التاريخ يعيد نفسه، ولكن تحت مسميات مختلفة، ففي القرن المنصرم وقع صراع ونزاع مجتمعي وقضائي ماراثوني عظيم، أمريكي النشأة ودولي التداعيات بين كل قطاعات وفئات المجتمع الأمريكي من أفراد، ومنظمات، وجمعيات، وقطاعات تعلمية، وولايات أمريكية من جهة، وبين شركات التبغ والسجائر العملاقة متعددة الجنسيات من جهة أخرى.
وقد احتدم هذا النزاع القضائي الذي لم ولن يشهد له التاريخ مثيلاً بشدة أكبر، وتوسعت دائرته بعد سبتمبر عام 1950 عندما نَشرت مجلة طبية مرموقة هي "المجلة الطبية البريطانية" بحثاً ميدانياً أكدت فيه ولأول مرة علاقة التدخين بسرطان الرئة، أي بعبارة أخرى تدخين السجائر يصيبك بمرض سرطان الرئة المميت، واستناداً إلى هذا البحث ودراسات كثيرة أخرى، أَصْدر المسؤول الأول عن الصحة العامة في أمريكا(الجراح العام) تقريراً تاريخياً صادق فيه على استنتاجات الدراسات والأبحاث، وأكد أن التدخين يؤدي بك إلى الموت البطيء من سرطان الرئة.
ونتيجة لهذه الحقيقة الطبية استقبلت المحاكم الأمريكية تسونامي من الدعوات القضائية من المتضررين من التدخين، ومن المعانين من آلام مرض السرطان، ومن أسر الضحايا، حتى عجَّت المحاكم في كل الولايات من هذه الدعاوى غير المتناهية، مما أدى إلى تجميعها وعرضها على المحاكم في ملف واحد، كان أحد الأطراف هو "الجمعية القومية للمدعين العامين" لـ 46 ولاية ضد أربع شركات للتبغ متعددة الجنسيات. واستمرت هذه الحرب القضائية عشرات السنين، بين مدٍ وجزر، وبين هزيمة وانتصار في بعض المعارك، حتى خسرت في نهاية المطاف شركات التبغ الحرب، وأعلنت مؤقتاً الراية البيضاء وأبرمت في 23 نوفمبر 1998 تسوية تاريخية لا سابقة لها مع الجميع بمبلغ 246 مليار دولار على مدى 25 عاماً، وأُطلق عليها "اتفاقية التسوية الرئيسة"(Master Settlement Agreement).
واليوم نشهد قضية مماثلة لقضية التبغ، ولكن تحت مسمى "وسائل التواصل الاجتماعي"، حيث بدأت تداعيات استخدام هذه الوسائل تنكشف على المجتمع الأمريكي والغربي خاصة، وباقي مجتمعات العالم، وأصبحنا نسمع عن أمراض نفسية، وعقلية، وجسدية يتعرض لها الإنسان، وبالتحديد فئة صغار السن من أطفال ومراهقين وشباب، كما أن قَطَرات القضايا المتعلقة بالجوانب السلبية الصحية أخذت تنزل على المحاكم رويداً رويداً، وتزايدت شدة هذه القطرات في السنوات القليلة الماضية، حتى أصحبت المحاكم اليوم تعج بدعاوى التعويضات التي بلغت قرابة 500 ألف شخص على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. ولذلك منذ سنوات، وبالتحديد في 30 سبتمبر 2021 عَقد الكونجرس جلسة استماع تحت عنوان: "حماية الأطفال عبر الإنترنت، فيس بوك وإنستجرام، وأضرارهما على الصحة العقلية".
وهذه الدعاوى التي رفعت ضد شركات وسائل التواصل المتنفذة أُقسمها إلى ثلاث فئات رئيسة، الأولى هي فئة الأفراد الذين أصابتهم أزمات صحية نفسية، وعقلية، وبدنية، وآفة الإدمان نتيجة للإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، حيث عُقدت أول جلسة فريدة من نوعها على المستوى الدولي في 9 فبراير 2026 في مدينة لوس أنجلوس. والفئة الثانية هي المناطق التعليمية في ولايات أمريكا، حيث قامت أكثر من 1200 من المناطق التعليمية الحكومية برفع دعاوى مماثلة باسم ونيابة عن الطلبة المتضررين. فهذه المناطق التعليمية تقول بأن هذه الوسائل أشغلت عقول الطلاب واهتماماتهم، وضيعت أوقاتهم، وجعلتهم ينحرفون عن القيام بممارسات رياضية جسدية وعقلية مفيدة، كما ألهتهم عن القيام بواجباتهم ودروسهم ومشاريعهم المدرسية، وتسببت في أزمة صحية عقلية، علماً بأن أول محاكمة ستكون في يونيو 2026 في مدينة أوكلالند بولاية كاليفورنيا. وأما الفئة الثالثة فهي الشكاوى التي رفعت من الولايات ضد منصات وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد اتخَذتْ المحاكم المعنية بهذه القضايا الخطوة الأولى باستدعاء أصحاب هذه الشركات للإدلاء بشهادتهم أمام المحكمة، حيث قدَّم رئيس شركة "إنستجرام" شهادته في 11 فبراير 2026، ورئيس شركة ميتا(فيس بوك) بشهادته في 18 فبراير. وكالعادة فإن شهاداتهم وافاداتهم جميعها تُنكر كل الادعاءات المرفوعة ضدها، وتُخلي مسؤوليتها عن أية أزمة صحية ناجمة عن استخدام منتجاتها، كما أنكرت من قبل في المرحلة الأولى شركات التبغ بأن منتجها وهو السجائر له علاقة بمرض السرطان، أو أي مرض آخر، حتى أجمعت جميع الأدلة على إدانتها ومسؤوليتها في تعريض المدخن ومن يجلس مع المدخن لعشرات الأنواع من مرض السرطان.
أما بالنسبة لوسائل التواصل فإنها متهمة بأنها تمت هندستها وتصميمها بشكلٍ منهجي متعمد لإصابة المستخدم بالإدمان من خلال المزايا والخصائص الموجودة في كل منصة، بحيث تجعلك تستمر في الجلوس معها ساعات طويلة من اليوم والليلة دون انقطاع، حتى يصل الوقت لتصبح عبداً لها لا تستطيع مفارقتها. وجدير بالذكر فإن هذه المنصات كانت تعلم جيداً بأن منتجها يصيب الفرد بالإدمان، وبخاصة الأطفال والمراهقين، حسب الشهادة التي أدلى بها أحد مدراء "فيس بوك" وهو "فرانسيس هوجن" (Frances Haugen) في جلسة استماع للكونجرس عام 2021 من خلال الكشف عن وثائق سرية داخلية تثبت بأن هذه المنصة لها تأثيرات سلبية على مستخدميها، وبخاصة بين البنات، وتؤدي بهم إلى الإدمان. كما أكد على هذه الحقيقة التحقيق المنشور في 27 فبراير 2026 في صحيفة(The Atlantic) الأمريكية.
ومع بدء الحرب القضائية بين المجتمع الأمريكي وشركات التواصل الاجتماعي، ومع بروز العديد من الأبحاث حول التأثيرات الصحية لهذه الوسائل، نشر الجراح العام الأمريكي السابق "فيفك ميرثي"(Vivek Murthy) مقالاً في 17 يونيو 2024 صحيفة النيويورك تايمس الأمريكية، إضافة إلى نشره التقرير الاستشاري الصحي الموجه للشعب الأمريكي تحت عنوان: "التواصل الاجتماعي والصحة العقلية للشباب". فقد وصف هذه الحالة المتعاظمة بالأزمة الصحية القومية الواقعية التي تهدد الأمن الصحي للأطفال والمراهقين الأمريكيين. كما دعا المسؤول الأول عن الصحة العامة الكونجرس الأمريكي للتدخل سريعاً في تنظيم هذه الوسائل من خلال سن قانون يلزم شركات التكنلوجيا الكبرى المنتجة لهذه الأدوات الحديثة، مثل جوجل، وفيس بوك، ومنصة أكس، وغيرها إلى إصدار ووضع علامات تحذيرية، وملصقات توجيهية على هذه الوسائل والتطبيقات، ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي. ومن العبارات التحذيرية التي يقترحها (الجراح العام) المسؤول الأول عن صحة الشعب الأمريكي هي: "التواصل الاجتماعي له علاقة بوقوع أضرار جسيمة على الصحة العقلية للمراهقين". فوجود مثل هذه العبارات التي تدق ناقوس الخطر، تُلفت عناية ورعاية المجتمع الأمريكي برمته، وتوقظ الآباء، وأوليا الأمور، والمسؤولين في المدارس والجامعات وغيرهما وترفع من إدراكهم ووعيهم على ضرورة أن تكون هناك هبَّة جماعية مجتمعية لمكافحة هذا الوباء الجديد الذي ولج إلى بيوت كل مواطن، وخلق أزمة صحية كبيرة وطارئة تتمثل في تدهور الصحة العقلية والنفسية للأطفال والشباب والمراهقين، بل وكبار السن على حدٍ سواء.
وبالرغم من هذه الأدلة الدامغة على إدمان المستخدمين، وبخاصة بين فئة صغار السن على منصات التواصل الاجتماعي، وتأثيراتها على الصحة العقلية، والجسدية، إلا أن هذه الشركات التي تهدف فقط إلى الربح الكبير والسريع على حساب كل شيء آخر، حتى صحة فلذات أكبادنا، لن تستسلم قريباً، ولن ترفع الراية البيضاء بسرعة، وستستمر في القتال في أروقة القضاء حتى آخر رمق وحتى النفس الأخير، وستظل تماطل، وتؤجل الحُكم حتى تستنفد كل الأدوات القضائية، والسياسية، والعلمية للدفاع عنها.
وقد قامت محكمتان الأولى في ولاية نيو مكسيسكو في 24 مارس 2026، بإصدار حكمها بتغريم شركة ميتا(فيس بوك وأنستجرام) وجوجل(يو تيوب) 375 مليون دولار، والثانية في مدينة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا في 25 مارس بتغريمها 6 ملايين دولار، حيث ثبتت التهم ضدهم بتعريضهم للأطفال للإدمان والأمراض العقلية والنفسية.
ولكن هل هذا هو نهاية الحرب مع شركات التواصل الاجتماعي، أن هذه هي البداية؟ فهناك آلاف القضايا والدعاوى الأخرى المرفوعة من الأفراد، والمدارس، والولايات تنتظر المرافعات والحكم فيها، وما يحدث الآن في الولايات المتحدة سيتعدى الحدود الجغرافية لأمريكا، وستبلغ تداعياتها كل دول العالم.