مشهدٌ نظراً لغرابته وندرته في عالمنا اليوم انتشر بين الناس في كل دول العالم كانتشار النار في الهشيم، ومما زاد من غرابته ودهشةْ الناس عند رؤيته أنه وقع في أكثر دول العالم تطوراً، ورقياً، وتقدماً، ودعوة للعلمانية وفصل الدين عن الدولة، وابعاد الكنيسة عن السياسة والحكم.
هذا المشهد الفريد والعجيب وقع في يوم الخميس الموافق 5 مارس 2026 في البيت الذي يحكم العالم اليوم ويسيطر على قراراته، وهو البيت الأبيض، وبالتحديد في المكتب البيضاوي الشهير للرئيس الأمريكي. فهو مشهد يمثل عقلية القرون الوسطى المظلمة والجاهلة التي كان يعيش فيها الغرب عامة أثناء الحكم الديني الثيوقراطي المستبد، حيث يسيطر رجال الدين المسيحيين على كل مفاصل الحكم وجميع قرارات الدولة، فيقوم هؤلاء المتنفذون من قساوستهم ورهبانهم وكهنتهم بمباركة الحاكم، والمسح على جسمه، والصلاة من أجل توفيقه ونصرته لنقل الأوامر والتعليمات الإلهية وتنفيذها.
هذا المشهد الذي أراه أمامي عبارة عن مقطع لفيديو صادر من البيت الأبيض نفسه، حيث أرى الرئيس الأمريكي ترمب في البيت الأبيض، وبالتحديد في المكتب البيضاوي وهو جالس خلف طاولته الشهيرة المعروفة تحت مسمى (Resolute Desk)، وخلفه وهم وقوف 18 رجلاً وامرأتان. أرى في مقطع الفيديو الرئيس ترمب وهو خافض رأسه تجاه الطاولة، ومغمض عينيه، وقد وضع يديه فوق بعض، وتبدو عليه علامات الخشوع والتضرع والسكون والتركيز الشديد، كما أرى الوقوف من الرجال والنساء من زعماء وقادة الكنيسة الإنجيلية وقد وضع بعضهم أيديهم على ظهر الرئيس، وكتفه يميناً وشمالاً، أو ذراعيه، وتظهر على وجوههم علامات وسمات الخشوع والسكينة. ثم أسمع أحد الرجال وهو القس "توم مولنز" (Tom Mullins) من ولاية فلوريدا، وهو يقود تأدية الصلاة الكلامية خلف ترمب من أجل أن يحقق له الرب النصر على إيران، فيقول مخاطباً ترمب: "نتشرف بأن نقف أمامك اليوم. نحن نصلي من أجل استمرار بركتك ورضاك أن تنزل عليك. نصلي من أجل الحكمة من السماء لتوجه قلبه وعقله، وأن تعينه خلال هذه الأوقات الصعبة التي نواجهها اليوم. يا أبانا، نصلي أن تواصل إعطاء رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة".
هذا المشهد الذي وصفته لكم، كما شاهدته أمامي، وهذه الطقوس الدينية الإيمانية، ما هو إلا مثال واحد فقط، ونموذج من نماذج وصور ومظاهر دينية مسيحية روحانية كثيرة بدأت تنكشف بوضوح يوماً بعد يوم في عهد الرئيس ترمب، وبخاصة في هذه الفترة الرئاسية الثانية. وهذه المظاهر الدينية في الحكومة الأمريكية نشاهدها بدءاً ببيت الحُكم، حيث تحول البيت الأبيض إلى كنيسة مسيحية صغيرة، وساحة للصلاة والعبادة المسيحية يتم فيها استضافة القساوسة ورجال الدين المسيحيين لأداء الصلاة مع الوزراء والمسؤولين والاستماع إلى المواعظ والخطب، ثم أيضاً في المرافق الحكومية الاتحادية، وبشكلٍ ملحوظ جداً في وزارة الدفاع. بل وإنه تم تقنين وتنظيم هذه المظاهر الدينية بشكلٍ منهجي مستمر من خلال أوامر تنفيذية رئاسية، ومن خلال المبادرات الحكومية الاتحادية مثل المبادرة التي أطلقها ترمب تحت عنوان: "أمريكا تصلي"، والمبادرة الوطنية التي تحمل شعار "الإيمان إلى الأمام"، وإنشاء "المجلس الاستشاري الإنجيلي". إضافة إلى إحياء وتكثيف الاحتفال بالأيام والمناسبات الدينية على المستوى الاتحادي، مثل "اليوم الوطني للصلاة".
والهدف النهائي الاستراتيجي طويل الأمد من هذه المظاهر التي تبدو سطحية وبريئة هو تعميق وترسيخ المسيحية الإنجيلية الصهيونية، ودمجها في عملية اتخاذ القرار في المجتمع الأمريكي على كافة المستويات، وبناء جسور قوية وطويلة بين رجال السياسة ورجال الدين المسيحي. وبعبارة أخرى تطويع القرار السياسي ليخدم الأجندة والمعتقدات المسيحية الصهيونية، فتكون هي أساس ومنطلق القرارات السياسية الاتحادية. فكل خطوة يقوم بها الرئيس، أو عمل تنفيذي، أو حرب يشنها في أي موقع في العالم فسيكون لها تفسيراً دينياً مسيحياً، أو مُبَرراً روحياً مستوحاة من كتبهم المقدسة، فالبوصلة الدينية الانجيلية هي التي توجه وتتخذ القرار في أمريكا.
ومن أشد هذه المظاهر الدينية المسيحية وضوحاً وعلانية وبشكل مستمر هي في وزارة الدفاع، بقيادة المسيحي الصليبي المتطرف وزير الحرب "بيت هيجسيث". فهذا الوزير تم اختياره بعناية لينفذ دمج المسيحية الصهيونية في العقيدة القتالية للجيش الأمريكي، فيتم تلقين الجندي بأنه يقاتل تنفيذاً لتوجيهات الرب المستوحاة من الإنجيل، فهو مأجور عند الرب ويثاب على القتال وبذل النفس من أجل هذه الحروب المقدسة، وبخاصة التي تُشن في الشرق الأوسط. وهذه ليست ادعاءات، وإنما حقائق مشهودة ومعلنة. فوزير الدفاع نفسه لا يخفي تطرفه وتشدده المسيحي الصليبي، ولا يخفي هذه الاعتقادات المسيحية المتطرفة والصليبية، فرموز الحروب الصليبية محفورة في جسمه، وخالدة مخلدة ومنقوشة في بدنه على هيئة وشوم(Tattoos). فعلى العضلة على يده اليمين وعلى صدره هناك وشوم مستوحاة من آيات ونصوص إنجيلية، وتمثل رموزاً مسيحية صليبية، منها شعار الصليبية، ومصطلح (Deus vult). وهي عبارة لاتينية تعني "الرب يريد ذلك"، أو "بإذن الرب"، وهذه العبارة اشتهرت كصرخة ونداء وصيحة للحروب المسيحية الصليبية في العصور الوسطى، فاستخدمها الصليبيون، كشعار ديني وعسكري لتبرير عدوانهم على المسلمين، وكان يوضع كشعار على ملابس فرسان الصليبيين. واليوم تستخدم جماعات وميليشيات "تفوق العرق الأبيض"، والجماعات القومية المسيحية اليمينية المتشددة والذي ينتمي إليها وزير الدفاع كشعار سياسي ضد الإسلام والمسلمين. فهم يؤمنون بأن المسيحيين هم الذين أسسوا وبنوا أمريكا، ولذلك يجب أن تبقى وتستمر على هذا المنهج، ولا موقع ولا مكان لغيرهم في أمريكا. كما يعتقد بأن حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين وإبادتهم لهذا الشعب هو من وحي الانجيل وتفسيراً لآياته، ولذلك يجب على المسيحيين دعم وحماية إسرائيل من أجل حماية الدين المسيحي وتنفيذ أوامر الرب. فالحرب إذن دينية ومقدسة وهي جزء من خطة ومشيئة الرب وتوحي بقرب يوم القيامة(apocalypse). فوزير الدفاع يؤمن بأن الرب قد اختاره لتنفيذ هذه المهمة المقدسة ورجوع المسيح مرة ثانية قبل يوم القيامة واليوم الآخر ونهاية العالم.
كما أن هذه المعتقدات الايمانية وثَّقها وزير الدفاع نفسه في كتابه المنشور في 19 مايو 2020، ويحمل عنوان:" الحملة الصليبية الأمريكية: كفاحنا من أجل أن نبقى أحراراً"، حيث برر الحملات الصليبية بأنها كانت ضرورية لإنقاذ المسيحية الأوروبية من هجوم الإسلام، فلولاها لانتهت أوروبا وأمريكا. كما كشف النقاب عن تفاصيل مركزية في صراع الغرب مع الإسلام، فخصّص جزءاً هاماً للحديث عن خطر الإسلام والمسلمين على الأمة الأمريكية النصرانية، ووجوب مواجهة المد الإسلامي والتصدي له.
كذلك فإم هذا الوزير أدخل بشكلٍ مستمر المظاهر الدينية في وزارة الدفاع لزرع وترسيخ هذه العقائد الروحانية الانجيلية في قلوب ونفوس الجنود، حيث يقيم الصلاة المسيحية شهرياً في مبنى البنتاجون، ويدعو إليها بعض القساوسة المتشددين من القومين المسيحيين، مثل "دوجلاس ويلسون"(Douglas Wilson) الذي يعتقد بأفكار تعتبر جدلية، وغير متفق عليها، وشاذة في المجتمع الأمريكي، فهو لا يؤمن بحقوق المرأة في التصويت، وأن تكون المرأة خاضعة كلياً لزوجها، وتُمنع من المناصب القيادة في الكنيسة، كما يؤمن بأن أمريكا دولة مسيحية ويجب أن تتبع هدى وتوجيهات الإنجيل ولا مكان لدين آخر في أمريكا.
فهذه هي أمريكا في عهد ترمب، لا تعادي العرب والمسلمين فحسب، وإنما تعادي الدستور الأمريكي أولاً الذي فصل الدولة عن الكنيسة، وتعادي الشعب الأمريكي ثانياً الذي أصبحت مصالحه في مؤخرة أولويات ترمب، وتعادي أخيراً دول العالم أجمع والتي يريدها الملك ترمب أن تخضع لإرادته وسلطته.