يسعى نتنياهو منذ زمنٍ بعيد إلى الترويج لعقيدة جديدة يُقنع بها الغرب المسيحي عامة، والشعب الأمريكي خاصة، حيث يحاول ربط مصير اليهودية الصهيونية بمصير المسيحية والحضارة الغربية المسيحية المتمثلة في الدول التي معظم شعبها يؤمن بالدين المسيحي، بهدف خبيث وهو شراكة يهودية صهيونية مسيحية بحيث يدافع العالم المسيحي الغربي بصفةٍ خاصة عن "السامية" في كل أنحاء العالم وعن إسرائيل خاصة، ويدعم هذا الكيان الصهيوني عسكرياً، ومالياً، ودبلوماسياً، ولا يسمح أبداً بسقوطه وانهياره.
فهو يصرح دائماً بأن اليهودية الصهيونية تحارب عدواً مشتركاً واحداً، وهذا العدو المشترك يريد أن يستأصل اليهودية كما يعمل على القضاء على المسيحية. وهذا العدو كان يُطلقْ عليه بالإرهاب عموماً في العقد الماضي، والآن بشكلٍ خاص يسميه بمسمى الإسلام الراديكالي. أي أن نتنياهو يريد أن يقنع العالم المسيحي والإسلامي بأنه لا يحارب الدين الإسلامي، ولا يحارب المسلمين، وإنما يحارب نوعاً من المسلمين والإسلام، وهو الإسلام المتطرف، والإسلام المتشدد، والإسلام الإرهابي الراديكالي، ولذلك يدعو إلى "الدين الإبراهيمي"، ويسعى جاهداً منذ سنوات إلى أن يُدخل الدول العربية والإسلامية تحت هذه المظلة، ويضمها تحت هذا المسمى ذوات النوايا السيئة والخبيثة.
فتصريحات نتنياهو، وتصريحات الصهاينة اليهود والأمريكيين وغيرهم من رجال التشريع، والإعلام، والنشطاء السياسيين، أصبحت اليوم متطابقة، وكأن هناك منهجاً دراسياً عاماً يمشون عليه جميعاً، ويقدمون خطاباً واحداً أمام الجميع في وسائل الإعلام، وفي المحافل والاجتماعات حول العالم.
وسأقدم لكم نماذج وأمثلة فقط من هذا التصريحات والخطابات التي لا تعد ولا تحصى. فعلى سبيل المثال، قال نتنياهو في 27 أغسطس 2014 للأمم المتحدة: "لا تنتقدوا إسرائيل، حاربوا الإسلاميين"، كذلك خاطب نتنياهو المسيحيين في جميع أنحاء العالم في 24 ديسمبر 2024 قائلاً: "لقد وقفتم إلى جانبنا بثبات وقوة بينما تدافع إسرائيل عن حضارتنا ضد الوحشية". كما قال في 10 أكتوبر 2025 متحدثاً مع زعيم بريطاني يميني مسيحي متطرف: "بناء جسور قوية للتضامن مع بعض، مكافحة الإرهاب، والدفاع عن الحضارة الغربية"، وقال أيضاً في 8 سبتمبر 2025:"إسرائيل تخوض حرباً شرسة على عدة جبهات ضد الإرهاب".
وتصريحات نتنياهو هذه أسمعُ صداها عند بعض الزعماء والمتنفذين والنشطاء في الغرب، ومنها تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي السابق "مانيول فالس" لصحيفة "جوريزليم بوست" أثناء زيارته لأداء "العمرة" للكيان الصهيوني في 16 يناير 2026 حيث قال: "إذا سقطت إسرائيل، سنسقط نحن، مصير الغرب مرتبط بإسرائيل"، حيث ربط هذا القيادي السياسي الفرنسي مصير فرنسا وأوروبا بمصير إسرائيل لأنها تحارب أعداء مشتركين مع الغرب، وعلى رأسهم الإسلام الراديكالي.
ولكن هذه الادعاءات والافتراءات التي يشيعها نتنياهو لكسب أصوات ودعم الغرب لا تنطلي على بعض مثقفي الغرب وزعمائهم، فما نراه في الواقع من معاملة سيئة وكره مدقع ومتجذر لليهود الصهاينة في إسرائيل للمسيحيين في غزة والضفة الغربية والقدس تؤكد عداء اليهود العميق في عقيدتهم وثقافتهم للمسيحيين. وسأقدم لكم الأدلة على ذلك من خلال ما يحدث اليوم للمسيحيين في القدس، والضفة الغربية، وغزة.
أولاً: هناك عادة وثقافة قديمة عند اليهود تتمثل في البصق على المسيحيين وعلى كنائسهم، وهذه الممارسة البربرية القديمة التي يربون أطفالهم عليها وعلى ممارستها، مازالت موجودة كسلوك وشعيرة دينية يهودية حتى الآن، ويعاني منها كل مسيحي، سواء أكان مواطناً في بلده في المدن الفلسطينية، وبخاصة في القدس أو المدينة القديمة، أو سائحاً وحاجاً للأماكن والمواقع المسيحية التاريخية والمقدسة. ومن هذه الحوادث، مضايقة المسيحيين السياح، والبصق والهجوم عليهم ومضايقتهم في مايو وأكتوبر 2023، والتي نقلتها وسائل الإعلام اليهودية. فقد نشرت صحيفة "هارتس" تحقيقاً في 28 مايو 2023 تحت عنوان: "أكثر من 12 من النشطاء اليمينيين اليهود يحتجون على فاعلية إنجيلية بالقرب من الجدار الغربي"، حيث أكد على إهانة اليهود للمسيحيين، ومضايقتهم، والبصق عليهم، إضافة إلى مهاجمة مرافقهم ومراكزهم الدينية. كما نُشر مقال آخر في صحيفة "جوريزليم بوست" تحت عنوان: "المستوطنون الإسرائيليون، والنشطاء اليمينيون: البصق على المسيحيين عادة يهودية". وهذا المقال عبارة عن تحقيق في شريط الفيديو المتداول في ذلك الوقت ويبين فيه بصق اليهود على المسيحيين في القدس في 4 أكتوبر 2023. كذلك نشر مقال 3 أكتوبر 2023 في شبكة أخبار إسرائيل_فلسطين(Israel-Palestine News) تحت عنوان: "مستوطن مرموق يقول بأن البصق على المسيحيين عادة يهودية قديمة"، وجاء الرد على المقال من أحد زعماء اليهود وهو "إليشا يريد"(Elisha Yered) حيث قال:" عادة البصق بالقرب من الكنائس تقليد يهودي قديم"، كما أن اليهود يعتقدون بأن المسيحيين كفاراً، ويقيمون شعائر مخالفة لشريعتهم ودينهم اليهودي. وفي نوفمبر 2023 بصق جندي إسرائيلي على بعض المسيحيين أثناء احتفال ديني في القدس، كما تم الاعتداء مركز اجتماعي للمارونيين المسيحيين في ديسمبر 2023.
ثانياً: أما النقطة الثانية التي تؤكد عداء وكره وعداء اليهود للمسيحيين عامة، والمسيحيين العرب خاصة فهي الاعتداء الهمجي القاتل على الكنائس الثلاث الموجودة في غزة. ففي غزة توجد ثلاث كنائس متنوعة تمثل كل المذاهب والطوائف المسيحية، فأولها ثالث أقدم كنيسة على وجه الأرض التابعة للأورثوذكس اليونانيين وهي كنيسة القديس برفيريوس(Greek Orthodox Saint Porphyrius) حيث قُصفت بصاروخ وطائرة أمريكية على يد اليهود الصهاينة في 19 أكتوبر 2023 وقتل 18 وجرح الكثير من المسيحيين، وثانيهما مجمع كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية(Roman Catholic Holy Family) التي قُصفت في 17 يوليو 2025 وقتل على الفور 3 وجرح الكثير من المسيحيين، حيث ندد بابا الفاتيكان بالقصف وأبدى حزنه العميق على القتلى، وثالثهما هي الكنيسة المعمدانية أو الكنيسة الأهلية للبروتستانت(Gaza Baptist)التي قُصفت والمستشفى التابع لها في 17 أكتوبر 2023 وقتل المئات بسبب هذه المجزرة الوحشية.
وقد كتبتْ الصحف الإسرائيلية العديد من التحقيقات والمقالات عن المسيحيين في غزة خاصة ومعاناتهم كغيرهم أثناء الحرب دون تمييز أو اعتبار خاص، ومنها التحقيق في صحيفة "هارتس" في 4 يناير 2026 تحت عنوان: "المجتمع المسيحي الصغير في غزة يكافح من أجل البقاء بعد الحرب". فيشير التحقيق إلى عدد المسيحيين في غزة قبل 7 أكتوبر 2023 والذي كان قرابة 1017 مسيحياً، واليوم نحو 600، قُتل منهم أثناء الحرب ما بين 30 إلى 44، ومعظمهم كانوا يتعبدون في كنائسهم.
فمما سبق نؤكد زيف عقيدة نتنياهو الفاسدة التي يتاجر بها ويريد تسويقها لجمع كل القوى لمحاربة الدين الإسلامي تحت عنوان محاربة الإسلام الراديكالي، ومحاولته البائسة للشراكة مع المسيحيين واستقطابهم للعمل معه في تنفيذ خطته الشريرة وحماية كيانه الهش والزائل بإذن الله تعالى.