الغرب عامة، والصهاينة
خاصة في ورطة كبيرة وحرج شديد الآن، فكيف يوفقون بين معاداة السامية من جهة،
ومعاداة الإسلام، أو "الإسلاموفوبيا" من جهة أخرى. فهم بدعوتهم العالم
إلى معادة السامية يوهمون الناس بأنهم بهذه الدعوة يمنعون التمييز بين البشر،
والتفريق بين الإنسان، ويمنعون الكراهية بين الناس على أساس الدين، أو العرق، أو
اللون.
ولذلك نجحت جهودهم
الشيطانية الحثيثة باستخدام كافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية، والأدوات غير
الأخلاقية وغير الإنسانية، وتمكنوا من تحريم وتجريم كل من يعادي السامية، سواء
بكلمةٍ بريئة ضد اليهود، أو انتقاد عفوي لممارسات بعض اليهود، أو فعل بسيط ضدهم.
كما أنهم بعد نجاحهم الباهر في هذه القضية، تشجعوا في الانتقال إلى مرحلة جديدة
ثانية وهي تجريم معاداة الصهيونية، أي أنهم تعمدوا إلى خلط المصطلحات والمفاهيم
والفروقات الموجودة بين اليهودية والصهيونية التي لها أطماع توسعية، وأهداف
استعمارية، ومرامي خبيثة للسيطرة على العالم أجمع، اقتصادياً، وأمنياً،
واجتماعياً. ولم يكتف الصهاينة بهذا، وإنما انتقلوا إلى المرحلة الثالثة من خططهم
الجهنمية وهي جعل معاداة إسرائيل وانتقاد جيشها خطاً أحمر لا يجوز تجاوزهم من
الأفراد، أو الجامعات، أو الحكومات، أو منظمات وهيئات الأمم المتحدة، فلا حرية رأي
ولا تعبير تنطبق عليهم، ولا حرية فكر وتعددية ثقافية، وبذلك وضعوا اليهود
والصهاينة وهذه الدولة اللقيطة فوق القانون الدولي، وخارج نطاق المساءلة، وبعيد عن
جغرافية المحاسبة والعقاب، فلا يجرؤ أحد على مساس شعرة منها، حتى ولو ارتكبت جرائم
الإبادة الشاملة للبشر، والشجر، والحجر، كما هو الحال اليوم في غزة.
ولكن منذ سنوات قليلة ظهرت قضية أخرى تنافس
معاداة السامية والصهيونية، وتسبب لهم خوفاً وقلقاً شديدين، فاليهود شعب الله
المختار، وهم في نظرهم الوحيدين في العالم الذين لا يحق لأحد على وجه الأرض
معاداتهم، وانتقادهم، وإبداء الرأي حولهم، أو توجيه اللوم والعتاب لهم مهما كانت
الحادثة، وهذه القضية المنافسة القوية لهم هي معاداة الإسلام، وإبداء الكراهية
والتعصب والتحيز تجاه المسلمين.
فقد بدأ المسلمون،
وبخاصة في الغرب الدعوة إليها، والعمل على سن تشريعات مماثلة لتشريعات معاداة
السامية، فتمنع الجميع من معاداة الإسلام والمسلمين، وإظهار الكره والعداء لهم،
والتمييز ضدهم، وبخاصة بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة
الأمريكية التي ولَّعت شرارة غربية عمياء غير متبصرة وغير عقلانية، ومليئة بالحقد
والكراهية العشوائية تجاه الإسلام والمسلمين. كما أن هذه الشرارة انتقلت وانتشرت
أيضاً في دول غربية محددة بعد أن سيطر على مفاصل الحكم فيها اليمين المسيحي
المتطرف والمتشدد، الذي أعلن صراحة كرهه للمهاجرين والأديان والأعراق الأخرى، وفاز
في الانتخابات العامة على أساس هذه السياسة المتطرفة ضد الأقليات. وقد نُشرت
الكثير من التقارير في أمريكا لسبر غور ظاهرة الإسلاموفوبيا ومعرفة أسبابها
ومصادرها منها التقرير (Fear, Inc.) المنشور من "مركز التقدم الأمريكي" في عام 2011 تحت عنوان: "جذور شبكة
الإسلاموفوبيا في أمريكا"، حيث أكد على وجود مؤسسات تنفق الملايين لتشويه
سمعة وصورة الإسلام، كما صدر عن المركز نفسه تقريراً (Fear, Inc. 2) في 11
فبراير 2015 تحت عنوان: "جهود شبكة الإسلاموفوبيا لصناعة الكراهية في
أمريكا"، حيث بين المعلومات المضللة التي تنشر عن الإسلام والمسلمين في
أمريكا.
وفي بريطانيا خاصة
تكاثفت الجهود حول هذه الظاهرة المجتمعية، فتم تقديم عدة تعريفات لمعاداة الإسلام،
أو الإسلاموفوبيا، أو الخوف من الإسلام. فمن الوثائق الأولى التي تناولت مصطلح الإسلاموفوبيا كان تقرير (Runnymede
Trust) المنشور من
وزارة الداخلية البريطانية في نوفمبر 1997، تحت عنوان: "الإسلاموفوبيا: تحدي
لنا جميعاً". وقد قدَّم التقرير التعريف التالي: "عداء لا أساس له من
الصحة ضد الإسلام، والتمييز ضد المسلمين والمجتمعات الإسلامية، واستبعاد المسلمين
من الشؤون السياسة والاجتماعية العامة"، ثم تمت مراجعة التقرير نفسه عام
2017، حيث قدم تعريفين للإسلاموفوبيا، وأهم تعريف كان: "العنصرية ضد
المسلمين، كتفكير عنصري وليس ديني".
كذلك نشرت "المجموعة البريطانية المسلمة في البرلمان" تعريفاً في
عام 2018 هو: "الإسلاموفوبيا متجذرة في العنصرية، وهي نوع من العنصرية التي
تستهدف تعبيرات الإسلام، أو ما يُتصور أنه إسلام"، وهو تعريف تبنته بعض
الجهات الرسمية، مثل السلطات المحلية، والجامعات، وحزب العمال، ولكن حكومة
المحافظين في تلك الفترة رفضت التعريف، كما رفضتها الحكومة العمالية الحالية. وعلاوة
على ذلك هناك تعريف مقدم من الباحث "ممنون خان" في الكتاب الذي نشره في
مايو 2025 تحت عنوان: "تعريف الإسلاموفوبيا"، حيث قال إنه: "الخوف
غير العقلاني، والعداوة، أو التحيز تجاه المسلمين مما يؤدي إلى التمييز، والتعامل
غير المتساوي، والاقصاء، والتهميش الاجتماعي والسياسي، أو العنف". كما نُشر
كتاب تحت عنوان: "كتاب روتلدج الدولي حول الإسلاموفوبيا" في 11 فبراير
2025، وتناول هذه الظاهرة من خلال دراسات وأبحاث علمية من العلماء المختصين في
كافة المجالات الاجتماعية، والدينية، والقانونية، والسياسية.
فنظراً لعدم عدم وجود إجماع حول تعريف الإسلاموفوبيا،
اضطر نائبة رئيس الوزراء البريطاني "أنجيلا راينر" إلى تشكيل فريق عمل
في مارس 2025 برئاسة "دومينيك جريف"، لتقديم تعريف أكثر قبولاً عند
البريطانيين، ويعكس مواقف وآراء معظم أعضاء البرلمان، ويوازن بين عدة قضايا هي
حماية المسلمين، وحرية الأديان، وحرية التعبير، والتجمعات، وأن يكون واضحاً
للجميع.
ولكن هذه الخطوة الحكومية أيقظت الصهاينة، وعكرت عليهم
صفو حياتهم، وأزعجتهم كثيراً، وخلقت لهم معركة جديدة، ومنافساً قوياً، فقد استغلوا
لعقود طويلة معاداة السامية أكثر وأبشع استغلال في منع وتكتيم الأفواه ضدهم،
وتجريم كل من ينتقدهم، فكانت حكراً لهم فقط. ولكن اليوم ظهر معاداة الإسلام كظاهرة
أخرى بدأت تنتشر في الغرب، وهي ظاهرة الكراهية للآخرين التي كان اليهود يدُعون إلى
منعها. ولذلك قام الصهاينة بإعداد وتجنيد كل القوى في كافة القطاعات، وتحذير
الحكومة البريطانية من تقديم أي تعريف شرعي نابع من البرلمان للإسلاموفوبيا، كما
يخوفون الآن الشعب الغربي بأن هذا يعني منع حرية الرأي والتعبير، ويتصادم مع هذا
المبدأ الغربي الأساسي. وقد نَشرت الصحف والمجلات عدة مقالات منها المقال المنشور
في مجلة "التايم" البريطانية في 17 يوليو 2025 تحت عنوان: "القيام
بتعريف الإسلاموفوبيا قد يحث الجامعات على الحد من حرية التعبير"، إضافة إلى
المقال في مجلة أكاديمية هي "المحادثة" (The Conversation) في 15 يوليو 2025 تحت عنوان: "لماذا من الصعوبة في تعريف
الإسلاموفوبيا؟".
ومن جانب آخر هناك صراع من
نوع آخر في الجامعات الأسترالية حول تعريف معاداة السامية من جهة ومعاداة الإسلام،
أو الإسلاموفوبيا من جهة أخرى. فالمنظمات
الإسلامية والمجموعات المؤيدة لفلسطين تدعو إلى تعريف موحد ضد العنصرية والكراهية
عامة يخص جميع الأديان، والأعراق، والألوان، وليس تعريفاً خاصاً فقط بمعاداة
السامية، وتعريف آخر لمعاداة الإسلام، حتى لا يشكل غطاءً شرعياً فقط للصهاينة،
فيمنع حرية الرأي والتعبير والانتقاد لليهود والكيان الصهيوني، حسب المقال المنشور
في صحيفة الجارديان البريطانية المنشور في 27 مارس 2025 تحت عنوان: "المجموعات
الإسلامية ترفض تعريفاً جديداً للإسلاموفوبيا في الجامعات الأسترالية".
فالمطلوب إذن حسب القوى المؤيدة لفلسطين تحديد معيار مشترك عام يرفض كل أشكال
العنصرية والتمييز بين البشر، ويمنع ازدواجية المعايير، أي وضع تعريف واحد يخص
جميع الأديان، والأعراق، والألوان، وليس واحداً لليهود، وآخر للمسلمين، وهكذا.