراكم في هذه البيئة الضيقة المغلقة حيث تجلس المرأة مع طفلها وابنتها، حتى وصلت هذه الملوثات القاتلة، وفي مقدمتها غاز أول أكسيد الكربون إلى الدرجة الحرجة، فقضى فوراً على المرأة وطفلها.

 

فهذه الفاجعة التي نزلت على هذه الأسرة فغيرت كلياً مسيرة حياتها، يجب أن تؤكد لنا جميعاً بأننا كُلنا قد نتعرض لمثل هذه المحنة وتصيبنا هذه الطامة الكبرى، كما يجب أن تثبت لنا بما لا مجال فيه للشك بأن الملوثات التي تنبعث من الملايين من السيارات في كل أنحاء العالم قاتلة للبشر، وتُسقط الإنسان في فخ الأمراض الحادة والمزمنة، وتصينا بالأسقام المستعصية عن العلاج.

 

فمنظمة الصحة العالمية تحذر منذ سنوات من ظاهرة تلوث الهواء من عوادم السيارات، وتنشر الإحصاءات تلو الإحصاءات في كل مناسبة لتؤكد بأن الهواء أصبح مسرطناً بسبب دخان السيارات، وأن هناك أعداداً مهولة من البشر في جميع دول العالم تموت موتاً مبكراً نتيجة للتعرض اليومي المستمر للملوثات التي تنبعث من السيارات.

 

فهل نستجيب لصرخات منظمة الصحة العالمية وللواقع الصحي والبيئي الصعب الذي نعيشه، أم نتجاهلها فتنشر أسماؤنا في قائمة إحصاءاتها المتعلقة بأعداد الموتى من السيارات؟

الاثنين، 8 فبراير، 2016

طهران تُلغي مباريات كرة القدم!


اضطرت السلطات المعنية بتنظيم الدورات الرياضية، وبخاصة كرة القدم الانصياع لتحذيرات وزارة البيئة والصحة في طهران التي تدعو السكان إلى تجنب الخروج من منازلهم وعدم ممارسة الأنشطة خارج المنزل، فقام اتحاد كرة القدم استجابةً لهذه النداءات العاجلة والطارئة إلى إلغاء مباريات كرة القدم التي كانت ستقام في 27 ديسمبر من العام المنصرم ضمن الدوري الممتاز إلى أجلٍ غير مسمى.

 

وقد كان السبب في هذا التأجيل الحاسم للمباريات هو نزول ضيفٍ ثقيل على البلاد، وانكشاف سحبٍ صفراء بنية اللون في سماء طهران مشبعةٍ بالملوثات السامة والخطرة، بحيث أدت هذه الغيوم القاتلة إلى انعدام الرؤية في الشوارع، وإغلاق المدارس، وتوقف بعض المصانع عن العمل، وإعطاء إجازات إلزامية للسكان.

 

وهذا الضيف الثقيل على بيئة طهران لم ينزل مرة واحدة ودون سابق إنذار، وإنما يَـحِل بها بين الحين والآخر، فيفسد هواءها، ويُعكر صفو سمائها، ويَشل حركة العِباد ووسائل المواصلات، ويدخل الآلاف إلى المستشفيات وأقسام الطوارئ طلباً للعلاج والدواء، وينقل المئات إلى مثواهم الأخير، وقد تفاقمت هذه الظاهرة البيئية الصحية في طهران إلى درجةٍ لا تتحملها أجسام البشر ولا تستقيم لها حياة الكائنات الحية الأخرى، حتى أن الكثير من نواب الشعب دخلوا إلى مبنى مجلس النواب في 16 فبراير من العام المنصرم وهم يرتدون الكمامات والأقنعة التي توضع على الأنف والفم احتجاجاً على هذا الوضع البيئي والصحي المأساوي والمتأزم، وعدم قيام الحكومة باتخاذ خطوات جادة وحازمة لعلاج هذه الأزمة المستدامة.

 

وجدير بالذكر أننا كُنَّا نظن بأن هذه الظاهرة البيئية المـَرضِية مقتصرة على المدن الصناعية الغربية العريقة وأنها مشكلة وحالة فريدة من نوعها لا نراها إلا في سماء الدول الكبرى المشبعة بالمصانع ومحطات توليد الكهرباء وملايين السيارات ووسائل النقل الأخرى، وكنا نَعتبر أنفسنا وبيئتنا بمنأى عن هذه الحالة الغربية، ولكننا أصبحنا الآن نشاهد هذا الفيروس الغربي ينتقل إلينا يوماً بعد يوم، فيُعدي أجسامنا ومكونات بيئتنا، وينتشر في مُدننا رويداً رويدا  كانتشار النار في الهشيم. 

 

ولذلك نجد بأن هذه الظاهرة الخطرة والسحب المميتة باتت تَطْرق أبوابنا، فهي الآن قريبة منا جداً وقد تنزل علينا في أية لحظة وفي أي وقت، فنتعرض لانعكاساتها المدمرة لأعضاء بيئتنا وكائناتها الفطرية الحية وغير الحية، ونُصاب بما أصاب الشعوب الأخرى من أمراضٍ مزمنة، وعللٍ مستعصية على العلاج، والموت المبكر لشبابنا وفلذة أكبادنا.

 

فهل نحن مستعدون لمواجهتها؟ وماذا أَعددنا لها؟ وهل اتخذنا الإجراءات والاحتياطات اللازمة لنَمْنع عن أنفسنا وبيئتنا شر الوقوع في شباك هذا المرض المعدي والقاتل؟  

 

 

السبت، 6 فبراير، 2016

مع ظاهرة اختفاء البحيرات، فهل سيكون خليج توبلي منها؟


ظاهرة جديدة وفريدة من نوعها بدأت تنكشف خيوطها منذ مطلع القرن العشرين في بعض دول العالم،  وتتضح ملامحها وأسبابها أكثر يوماً بعد يوم، حتى تحولت هذه الظاهرة الغريبة إلى واقعٍ يوميٍ مشهود لا يمكن تجاهله، أو غض الطرف عنه، فأبعاده السلبية شملت ملايين البشر، وأثَّرتْ على معاشهم ومورد رزقهم اليومي، وتعدت أضرارها فغطت مساحات واسعة من الكرة الأرضية.

 

وأصبحت هذه الظاهرة الآن كالمرض المعدي الذي ينتقل من إنسان إلى آخر، أو من مدينةٍ إلى مدينة أخرى حتى ولو كانت تبعد عنها آلاف الكيلومترات، ففيروسات هذا الداء العُضال بدأت تنتشر كانتشار النار في الهشيم، وتزداد ضراوتها على البيئة والإنسان مع الوقت.

 

فأول بذرةٍ خبيثة غُرست في الأرض وأدت إلى انكشاف هذه الظاهرة كانت أيام الاتحاد السوفيتي ورغبتهم في تكوين إمبراطورية زراعية مُعتمدة على "الذهب الأبيض" أو القطن، فشقوا قنواتٍ وأخاديد عظيمة في وسط صحراء كازاخستان(Kazakhstan) الجرداء القاحلة في الخمسينيات من القرن المنصرم، بلغ طولها أكثر من من 47 ألف كيلومتر، وتم ملء هذه القنوات بالمياه العذب الزلال بعد تحريف مجرى نهرين كبيرين هما آمو دريا(Amu Darya) وسير دريا(Syr Darya)، واللذان كانا يُغذيان بحيرة آرال(Aral Sea)بالماء النقي الفرات السائغ شرابه، فكانا بمثابة الشريان الدموي الذي يمد قلب البحيرة بالدم والحياة، فيستمر نبضه وقوته، وتستديم حياة قرابة 60 مليوناً من البشر والحياة الفطرية في تلك المنطقة المزدهرة بالحياة.

 

فبحيرة آرال كانت رابع أكبر بحيرة مثمرة ومنتجة في العالم، فمساحتها قرابة 68 ألف كيلومتر مربع، أي  أكبر من مساحة البحرين بنحو 93 مرة، ومع الوقت، ومع استنزاف الملايين من الجالونات يومياً من مياه النهرين للأراضي الزراعية، انخفضت أحجام المياه التي تصل إلى قلب البحيرة، حتى أخذ قلبها يضعف رويداً رويداً، وبدأت عروقها تجف وتصطلب ونبض القلب يضطرب ويخف يوماً بعد يوم، فوصل إلى درجة حرجة اضطرت الأطباء إلى إدخالها إلى غرفة الانعاش وتركيب الأجهزة الصناعية عليها لإعادة نبضها وضخ الدم إلى شرايينها.

وبالرغم من هذه العمليات الجراحية الطارئة التي أُجريت عليها إلا أن هذه البحيرة العظيمة تحولت الآن إلى مستنقعات مائية آسنة متشتتة ومتفرقة وغير مترابطة ولا تزيد مساحتها عن تسعة آلاف كيلومتر مربع فقط، أي فقدت نحو 90% من جسمها الحي، حتى أن البعض من هذه البحيرات الصغيرة نضب ماؤه كلياً، فجفَّ وتصحر، وماتت معه كافة أنواع الحياة البرية والمائية وتعطلت مصالح الملايين من البشر الذين عاشوا أجيالاً متلاحقة على خيرات وثروات هذه البحيرة.

 

ثم نَحط الرِحال ثانية على بحيرة أخرى وفي قارة ثانية وهي بحيرة بووبو(Lake Poopo) المالحة التي كانت ثاني أكبر بحيرة في بوليفيا في قلب قارة أمريكا الجنوبية، فمساحتها أكبر من ثلاثة آلاف كيلومتر مربع وتقع في أعالي السماء على ارتفاع أكثر من 12 ألف قدم، وهي الآن تلقى نحبها، وتنتقل إلى مثواها الأخير، وتَجُر معها عشرات الآلاف من البشر الذين اعتمدت حياتهم اليومية ورزقهم وقوت أهليهم عليها، وتحولوا الآن إلى لاجئين يمدون أيديهم إلى الناس طلباً للمساعدة، فاليوم دخلت البحيرة ضمن قائمة البحيرات المنقرضة ولن تقرأ عنها الأجيال القادمة إلا في كتب التاريخ.

 

أما محطتنا الثالثة فهي قريبة منا، وبالتحديد في بحيرة أروميه(Lake Orumieh) الواقعة بين مدينتي تبريز(Tabriz) وأورميه في منطقة أذربيجان الصحراوية شمال غرب إيران على الحدود التركية، فالكارثة نفسها قد وقعت هناك أيضاً، فهذه البحيرة المالحة التي تبلغ مساحتها قرابة 5200 كيلومتر مربع، والتي تُعتبر من أكبر البحيرات على وجه الأرض، وتم تسجيلها ضمن قائمة اليونسكو للمحميات الحيوية، قد أوشكت الآن على الانقراض وفقدت زهاء 60% من مساحتها.

 

والآن أَشُد الرحال للذهاب إلى محطتنا الرابعة والأخيرة وهي موجودة في عقر دارنا ونشاهدها كل يوم ونسير بالقرب منها، ولكن لا أجد من يتحسس معاناتها، ولا أجد من يشعر بآلامها وبما تمر بها من فسادٍ يومي لأعضاء جسمها، وخسارةٍ لمساحتها، ودمارٍ لشرايينها، بحيث أصبحت تهدد بقاءها واستدامة حياتها، وهذه المحطة هي خليج توبلي.

 

فهذا الخليج يقاسي من الظروف نفسها التي أدت إلى تدهور وانقراض البحيرات التي تحدثتُ عنها، فهل لخليج توبلي المناعة القوية التي تمنعه من السقوط في الهاوية التي لحقت باقي البحيرات، أم أن مناعته ستضعف مع الزمن ولن يتمكن من مقاومة الضغوط المستمرة عليه، فيَلقى المصير نفسه؟

 

الثلاثاء، 2 فبراير، 2016

قريباً سنصطاد البلاستيك من البحر بدلاً من الأسماك!


هل سيأتي علينا اليوم الذي إذا رَمَينا فيه السِنَّارة، أو الخيط، أو الشباك لصيد الأسماك في البحر، فإننا سنصطاد كوباً من البلاستيك، أو ملعقة بلاستيكية، أو أكياساً بلاستيكية بدلاً من الأسماك؟

 

وهل سيأتي علينا زمان إذا وضعنا فيه القراقير في البحر أو الحظرة فكل ما سنحصل عليه ونصطاده هو خليط من المواد البلاستيكية الاستهلاكية التي كُنا نستعملها يوماً ما في السنوات الماضية في منازلنا أو مكاتبنا؟

 

نعم، فهذا اليوم آتٍ قريباً، وهذا الزمان سنَشهدُه جميعاً، فإذا تعمقنا في واقعنا الحالي غير المبَّشر بخير، واسترشدنا بالدراسات الميدانية والأبحاث العلمية حول مشكلة وحجم المخلفات البلاستيكية في البيئات البحرية خاصة، فسنتأكد بأن هذا اليوم قادمٌ لا محالة، ولا مفر منه إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن.

 

فقد صدر تحذير قوي من استفحال تراكم المخلفات البلاستيكية في بحارنا في المنتدى الاقتصادي العالمي(World Economic Forum) في 19 يناير من العام الجاري من عالمة كرَّست حياتها في متابعة مصير المخلفات البلاستيكية التي نلقيها يومياً بعد الانتهاء من استعمالها، وهذه الباحثة هي إلن ماك آرثر(Ellen MacArthur) التي نَشَرتْ تقريراً مفصلاً في المنتدى الاقتصادي، وأكدتْ فيه أن البحار والمحيطات تحولت إلى مقبرة جماعية للمخلفات البلاستيكية، وأفادت أن معظم المخلفات التي نتخلص منها يومياً يكون مثواها الأخير في البحار، فإما أن تكون على السواحل القريبة، وإما أنها تسرح وتمرح ذهاباً وإياباً فوق سطح البحر، وإما أنها مع الوقت تغوص في أعماقه فتجثم في التربة القاعية، كما أفاد التقرير بأنه بحلول عام 2050 سنشاهد المخلفات البلاستيكية في البيئة البحرية أكثر من مشاهدتنا للثروة البحرية الحية من أسماك وغيرها من الكائنات الحية.

 

فهذا التقرير يستقي استنتاجاته من الواقع المؤسف الذي تعاني منه البيئات البحرية ومن الحقائق المتعلقة بإنتاج واستهلاك البلاستيك في كل دول العالم، فمنذ الأربعينيات من القرن المنصرم عند الشروع في صناعة المنتجات المصنوعة من البلاستيك وولوجها في أبواب بيئتا واستبدالها للكثير من العناصر التقليدية كالرصاص، أو الحديد، وانفرادها بخصائص خارقة، ومميزات فريدة، ومنافع لا تُعد ولا تحصى، فقد ارتفع إنتاجها من 15 مليون في عام 1964 إلى 311 مليون عام 2014، وتُقدر الدراسات أن هذه الكمية ستتضاعف خلال العشرين سنة القادمة.

 

وتحولت المواد البلاستيك الآن إلى منتجات ضرورية وأساسية لا يمكن أن يستغني عنها أي إنسان أينما كان، وهذا الاستخدام المتزايد انعكس على كمية وأحجام المخلفات التي نرميها مع القمامة، فملايين الأنواع من المنتجات الاستهلاكية تجد طريقها، ولو بعد حين في أعضاء بيئتنا، سواء أكانت الأكياس البلاستيكية الخفيفة التي تتطاير في السماء فتُزين الأشجار على أوراقها وأغصانها، أو المخلفات البلاستيكية الأخرى التي نراها في المناطق الصحراوية، أو التي تسبح على سطح البحر فتنزل مع الوقت في أعماقه وتستقر فوق سطح تربته وتصبح جزءاً من تركيبه الدائم، وأحياناً كثيرة نشاهد هذه المخلفات في بيئاتٍ نائية وبعيدة عن أيدي البشر وأنشطته الإنمائية، مثل القطبين الشمالي والجنوبي، وفي البراري الموحشة والمقفرة، وفي أعماق البحار السحيقة والمظلمة، وأخطر ما في هذه القضية هي المخلفات البلاستيكية الدقيقة والصغيرة الحجم والتي بعضها لا يمكن مشاهدته بالعين المجردة فيدخل في أجسامنا عن طريق السلسلة الغذائية البحرية دون أن ندري، ويُطلق عليه العلماء الميكروبلاستيك(microplastic particles)، حتى أن العلماء نشروا أبحاثاً حول "دورة البلاستيك" في الطبيعة، كالدراسة المنشورة في 22 يناير من العام الجاري في مجلة(Anthropocene) تحت عنوان "الدورة الجيولوجية للبلاستيك".

 

ولذلك فالشواهد الميدانية والدراسات التطبيقية كلها تؤكد بأننا نقف أمام بركانٍ سيثور من المخلفات البلاستيكية التي تتفاقم خطورتها كل ساعة وتهدد أمننا البيئي والصحي، وإذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه الآن فسيثور وينفجر قريباً على رؤوسنا ويفسد علينا حياتنا، وبالتالي لا بد من العمل على خفض كمية هذه المخلفات عن طريق تصميم مواد ومنتجات بلاستيكية قابلة للتحلل الحيوي عند دخولها في البيئة إلى مواد غير ضارة، أو أنها تكون قابلة للتدوير وإعادة التصنيع بعد انتهاء عمرها.

السبت، 30 يناير، 2016

تَسْمِيمْ مدينة أمريكية


عنوانُ مقالي اليوم هو عنوان المقال الرئيس نفسه، والموجود على صفحة الغلاف في مجلة التايمز الأمريكية في العدد الصادر في 21 يناير 2016، وهذا العنوان هو جزء من عنوانٍ طويل للمقال وهو: "تَسْمِيم مدينة أمريكية، مياه سامة، أطفال مرضى، وقادة عاجزون خانوا مدينة فلينت بولاية مشيجان".

 

موضوع هذا المقال الذي شغل مساحةً كبيرة من مجلة التايمز المرموقة والواسعة الانتشار حول العالم وصحف كثيرة أخرى، واهتمت به المجلة، وسلطت عليه الأضواء بوضعه في واجهة المجلة وعلى صدر صفحة الغلاف، قد كَتَبتُ عنه مؤخراً، ونَشرتُ مقالين يتناولان هذه الكارثة التي أَضَّرتْ وهددت صحة الإنسان وبيئته، فالمقال الأول جاء تحت عنوان: "إعلان حالة الطوارئ في أمريكا بسبب التلوث" ونُشر في 18 يناير، والثاني عنوانه: "سياسة التقشف ووقوع كارثة بيئية صحية"، ونُشر في العشرين من يناير من العام الجاري.

 

واليوم أَضْطُر مرة ثالثة لمناقشة هذه الكارثة التي شغلت بال أمريكا وأَعلن أوباما حالة الطوارئ بسببها، وذلك لانكشاف أبعادٍ جديدة خطرة، وظهور جوانب خفية لم تكن في الحسبان، كما أَوَد في الوقت نفسه أن أُبين العلاقة والترابط بين هذه الكارثة التي وقعت في إحدى مدن أمريكا وبين حالنا في البحرين ودول الخليج عامة، وذلك من أجل تجنب الوقوع فيها، فالإنسان يجب أن يتعظ بالتاريخ قبل أن يكون هو نفسه عِبرة وعظة للتاريخ.

 

فعندما بدأتُ القراءة عن هذه الحادثة، وشَرعت في الكتابة عنها، كُنت أظن بأنها وقعت في واحدة من الدول النامية، أو دول العالم الثالث الفقيرة والمستضعفة التي لا تتمتع مجتمعاتها بكفاءاتٍ عالية، وخبراتٍ بشرية متطورة ومتنوعة، وتفتقر إلى الأجهزة والمعدات المتقدمة، والتقانات العالية الحديثة، ولا تُفَعَّل فيها القوانين والأنظمة الصحية والبيئية، فتسود العشوائية والاجتهادات الفردية، والتخبط في العمل والتنفيذ، ولكن وقوع مثل هذا الكَرْبْ العظيم في أكبر دولةٍ على وجه الأرض وأغناها وأكثرها ثراءٌ دون منازع، وأشدها تقدماً وتطوراً من الناحية العلمية والفنية والثروات البشرية، فهذا أمر عَجَبْ، وبحاجةٍ إلى وقفةِ تأملٍ وتَدَبر، وأخذ العبر والعظات منها.

 

فهذه الكارثة وقعت لسببٍ رئيس واحد، وهو تطبيق إجراءات التقشف "الأحادية الجانب"، أي تنفيذ ترشيد الإنفاق والاستهلاك، وخفض المصروفات وتوفير المال، دون الأخذ في الاعتبار انعكاسات هذا الإجراء وتأثيراته على الجوانب الحيوية الأخرى، سواء أكانت الجانب البيئي، أو الصحي، أو الاجتماعي، أو السياسي والأمني. فولاية مشيجان، وبعض المدن في الولاية، تعاني من تدهورٍ اقتصادي مُدقع، وأزمة مالية خانقة منذ سنوات، فلذلك أعلنت ديترويت مدينة صناعة السيارات الإفلاس، وعُيِّن عليها ما يُطلق عليه "مدير للطوارئ"،وفي دُولنا المستضعفة في مثل هذه الحالات، وليس في أمريكا طبعاً، يتدخل البنك الدولي ومنظمات الأمم المتحدة المالية فتفرض علينا قيوداً وشروطاً وإجراءاتٍ محددة تَصُب كلها في "رفع" الدعم الشعبي عن كل منتجٍ استهلاكي، والعمل على خفض المصروفات وتوفير المال. وهذا ما حدث بالفعل في مدينة فلينت(Flint) التي تبعد نحو مائة كيلومترٍ من ديترويت، وعدد سكانها قرابة مائة ألف معظمهم من أصول أفريقية من الفقراء وغير المتعلمين الذين لا يعرفون حقوقهم، وليس لديهم المال للدفاع عن هذه الحقوق، وليس لهم أي وزنٍ سياسي يحسب له، ولذلك من السهل تنفيذ أي إجراءٍ "تقشفي" عليهم، فقام "مدير الطوارئ" وعُمدة المدينة في 25 أبريل 2014 من أجل "التقشف" وتوفير المال بتحويل مصدرِ مياه الشرب لسكان المدينة من ديترويت البعيدة عنها إلى المصدر الأرخص ثمناً، وهو نهر فلينت الذي يجري في قلب المدينة، دون الأخذ في الاعتبار جودة هذه المياه ونوعيتها وتأثيراتها الصحية والبيئية على سكان المدينة.

 

ومع الوقت تبين أن هذه المياه التي دخلت كل منزل وشربها يومياً ولعامين أكثر من مائة ألف إنسان أنها ملوثة ومسمومة، فرائحتها عفنة، ولونها برتقالي مائل إلى الصفرة، وطعمها غير مستساغ، بل وأكدت الدراسات المخبرية أن هذا الماء ملوث بعنصر الرصاص، وأن الكثير من أطفال المدينة تشبعت دماؤهم وأجسامهم بهذا الملوث الخطير وتراكمت في عظامهم. وبالرغم من هذه التحذيرات الأولوية وبُروز شكاوى الناس، إلا أن قادة المدينة والولاية تجاهلوا هذه الشكاوى وأهملوا احتجاجات الناس المتكررة حتى طفح الكيل وبلغ السيل الزبي وتحولت هذه الكارثة الصحية البيئية إلى أزمةٍ سياسية وأمنية ثقيلة تخطت الحدود الجغرافية لهذه المدينة الصغيرة فشملت كل الولايات المتحدة الأمريكية، وتدخل فيها البيت الأبيض فخَصص فوراً مبلغاً مالياً وقدره خمسة ملايين دولار من "الصندوق الاتحادي للكوارث الطبيعية"، كما اعتذر حاكم ولاية مشيجان قائلاً:" أنا آسف"، والآن هذه المدينة تحولت إلى إحدى مدن العالم الثالث، أو مخيمات اللاجئين التي تَصِلها المياه عبر صهاريج وشاحنات النقل، أو تصلها يدوياً قناني المياه البلاستيكية فتوزع عليهم بيتاً بيتاً وفرداً فردا.

 

وهذه الكارثة أدخلت بُعداً جديداً غير البعدين الصحي والبيئي، وأحْيت إلى الذاكرة قضية قديمة تعاني منها أمريكا وهي "العنصرية"، ولكن اليوم هي عنصرية من نوعٍ خاص وهو "العنصرية البيئية"، بحيث إن  القس جيسي جاكسون(Jesse Jackson) المرشح الأسبق للرآسة في أمريكا أَطلق على المدينة "موقع الجريمة"، أي جريمة "العنصرية البيئية"، وتساءل هذا القس والكثيرين من المفكرين الأمريكيين أن هذه الكارثة لو كانت في مدينة غنية وسكانها من المتعلمين البيض، ومن الأثرياء فهل سيتم تجاهلها وغض الطرف عنها أكثر من عام؟ كما كتب المخرج المشهور مايكل مور(Michael Moore) مقالاً سيُنشر في مجلة التايمز في الأول من فبراير تحت عنوان:" تَسَمُم مدينة فلينت يُعد جريمة عنصرية".

 

وبالتالي نرى أمامنا بأن هذا الإجراء التقشفي البسيط الذي اتخذته المدينة من أجل توفير المال، كلفها أضعاف المبلغ الذي تم توفيره، وكشف أبعاداً خطيرة لم تكن في الحسبان، فاعتبروا يا أولي الألباب.

 

الاثنين، 25 يناير، 2016

نهاية سيارة الشعب


سيارة الشعب هي الفولكس واجن التي أنتجتها ألمانيا في عصر هتلر في عام 1937 لتكون سيارة عامة الناس وفي متناول الطبقات العاملة والفقيرة، ومنذ ذلك الوقت وهذه السيارة تشق طريقها بكل هدوء في بحر صناعة السيارات، وتأخذ في كل سنة خطوة ثابتة، وقوية، ومتزنة لكل تستطيع أن تنافس باقي السيارات المعروفة بقوتها، وجودتها، ومصداقيتها في الطريق، فلا تغرق في بحر عالم السيارات ولا تسقط في منتصف الطريق غير قادرة على التنافس معها.

 

وبالفعل نجحت نجاحاً باهراً وغير مسبوق، وحققت أرباحاً خيالية عظيمة، حتى تحولت من سيارة الشعب وسيارة ذوي الدخل المحدود إلى سيارة النخبة والأغنياء، وأصبحت واحدة من أكبر منتجي السيارات على المستوى الدولي.

 

ولكن جشع الإنسان، وعبوديته للمال، ورغبته في تحقيق الإنجازات والربح السريع والكبير وبلوغ مرحلة العظمة، والوصول إلى درجة الاحتكار وكسر الآخرين وتحطيمهم من خلال إتباع كافة الوسائل الشرعية غير الشرعية، واستخدام الأدوات المحظورة وعلى حساب القيم والمبادئ والأخلاقيات الإنسانية، هي التي جعلت هذا العملاق الكبير يتهاوى، وتنتهك قواه، وقد يسقط مغشياً عليه، أو ميتاً بعد حينٍ من الزمن.

 

فشركة فولكس واجن أصابها غرور العظمة، ونَهش الكبرياء في أعضائها، واستفحل التحايل والغش في شرايينها، فاعتبرت نفسها شركة فوق القانون، وأنها تستطيع أن تفعل ما تريد دون رقابة أو محاسبة أو اكتشاف ما تقوم به من غشٍ أو تضليل.

 

فقامت ولأكثر من عشر سنوات في بيع أكثر من 11 مليون سيارة مغشوشة، وبالتحديد السيارات التي تعمل بالديزل، حيث ركَّبَتْ على هذه الملايين من السيارات برنامجاً في الحاسب الآلي للسيارة(software)، وأُطلقت عليه(defeat device)، وحَوَّرت هذا البرنامج وتلاعبت فيه ليُضلل المستهلك، ويُقدم معلومات كاذبة ومزورة عن نسبة الملوثات التي تنبعث من عوادمها، فكيَّفت هذا البرنامج ليُقدم أرقاماً وقراءات خاطئة تفيد بأن التلوث الناجم عن هذه السيارات منخفض جداً ويتوافق مع معايير الانبعاث التي وضعتها دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ونجحت عن طريق هذا الغش التجاري البيئي الصحي لعدة سنوات، وتمكنت من اكتساح سوق السيارات وإقناع الدول على شراء هذه السيارات الخضراء "الصديقة للبيئة" التي يلهث العالم لشرائها حفاظاً على صحة البيئة وصيانة لأرواح الناس!

 

ولكن الصُدف كشفت هذه الفضيحة الكبرى والجريمة النكراء في الولايات المتحدة الأمريكية، واضطرت الشركة إلى الاعتراف بها في سبتمبر من عام 2015، والآن تعاني هذه الشركة العملاقة من أزماتٍ لا تُعد ولا تحصى، وقد تقضى على سيارة الشعب كلياً، والتداعيات التي سأذكرها لكم تؤكد حجم الورطة الثقيلة التي أوقعت نفسها فيها.

أولاً: استقالة الرئيس التنفيذي وكبار التنفيذيين من الشركة، مما يعني خسارة خبرات تراكمت عبر الزمن ولا يمكن تعويضها.

ثانياً: خصصت الشركة فور انكشاف الفضيحة مبلغاً وقدره 7.3 بليون دولار لمواجهة التداعيات المتوقعة، وهذا يعني خفض المصروفات في القطاعات الحيوية الأخرى كالأبحاث والتطوير، مما يقلل من قدرة الشركة على التنافس مستقبلاً.

ثالثاً: منذ أن انكشفت الجريمة  خسرت الشركة نحو 20 بليون من قيمتها السوقية، كما  انخفض سعر الأسهم بنسبة 39%.

رابعاً: انخفضت المبيعات بشكلٍ عام على المستوى الدولي بنسبة 4.8%، وهذا يُعد أول انخفاضٍ تشهده الشركة منذ 11 عاماً.

خامساً: خسرت الشركة في اليابان موقعها في طليعة السيارات التي تباع في اليابان لأول مرة منذ 16 عاماً، فانخفضت المبيعات بنسبة 18.8%، كما انخفضت المبيعات في ألمانيا لأول مرة خلال عشر سنوات بنسبة 5.3%، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 25%، وفي بريطانيا بنسبة 20%.

سادساً: إصلاح السيارات المغشوشة في الولايات المتحدة الأمريكية فقط يكلف نحو 9.3 بليون دولار.

سابعاً: رَفعت وزارة العدل الأمريكية دعوى مدنية في الرابع من يناير من العام الجاري في محكمة اتحادية في مدينة ديترويت، تطلب فيه تعويضاً مالياً يقدر بـ 18 بليون دولار للمخالفات التي ارتكبتها الشركة، ودعاوى أخرى كثيرة رُفعت من الأفراد، وجمعيات المستهلكين، ووكلاء السيارات، وهذه القضايا قد تتحول إلى قضايا "جنائية" في المستقبل، كما أن هناك عدداً هائلاً من الدعاوى رفعت ضد الشركة في الكثير من دول العالم.

فبعد كل هذه التداعيات التي نزلت على فولكس واجن، والكثير منها سيأتي لاحقاً، هل تستطيع هذه الشركة أن تصمد أمامها، أم أنها ستنكسر؟

الثلاثاء، 19 يناير، 2016

سياسة التقشف ووقوع كارثة بيئية صحية


ما أن انتهيتُ من نَشر مقالي تحت عنوان: “إعلان الطوارئ في أمريكا بسبب التلوث" في 18 يناير والمتعلق بإعلان حاكم ولاية مشيجان لحالة الطوارئ البيئية الصحية في الولاية، وإذا بوسائل الإعلام الأمريكية الرئيسة تَنشر خبراً في صفحاتها الأولى في 17 من الشهر الجاري تحت عنوان: "أوباما يُعلن حالة الطوارئ"، أي أن القضية تحولت من حدود الولاية الواحدة الضيقة، وهي مشيجان، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويتلخص هذا الخبر في موافقة الرئيس الأمريكي أوباما على استخدم الصندوق الاتحادي المخصص فقط للحالات الطارئة والكوارث الطبيعية في تمويل ومساعدة ولاية مشيجان على مواجهة هذه الكارثة التي نزلت عليها، حيث صرح مسئول في البيت الأبيض قائلاً: "أَمَرَ الرئيس بمساعدة اتحادية لدعم وتمويل جهود ولاية مشيجان والسلطات المحلية في المدن والبلديات بسبب الحالة الطارئة في المنطقة التي تأثرت وتضررت بالمياه الملوثة، ومن أجل تخفيف معاناة السكان وحالتهم الصعبة"، وقد كَلَّف الرئيس الوكالة الاتحادية لإدارة الطوارئ للتنسيق في جهود المساعدة وتخصيص خمسة ملايين دولار لهذه العملية، إضافة إلى توفير المياه الصالحة للشرب، ومرشحات تنظيف الماء من الشوائب والغبار والجسيمات الدقيقة.

 

فهذه الكارثة والطامة الكبرى التي أَلـمــَّتْ بالسكان في ولاية مشيجان، وبالتحديد مقاطعة جينيسي(Genesse county)، وهي إحدى مقاطعات ولاية مشيجان وعاصمتها فلينت(Flint) التي تقع في قلب الولاية وتبعد نحو مائة كيلومترٍ من ديترويت، لو كانت انعكاساتها بسيطة وعابرة، ومردوداتها قليلة وهامشية، لما اسْتَدعت تدخل الرئيس الأمريكي نفسه، ولما كانت هناك حاجة لإعلان الطوارئ على مستوى البيت الأبيض وتكليف الوكالة الاتحادية لإدارة الطوارئ وصندوق الطوارئ للمساعدة ودعم جهود الإغاثة التي عجزت الولاية نفسها وبإمكاناتها السيطرة على هذه الكارثة ومكافحتها.

 

ولو تعمقنا قليلاً في أسباب تعرض سكان مشيجان لهذه النكبة البيئية الصحية لوجدنا أنها وقعت نتيجة لقرارٍ خاطئ اتخذته السلطات المعنية في الولاية من أجل توفير مبلغٍ زهيدٍ من المال ليتماشى مع سياسة التقشف، وخفض النفقات، وتقليل المصروفات في كل قطاعات الولاية التي ضربتها أزمة مالية حادة، ووضع اقتصادي متدهور، فتراكمت الديون على ظهرها وزادت يوماً بعد يوم، وجعلتها أخيراً تقع في هاوية الإفلاس.

 

فمن الإجراءات "التقشفية" المتعجلة التي اضطرت الولاية إلى تبنيها هي مياه الشرب التي تصل إلى منازل سكان الولاية، فقامت بتغيير مصدر المياه القادمة إلى مدينة فلينت وما حولها من مدينة ديترويت، وبالتحديد من بحيرة هرون(Lake Huron) إلى الاستخدام المباشر لماء النهر الملوث الذي يمر في قلب المدينة، دون التفكير مَلياً في العواقب البيئية والصحية المترتبة على هذه الخطوة.

 

فماء النهر لم يكن صالحاً للشرب والاستهلاك الآدمي بشكلٍ مباشر مما أدى إلى احتجاج الناس وتذمرهم من هذا الماء الملوث الذي يصل إلى منازلهم وخروجهم في مظاهرات غاضبة، فرائحة الماء عفنة، ولونه عكر وغير صافي، ومذاقه غير مقبول ورديء، ولكن الجهات المعنية كالعادة تجاهلت هذه الصرخات والشكاوى، حتى بلغت الكارثة ذروتها عندما نُشرت تقارير تؤكد وجود العديد من الملوثات السامة والخطرة في المياه التي يشربها السكان، ومن أخطر هذه السموم هو الرصاص المعروف بتأثيراته المباشرة على أعضاء جسم الإنسان وبالتحديد المخ وإضراره بمستوى الذكاء عند الأطفال، حيث أكدت التحاليل التي أُجريت على أطفال المدينة أن نسبة الرصاص في دمائهم مرتفعة جداً إلى درجة تُنذر بوقوع وباءٍ صحي عام على جميع السكان، من أطفال وشيوخ.

 

فهذه النتائج العلمية الميدانية أكدت أنه نتيجةً لسياسة التقشف غير الرشيدة والتسرع في اتخاذ القرار من أجل توفير المال فقط والأخذ في الاعتبار الجانب الاقتصادي على حساب الجوانب الأخرى الحيوية، الصحية، والبيئية، والاجتماعية، والسياسية، فقد وَقع هذا الدمار العميق، والفساد المباشر على صحة الناس وصحة البيئة على حدٍ سواء، فقد سَمحْنا بأيدينا وبرضانا التام لانتشار السموم القاتلة للبشر في أعضاء جسم البيئة أولاً، ثم انتقلت مع الوقت إلى كل خليةٍ من خلايا أجسامنا، فتراكمت فيها واستقرت بداخلها، ولا يمكن الآن التخلص منها، مهما فعلنا وبذلنا من جهود، وصرفنا من الأموال.

 

ودعوني أُلخص لكم أهم تداعيات هذا القرار التقشفي الذي كان يهدف إلى توفير المال فقط:

أولاً: اضطرار حاكم الولاية إلى إعلان الطوارئ، ثم مَدْ يد العون إلى الصندوق الاتحادي لمساعدته مالياً على تجاوز هذه الكارثة.

ثانياً: أَكَّد حاكم الولاية على الحاجة الماسة العاجلة إلى مبلغ وقدره 96 مليون دولار لمواجهة هذه الطامة على المدى القريب والبعيد، علماً بأن المبلغ الذي تم توفيره من إجراء التقشف في تغيير مصدر الماء لا يقارن بتاتاً بهذا المبلغ الكبير!

ثالثاً: إعلان النفير العام في الولاية، واستدعاء الحرس الوطني للولاية وكافة أفراد الشرطة وأعدادٍ مهولة من المتطوعين لتوزيع قناني مياه الشرب والمرشحات على كل السكان، بيتاً بيتاً، وفرداً فرداً لمدة تسعين يوماً.

رابعاً: انتشار التلوث في البيئة وجريانه في شرايين جسم السكان، وتعريضهم لوباءٍ عام لا يمكن توقع الأمراض التي ستنزل عليهم حالياً ومستقبلاً.

خامساً: إجراء التقشف والترشيد لم يأخذ في الاعتبار إلا الجانب الاقتصادي، وأَغْفل وتجاهل كلياً الأبعاد والجوانب الأخرى، ولذلك التداعيات كانت شديدة، وأولها كانت على الجانب الاقتصادي نفسه!

 

ونظراً لفظاعة هذه الكارثة، فإنني أدعو الجميع إلى الوقوف برهة أمامها والاستفادة من هفواتها، والتعلم من زلاتها، حتى لا نقع فيها.