الجمعة، 20 مارس 2026

الأمطار السوداء التي نزلتْ على رأسي!


حوادث كثيرة تمر علي كل سنة، معظمها تذهب في طي النسيان، وتخرج من ذاكرتي نهائياً، ومنها مازلت أتذكرها وكأنها وقعت بالأمس بسبب أنها فريدة وغريبة في آنٍ واحد، أو أنها نتيجة لشدة وطأتها علي شخصياً وعلى المجتمع البشري بشكل عام.

 

فقد كنتُ خارجاً من المسجد بعد تأدية صلاة العصر في عام 1991، وإذا بالسماء ملبدة بالغيوم الكثيفة والسحب المطرية، ولكنها لم تكن الغيوم والسحب الطبيعية التي تعودنا عليها عند هطول المطر. فقد تحولت السماء كلها إلى كومة كبيرة ثقيلة من السحب الرمادية السوداء المظلمة، وتحول النهار ليلاً، حتى أن الرؤية قد تأثرت على الأرض بسبب هذه السحب الداكنة المظلمة. وفجأة أحسست وأنا واقف خارج المسجد بنزول قطراتٍ غليظة وكثيفة من السماء ومخلوطة بالجسيمات الدقيقة السوداء، فانكشفت هذه القطرات على القميص الأبيض الذي كنتُ ارتديه، إذ تلطخ ببقعِ المطر الدخاني الأسود الدهني واللزج الملمس. 

 

ففي تلك الحقبة الزمنية، وفي ذلك الوقت، شهد العالم مشهداً كارثياً عظيماً ما لم يشهده أي إنسان من قبل قط، ولا أظن بأن التاريخ سيشهد مستقبلاً مثل هذا الكرب العقيم، وهذه الظاهرة الغريبة والفريدة من نوعها. فأثناء حرب الخليج من 22 يناير حتى نوفمبر 1991، أَحرقتْ القوات العراقية الغازية لدولة الكويت أكثر من 600 بئر نفطي، واستمر الحريق لعدة أشهر كئيبة ومؤلمة، فتحولت تلك المنطقة المحترقة إلى جحيم سحيق على الأرض، وشُوهد لهبها الأسود القاتم الذي ضرب أعنان السماء عبر الأقمار الصناعية، وبلغت تأثيراتها من الأمطار الدهنية السوداء إلى مسافات بعيدة جداً، حيث تم مشاهدتها ورصدها في جبال الهيمالايا في الهند، كما كونت ظاهرة أخرى تاريخية هي البحيرات النفطية في وسط الصحراء الكويتية.

 

واليوم مع هذه الحرب الكابوسية التي نشهدها في منطقتنا من هجوم أمريكي على إيران، واعتداءات إيرانية على دول الخليج، فقد وجدنا أنفسنا أمام مشاهد ومظاهر مشابهة لما وقع في الكويت، ولو أنها أقل وطأة وشدة من الطامة الكبرى الصحية والبيئية التي وقعت في الكويت. فالبترول الخام الذي يحترق مباشرة من الآبار، أو خزانات النفط، أو غيرهما بشكل غير مقنن ومباشرة في الهواء الطلق، ينتج منه الدخان الأسود، أو الجسيمات الدقيقة، والذي هو عبارة عن كربون أسود، ومواد هيدروكربونية غير محترقة، ورماد، وأكاسيد بعض الفلزات الثقيلة السامة والمسرطنة مثل النيكل والفانيديوم. كذلك فإن البترول المشتعل تنبعث منه غازات أكاسيد النيتروجين، وأول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وبعض المركبات العطرية متعددة الحلقات والتي من أخطرها البنزوبيرين(أ) المسبب للسرطان.

 

وجميع هذه الملوثات السامة والخطرة تنطلق إلى الغلاف الجوي السفلي، فمنها ما يصطدم مع بعض، فيصبح وزنه ثقيلاً، وتنزل على الأرض كترسبات جافة تتكون من هذه الجسيمات السوداء التي تحتوي على سطحها ملوثات مسرطنة. والبعض الآخر الأخف وزناً يسير في الاتجاهات العلوية حتى يختلط مع ماء السماء في السحب، وينهمر علينا كترسبات رطبة، تكون عادة سوداء ودهنية، وقد تكون حمضية في الوقت نفسه بسبب وجود الأحماض فيها كحمض الكبريتيك، والكربونيك، والنيتريك. 

 

وهذه الترسبات الجافة والرطبة تنزل على الأرض، وعلى المسطحات المائية، وعلى المناطق الصحراوية فتصبح مع الوقت جزءاً من السلسلة الغذائية التي يكون البشر في نهايتها، فتتلوث أعضاء أجسامهم ويتعرضون لشتى أنواع الأمراض العقيمة التي لا يعلم عنها إلا الله. كما أن هذه التسربات نتعرض لها مباشرة فنستنشقها مع الهواء الجوي، ونُصاب بالالتهابات الرئوية وغيرها من أمراض الجهاز التنفسي، إضافة إلى الإصابة بالحساسية من هذه الملوثات الغريبة على الهواء الجوي.

 

ونظراً لخطورة هذه الأمطار السوداء على الصحة العامة وصحة البيئة بشكلٍ عام والتي نزلت عدة مرات على إيران أثناء هذه الحرب، فقد نظمت منظمة الصحة العالمية مؤتمراً صحفياً في 10 مارس، تحدث فيها النطاق الرسمي باسم المنظمة "كرسشين لندمير"(Christian Lindmeier).

 

وقد وردت النقاط التالية الهامة في هذا المؤتمر الصحفي:

أولاً: الأمطار السوداء حدث واقعي شاهده سكان إيران عدة مرات أثناء الحرب الجارية.

ثانياً: هذه الأمطار تحدث بعد احتراق النفط وانبعاث الأدخنة السوداء من أي مصدر كان، سواء أكان آبار نفطية، أو خزانات للنفط، أو حرائق في مصانع تكرير النفط.

ثالثاً: هذه الأدخنة السوداء المنبعثة من حرق النفط تلوث الهواء الجوي وتدهور جودة الهواء، ثم تنطلق إلى أعالي السماء فتختلط بالماء في الغيوم وتسقط أمطاراً سوداء وحمضية.

رابعاً: هذه الأدخنة والترسبات السوداء الجافة والرطبة لها تأثيرات حادة ومزمنة على صحة الإنسان والحياة الفطرية وأمن وسلامة مكونات بيئتنا. فهناك تأثيرات قصيرة المدى بسبب التعرض المباشر للأمطار واستنشاق هذه الأدخنة السوداء وإصابة الجهاز التنفسي بأضرار جسيمة والتهابات حادة، كما أنها تدخل في أعماق الرئتين ثم تنتقل إلى مجرى الدم فتدخل في كل خلية من خلايا أجسامنا. وفي المقابل هناك تأثيرات طويلة المدى من حيث أن هذه الأدخنة المسرطنة والأمطار المشبعة بالسموم تنزل على التربة، والمسطحات المائية، والأشجار والأعشاب فتصبح مع الوقت جزءاً من مكوناتها، فتتضرر منها الحياة الفطرية البرية والبحرية، ثم الإنسان الذي يكون على رأس الهرم الغذائي وقد يسقط في شباك الأمراض المستعصية على العلاج كالسرطان.

خامساً: تنصح منظمة الصحة العالمية أنه في مثل هذه الحالات، على الجميع البقاء في منازلهم وإغلاق الأبواب والنوافذ لمنع دخول هذه الأدخنة إلى المنزل. وإذا كان لا بد من الخروج فيجب ارتداء الكمامات المناسبة، إضافة إلى غسل الخضروات والفواكه جيداً قبل الأكل.

 

 

 

الخميس، 12 مارس 2026

طيورٌ مُقاتلة


تَعَوَّدْ الإنسان منذ زمن بعيد على مشاهدة الحَمَام وهو يطير أمامنا، ويحلق فوق رؤوسنا ومن حولنا دون أن يراودنا أدنى شك بأن هذا الحمام الطائر فوقنا ما هو إلا مجرد نوعٍ من أنواع الطيور الكثيرة التي يتم تربيتها، وإكثارها، وتدريبها في المنازل للمتعة والترفيه والتسلية والمسابقات. فقبل قرون طويلة أُستخدم الحمام لنقل الرسائل من موقع إلى آخر بسبب المميزات والخصائص الفطرية المتجذرة في هذا الطائر من القدرة العالية على الطيران ولمسافات طويلة، والثبات، والسرعة، ثم الرجوع والعودة مرة ثانية إلى المنزل.

ولكن اليوم استغل الإنسان كل هذه الصفات الفطرية الحميدة التي يتمتع بها الحمام خدمة للإنسانية، وراحة للبشرية لأغراض عسكرية خبيثة، منها تجسسية من جهة، ومنها قتالية وهجومية انتحارية من جهة أخرى، بحيث أصبحنا اليوم إذا رأينا الحمام الحي وهو يطير فوقنا، ويحوم أمامنا، فإننا نشك، وننظر بعين الريبة والحذر في الهدف من وجوده وهو يطير فوق رؤوسنا. فهل هو طائر الحمام الفطري البريء الذي تعودنا على رؤيته، ومشاهدة منظره الجميل، أم أنه طائر الحمام العدو المبرمج داخلياً، والمزود بأنظمة تحكم عن بعد، وبأجهزة تجسس، وتنصت، وتصوير، وربما أجهزة هجومية قاتلة، سواء أكانت كيميائية كالقنابل الكيميائية، أو حيوية كالقنابل الجرثومية المعدية؟

وليس هذا من قبيل التوقعات المستقبلية والمعدات والأجهزة العسكرية التي قد ينتجها الإنسان في القريب المنظور، ولكن هذا ما حدث الآن، وهذا ما هو موجود ضمن الأسلحة التجسسية والقتالية عند بعض الجيوش الحديثة المتقدمة والمتطورة كثيراً.    

فعلى سبيل المثال، نشرتْ مجلة "الأسبوع" البريطانية الأمريكية (The Week) مقالاً في 11 فبراير 2026 تحت عنوان: " حَمَام التجسس الآلي الروسي". وقد جاء في الخبر قيام شركة روسية متخصصة في التقنية العصبية على إجراء أبحاث متطورة جداً على زرع شرائح عصبية في مخ الطيور للتحكم في طيرانها من ناحية السرعة والاتجاه، والعمل على إنتاج ما يُطلق عليه "الطائرات الحيوية بدون طيار"(bio-drones). كما أكدت وكالة "بلومبيرج" على هذا الخبر في تحقيق معمق تحت عنوان: " شركة روسية تطور حمام "درون حيوي" بزراعة الأعصاب"، حيث جاء فيه بأن العلماء الروس في مجموعة "نيري"(Neiry Group) في موسكو يطورون حماماً حيوياً مزوداً بآلات وأجهزة للتنصت والتصوير وزراعة أعصاب في المخ، وذلك من خلال زرع أقطاب كهربائية متناهية في الصغر في دماغ الحمام للتحكم عن بعد في طيران الطائر يميناً وشمالاً من أجل القيام بمهمات عسكرية خاصة. كذلك أصدرت صحيفة "تلجراف" البريطانية تقريراً مفصلاً حول هذه التطورات العسكرية الفريدة من نوعها تحت عنوان: "كيف يستخدم الروس شرائح عصبية لتحويل الحمام الحي إلى طائرات بدون طيار".

وهذا التوجه العسكري الجديد والحديث نحو استغلال الطيور للقيام بمهمات عسكرية، وبخاصة استخدام الحمام بدلاً من الطائرات بدون طيار أو "الدرون" يأتي لعدة أسباب وايجابيات موجودة ذاتياً في الحمام.

فالحمام الذي ينبض بالحياة والمزود بأجهزة حسب الحاجة والمَهمة لا يحتاج إلى طاقة كالبطاريات لنقله وتحريكه والتنقل من منطقة إلى أخرى، كما أن الحمام يطير يومياً لمسافة تبلغ قرابة 400 كيلومتر دون تقطع ودون الحاجة إلى النزول والصعود والارتفاع من على الأرض بشكلٍ متكرر. وعلاوة على ذلك فإن الحمام يستطيع التحليق فوق المواقع العسكرية وغير العسكرية الحساسة والسرية دون أن يشك أي إنسان فيه عند رؤيته فوق هذه المناطق المحظورة التي يمنع أي أحدٍ من دخولها والطيران فوقها.

فاستخدام الحمام والطيور الأخرى هو تطور وتقدم نوعي في مجال الطائرات بدون طيار والتي دخلت المعارك الحديثة بقوة وبفاعلية كبيرة جداً، وشكلت ثورة مشهودة في عالم التسليح الحديث والمتطور، ويُطلق عليها: "المركبات الجوية غير المأهولة"(unmanned aerial vehicles, UAVs) أو الدرون، وأول استخدام وعملية هجوم عسكرية كان في 2001 من خلال اعتداء الجيش الأمريكي على المجاهدين الأفغان.

وهذا المجال الجديد في عالم التسلح والمتمثل في إدخال وزرع الآلات والأجهزة، والشرائح العصبية وغيرها في أجسام الكائنات الحية، سواء أكان الإنسان، أو الطيور، أو الثدييات يُطلق عليه "سيبورج"، أو الكائن الحي السيبراني (cybernetic organism, cyborg)، أي دمج وزرع الآليات الميكانيكية والإلكترونية الدقيقة التي يصنعها الإنسان بيديه في جسم كائن حي آخر لرفع قدراته، وتطوير إمكاناته، لأهداف قد تكون مدنية للعلاج ومواجهة بعض أنواع الإعاقات العضوية، أو عسكرية، فتُستخدم كنوع من الأسلحة الدفاعية، أو العسكرية الهجومية الانتحارية، أو المعلوماتية والتجسسية.

ولكن مع هذه التطورات النوعية في مجال التسلح وقتل الإنسان لأخيه الإنسان، تراودني أسئلة كثيرة تشغل بالي منذ زمن طويل.

فلماذا يوجه الإنسان كل هذه الطاقات الجبارة لإنتاج أسلحة الدمار والفساد للبشر والحجر والشجر، فيهلك الحرث والنسل؟

ولماذا يسخر الإنسان عقله وفكره وقدراته الإبداعية نحو صناعة أكثر أنواع الأسلحة فتكاً وقوة تدميرية من الناحيتين النوعية والكمية، بحيث إنه كلما أنتج قنبلة شديدة التدمير يعمل على إنتاج قنبلة أخرى أكبر من أختها، وأكثر فتاكاً وهلاكاً، والجميع يدخل في هذا السباق الأزلي العقيم الذي لا ينتهي أبداً؟

ولماذا ينفق الإنسان مئات المليارات من أموال الشعوب، وثروات الأمم ومواردهم المالية من أجل تدمير البشرية وفساد مكتسباته التنموية التي سهر عليها عقوداً طويلة من الزمن؟

أليس من الأولى أن يوجه الإنسان كل علمه، وخبراته، وجهوده من أجل خير الشعوب، ونماء المجتمعات البشرية جمعاء في قطاع الطب العلاجي والوقائي، وحماية البيئة، وتطوير السكن المناسب والكريم، وتوفير المياه العذبة النقية الخالية من الملوثات؟

أليس من الأفضل تطوير وإنتاج تقنيات متقدمة لمنع دخول الملوثات والمواد المسرطنة إلى مكونات البيئة من هواء، وماء، وتربة، ومعالجة هذه السموم قبل أن نتعرض لها فتصيبنا بالأمراض العضال المستعصية على العلاج؟

أليس من الأجدى أن يحول الإنسان ثرواته المالية، وقدراته العقلية نحو البناء، والتقدم، والتطوير لما فيه خير وسعادة البشرية جمعاء؟

 

 

 

طيورٌ مُقاتلة

تَعَوَّدْ الإنسان منذ زمن بعيد على مشاهدة الحَمَام وهو يطير أمامنا، ويحلق فوق رؤوسنا ومن حولنا دون أن يراودنا أدنى شك بأن هذا الحمام الطائر فوقنا ما هو إلا مجرد نوعٍ من أنواع الطيور الكثيرة التي يتم تربيتها، وإكثارها، وتدريبها في المنازل للمتعة والترفيه والتسلية والمسابقات. فقبل قرون طويلة أُستخدم الحمام لنقل الرسائل من موقع إلى آخر بسبب المميزات والخصائص الفطرية المتجذرة في هذا الطائر من القدرة العالية على الطيران ولمسافات طويلة، والثبات، والسرعة، ثم الرجوع والعودة مرة ثانية إلى المنزل.

ولكن اليوم استغل الإنسان كل هذه الصفات الفطرية الحميدة التي يتمتع بها الحمام خدمة للإنسانية، وراحة للبشرية لأغراض عسكرية خبيثة، منها تجسسية من جهة، ومنها قتالية وهجومية انتحارية من جهة أخرى، بحيث أصبحنا اليوم إذا رأينا الحمام الحي وهو يطير فوقنا، ويحوم أمامنا، فإننا نشك، وننظر بعين الريبة والحذر في الهدف من وجوده وهو يطير فوق رؤوسنا. فهل هو طائر الحمام الفطري البريء الذي تعودنا على رؤيته، ومشاهدة منظره الجميل، أم أنه طائر الحمام العدو المبرمج داخلياً، والمزود بأنظمة تحكم عن بعد، وبأجهزة تجسس، وتنصت، وتصوير، وربما أجهزة هجومية قاتلة، سواء أكانت كيميائية كالقنابل الكيميائية، أو حيوية كالقنابل الجرثومية المعدية؟

وليس هذا من قبيل التوقعات المستقبلية والمعدات والأجهزة العسكرية التي قد ينتجها الإنسان في القريب المنظور، ولكن هذا ما حدث الآن، وهذا ما هو موجود ضمن الأسلحة التجسسية والقتالية عند بعض الجيوش الحديثة المتقدمة والمتطورة كثيراً.    

فعلى سبيل المثال، نشرتْ مجلة "الأسبوع" البريطانية الأمريكية (The Week) مقالاً في 11 فبراير 2026 تحت عنوان: " حَمَام التجسس الآلي الروسي". وقد جاء في الخبر قيام شركة روسية متخصصة في التقنية العصبية على إجراء أبحاث متطورة جداً على زرع شرائح عصبية في مخ الطيور للتحكم في طيرانها من ناحية السرعة والاتجاه، والعمل على إنتاج ما يُطلق عليه "الطائرات الحيوية بدون طيار"(bio-drones). كما أكدت وكالة "بلومبيرج" على هذا الخبر في تحقيق معمق تحت عنوان: " شركة روسية تطور حمام "درون حيوي" بزراعة الأعصاب"، حيث جاء فيه بأن العلماء الروس في مجموعة "نيري"(Neiry Group) في موسكو يطورون حماماً حيوياً مزوداً بآلات وأجهزة للتنصت والتصوير وزراعة أعصاب في المخ، وذلك من خلال زرع أقطاب كهربائية متناهية في الصغر في دماغ الحمام للتحكم عن بعد في طيران الطائر يميناً وشمالاً من أجل القيام بمهمات عسكرية خاصة. كذلك أصدرت صحيفة "تلجراف" البريطانية تقريراً مفصلاً حول هذه التطورات العسكرية الفريدة من نوعها تحت عنوان: "كيف يستخدم الروس شرائح عصبية لتحويل الحمام الحي إلى طائرات بدون طيار".

وهذا التوجه العسكري الجديد والحديث نحو استغلال الطيور للقيام بمهمات عسكرية، وبخاصة استخدام الحمام بدلاً من الطائرات بدون طيار أو "الدرون" يأتي لعدة أسباب وايجابيات موجودة ذاتياً في الحمام.

فالحمام الذي ينبض بالحياة والمزود بأجهزة حسب الحاجة والمَهمة لا يحتاج إلى طاقة كالبطاريات لنقله وتحريكه والتنقل من منطقة إلى أخرى، كما أن الحمام يطير يومياً لمسافة تبلغ قرابة 400 كيلومتر دون تقطع ودون الحاجة إلى النزول والصعود والارتفاع من على الأرض بشكلٍ متكرر. وعلاوة على ذلك فإن الحمام يستطيع التحليق فوق المواقع العسكرية وغير العسكرية الحساسة والسرية دون أن يشك أي إنسان فيه عند رؤيته فوق هذه المناطق المحظورة التي يمنع أي أحدٍ من دخولها والطيران فوقها.

فاستخدام الحمام والطيور الأخرى هو تطور وتقدم نوعي في مجال الطائرات بدون طيار والتي دخلت المعارك الحديثة بقوة وبفاعلية كبيرة جداً، وشكلت ثورة مشهودة في عالم التسليح الحديث والمتطور، ويُطلق عليها: "المركبات الجوية غير المأهولة"(unmanned aerial vehicles, UAVs) أو الدرون، وأول استخدام وعملية هجوم عسكرية كان في 2001 من خلال اعتداء الجيش الأمريكي على المجاهدين الأفغان.

وهذا المجال الجديد في عالم التسلح والمتمثل في إدخال وزرع الآلات والأجهزة، والشرائح العصبية وغيرها في أجسام الكائنات الحية، سواء أكان الإنسان، أو الطيور، أو الثدييات يُطلق عليه "سيبورج"، أو الكائن الحي السيبراني (cybernetic organism, cyborg)، أي دمج وزرع الآليات الميكانيكية والإلكترونية الدقيقة التي يصنعها الإنسان بيديه في جسم كائن حي آخر لرفع قدراته، وتطوير إمكاناته، لأهداف قد تكون مدنية للعلاج ومواجهة بعض أنواع الإعاقات العضوية، أو عسكرية، فتُستخدم كنوع من الأسلحة الدفاعية، أو العسكرية الهجومية الانتحارية، أو المعلوماتية والتجسسية.

ولكن مع هذه التطورات النوعية في مجال التسلح وقتل الإنسان لأخيه الإنسان، تراودني أسئلة كثيرة تشغل بالي منذ زمن طويل.

فلماذا يوجه الإنسان كل هذه الطاقات الجبارة لإنتاج أسلحة الدمار والفساد للبشر والحجر والشجر، فيهلك الحرث والنسل؟

ولماذا يسخر الإنسان عقله وفكره وقدراته الإبداعية نحو صناعة أكثر أنواع الأسلحة فتكاً وقوة تدميرية من الناحيتين النوعية والكمية، بحيث إنه كلما أنتج قنبلة شديدة التدمير يعمل على إنتاج قنبلة أخرى أكبر من أختها، وأكثر فتاكاً وهلاكاً، والجميع يدخل في هذا السباق الأزلي العقيم الذي لا ينتهي أبداً؟

ولماذا ينفق الإنسان مئات المليارات من أموال الشعوب، وثروات الأمم ومواردهم المالية من أجل تدمير البشرية وفساد مكتسباته التنموية التي سهر عليها عقوداً طويلة من الزمن؟

أليس من الأولى أن يوجه الإنسان كل علمه، وخبراته، وجهوده من أجل خير الشعوب، ونماء المجتمعات البشرية جمعاء في قطاع الطب العلاجي والوقائي، وحماية البيئة، وتطوير السكن المناسب والكريم، وتوفير المياه العذبة النقية الخالية من الملوثات؟

أليس من الأفضل تطوير وإنتاج تقنيات متقدمة لمنع دخول الملوثات والمواد المسرطنة إلى مكونات البيئة من هواء، وماء، وتربة، ومعالجة هذه السموم قبل أن نتعرض لها فتصيبنا بالأمراض العضال المستعصية على العلاج؟

أليس من الأجدى أن يحول الإنسان ثرواته المالية، وقدراته العقلية نحو البناء، والتقدم، والتطوير لما فيه خير وسعادة البشرية جمعاء؟

الجمعة، 6 مارس 2026

العقيدة القتالية اللاهوتية في منطلقات الحروب الأمريكية الصهيونية

 

حرب الإبادة للشعب الفلسطيني التي مازالت مستمرة، والحرب اليهودية الصهيونية والأمريكية المسيحية الصهيونية على منطقتنا عامة، عرَّت وكشفت عن حقائق قديمة ومتجددة لا يريد العلمانيون والليبراليون الاعتراف بها، وهي أن الحروب التي تُشعلها وتشنها إسرائيل، وتدعمها أمريكا ودول غربية كثيرة هي حروب دينية عقدية تنبعث وتستلهم شرعيتها من إنجيلهم، وتوراتهم، وكتبهم المقدسة المحرفة والضالة.

 

ولكي أُقنع من يشك في هذه الحقيقة الواقعية التي نراها أمامنا، وتتحقق يوماً بعد يوم، أُقدم لكم عقيدة الجيش الأمريكي الحالية لتبرير الحروب في منطقتنا، والتوجيهات المباشرة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار والتي يغذيها الصليبي وزير الحرب الأمريكي "بيت هجسث"، الذي خلَّد وحفر في جسمه "وُشُوم" ترمز إلى الحروب الصليبية القيمة، إضافة إلى أوامر ضباطه إلى الجنود الأمريكيين الذين يكذبون عليهم، ويلقونهم تلقيناً الحجج الواهية والمضللة في كل مرة يشعلون فيها فتيل ما يُطلقون عليها بالحرب الاستباقية على الدول الأخرى.

 

وقد كشف مجموعة كبيرة من الجنود الأمريكيين عن استيائهم وانكارهم لهذه التعليمات الدينية المسيحية الصهيونية المتطرفة والإقصائية لجميع الأديان والعقائد في خطابٍ رسمي قدموا فيه الشكوى من هذه التوجيهات المتشددة إلى مؤسسة أمريكية رقابية يُطلق عليها: "المؤسسة العسكرية للحريات الدينية"( The Military Religious Freedom Foundation). حيث نقلتْ صحيفة الجارديان البريطانية فحوى هذا الخطاب المُوقع من 200 جندي من مختلف الرتب العسكرية، ومن جميع قطاعات وفروع الجيش في 3 مارس 2026، ونشرته في تحقيق موثق في الصحيفة.

 

وأنقلُ لكم البعض من هذه التعليمات "الإلاهية" الإنجيلية والتوراتية التي أصبحت الآن عقيدة قتالية راسخة يؤمن بها، وينشرها وزير الدفاع ووزراء آخرين في حكومة ترمب الصهيونية. ومن هذه التوجيهات التي أُعطيت للجيش الأمريكي والجنود في حربهم الحالية ضد إيران ما يلي:

 

أولاً: الاعتقاد التام بأن: " المسيح إختار الرئيس ترمب لإشعال النار في إيران لإحداث معركة أرمجدون(Armageddon)، والإعلان عن عودته إلى الأرض". وهذا يعني بأن ترمب هو رجل مبارك ومقدس، وهو الخليفة الرسمي والشرعي المُعين من الرب، ولديه الصلاحيات الكاملة للدخول في الحروب، وبخاصة هذه الحرب المقدسة في الشرق الأوسط التي تحقق النبوءات التي وردت في الآيات الانجيلية. كما جاء في خطاب الجنود الذين قدَّموا الشكوى بأنه في: "أي وقت إسرائيل أو الولايات المتحدة تشعلان الحرب في الشرق الأوسط، فإننا نسمع إلى هذا الخطاب القومي المسيحي الذي سيطر على حكومتنا، وبالطبع الجيش الأمريكي، مما يتعارض مع الدستور الأمريكي القائم على فصل الدين عن الدولة".

 

ثانياً: الاعتقاد الجازم، والتبرير للجنود بأن الحرب على إيران "جزء من خطة الرب الإلاهية"، أي أن الحرب على إيران هي من مشيئة الرب منذ آلاف السنين ولا نستطيع إلا الدخول فيها، وهي مستندة ومستخلصة من آياتٍ في التوراة والانجيل، حيث يقدم ضباط الجيش الأمريكي للجنود هذه الحجج المصطنعة والمختلقة، ومستشهدين باقتباسات مقدسة بأن هذه الحرب الدينية ضرورية لا مفر منها، وهي من نبوءات "نهاية الزمان"(end times) لإنفاذ خطة الرب لبدء هذه المعركة المصيرية التي تَحدُثْ في آخر الزمان وفي "الأيام الأخيرة"، كما هي موجودة في كتبهم الضالة والمحرفة، وتُمهد لعودة المسيح إلى الأرض.

 

ثالثاً: وزير الحرب الأمريكي يؤمن بعقيدة القومية المسيحية، وينتمي إلى الكنيسة المسيحية الإنجيلية التي تسعى إلى تحقيق فلسفة "إعادة بناء المسيحية" (Christian reconstructionism). وهذه القومية المسيحية تتبنى خطاباً متشدداً ومتعالياً، وتقدم للأمريكيين نظرة متطرفة فتؤمن بمجال السمو(sphere sovereignty)، أي أن أمريكا يجب أن تكون أمة مسيحية خالصة وللمسيحيين فقط، كما أن العالم يجب أن يكون مسيحياً، أي بعبارة أخرى واضحة لا تعدد في الأديان، ولا تسامح ولا تعايش مع الأديان الأخرى، وبالتحديد الدين الإسلامي. فالدولة الأمريكية ستكون دينية وتَحكُمها تعاليم الإنجيل والتوراة الصهيونية. فهذه الأفكار التي يعلنها هذا الوزير الصليبي تُعمم على كافة قطاعات وفروع الجيش الأمريكي، فتتحول إلى عقيدة قتالية مسيحية متطرفة تكره الإسلام والمسلمين.

 

رابعاً: هذه العقيدة تمتد وتتوسع إلى الاعتقاد بالحلم الصهيوني، وتحقيقه على أرض الواقع وهو "إسرائيل الكبرى"، أي أن لإسرائيل الحق التلمودي والإنجيلي في أن تتوسع يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة، فتمتد من أراضي الدولة الفلسطينية المغتصبة، إلى الأراضي العربية والإسلامية. وآخر تصريح أيقظ العالمين العربي والإسلامي من وهم النوايا الطيبة للصهيونية اليهودية والمسيحية الأمريكية، جاء على لسان سفير ترمب "مايك هاكابي" في إسرائيل. فقد أكد في مقابلة مع الإعلامي الأمريكي "تاكر كارلسون" في 22 فبراير 2026 بأنه لا بأس من أن تستولي إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، بما في ذلك الأردن، وسوريا، ولبنان، وجزء من مصر والسعودية والعراق وتركيا. وبرَّر هذا الغزو والاحتلال الصهيوني والتعدي على حرمات دول قائمة وذات سيادة، بأن هذا حق ديني مقدس ورد في آيات الإنجيل والتوراة، أو نصوص العهد القديم. كما جاء في تصريحات هذا المسيحي الصهيوني بأن الجيش الإسرائيلي الذي ارتكب إبادة شاملة في غزة، وقتل قرابة 75 ألف فلسطيني بأنه الجيش الأكثر أخلاقاً، كما قال بأن قتل أكثر من 25 ألف طفل فلسطيني يوجد ما يبرره، أي لا مانع من قتل الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين، وغيرهم من العرب والمسلمين. وبالرغم من بشاعة هذه التصريحات واستصغارها لدولنا، إلا أنه مازال في منصبه، ولم ينتقد ترمب والبيت الأبيض مثل هذه التصريحات، مما يؤكد موافقتهم عليها، ودعمهم لها. 

 

فجميع النقاط التي ذكرتُها تؤكد بما لا يدع للشك سياسة ترمب ومواقفه من الأمتين العربية والإسلامية، وتنعكس هذه السياسات على ممارسات الحكومة الأمريكية من وزراء، ورؤساء الأجهزة المختلفة، كما تصبح جزءاً لا يتجزأ من عقيدة الجيش الأمريكي المبنية على كتبهم المقدسة المحرفة والضالة.

 

فخلاصة القول عقيدتهم هي سيادة المسيحية الصهيونية كلياً وبدون منازع على أمريكا أولاً، ثم دول العالم قاطبة ثانياً، وأخيراً السماح لإسرائيل للتوسع أينما تشاء، وكيفما تشاء، وبدعم ومباركة أمريكية دون الالتفاف إلى أي قانون أو مجتمع دولي.

 

فهل العرب مستعدون لمواجهة هذه العقيدة القديمة والمتجددة؟ 

 

الثلاثاء، 3 مارس 2026

كيف يكون إنتاج مبيد مسرطن ضرورياً للأمن القومي؟

 


من أسهل المصطلحات استخداماً هو التنمية المستدامة، فستجدُه واقعاً في الصدارة في برامج الحكومات وتقاريرها، وتجده بوضوح في افتتاحية كلمات المسؤولين، ومقالات الكتاب، فقد أصبح المصطلح لقمة سهلة وبسيطة على ألسن الجميع، ويُستخدم في محله وغير محله، وفي مواقع لا تتناسب مع مفهومه وتعريفه، وفي الكثير من الأوقات يحشر حشراً فقط لإعطاء قيمة وحداثة للكلمة، أو الخطاب، أو المقال.

 

ولكن في الوقت نفسه يُعتبر هذا المصطلح من أصعب المصطلحات تنفيذاً على أرض الواقع، ومن أعقدها تطبيقاً في المجال العملي اليومي. فتطبيقه يحتاج إلى علمٍ عميق، وتوازن دقيق، وخبرة طويلة، وتضحيات من الجميع. فلا بد من نجاح تنفيذ التنمية المستدامة أن ننجح في تطبيق التنمية البيئية المستدامة، جنباً إلى جنب مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا يطغى أي جانب على الجانب الآخر، ولا يتوغل أي بعد على الأبعاد الأخرى، ولا نُفضل طرفاً على الطرف الثاني عند التخطيط والتنفيذ.

 

وسأُقدم لكم مثالاً وَقَعَ في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أيام لأبين لكم صعوبة تنفيذ التنمية المستدامة ميدانياً وفي الحياة العملية، وفشل الكثير من الدول في تطبيقها بأسلوب سليم وصحيح ومستدام.

 

فقد أصدر ترمب أمراً تنفيذياً في 18 فبراير 2026 تحت عنوان: "تعزيز الدفاع الوطني من خلال ضمان الإمدادات الكافية لعنصر الفوسفور والمبيدات القائمة على جلاي فوسات". وفي هذا الأمر التنفيذي يُعطي ترمب الحصانة والحماية الإنتاجية الكاملة لمادتين كيميائيتين، الأولى هي عنصر الفوسفور والعمل على استخراجه من المناجم، والذي يدخل في الصناعة العسكرية والزراعية، والثانية هي مركب عضوي فوسفوري يصنَّف بأنه مسرطن، وهو "جلاي فوسات(Glyphosate)، ويُنتج من عنصر الفوسفور، ويدخل في محتوى بعض المبيدات التي تستخدم في الزراعة. وقد جاء في الأمر التنفيذي: "يُعد التعدين المحلي لعنصر الفوسفور والإنتاج في الولايات المتحدة للمبيدات القائمة على جلاي فوسات أمراً مركزياً للاقتصاد الأمريكي والأمن القومي".

 

وفي الوقت نفسه نشر البيت الأبيض بياناً تفسيرياً يوضح هذا الأمر التنفيذي الذي ربط إنتاج مبيدات جلاي فوسفات بنمو وتعزيز الاقتصاد الوطني والأمن القومي، حيث جاء فيه بأن هذا الأمر التنفيذي ينطلق من قانون "الإنتاج الدفاعي" لعام 1950، فعدم الاستمرار في إنتاج هذا المبيد يعد تهديداً لأمريكا، ويُعرض الأمن القومي والدفاعي الأمريكي للخطر، كما يشتمل التهديد على الأمن الغذائي وتوفير الغذاء للشعب، حيث إن هذا المبيد يعتبر الحجر الأساس للإنتاج الزراعي الواسع والاقتصاد الريفي.

 

ولكن من الواضح أن الأمر التنفيذي ركز كلياً على جانبٍ واحدٍ فقط وهو تحقيق الأمن القومي والأمن الغذائي، أي تناول بعداً واحداً من أبعاد تحقيق التنمية المستدامة، في حين أن هذا الأمر الرئاسي والبيان التفسيري من البيت الأبيض لم يتطرق كلياً، بل وتجاهل الجوانب الأخرى المتعلقة بتحقيق التنمية المستدامة والمتمثلة في المخاطر الصحية والبيئية الواقعية والميدانية التي عانى منها المجتمع الأمريكي نتيجة لتعرضهم لهذه المبيدات التي يدخل في تركيبها جلاي فوسفات. حيث نُشرت الكثير من الدراسات، إضافة إلى تقارير خبراء منظمة الصحة العالمية التي أشارت إلى وجود علاقة بين السرطان وأمراض صحية أخرى وهذا النوع من المبيدات، حيث تأكد أنه يسبب نوعاً محدداً من السرطان يُطلق عليه(non-Hodgkin's lymphoma). وهناك اليوم عشرات الآلاف من القضايا المتراكمة منذ عقود في المحاكم الأمريكية ضد شركة "مونسانتو" منذ عام 2018، وشركة "باير"(Bayer) التي تنتج حالياً هذه المبيدات تحت مسميات تجارية كثيرة من أشهرها "راوند أب"(Roundup) وهو المبيد المستعمل في القضاء على الأعشاب، علماً بأن المادة النشطة والفاعلة في المبيد هي "جلاي فوسات".

 

وعلاوة على عدم تحقيق هذا الأمر التنفيذي للتنمية المستدامة، فإنه يتناقض ويتعارض مع سياسة ترمب نفسه التي رفعها أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، إضافة إلى مبادئ وزارة الصحة، والإتلاف القومي الذي يرفع شعار: "لنجعل أمريكا صحية مرة أخرى" (Make America Healthy Again (MAHA)). وهذا الأمر التنفيذي أثار غضب شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي التي صوتت لترمب على أساس تنفيذ هذا الشعار الصحي في الواقع العملي، فهو يفضل الاعتبارات السياسية الأمنية ودعم مصلحة وازدهار الشركات الصناعية المنتجة لهذه المبيدات على واحد من أهم جوانب تحقيق التنمية المستدامة وهو تعزيز وتحسين الصحة العامة والمهنية لملايين المواطنين الذين يتعرضون لهذه المادة المسرطنة بشكلٍ يومي من خلال السلسلة الغذائية، إضافة إلى صحة البيئة وعناصرها من تربة، وماء، وهواء، وحياة فطرية التي تتسمم نتيجة لرش هذه المبيدات المحتوية على مركب "جلاي فوسات" المسبب للسرطان على الأراضي الزراعية. أي وباختصار لا تحقيق للتنمية المستدامة الشاملة، فهذا الأمر التنفيذي قد يحقق الأمن القومي والأمن الغذائي ولكن في الوقت نفسه يدمر الأمن الصحي للشعب، ويدمر الأمن البيئي لأمريكا.

 

فتاريخ معاناة الشعب الأمريكي مع هذا المبيد طويل جداً، ومستمر منذ عقود، والكثير من الشعب الأمريكي تعرض لأمراض مستعصية مهددة لحياتهم، وعلى رأسها السرطان، مما أضطر "الوكالة الدولية لأبحاث السرطان" إلى إصدار تقرير خاص بهذا المبيد ومادة جلاي فوسات التي تحتويها، حيث صنَّفت فيه "جلاي فوسفات" كمادة مسرطنة محتملة للإنسان ضمن المجموعة 2 أ(Group 2 A).

 

ونظراً لكثرة الشكاوى المرفوعة ضد شركات إنتاج هذا المبيد، والتي بلغت على مستوى الويات المتحدة نحو 100 ألف قضية مرفوعة في المحاكم، فقد دفعت في السنوات الماضية الملايين من الدولارات لتعويض الأضرار التي لحقت بالناس، كما أن شركة "باير" في 17 فبراير 2026 وافقت على تسوية بمبلغ 7.25 بليون دولار لجميع القضايا التي رفعت ضدها في السنوات الماضية، إضافة إلى القضايا التي سترفع مستقبلاً لدفع التعويض المالي لكل من عانى ووقع في شباك المرض، أو سقط ضحية في مصيبة الموت.

 

فهذه الحالة المعقدة والمتشابكة وقعتْ في أكثر دول العالم تطوراً وتقدماً وعلماً بأسس وجوانب التنمية المستدامة، ولكنها بالرغم من علمها وخبراتها المتراكمة إلا أنها فشلت في هذه الحالة في تحقيق التنمية المستدامة الشاملة، بيئياً وصحياً، واقتصادياً، واجتماعياً.