الخميس، 19 فبراير 2026

هل هناك أجسام فضائية؟


نَسينا منذ سنوات قصة الكائنات، والسفن، والأجسام الفضائية حتى أصبحت من شؤون الماضي البعيد، واليوم يُحي الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما هذه القصة من جديد، حيث يفجر هذه القنبلة الموقوتة المغلقة والتي هي في غاية السرية منذ أكثر من قرن، ويذَكِّر العالم بها فيؤكد بوجودها وأنها "حقيقية"، ثم لم تلبث ساعات قصيرة على تصريحه إلا ويناقض نفسه، وينكر ما قاله مغيراً تصريحاته!

فيا ليته لم يقل شيئاً، ويا ليته لم يُدل بأي تصريح حول هذه القصة الغريبة المجهولة، فقد أصبحت القصة الآن أكثر غموضاً، وأشد تعقيداً، وكأنها تشير إلى حقيقةْ نظرية المؤامرة التي يشيعها الكثير من الناس، أو السرية التامة التي تحوم حول هذه القصة منذ عقود.

فالرئيس أوباما حَكَمَ الولايات المتحدة لفترتين رئاسيتين من عام 2009 إلى 2013، وفي 14 فبراير 2026 أُجريتْ معه مقابلة مباشرة، حيث وُجه له سؤال حول حقيقة وواقعية الأجسام والكائنات الفضائية الغازية، وهل هي بالفعل موجودة أم لا؟ فقد كانت الإجابة واضحة جداً، ولا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، حيث قال بأن الكائنات الفضائية(Aliens): "حقيقية، ولكن لم أرَهَا"، أي أنها أمر واقع وموجود في مكان ما في الفضاء الشاسع العظيم، وأنها ليست نظرية مؤامرة، وخيال علمي لا سند له من الواقع، ومن الأدلة العلمية الموثوقة. ولا شك بأن رئيس أمريكا وهو من المفروض أن يكون مطلعاً على كل الأسرار الخاصة والعسكرية، وبخاصة أنه اعتلى عرش البيت الأبيض لفترة 8 سنوات، فإن ما يصرح به سيكون هو الحقيقة. ولكن سرعان ما انقلب التصريح، وتغير الرأي، ففي أقل من 24 ساعة نشر أوباما بياناً على "الإنستجرام" قال فيه: "من الناحية الإحصائية، الكون واسع جداً لدرجة أن احتمالات وجود حياة فيه كبيرة...ولكن احتمالية زيارة الكائنات الفضائية لنا ضئيلة، وأنا لم أر دليلاً خلال فترة رئاستي بأن هذه الكائنات الفضائية قد اتصلت بنا".

فهل هذا التغيير في الرأي جاء نتيجة لضغوط سياسية وعسكرية مُورست عليه من الحكومة الأمريكية اضطرته إلى تقديم تصور آخر لهذه الكائنات والأجسام الفضائية، أم أن تعبيره في المقابلة عن هذه القصة لم يكون دقيقاً؟

على كلٍ، مهما كان السبب فإن هذه القصة محل اهتمام كبير عند الشعب الأمريكي خاصة، وشعوب العالم عامة، كما أن الشعب الأمريكي يتابع هذه القصة الفضائية منذ زمنٍ بعيدٍ جداً، ويعتقد بأن الحكومات الأمريكية المتعاقبة تخفي أسرار هذه القصة ولا تقدم الحقائق للشعب الأمريكي، ويدعو إلى المزيد من الشفافية وتقديم المعلومات الصحيحة، مما انعكس هذا الاهتمام والمتابعة على جلسات الكونجرس الأمريكي، حيث عقد عدة جلسات استماع للتعرف عن كثب على تفاصيل، وخفايا، وأسرار هذه القصة.  

فآخر جلسة استماع للكونجرس للجنة الفرعية للرقابة في مجلس النواب كانت في 9 سبتمبر 2025 تحت عنوان: "الأجسام الطائرة غير المعروفة" أو "الظواهر الغريبة غير المعروفة والمجهولة"( Unidentified Anomalous Phenomena, UFOs)، بهدف التعرف على آخر المعلومات من وزارة الحرب، وتقديم التقارير حول هذه القصة. وقد استمع أعضاء مجلس النواب إلى شهادة أربعة أفراد ادعوا بأنهم شاهدوا مثل هذه الأجسام أو الكائنات، ولكن هذه الجلسة لم تخرج بأية استنتاجات، أو توصيات مهمة.

كما عَقدَ الكونجرس جلسة استماع سابقة في 17 مايو 2022، طرح فيها موضوع الظواهر المجهولة. كذلك أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية، وهي "الإدارة القومية للملاحة الجوية والفضاء"(National Aeronautics and Space Administration)، في التاسع من يونيو 2022 بأنها قد شكلت فريق علمي مستقل لدراسة هذه الظاهرة، حيث سيهتم الفريق في البحث في جميع الظواهر السماوية غير المعروفة وغير المحددة، أي الظواهر غير الطبيعية، وغير المألوفة، والتي لا توجد لها تفسيرات علمية موثقة، ولا يوجد دليل حسي دامغ عليها. ولذلك تَتَحدد مهمة الفريق في عدة أعمال، منها حصر المعلومات المتوافرة حتى الآن من كافة الجهات المدنية والعسكرية والأمنية من القطاعات الحكومية الرسمية، ومن منظمات وجمعيات المجتمع المدني ومن الشركات الخاصة، ثم جمع وتحليل كافة النظريات المطروحة حول هذه الظواهر الفضائية، وأخيراً اتباع المنهج العلمي في تحليل وتقييم كل هذه المعلومات، وتحديد مدى مصداقيتها وثقتها، وطرح الاستنتاجات التي تتمخض عنها.

وبعد أن انتهى الفريق من إعداد التقرير، قامت ناسا بنشره في 14 سبتمبر 2023، ونظمت مؤتمراً صحفياً في العاصمة واشنطن دي سي، عُرضت فيه أهم الاستنتاجات التي تمخضت عن الدراسة. فقد قال رئيس الفريق "من المهم توضيحه بناءً على النتائج الحالية بأننا لم نجد أية أدلة تفيد بأن المظاهر المجهولة والغريبة مصدرها كائنات ومخلوقات فضائية خارج حدود كوكبنا"، كما أضاف قائلاً: "تركيزنا سيكون على فهم الظاهرة بغض النظر عن مصدرها". كذلك توصل التقرير إلى عدة استنتاجات منها بأنه: "لا يوجد دليل بأن هذه الظواهر الفضائية المجهولة مصدرها من خارج كوكبنا، وأن هناك بعض المظاهر التي لا يمكن تفسيرها حتى الآن"، كما استنتج التقرير بأنه: " في الآونة الأخيرة، أفاد العديد من الشهود الموثوقين، وغالباً ما يكونون طيارين عسكريين، أنهم شاهدواً أجساماً لم يتعرفوا عليها فوق المجال الجوي الأمريكي، ومعظم هذه الأجسام تم التعرف عليها، باستثناء القليل منها التي لم يمكن فوراً تحديد هويتها كأجسام من صنع الإنسان أو مظاهر طبيعية". ولذلك أوصت الدراسة بأن: "هناك حاجة لإجراء أبحاث علمية لسبر غور هذه المظاهر"، واختتم التقرير بهذه العبارة: "الدعوات غير العادية تحتاج إلى أدلة غير عادية". وأما مدير ناسا بيل نيلسون فقد قال بأن: "ناسا ستبحث عن المجهول في الهواء والفضاء"، "وهناك الكثير للتعلم". كما تساءل مدير ناسا قائلاً: "هل أعتقدُ أن هناك حياة في كون شاسع لدرجة أنه من الصعب علي فهم حجمه؟ جوابي الشخصي هو: "نعم". كذلك قال بيل نيلسون: "نريد تحويل الحديث حول هذه المظاهر المجهولة من الإثارة إلى العلم"، حيث أعلن عن تعيين مدير في ناسا للبرنامج الاستكشافي البحثي الجديد الذي يحمل مسمى: "البحث عن كائنات فضائية خارجية ذكية"( The Search for Extraterrestrial Intelligence). كما أكد في الوقت نفسه بأن التعامل مع هذه الظواهر المجهولة لن يكون أمنياً فحسب، وإنما يتبع المنهج العلمي المستند على الموضوعية، والاستقلالية، والشفافية، والأدوات العلمية الموثقة، ويكون الشعب الأمريكي والعالم أجمع على علم بكل أبحاثنا والنتائج التي نحصل عليها.

وخلاصة القول لا توجد أدلة علمية رسمية ومعلنة تؤكد وجود أو نفي هذه الكائنات والأجسام والظواهر الغريبة والمجهولة غير المعروفة، ولكن قد تكون هناك معلومات سرية جداً لا تنشرها أمريكا، وبالتحديد في موقع سري ومحظور الدخول فيه كلياً ويمنع الطيران فوقه، ويُطلق عليه المنطقة 51، وأشار إليه أوباما في بيانه بعد أن رُفعت السرية عنها. وهي قاعدة القوات الجوية الأمريكية التي تأسست عام 1950 منذ الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي كموقع للتدريب وإجراء التجارب السرية الخاصة والمتقدمة جداً والتدريبات العسكرية، وتوجد في صحراء ولاية نيفادا على بعد نحو 135 كيلومتراً من مدينة لاس فيجاس. وهذا الموقع الشديد السرية والخصوصية بالتحديد يثير شكوك الكثير من الأمريكيين وغير الأمريكيين، فلا يعلم أحد ما يدور فيه من تجارب، وما يحتويه من أسرار قد تكون لها علاقة بالأجسام الفضائية. 

الاثنين، 16 فبراير 2026

التغير المناخي يدخل مرحلة الموت السريري

 

عندما انسحب ترمب في الفترة الأولى من رئاسته من اتفاقية التغير المناخي الدولية في 1 يونيو 2017، أدخل فوراً قضية التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها إلى غرفة الإنعاش والعناية المركزة، حيث تم مباشرة وضع الأجهزة والمعدات الطبية على جسمه العليل، وإعطائه الأدوية اللازمة لإبقائه حياً ينبض بالحياة. فخروج الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية التغير المناخي، وأي اتفاقية ومعاهدة دولية له تأثير عقيم على مخرجات هذه المعاهدة، وله دور فاعل في تأخير وشل تنفيذه على المستوى الدولي.

 

فالنسبة للتغير المناخي فالولايات المتحدة تُعد تاريخياً المسبب الأول لوقوع هذه الظاهرة الدولية المشتركة التي تخص كل دولة، وكل إنسان يعيش على سطح كوكبنا. فمعظم انبعاثات الملوثات التي أحدثت التغير المناخي للأرض، فرفعتْ حرارة كوكبنا، وزادت من ارتفاع مستوى سطح البحر ونزول الفيضانات والأعاصير وموجات الحر، هي من أرض أمريكا على مدى أكثر من قرن ونصف القرن وبشكل مستمر لم يتوقف دقيقة واحدة. فالانبعاثات للغازات المتهمة بسخونة الأرض انطلقت من مصانعها التي لا تعد ولا تحصى، ومن محطاتها المتناثرة لتوليد الكهرباء، ومن عمليات البحث والتنقيب واستخراج كافة أنواع الوقود الأحفوري، وأخيراً من وسائل المواصلات. ولذلك انسحاب أمريكا يعني ضعف قدرة دول العالم الأخرى على مواجهة هذا التحدي العصري العظيم، وعدم فاعلية أي حل وعلاج لهذه الأزمة الخانقة لعدم وجود أمريكا ضمن جهود الحل.

 

ولكن بعد أن اعْتَلى جو بايدن عرش البيت الأبيض، سارع في 19 فبراير 2021 إلى إعادة انضمام الولايات المتحدة إلى الحظيرة الدولية الخاصة بالتغير المناخي، مما أرجع الروح والحياة مرة ثانية للجهود الدولية لتصدي للتغير المناخي، فأخرج هذه القضية العامة من غرفة الإنعاش وحالة الطوارئ القصوى التي كان يعاني منها.

 

وهذه الحالة الصحية للتغير المناخي لم تدم طويلاً، ولم يكتب لها الاستقرار، فتدهورت صحتها بشكلٍ أكبر من قبل، مما جعلها تدخل في مرحلة الموت السريري، وبالتحديد بعد فوز ترمب في الانتخابات الرئاسية وانسحابه للمرة الثانية من اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2014 في 20 يناير 2025.

 

وفي تقديري فإن هذه المرحلة الخطيرة للموت السريري والمهددة لحياة التغير المناخي، ستدخل بُعَيد سنوات، ومع استمرار بقاء ترمب في الحكم سينتقل التغير المناخي إلى آخر مرحلة للحياة، وهي الموت الدماغي، وأخيراً الموت البيولوجي المعروف، والذي يؤدي إلى نقله إلى مثواه الأخير للدفن تحت الثرى.

 

وهناك العديد من السياسات، والمؤشرات والعلامات التي أراها أمامي الآن، وأشهدها في جسم التغير المناخي المنهك والضعيف الذي يعاني منذ أكثر من 30 عاماً على المستويين الدولي والاتحادي الأمريكي. فترمب منذ ولايته الأولى وصف التغير المناخي بأنه "خدعة" وشكك في وقوعه، والآن يعمل بشكلٍ ممنهج ومتسارع على كافة المستويات لاستئصال كل الجهود التي تصب في مكافحة التغير المناخي في الولايات المتحدة.

 

أما المؤشر الأول فيكمن في التشريعات المتعلقة بالتغير المناخي وخفض انبعاثات غازات الدفيئة من مصادرها المختلفة إلى الهواء الجوي. ففي 12 فبراير 2026 أعلن ترمب اعلاناً تاريخياً ألغى فيه حقيقة علمية واجماعاً دولياً حول تداعيات التغير المناخي كان موجوداً منذ عام 2009، وبالتحديد في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. وهذه الحقيقة أُطلق عليها "استنتاج تعريض الآخرين للخطر"(endangerment finding)، حيث أكدت هذه الحقيقة وبعد جهود ماراثونية قضائية وصلت إلى أعلى سلطة قضائية في أمريكا هي المحكمة العليا بأن الغازات المنبعثة من المصانع والسيارات، مثل ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان وأربعة غازات أخرى هي غازات الدفيئة أو الاحتباس الحراري وهي المتهمة في وقوع ظاهرة التغير المناخي وتؤدي إلى سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وهذه الحرارة المرتفعة للأرض لها تداعيات سلبية على صحة البشر، فهي تسبب لهم الأمراض المزمنة والخطيرة. ولذلك كان هذا الاستنتاج العملي هو حجر الأساس لبناء سياسة مناخية للولايات المتحدة الأمريكية مدعمة ومنبثقة منها تشريعات ومواصفات ومعايير بيئية تُخفض من انبعاث هذا الملوثات المناخية إلى الهواء الجوي. فمع إعلان ترمب الأخير بإلغاء هذه الحقيقة، تم الغاء جميع الأنظمة والمواصفات البيئية التي تقنن انبعاث الملوثات التي ترفع حرارة الأرض من السيارات، والشاحنات، ومحطات توليد الكهرباء. 

 

وأما المؤشر الثاني فهو مواصلة الاعتماد على الوقود الأحفوري في تشغيل المصانع وتوليد الطاقة، وبخاصة الفحم والنفط، وضخ الأموال للاستثمار فيهما، إضافة إلى تهميش مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ففي 11 فبراير 2022 أعلن ترمب وقوفه بجانب صناعة الفحم، وأعطى الضوء الأخضر لتخصيص دعم مالي حكومي لقطاع الفحم، كما وجه وزارة الحرب والطاقة إلى شراء الكهرباء من محطات للطاقة تعمل بالفحم. وعلاوة على ذلك فقد شجع المستثمرين في 13 فبراير في كلمة ألقاها في البيت الأبيض وجميع المعنيين في قطاع استخراج الوقود الأحفوري، وبالتحديد النفط والغاز للاستثمار في فنزويلا.

 

وأما المؤشر الثالث فهو في قطاع المعلوماتية من حيث تغيير المفاهيم والحقائق العلمية المعروفة، ونشر المعلومات المضللة حول الحقائق المتعلقة بالتغير المناخي، ومحاولة التشكيك في الاجماع الدولي حول دور الإنسان وعملياته التنموية في وقوع التغير المناخي وسخونة الأرض. ومن أجل إعطاء البعد العملي المنهجي لعملية التضليل والتشكيك فقد عيَّن وزير الطاقة "كريس رايت" مجموعة عمل مناخية لإصدار تقرير "علمي" حول التغير المناخي تحت عنوان: "مراجعة نقدية لتأثيرات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مناخ الولايات المتحدة"، حيث استنتج بأن هناك مبالغات كثيرة في القضايا المتعلقة بدور الإنسان في وقوع التغير المناخي، إضافة إلى دور الملوثات المناخية في تهديد الصحة العامة للخطر. ولكن هذا التقرير جاء الرد عليه من 85 خبيراً أمريكياً في 30 أغسطس 2025 تحت عنوان: "مراجعة خبراء المناخ على تقرير مجموعة العمل المناخية التابعة لوزارة الطاقة".

 

فكل هذه المؤشرات والعلامات التي تحدث الآن في أمريكا تجعلنا أقتنع بأن قضية التغير المناخي ستنتهي في أمريكا، وستموت مرحلياً، وستدفن تحت الأرض، وبخاصة خلال الثلاث سنوات القادمة.

 

الخميس، 12 فبراير 2026

التيك توك يُوقعك في شِباك الإدمان


هناك حقيقة قديمة ومتجددة يجب أن يعلمها الجميع ويقتنع بواقعيتها كل إنسان، وهي أن الشركات العملاقة هدفها الوحيد، وهمها الرئيس هو الربح السريع وكنز وتجميع الثروة الكبيرة حتى ولو كانت على حساب أي شيء آخر. فهذه الشركات بوصلتها متجهة كلياً نحو المال، فلا ترقب في أحدٍ إلاً ولا ذمة، فلا تؤمن بالقيَّم الإنسانية، ولا تعتقد بالمبادئ البشرية، فلا ضوابط أخلاقية تحكُمها، ولا نظم إنسانية راقية تمشي عليها. فكم شركة صناعية هَدَمت البيئة الإنسانية والطبيعية، فلوثت الهواء والماء نوعاً وكماً، وأفسدت التربة، وتسببتْ في وقوع مظاهر بيئية كارثية في السماء الدنيا والسماء العليا والفضاء الواسع الشاسع، فأودت بحياة الكثير من البشر، وأسقطتهم بين جريح ومريض وصريع دفنوا تحت الثرى.

 

واليوم تأتي الشركات العملاقة في مجال التقنية الرقمية وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي فتسير على نهج وخطى المصانع الكيميائية ومحطات توليد الطاقة، فتُلوث مكونات البيئة من جهة، وتلوث فكر وعقل الإنسان من جهة أخرى، وبخاصة الصحة النفسية والعقلية للأطفال، والمراهقين، والشباب، وتلقى بهم في غياهب الإدمان والاعتماد الكلي على استخدامها. ومعظم هذه التقنيات التي يكب الناس على استعمالها، وبالتحديد الأطفال، مُصممة في جوهرها وبشكلٍ متعمد من قبل عقول شياطين الإنس الذين يديرون هذه الشركات لتطويع عقل ونفسية المستخدم ليتحول إلى عبدٍ ذليل لها لا يستغني عنها، فلا يستطيع أن يفارقها ليلاً أو نهاراً، ويستعملها طوال اليوم ولسنوات طويلة حتى يقع ضحية سهلة لهذه التقنية المفترسة والفاسدة، فتزيد عندئذٍ أرباح شركاتهم، وتتراكم وتتجمع ثرواتهم على حساب صحة فلذات أكبادنا.

 

ومن هذه التطبيقات التقنية الرقمية في شبكات وسائل التواصل الاجتماعي، ومن منصاتها المشهورة الواسعة الانتشار حول العالم والتي بدأت تفوح منها رائحة نتنة وكريهة انتشرت في أعماق المجتمعات، وشعر بها الناس والعلماء خاصة هي "تيك توك".

 

ففي السادس من فبراير 2026 نشر الاتحاد الأوروبي تقريراً مفصلاً استغرق عامين منذ فبراير 2024 من التحقيق والدراسة الميدانية، إضافة إلى دراسة ظاهرة جديدة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي يُطلق عليها "تأثير جُحر الأرنب"(rabbit hole effect). وقد توصل التقرير الأولي إلى عدة استنتاجات خطيرة ومهمة جداً، منها أن هذا التقرير العملي المعمق والشامل اتهم شركة تيك توك بأنها صَمَّمتْ برامجها بشكلٍ متعمد ومقصود سلفاً لتُسقط المستخدم في الإدمان عليها (addictive design)، كما أن "نموذج العمل" (business model) للشركة هو العمل على إبقاء الفرد مع المنصة ساعات طويلة من اليوم والليلة، فيستغرق جل وقته من الليل، وبخاصة عند الأطفال والمراهقين مع تيك توك، فيسهرون معه ومع محتواه من فيديوهات متواصلة لا تنتهي. فالشركة تعمل بشكل ممنهج وخبيث على إيقاع فلذات أكبادنا في الإدمان.

 

وهناك عدة خصائص ومميزات موجودة في منصة تيك توك تحقق هدف الإدمان، مثل "التشغيل التلقائي"(autoplay)، و "التمرير اللانهائي"(infinite scroll). فمثل هذه المميزات الفاسدة والمدمرة للعقل والنفس هي التي تجعل المستخدم ينزلق في "جحر الأرنب" ولا يستطيع الخروج منه بسهولة ويسر وبإرادته الذاتية، مما يجعله يقضي ويضيع ساعات طويلة من وقته أمام تيك توك ومحتوياته الفاسدة للعقل والنفس. فهذا التدفق المستمر وغير المتوقف للمحتوى على تيك توك، مثل الفيديو وغيره يجعل مخ ودماغ المستخدمين في حالة ووضع التشغيل التلقائي والآلي، أي لا سيطرة على المخ في ما يقوم به، مما يؤدي إلى ظهور سلوكيات القهري اللاإرادي للمستخدم، فيقوم بتكرار أفعال غير مرغوب فيها بشكل مفرط وغير اعتيادي ولا يمكن التحكم فيه.

 

كذلك من استنتاجات تقرير الاتحاد الأوروبي هو الأضرار التي تُلحقها هذه المنصة على المستخدمين، وبخاصة من الأطفال، والمراهقين، والشباب حيث يقضون نحو 5 ساعات يومياً أمام تك توك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي مما يترك بصمة قوية متجذرة في صحتهم العقلية والنفسية، كما تنعكس عليهم من الناحية الاجتماعية من العزلة والابتعاد عن الأسرة والمجتمع.

 

ونظراً لأهمية هذا التقرير على الأمن الصحي لهذا الجيل من الأطفال خاصة، والأجيال القادمة عامة، فقد أعلنت المفوضية الأوروبية وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي في التاسع من فبراير عن فتح تحقيق داخلي رسمي لتقييم استنتاجات هذا التقرير الأولى، وما إذا قامت شركة تك توك بمخالفة القانون في سلامة وأمن الاستخدام، وبالتحديد قانون "الخدمات الرقمية"(Digital Services Act) لعام 2022 الذي يلزم شركات وسائل التواصل الاجتماعي على حماية الأمن الصحي للمستخدم. كما حذرت المفوضية الأوروبية تيك توك على ضرورة إحداث تغيير في برامج تشغيل المنصة لمواجهة جميع التهديدات التي تصاحب استخدامها، وإذا لم تقم بالتغيرات اللازمة، فستواجه غرامات مالية تصل إلى 6% من إيراداتها السنوية على المستوى الدولي.

 

فهذا المثال العملي الخاص بالتأثيرات الخطرة والفاسدة لمنصة تيك توك على الصحة الجسدية، والعقلية، والنفسية للأجيال الحالية والمستقبلية ينطبق بدرجات متفاوتة على باقي وسائل التواصل الاجتماعي. فهناك إجماع عند العلماء المختصين، وعند رجال التشريع والسياسة وحكومات العالم بأن شبكة التواصل الاجتماعي تهدد سلامة وأمن جميع المستخدمين، وبخاصة الصغار في السن، مما يحتم ضرورة تقنين هذه الوسائل من مناحي كثيرة، منها عمر المستخدم، ومحتوى هذه الوسائل، والساعات التي يقضيها الفرد أمامها، وإذا لم نُنظم هذه العملية فسيكون إثم ومفاسد هذه الوسائل أكثر من نفعها، وضررها أكبر من فوائدها.

 

 

الأحد، 8 فبراير 2026

وصفة وقائية وعلاجية للصحة المستدامة

 

أكبر وآخر دراسة شاملة حول أسباب الإصابة بالسرطان نُشرت في 3 فبراير 2026 في مجلة (Nature Medicine) تحت عنوان: " العبء العالمي والإقليمي للسرطان الذي يُعزى إلى عوامل الخطر القابلة للمنع، وذلك لتعميق جهود الوقاية"، وخلصتْ الدراسة التي غطت 36 نوعاً من السرطان في 185 دولة حول العالم إلى أن قرابة 40%، أي نحو 7.5 مليون من حالات السقوط في فخ السرطان يمكن منعها وتجنبها من قبل الفرد نفسه عن طريق القيام بإجراء تغييرات بسيطة وغير مكلفة في نمط الحياة، والممارسات والعادات التي يقوم بها. فقد أفادت هذه الدراسة الجامعة بأن هناك 30 عاملاً وسبباً يزيدون من مخاطر التعرض لهذا المرض العضال، وعلى رأس القائمة وفي المرتبة الأولى التدخين بكل أنواعه من السجائر التقليدية المعروفة أو السجائر الإلكترونية، وثانياً شرب الخمر، حتى ولو كان قليلاً، وثالثاً البدانة والوزن الزائد، وفي المرتبة الرابعة في قائمة العوامل المسببة للسرطان هي عدم ممارسة الرياضة والتمارين العضلية، وفي المرتبة الخامسة تلوث الهواء والتعرض للسموم في الهواء الجوي، كذلك هناك العامل الغذائي من ناحية النوعية والكمية وعلاقته بالسرطان.

 

وفي هذا المقال سأُركز فقط على عامل الرياضة ودوره الفاعل والمشهود في خفض مخاطر الإصابة بالسرطان، إضافة إلى أمراض العصر الأخرى التي لها علاقة بممارسة أي نوع من أنواع الرياضة مثل مرض ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب الأخرى، والسكري، والبدانة والوزن المفرط، إضافة إلى الأمراض العقلية والنفسية. فالرياضة تعتبر من العوامل السهلة والبسيطة التي يمكن للجميع الالتزام بها دون كلفة، أو مشقة، أو وقت طويل، كما بقدرة أي إنسان على ممارستها في أي وقتٍ من الليل أو النهار، وفي أي مكان في المنزل، أو الملاعب الخارجية والحدائق، أو الصالات الرياضية المغلقة، بحيث يقوم كل إنسان بالرياضة المناسبة له، كل على حسب عمره، وقدراته، ورغباته من أجل تجنب مختلف أنواع الأمراض.

 

وهناك الآن إجماع عند الأطباء على أهمية ممارسة أي نوعٍ من الرياضة حتى ولو كانت خفيفة فيبذل فيها الإنسان مجهوداً بسيطاً، ودور هذا العمل البسيط في الوقاية من المرض ومنعه من جهة، والعلاج من بعض الأمراض من جهةٍ أخرى، إضافة إلى تجنب الموت المبكر بسبب هذه الأمراض.

 

فعلى سبيل المثال، نشرتْ مجلة "لانست الصحة الدولية"(Lancet Global Health)في 6 ديسمبر 2024 بحثاً معمقاً شاملاً تحت عنوان: "الأنماط الوطنية، الإقليمية، والدولية لممارسة النشاط البدني بدرجة غير كافية بين البالغين في الفترة من 2000 إلى 2022 لـ 5.7 مليون مشارك"، حيث أكد على حقيقة طبية هي أن عدم ممارسة الرياضة تزيد من مخاطر الوقوع في الأمراض غير المعدية الجسدية، والعقلية، والنفسية.

 

كذلك نشرتْ مجلة "اللانست" في 24 يناير 2026 دراسة تحت عنوان: "تجنب الوفيات بإجراء تغييرات طفيفة في النشاط البدني ووقت الجلوس". وهذه الدراسة الشاملة غطت أربع دول غربية هي النرويج والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، حيث خلصتْ إلى أن زيادة خمس دقائق كل يوم في الحركة والنشاط البدني تخفض 6% من نسبة الوفيات، أي أن الحركة تمنع الفرد من التعرض للأمراض المؤدية إلى الموت، وكلما زادت الحركة وشدة النشاط الرياضي ارتفعت هذه النسبة وزاد من تجنب المرض. كذلك خفض زمن الجلوس وعدم الحركة 30 دقيقة كل يوم يمنع ما لا يقل عن 3% من إجمالي الوفيات. كما نشرت دراسة في 29 مايو 2019 في مجلة "الطب الباطني للجمعية الطبية الأمريكية" تحت عنوان: "العلاقة بين حجم الخطوات وشدتها والوفيات عند كبار السن من النساء"، وقد استنتجت الدراسة التي شملت 16741 امرأة في سن معدل 72 عاماً بأنه كلما زادت عدد الخطوات يومياً انخفض معدل ونسبة الوفيات حتى 7500 خطوة كل يوم، وبعدها لم تتغير النسبة.

 

أما المجلة الطبية الأمريكية "الدورة الدموية"(Circulation) فقد نشرت دراسة في 25 يوليو 2022 تحت عنوان: "علاقة النشاط الرياضي الترفيهي لفترات طويلة بالوفيات"، حيث تكونت عينة الدراسة من 116221 أمريكياً وتمت مراقبتهم لمدة 30 عاماً. وكانت النتيجة أن الرياضة الخفيفة لفترة زمنية تتراوح بين 150 إلى 300 دقيقة في الأسبوع كان لها الأثر الأكبر في خفض نسبة الوفيات. كما خصلت دراسة أخرى منشورة في المجلة نفسها في 1 أغسطس 2011 بعنوان: "العلاقة بين زمن النشاط البدي وخطر الإصابة بأمراض القلب التاجية"، واستنتجت إلى أن ممارسة الرياضة لفترة 150 دقيقة في الأسبوع تقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 14%، وأما الذين مارسوا الرياضة لفترة زمنية تبلغ 300 دقيقة في الأسبوع فقد وصلت النسبة إلى 20%، كما توصلت الدراسة إلى استنتاج عام بأن الرياضة الخفيفة ذات المجهود القليل أفضل من عدم القيام بأي مجهود عضلي، وكلما زاد الجهد البدني زادت الفوائد الصحية.

 

وهناك مقال تحليلي في مجلة "الطبيعة" المرموقة في 28 يناير 2026 تحت عنوان: "الفوائد الصحية الكبيرة المثيرة للدهشة من التمرين البسيط"، حيث يُطلق المؤلف على ممارسة الرياضية الخفيفة المستمرة بـ "الوجبات الرياضية الخفيفة"(exercise snacks). فقد أكد على أن الحركة المتقطعة المستمرة طوال اليوم تُخفض من مخاطر أمراض القلب والموت المبكر.

 

والآن السؤال العملي الذي يدور في مخيلة الجميع: ما عدد الساعات اللازمة لتحقيق الهدف من الرياضة ومن أجل صحة مستدامة؟

 

للإجابة عن هذا السؤال فهناك عدة عوامل يجب أخذها في الاعتبار لتحديد الإجابة الشافية، من أهمها العمر، والوزن، وصحة الفرد ما إذا كان مريضاً، ونوعية المرض أو سليماً صحيح الجسم، ونوعية الرياضة. ولكن بشكل عام هناك توصية مشتركة صادرة من جمعية القلب الأمريكية، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، ومنظمة الصحة العالمية وهي ممارسة الرياضة لمدة 150 دقيقة أسبوعياً في الأقل من التمارين المعتدلة، أي حوالي 30 دقيقة كل يوم.

 

وفي تقديري وانطلاقاً من الأبحاث التي ذكرتُها سابقاً فإن أي نوعٍ من الرياضة والتمارين العضلية يفيد الإنسان ويطيل في صحته وعمره، ولو كانت لفترات زمنية قصيرة كل يوم، وكلما زادت الفترة الزمنية زادت الفائدة، فالمهم هو الحركة وتجنب الجلوس والكسل والاستمرار في ممارسة الرياضة دون تقطع وتوقف، كما أنه من الضروري إضافة إلى الرياضة التقيد ببرنامج غذائي صحي سليم من الناحيتين النوعية والكمية، تنفيذاً للتوجيهات الربانية: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا"، فبالرياضة المستدامة والغذاء الصحي المعتدل والمتوازن يستتب الأمن الصحي للإنسان.

 

الخميس، 5 فبراير 2026

شهود حرب الإبادة الشاملة في غزة


حرب الإبادة الجماعية الشاملة التي شهدها الجميع حيَّة وعلى الهواء مباشرة واعترف بها العدو قبل الصديق، لها تداعيات كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، وهناك شهود يؤكدون حجم هذه الإبادة الشاملة والتداعيات التي نجمت عنها. فهناك التداعيات المباشرة والتي تتمثل في قتل وجرح ومرض مئات الآلاف من البشر الذين يُدلون بشهادتهم على هذه الكارثة البشرية غير المسبوقة في التاريخ، والتي صرَّح واعترف الجيش الصهيوني في 30 يناير 2026 بأن عدد القتلى تجاوز 71 ألف، وهو بالطبع أعلى بكثير جداً، حسب التقديرات المستقلة التي قام بها بعض الباحثين ونُشرت في مجلة "لانست" الطبية المرموقة في 10 يناير 2025، إضافة إلى تقديرات منظمات الأمم المتحدة ذات العلاقة.

 

كذلك من المردودات المباشرة التي تشهد في الواقع الاعتداء الهمجي والإبادة الشاملة لغزة هي التدمير الشامل للحجر والمتمثل في تفجير المباني والعمارات السكنية والتجارية، والمقابر، والمستشفيات والمراكز الصحية، والمساجد والكنائس، والمرافق الخدمية من محطات إنتاج الكهرباء، ومعالجة مياه المجاري، ومواقع التخلص من المخلفات البلدية والقمامة المنزلية، والحقول والمزارع، فلم يبق شبر من غزة إلا ولحق به التدمير والخراب.

 

أما التداعيات غير المباشرة والتي ستكون كالكابوس المزعج الذي سيجثم فوق صدور أهل غزة لعقود طويلة من الزمن، وستُمثل تهديداً أمنياً لسكان غزة جميعهم، فهو المخلفات العسكرية الخطرة والمتفجرة، من ذخائر، وصواريخ، وقنابل سقطت على غزة ولم تنفجر، وهي الآن موجودة في وسط الركام، وتحت مخلفات المباني والمرافق التي تم تفجيرها وضربها. فهذه المخلفات العسكرية ستكون بمثابة القنابل الموقوتة الخفية والمدفونة تحت الركام، وقد تنفجر في أية لحظة في وجه أي طفل أو إنسان، فتعرضهم للموت المحتوم، أو الجروح والاعاقات الجسدية المزمنة.

 

فهناك الآن وفي الوقت نفسه الملايين من الأطنان من المخلفات الصلبة المتزايدة والناجمة عن العمارات والمساكن التي تم تدميرها والمتراكمة حالياً في الأحياء والشوارع والطرقات، ولا بد من التعامل معها وإدارتها بطريقة علمية ومنهجية من الناحيتين البيئية والأمنية حتى لا يقع الضرر والفساد على الإنسان ومكونات البيئة. فهذه المخلفات الشاهدة على حجم الكارثة، أُصنِّفُها كمخلفات "خطرة"، ليس في حد ذاتها كمخلفات للهدم، ولكن لأنها قد تحتوي في بطنها الذخائر والقنابل غير المتفجرة والسامة والخطرة، إضافة إلى احتواء هذه المخلفات الصلبة على مواد خطرة اُستخدمت في البناء، كالأسبستوس، والعناصر السامة الثقيلة مثل الرصاص، والكروميوم، والخارصين، ولذلك لا بد من الحذر الشديد عند إدارتها. كذلك تكمن خطورة هذا النوع من المخلفات في أنها إذا تُركت بدون معالجة لفترة زمنية طويلة فإنها ستكون مرتعاً خصباً، وبيئة مناسبة جداً للتلوث الأحيائي، حيث تُكوِّن القوارض والكلاب والحشرات والكائنات الدقيقة مستعمرات دائمة فيها، فتُعرض وتهدد حياة الناس للتلوث والأمراض المعدية.

 

فالتقديرات الأولية الصادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في 18 يونيو 2024 حول التأثيرات البيئية للحرب على غزة، أي في المرحلة الأولى من الحرب كانت 60 مليون طن من المخلفات الصلبة المتمثلة في مخلفات الهدم والركام الناجم عن قصف المرافق السكنية وغير السكنية. كما أفادت هذه التقارير بأن كل مترٍ مربع من غزة يحتوي على أكثر من 107 كيلوجرامات من هذه المخلفات.

 

كما نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريراً في 20 نوفمبر 2025 أكد فيه بأن حجم مخلفات الدمار الصلبة بلغ أكثر من 70 مليون طن، وأن هذا الحجم في زيادة مطردة بشكل يومي حتى يومنا هذا، وأن هناك أكثر من 169 كيلوجراماً من المخلفات الصلبة أو ركام المباني لكل متر مربع من مساحة غزة. كذلك أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 18 ديسمبر 2025 بأنه قد أزال حتى ذلك التاريخ قرابة 190 ألف طن من المخلفات الصلبة من ركام المباني على الأرض.

 

فهذه المخلفات العظيمة في حجمها تحتاج إلى سنوات طويلة جداً لإدارتها بأسلوب سليم، وتحتاج إلى آليات حديثة وكبيرة قادرة على التعامل بسرعة مع هذه الكميات الضخمة، علماً بأن هذه الآليات الكبيرة المتخصصة لا توجد في غزة، ولا يسمح العدو الصهيوني بدخولها.

 

أما ما يحدث حالياً على أرض الواقع لشهود الحرب العدوانية المتمثلة في هذه المخلفات، فيلخصه التقرير الصحفي المنشور في 25 يناير 2026 تحت عنوان: "بين الأنقاض: الركام والأنقاض يتحولان إلى سبل العيش محفوفة بالموت". فهذا الشاهد الصامت على الدمار والخراب والفساد البيئي العظيم تحول إلى موردٍ لفقراء غزة والمستضعفين منهم، فيبحثون فيه، ويفتشون عن أي شيء له قيمة مادية نقدية، أو غير مادية، حيث يمكن بيعه مباشرة كمصدر للعيش والرزق، أو أن يستخدم مرة ثانية، كالحديد، والنحاس، والألمنيوم، والأخشاب، والطوب، والأحجار، وألعاب الأطفال، وكابلات الكهرباء، وغيرها.

 

كما أن هناك مبادرات محلية بسيطة يقوم بها سكان غزة، منها إزالة بعض الركام لفتح الطرقات لحركة المشاة والسيارات والعربات، وإعادة استخدام البعض الآخر لتسوية الشوارع وبناء المسطحات الترابية، إضافة إلى تحويل بعض الخرسانات الكبيرة إلى الشواطئ لحمايتها من عوامل التعرية والأمواج العاتية الرفيعة.

 

أما الحل العلمي المطلوب لإدارة هذه المخلفات، فقد تم تقديمة في عدة بحوث علمية، منها بحوث لها علاقة بمخلفات الهدم للحروب السابقة التي خاضتها غزة ضد الصهاينة مثل حرب عام 2008، و 2012، و 2014، و 2021، والتي تقدم تجارب وخبرات ثرية وعملية يمكن الاستفادة منها حالياً. فهناك دراسة تحت عنوان: "إدارة مخلفات الهدم بعد النزاع في قطاع غزة: دراسة حالة حول النزاع في مايو 2021. والمنشورة في مجلة "تدوير المواد وإدارة المخلفات" في ديسمبر 2022، فخلال الحرب التي دارت في غزة في عام 2021 لمدة 11 يوماً تخلفت جبال من الركام، بلغت قرابة 370 ألف طن. كذلك الدراسة المنشورة في مجلة "أبحاث البيئة" في 17 يوليو 2025 تحت عنوان:" معالجة المخلفات من هدم وخراب المباني في غزة".

 

وهذه الدراسات تلخص الحل في إدارة هذا الشاهد الصامت غير المباشر لحرب غزة، وهو المرور عبر عدة مراحل متتالية، منها إزالة وجمع المخلفات من مواقعها، ثم نقلها إلى مصنع الفصل والتدوير، وبعدها فصل المواد عن بعضها كالحديد، والبلاستيك، والمعادن الأخرى والقيام بتكسير وسحق مخلفات الخرسانة والطوب وتحويها إلى تراب أو حصى صغير مختلف الحجم ليستخدم مباشرة في الشوارع وبناء المنازل والعمارات.

 

ونظراً للحجم المهول لهذه المخلفات فإن إزالتها وإدارتها ستحتاج إلى سنوات، وستظل هذه المخلفات طوال هذه السنوات الشاهد على الأرض لهذه الإبادة الجماعية الشاملة.

 

 

الاثنين، 2 فبراير 2026

عقيدة ربط مصير الصهيونية بالمسيحية


يسعى نتنياهو منذ زمنٍ بعيد إلى الترويج لعقيدة جديدة يُقنع بها الغرب المسيحي عامة، والشعب الأمريكي خاصة، حيث يحاول ربط مصير اليهودية الصهيونية بمصير المسيحية والحضارة الغربية المسيحية المتمثلة في الدول التي معظم شعبها يؤمن بالدين المسيحي، بهدف خبيث وهو شراكة يهودية صهيونية مسيحية بحيث يدافع العالم المسيحي الغربي بصفةٍ خاصة عن "السامية" في كل أنحاء العالم وعن إسرائيل خاصة، ويدعم هذا الكيان الصهيوني عسكرياً، ومالياً، ودبلوماسياً، ولا يسمح أبداً بسقوطه وانهياره.

 

فهو يصرح دائماً بأن اليهودية الصهيونية تحارب عدواً مشتركاً واحداً، وهذا العدو المشترك يريد أن يستأصل اليهودية كما يعمل على القضاء على المسيحية. وهذا العدو كان يُطلقْ عليه بالإرهاب عموماً في العقد الماضي، والآن بشكلٍ خاص يسميه بمسمى الإسلام الراديكالي. أي أن نتنياهو يريد أن يقنع العالم المسيحي والإسلامي بأنه لا يحارب الدين الإسلامي، ولا يحارب المسلمين، وإنما يحارب نوعاً من المسلمين والإسلام، وهو الإسلام المتطرف، والإسلام المتشدد، والإسلام الإرهابي الراديكالي، ولذلك يدعو إلى "الدين الإبراهيمي"، ويسعى جاهداً منذ سنوات إلى أن يُدخل الدول العربية والإسلامية تحت هذه المظلة، ويضمها تحت هذا المسمى ذوات النوايا السيئة والخبيثة.

 

فتصريحات نتنياهو، وتصريحات الصهاينة اليهود والأمريكيين وغيرهم من رجال التشريع، والإعلام، والنشطاء السياسيين، أصبحت اليوم متطابقة، وكأن هناك منهجاً دراسياً عاماً يمشون عليه جميعاً، ويقدمون خطاباً واحداً أمام الجميع في وسائل الإعلام، وفي المحافل والاجتماعات حول العالم.

 

وسأقدم لكم نماذج وأمثلة فقط من هذا التصريحات والخطابات التي لا تعد ولا تحصى. فعلى سبيل المثال، قال نتنياهو في 27 أغسطس 2014 للأمم المتحدة: "لا تنتقدوا إسرائيل، حاربوا الإسلاميين"، كذلك خاطب نتنياهو المسيحيين في جميع أنحاء العالم في 24 ديسمبر 2024 قائلاً: "لقد وقفتم إلى جانبنا بثبات وقوة بينما تدافع إسرائيل عن حضارتنا ضد الوحشية". كما قال في 10 أكتوبر 2025 متحدثاً مع زعيم بريطاني يميني مسيحي متطرف: "بناء جسور قوية للتضامن مع بعض، مكافحة الإرهاب، والدفاع عن الحضارة الغربية"، وقال أيضاً في 8 سبتمبر 2025:"إسرائيل تخوض حرباً شرسة على عدة جبهات ضد الإرهاب".

 

وتصريحات نتنياهو هذه أسمعُ صداها عند بعض الزعماء والمتنفذين والنشطاء في الغرب، ومنها تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي السابق "مانيول فالس" لصحيفة "جوريزليم بوست" أثناء زيارته لأداء "العمرة" للكيان الصهيوني في 16 يناير 2026 حيث قال: "إذا سقطت إسرائيل، سنسقط نحن، مصير الغرب مرتبط بإسرائيل"، حيث ربط هذا القيادي السياسي الفرنسي مصير فرنسا وأوروبا بمصير إسرائيل لأنها تحارب أعداء مشتركين مع الغرب، وعلى رأسهم الإسلام الراديكالي.

 

ولكن هذه الادعاءات والافتراءات التي يشيعها نتنياهو لكسب أصوات ودعم الغرب لا تنطلي على بعض مثقفي الغرب وزعمائهم، فما نراه في الواقع من معاملة سيئة وكره مدقع ومتجذر لليهود الصهاينة في إسرائيل للمسيحيين في غزة والضفة الغربية والقدس تؤكد عداء اليهود العميق في عقيدتهم وثقافتهم للمسيحيين. وسأقدم لكم الأدلة على ذلك من خلال ما يحدث اليوم للمسيحيين في القدس، والضفة الغربية، وغزة.

 

أولاً: هناك عادة وثقافة قديمة عند اليهود تتمثل في البصق على المسيحيين وعلى كنائسهم، وهذه الممارسة البربرية القديمة التي يربون أطفالهم عليها وعلى ممارستها، مازالت موجودة كسلوك وشعيرة دينية يهودية حتى الآن، ويعاني منها كل مسيحي، سواء أكان مواطناً في بلده في المدن الفلسطينية، وبخاصة في القدس أو المدينة القديمة، أو سائحاً وحاجاً للأماكن والمواقع المسيحية التاريخية والمقدسة. ومن هذه الحوادث، مضايقة المسيحيين السياح، والبصق والهجوم عليهم ومضايقتهم في مايو وأكتوبر 2023، والتي نقلتها وسائل الإعلام اليهودية. فقد نشرت صحيفة "هارتس" تحقيقاً في 28 مايو 2023 تحت عنوان: "أكثر من 12 من النشطاء اليمينيين اليهود يحتجون على فاعلية إنجيلية بالقرب من الجدار الغربي"، حيث أكد على إهانة اليهود للمسيحيين، ومضايقتهم، والبصق عليهم، إضافة إلى مهاجمة مرافقهم ومراكزهم الدينية. كما نُشر مقال آخر في صحيفة "جوريزليم بوست" تحت عنوان: "المستوطنون الإسرائيليون، والنشطاء اليمينيون: البصق على المسيحيين عادة يهودية". وهذا المقال عبارة عن تحقيق في شريط الفيديو المتداول في ذلك الوقت ويبين فيه بصق اليهود على المسيحيين في القدس في 4 أكتوبر 2023. كذلك نشر مقال 3 أكتوبر 2023 في شبكة أخبار إسرائيل_فلسطين(Israel-Palestine News) تحت عنوان: "مستوطن مرموق يقول بأن البصق على المسيحيين عادة يهودية قديمة"، وجاء الرد على المقال من أحد زعماء اليهود وهو "إليشا يريد"(Elisha Yered) حيث قال:" عادة البصق بالقرب من الكنائس تقليد يهودي قديم"، كما أن اليهود يعتقدون بأن المسيحيين كفاراً، ويقيمون شعائر مخالفة لشريعتهم ودينهم اليهودي. وفي نوفمبر 2023 بصق جندي إسرائيلي على بعض المسيحيين أثناء احتفال ديني في القدس، كما تم الاعتداء مركز اجتماعي للمارونيين المسيحيين في ديسمبر 2023.

 

ثانياً: أما النقطة الثانية التي تؤكد عداء وكره وعداء اليهود للمسيحيين عامة، والمسيحيين العرب خاصة فهي الاعتداء الهمجي القاتل على الكنائس الثلاث الموجودة في غزة. ففي غزة توجد ثلاث كنائس متنوعة تمثل كل المذاهب والطوائف المسيحية، فأولها ثالث أقدم كنيسة على وجه الأرض التابعة للأورثوذكس اليونانيين وهي كنيسة القديس برفيريوس(Greek Orthodox Saint Porphyrius) حيث قُصفت بصاروخ وطائرة أمريكية على يد اليهود الصهاينة في 19 أكتوبر 2023 وقتل 18 وجرح الكثير من المسيحيين، وثانيهما مجمع كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية(Roman Catholic Holy Family) التي قُصفت في 17 يوليو 2025 وقتل على الفور 3 وجرح الكثير من المسيحيين، حيث ندد بابا الفاتيكان بالقصف وأبدى حزنه العميق على القتلى، وثالثهما هي الكنيسة المعمدانية أو الكنيسة الأهلية للبروتستانت(Gaza Baptist)التي قُصفت والمستشفى التابع لها في 17 أكتوبر 2023 وقتل المئات بسبب هذه المجزرة الوحشية.  

 

 وقد كتبتْ الصحف الإسرائيلية العديد من التحقيقات والمقالات عن المسيحيين في غزة خاصة ومعاناتهم كغيرهم أثناء الحرب دون تمييز أو اعتبار خاص، ومنها التحقيق في صحيفة "هارتس" في 4 يناير 2026 تحت عنوان: "المجتمع المسيحي الصغير في غزة يكافح من أجل البقاء بعد الحرب". فيشير التحقيق إلى عدد المسيحيين في غزة قبل 7 أكتوبر 2023 والذي كان قرابة 1017 مسيحياً، واليوم نحو 600، قُتل منهم أثناء الحرب ما بين 30 إلى 44، ومعظمهم كانوا يتعبدون في كنائسهم.

 

فمما سبق نؤكد زيف عقيدة نتنياهو الفاسدة التي يتاجر بها ويريد تسويقها لجمع كل القوى لمحاربة الدين الإسلامي تحت عنوان محاربة الإسلام الراديكالي، ومحاولته البائسة للشراكة مع المسيحيين واستقطابهم للعمل معه في تنفيذ خطته الشريرة وحماية كيانه الهش والزائل بإذن الله تعالى. 

 

 

الاثنين، 26 يناير 2026

بين شريعة الغاب وشريعة الإنسان

 

الكثير من الناس من المثقفين والمحللين والكتاب وغيرهم يقارن ما يقوم به الإنسان حالياً من ممارسات بربرية ووحشية من عدم الاحتكام إلى أي تشريع ونظام بأنه شريعة الغاب، أو قانون الغاب، وكأن الغاب لا قانون له، ولا نظام متقن يسير عليه. وهذه المقارنة في تقديري مجحفة وغير صحيحة كلياً لوجود الفرق الشاسع والجذري بين شريعة الغاب من جهة، وشريعة الإنسان وقانون البشر من جهة أخرى.

 

فالفرق الرئيس والجوهري يكمن في مَنْ وضع وأسس الشريعتين. فأما شريعة الغاب، أو ما نُطلق عليه علمياً الآن في علوم البيئة والأحياء فهو "النظام البيئي للغابات"، وهو من رب العالمين، وهو من صُنع الله جلَّت قدرته وعظمته، وكل ما في هذا النظام الرباني من مخلوقات الله سبحانه وتعالي لا تمييز بين مخلوقاته، ولا تفضيل لمخلوق على آخر، ولا محاباة لكائن حي على الكائن الحي الآخر، فكل منها في فلك يسبحون حسب هذا النظام الرباني الدقيق والمتوازن، وكل منها يؤدي دوره ووظيفته التي خُلق من أجله حسب موقعه، ومكان وجوده، بحيث إن هذا الدور يصب بشكلٍ متكامل مع أدوار الكائنات الأخرى في النظام البيئي الواحد، سواء أكانت حية أم خير حية. فهذا النظام الثابت في كُليته وشموله مُنزه عن الخطأ والعيب، وغير قابل للزلل، ولا يتعرض للتجاوزات بين كل مكونات هذا النظام المختلفة في النوعية والحجم، فهو إذن نظام لا يظْلم المخلوقات، ولا يهضمهم حقوقهم، فلا إقصاء، ولا تهميش، ولا تعدي، ولا اضطهاد للفئات المستضعفة، ولا استئصال لمجموعة حية والقضاء عليها كلياً، فالجميع يعيش مع بعض في أمن وأمان واستقرار، وفي تفاعلٍ ديناميكي بينها.

 

وأما شريعة الإنسان فهي من صنع الإنسان، ومن وضع البشر، ومن صفات البشر النسيان والقصور في الفكر والعقل مهما أوتوا من علم وخبرة، إضافة إلى الضيق في الأفق، وعدم التكامل بين كل التشريعات التي وضعها. كما أن من خصائص الإنسان العامة التحيز مهما بلغ أعلى مستوى من النزاهة، وعدم تنفيذ مبدأ السواسية المطلقة على القريب والبعيد، والعدالة التامة بين كل فئات البشر. فشريعة الإنسان قد تكون ظالمة، وقد تكون متحيزة، وقد تُعين القوي على الضعيف، وقد تأكل مال الضعيف وثروته وموارده، وقد يفلت القوي من العقاب والمحاسبة. وعادة ما تَحْكُم التشريعات البشرية الأهواء الشخصية، وتسيطر عليها المصالح الحزبية، وتكون في أغلب الأوقات غير ثابتة ومستقرة فترة طويلة ومتقلبة ومتغيرة حسب التقلبات السياسية، والتغيرات في نوعية الحُكم والأفراد.

 

فشريعة الغاب تُعد جزءاً من الشرائع والأنظمة الربانية المُحكمة والمتقنة التي خلقها الله سبحانه وتعالي، حيث خلق الله الكرة الأرضية وتحتوي على أنظمة بيئية كثيرة ومتنوعة، ولكل نظام قانونه الخاص به، والتشريع المتزن والدقيق الذي يُسيِّر أموره وشؤونه اليومية، وكل نظام يمشي ليلاً نهاراً باتقان شديد، وبتوازن دقيق، وبتكامل عميق بين مكوناته الحية وغير الحية. فهناك أنظمة بيئية برية، كالصحاري، والغابات، وهناك أنظمة مائية كالمسطحات المائية من بحار وأنهار ومحيطات، وهناك الأراضي الرطبة.

 

وهذه الأنظمة البيئية تحتوي على كائنات حية ذات وظائف وأدوار مختلفة، بحيث إنها تُكمل بعضها البعض، فتعيش مع بعض، وتتفاعل مع بعض في توازن دقيق وهش، ونظام ديناميكي متشابك ومعقد ونابض بالحيوية والنشاط، وشبكة غذائية دائرية، وحياة مستدامة ومستقرة.

 

فهناك أولاً في كل نظام بيئي الكائنات الحية "المُنتجة" المتمثلة في مختلف أنواع النباتات التي تنتج غذاءها بتحويل أشعة الشمس إلى طاقة عن طريق عملية التمثيل الضوئي، وهناك ثانياً الكائنات "المُستهلكة" التي تتغذى على النباتات وتعيش عليها، أو التي تعيش على الكائنات الحية الأخرى، ثم أخيراً هناك الأحياء "المُحلِّلة"، كالبكتيريا والطفيليات، أي التي تعمل طوال الساعة بجدٍ واجتهاد، وبدون كللٍ أو تعب أو فتور، فتقوم بمهمة حيوية تتمثل في تحلل الأموات من الكائنات النباتية والحيوانية، فتحولها وترجعها إلى التربة مرة ثانية. وفي المقابل هناك العناصر غير الحية في النظام البيئي من هواء، وماء، وتربة، وأشعة الشمس والتي توفر الظروف المناسبة لحياة هذه الكائنات الحية. فأي خللٍ نوعي أو كمي يحدث على هذه الكائنات الحية وغير الحية يؤدي مع الوقت إلى وقوع خللٍ وشرخ عميقين في النظام البيئي العام، وينجم عنه سقوط هذا النظام وخرابه. وعادة ما تكون أيادي الإنسان الفاسدة والعبثية هي التي تقف وراء هذا الفساد في النظام البيئي، وهي التي تسبب في حدوث ثغرات وعيوب في هذا النظام والتشريع الإلاهي الدقيق.

 

فلو أخذنا ودرسنا عن كثب نظام الغابات الفطري الطبيعي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى والذي يحتوي على مختلف أنواع الحيوانات المفترسة، والطيور الجارحة، والحيوانات غير المفترسة. فنجد أن الأسد الذي يتربع على عرش هذه الغابات البرية، ويقف في نهاية السلسلة الغذائية، يؤدي دور الضابط والمتحكم في أعداد الكائنات الحية الأخرى التي يتغذى عليها كالغزلان وحمار الوحش وغيرهما، ولكن دون القضاء عليهم، أو استئصالهم من نظام الغابة، أو طردهم من منازلهم وبيئاتهم التي يعيشون فيها، فيقوم بالتغذي على الضعاف والمرضى من الحيوانات، فتبقى هذه الحيوانات موجودة في صحة وأمن وسلام وتتكاثر بشكل طبيعي دون أن تَحدث طفرة في أعدادها فتقوم بالرعي الجائر وتُدهور الغطاء النباتي الذي يحتاج إليه كل الكائنات الحية الأخرى. فلم نسمع في شريعة الغاب، ونظام الغابات الذي لم تتدخل فيها أيدي البشر عن انقراض كائنٍ حي، أو طرده من بيئته الكبيرة، أو التخلص منه كلياً.

 

أما في شريعة الإنسان، كما ُيحدثنا التاريخ البعيد والقريب، فإن الإنسان تحت مبررات كثيرة لا تعد ولا تحصى، وحجج متنوعة، واستغلال للقانون يقوم بعملية الإقصاء للآخرين، ويقوم بعملية الإبادة الجماعية الشاملة للشعوب، سواء بقتلهم مباشرة، أو تجويعهم ومنع الشراب والأكل والدواء عنهم، أو بمحاصرتهم وخنقهم. وأُقدم لكم مثالاً واحداً فقط على "شريعة الإنسان" واستغلال هذا النفوذ التشريعي لاستئصال الأمم والشعوب، والسيطرة عليهم وعلى قرارهم وسيادتهم وجميع مناحي حياتهم، والتوسع جغرافياً في مناطق ودول أخرى وغزوها واحتلالها. فقد أعلن ترمب عند تنصيبه رئيساً للمرة الثانية في يناير 2025 عن "شريعته" وسياسته الجديدة التي سيمشي عليها وينفذها قائلاً:" ستَعتبر الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى أمة نامية، أمة تزيد ثروتها، وتوسع أراضيها، وتبني مدنها، وترفع سقف توقعاتها، وترفع رايتها إلى آفاق جديدة وجميلة". وهذه "الشريعة البشرية" التي لا احترام فيها للآخرين، ولا سيادة للدول، ولا سيطرة للشعوب على مواردها، ولا قانون دولي، ولا نظام عالمي، شاهدناها على أرض الواقع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر اختطاف رئيس فنزويلا واحتلال دولة ذات سيادة وتنصيب ترمب نفسه رئيساً لها، واعطاء نفسه حق التصرف في ممتلكات وثروات الدولة الفنزويلية ونهبها وسرقتها في وضح النهار. ومنها أيضاً تهديد ترمب لجزيرة جرينلاند بضمها بالقوة إلى أمريكا، ومنها تحريض الشعب الإيراني لزعزعة الاستقرار في الدولة والقيام بأعمال التخريب والهجوم عليها، ومنها محاولة ضم كندا وبناما ودول أخرى إلى أمريكا، ومنها المشاركة الفاعلة بالسلاح والمال والدبلوماسية لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ومحاولة استئصاله وتصفيته من على سطح الأرض.

 

فبعد هذا، أين قانون الغاب وشريعة الغاب ونظامه الرباني الدقيق والمتوازن والعادل، الذي يحفظ الحقوق ويعيش فيه الجميع بأمن وسلام وطمأنينة من "شريعة الإنسان" الجائرة، والمعتدية التي تُقصي الأمم والشعوب، بل وتقضي عليها كلياً؟