الاثنين، 2 فبراير 2026

عقيدة ربط مصير الصهيونية بالمسيحية


يسعى نتنياهو منذ زمنٍ بعيد إلى الترويج لعقيدة جديدة يُقنع بها الغرب المسيحي عامة، والشعب الأمريكي خاصة، حيث يحاول ربط مصير اليهودية الصهيونية بمصير المسيحية والحضارة الغربية المسيحية المتمثلة في الدول التي معظم شعبها يؤمن بالدين المسيحي، بهدف خبيث وهو شراكة يهودية صهيونية مسيحية بحيث يدافع العالم المسيحي الغربي بصفةٍ خاصة عن "السامية" في كل أنحاء العالم وعن إسرائيل خاصة، ويدعم هذا الكيان الصهيوني عسكرياً، ومالياً، ودبلوماسياً، ولا يسمح أبداً بسقوطه وانهياره.

 

فهو يصرح دائماً بأن اليهودية الصهيونية تحارب عدواً مشتركاً واحداً، وهذا العدو المشترك يريد أن يستأصل اليهودية كما يعمل على القضاء على المسيحية. وهذا العدو كان يُطلقْ عليه بالإرهاب عموماً في العقد الماضي، والآن بشكلٍ خاص يسميه بمسمى الإسلام الراديكالي. أي أن نتنياهو يريد أن يقنع العالم المسيحي والإسلامي بأنه لا يحارب الدين الإسلامي، ولا يحارب المسلمين، وإنما يحارب نوعاً من المسلمين والإسلام، وهو الإسلام المتطرف، والإسلام المتشدد، والإسلام الإرهابي الراديكالي، ولذلك يدعو إلى "الدين الإبراهيمي"، ويسعى جاهداً منذ سنوات إلى أن يُدخل الدول العربية والإسلامية تحت هذه المظلة، ويضمها تحت هذا المسمى ذوات النوايا السيئة والخبيثة.

 

فتصريحات نتنياهو، وتصريحات الصهاينة اليهود والأمريكيين وغيرهم من رجال التشريع، والإعلام، والنشطاء السياسيين، أصبحت اليوم متطابقة، وكأن هناك منهجاً دراسياً عاماً يمشون عليه جميعاً، ويقدمون خطاباً واحداً أمام الجميع في وسائل الإعلام، وفي المحافل والاجتماعات حول العالم.

 

وسأقدم لكم نماذج وأمثلة فقط من هذا التصريحات والخطابات التي لا تعد ولا تحصى. فعلى سبيل المثال، قال نتنياهو في 27 أغسطس 2014 للأمم المتحدة: "لا تنتقدوا إسرائيل، حاربوا الإسلاميين"، كذلك خاطب نتنياهو المسيحيين في جميع أنحاء العالم في 24 ديسمبر 2024 قائلاً: "لقد وقفتم إلى جانبنا بثبات وقوة بينما تدافع إسرائيل عن حضارتنا ضد الوحشية". كما قال في 10 أكتوبر 2025 متحدثاً مع زعيم بريطاني يميني مسيحي متطرف: "بناء جسور قوية للتضامن مع بعض، مكافحة الإرهاب، والدفاع عن الحضارة الغربية"، وقال أيضاً في 8 سبتمبر 2025:"إسرائيل تخوض حرباً شرسة على عدة جبهات ضد الإرهاب".

 

وتصريحات نتنياهو هذه أسمعُ صداها عند بعض الزعماء والمتنفذين والنشطاء في الغرب، ومنها تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي السابق "مانيول فالس" لصحيفة "جوريزليم بوست" أثناء زيارته لأداء "العمرة" للكيان الصهيوني في 16 يناير 2026 حيث قال: "إذا سقطت إسرائيل، سنسقط نحن، مصير الغرب مرتبط بإسرائيل"، حيث ربط هذا القيادي السياسي الفرنسي مصير فرنسا وأوروبا بمصير إسرائيل لأنها تحارب أعداء مشتركين مع الغرب، وعلى رأسهم الإسلام الراديكالي.

 

ولكن هذه الادعاءات والافتراءات التي يشيعها نتنياهو لكسب أصوات ودعم الغرب لا تنطلي على بعض مثقفي الغرب وزعمائهم، فما نراه في الواقع من معاملة سيئة وكره مدقع ومتجذر لليهود الصهاينة في إسرائيل للمسيحيين في غزة والضفة الغربية والقدس تؤكد عداء اليهود العميق في عقيدتهم وثقافتهم للمسيحيين. وسأقدم لكم الأدلة على ذلك من خلال ما يحدث اليوم للمسيحيين في القدس، والضفة الغربية، وغزة.

 

أولاً: هناك عادة وثقافة قديمة عند اليهود تتمثل في البصق على المسيحيين وعلى كنائسهم، وهذه الممارسة البربرية القديمة التي يربون أطفالهم عليها وعلى ممارستها، مازالت موجودة كسلوك وشعيرة دينية يهودية حتى الآن، ويعاني منها كل مسيحي، سواء أكان مواطناً في بلده في المدن الفلسطينية، وبخاصة في القدس أو المدينة القديمة، أو سائحاً وحاجاً للأماكن والمواقع المسيحية التاريخية والمقدسة. ومن هذه الحوادث، مضايقة المسيحيين السياح، والبصق والهجوم عليهم ومضايقتهم في مايو وأكتوبر 2023، والتي نقلتها وسائل الإعلام اليهودية. فقد نشرت صحيفة "هارتس" تحقيقاً في 28 مايو 2023 تحت عنوان: "أكثر من 12 من النشطاء اليمينيين اليهود يحتجون على فاعلية إنجيلية بالقرب من الجدار الغربي"، حيث أكد على إهانة اليهود للمسيحيين، ومضايقتهم، والبصق عليهم، إضافة إلى مهاجمة مرافقهم ومراكزهم الدينية. كما نُشر مقال آخر في صحيفة "جوريزليم بوست" تحت عنوان: "المستوطنون الإسرائيليون، والنشطاء اليمينيون: البصق على المسيحيين عادة يهودية". وهذا المقال عبارة عن تحقيق في شريط الفيديو المتداول في ذلك الوقت ويبين فيه بصق اليهود على المسيحيين في القدس في 4 أكتوبر 2023. كذلك نشر مقال 3 أكتوبر 2023 في شبكة أخبار إسرائيل_فلسطين(Israel-Palestine News) تحت عنوان: "مستوطن مرموق يقول بأن البصق على المسيحيين عادة يهودية قديمة"، وجاء الرد على المقال من أحد زعماء اليهود وهو "إليشا يريد"(Elisha Yered) حيث قال:" عادة البصق بالقرب من الكنائس تقليد يهودي قديم"، كما أن اليهود يعتقدون بأن المسيحيين كفاراً، ويقيمون شعائر مخالفة لشريعتهم ودينهم اليهودي. وفي نوفمبر 2023 بصق جندي إسرائيلي على بعض المسيحيين أثناء احتفال ديني في القدس، كما تم الاعتداء مركز اجتماعي للمارونيين المسيحيين في ديسمبر 2023.

 

ثانياً: أما النقطة الثانية التي تؤكد عداء وكره وعداء اليهود للمسيحيين عامة، والمسيحيين العرب خاصة فهي الاعتداء الهمجي القاتل على الكنائس الثلاث الموجودة في غزة. ففي غزة توجد ثلاث كنائس متنوعة تمثل كل المذاهب والطوائف المسيحية، فأولها ثالث أقدم كنيسة على وجه الأرض التابعة للأورثوذكس اليونانيين وهي كنيسة القديس برفيريوس(Greek Orthodox Saint Porphyrius) حيث قُصفت بصاروخ وطائرة أمريكية على يد اليهود الصهاينة في 19 أكتوبر 2023 وقتل 18 وجرح الكثير من المسيحيين، وثانيهما مجمع كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية(Roman Catholic Holy Family) التي قُصفت في 17 يوليو 2025 وقتل على الفور 3 وجرح الكثير من المسيحيين، حيث ندد بابا الفاتيكان بالقصف وأبدى حزنه العميق على القتلى، وثالثهما هي الكنيسة المعمدانية أو الكنيسة الأهلية للبروتستانت(Gaza Baptist)التي قُصفت والمستشفى التابع لها في 17 أكتوبر 2023 وقتل المئات بسبب هذه المجزرة الوحشية.  

 

 وقد كتبتْ الصحف الإسرائيلية العديد من التحقيقات والمقالات عن المسيحيين في غزة خاصة ومعاناتهم كغيرهم أثناء الحرب دون تمييز أو اعتبار خاص، ومنها التحقيق في صحيفة "هارتس" في 4 يناير 2026 تحت عنوان: "المجتمع المسيحي الصغير في غزة يكافح من أجل البقاء بعد الحرب". فيشير التحقيق إلى عدد المسيحيين في غزة قبل 7 أكتوبر 2023 والذي كان قرابة 1017 مسيحياً، واليوم نحو 600، قُتل منهم أثناء الحرب ما بين 30 إلى 44، ومعظمهم كانوا يتعبدون في كنائسهم.

 

فمما سبق نؤكد زيف عقيدة نتنياهو الفاسدة التي يتاجر بها ويريد تسويقها لجمع كل القوى لمحاربة الدين الإسلامي تحت عنوان محاربة الإسلام الراديكالي، ومحاولته البائسة للشراكة مع المسيحيين واستقطابهم للعمل معه في تنفيذ خطته الشريرة وحماية كيانه الهش والزائل بإذن الله تعالى. 

 

 

الاثنين، 26 يناير 2026

بين شريعة الغاب وشريعة الإنسان

 

الكثير من الناس من المثقفين والمحللين والكتاب وغيرهم يقارن ما يقوم به الإنسان حالياً من ممارسات بربرية ووحشية من عدم الاحتكام إلى أي تشريع ونظام بأنه شريعة الغاب، أو قانون الغاب، وكأن الغاب لا قانون له، ولا نظام متقن يسير عليه. وهذه المقارنة في تقديري مجحفة وغير صحيحة كلياً لوجود الفرق الشاسع والجذري بين شريعة الغاب من جهة، وشريعة الإنسان وقانون البشر من جهة أخرى.

 

فالفرق الرئيس والجوهري يكمن في مَنْ وضع وأسس الشريعتين. فأما شريعة الغاب، أو ما نُطلق عليه علمياً الآن في علوم البيئة والأحياء فهو "النظام البيئي للغابات"، وهو من رب العالمين، وهو من صُنع الله جلَّت قدرته وعظمته، وكل ما في هذا النظام الرباني من مخلوقات الله سبحانه وتعالي لا تمييز بين مخلوقاته، ولا تفضيل لمخلوق على آخر، ولا محاباة لكائن حي على الكائن الحي الآخر، فكل منها في فلك يسبحون حسب هذا النظام الرباني الدقيق والمتوازن، وكل منها يؤدي دوره ووظيفته التي خُلق من أجله حسب موقعه، ومكان وجوده، بحيث إن هذا الدور يصب بشكلٍ متكامل مع أدوار الكائنات الأخرى في النظام البيئي الواحد، سواء أكانت حية أم خير حية. فهذا النظام الثابت في كُليته وشموله مُنزه عن الخطأ والعيب، وغير قابل للزلل، ولا يتعرض للتجاوزات بين كل مكونات هذا النظام المختلفة في النوعية والحجم، فهو إذن نظام لا يظْلم المخلوقات، ولا يهضمهم حقوقهم، فلا إقصاء، ولا تهميش، ولا تعدي، ولا اضطهاد للفئات المستضعفة، ولا استئصال لمجموعة حية والقضاء عليها كلياً، فالجميع يعيش مع بعض في أمن وأمان واستقرار، وفي تفاعلٍ ديناميكي بينها.

 

وأما شريعة الإنسان فهي من صنع الإنسان، ومن وضع البشر، ومن صفات البشر النسيان والقصور في الفكر والعقل مهما أوتوا من علم وخبرة، إضافة إلى الضيق في الأفق، وعدم التكامل بين كل التشريعات التي وضعها. كما أن من خصائص الإنسان العامة التحيز مهما بلغ أعلى مستوى من النزاهة، وعدم تنفيذ مبدأ السواسية المطلقة على القريب والبعيد، والعدالة التامة بين كل فئات البشر. فشريعة الإنسان قد تكون ظالمة، وقد تكون متحيزة، وقد تُعين القوي على الضعيف، وقد تأكل مال الضعيف وثروته وموارده، وقد يفلت القوي من العقاب والمحاسبة. وعادة ما تَحْكُم التشريعات البشرية الأهواء الشخصية، وتسيطر عليها المصالح الحزبية، وتكون في أغلب الأوقات غير ثابتة ومستقرة فترة طويلة ومتقلبة ومتغيرة حسب التقلبات السياسية، والتغيرات في نوعية الحُكم والأفراد.

 

فشريعة الغاب تُعد جزءاً من الشرائع والأنظمة الربانية المُحكمة والمتقنة التي خلقها الله سبحانه وتعالي، حيث خلق الله الكرة الأرضية وتحتوي على أنظمة بيئية كثيرة ومتنوعة، ولكل نظام قانونه الخاص به، والتشريع المتزن والدقيق الذي يُسيِّر أموره وشؤونه اليومية، وكل نظام يمشي ليلاً نهاراً باتقان شديد، وبتوازن دقيق، وبتكامل عميق بين مكوناته الحية وغير الحية. فهناك أنظمة بيئية برية، كالصحاري، والغابات، وهناك أنظمة مائية كالمسطحات المائية من بحار وأنهار ومحيطات، وهناك الأراضي الرطبة.

 

وهذه الأنظمة البيئية تحتوي على كائنات حية ذات وظائف وأدوار مختلفة، بحيث إنها تُكمل بعضها البعض، فتعيش مع بعض، وتتفاعل مع بعض في توازن دقيق وهش، ونظام ديناميكي متشابك ومعقد ونابض بالحيوية والنشاط، وشبكة غذائية دائرية، وحياة مستدامة ومستقرة.

 

فهناك أولاً في كل نظام بيئي الكائنات الحية "المُنتجة" المتمثلة في مختلف أنواع النباتات التي تنتج غذاءها بتحويل أشعة الشمس إلى طاقة عن طريق عملية التمثيل الضوئي، وهناك ثانياً الكائنات "المُستهلكة" التي تتغذى على النباتات وتعيش عليها، أو التي تعيش على الكائنات الحية الأخرى، ثم أخيراً هناك الأحياء "المُحلِّلة"، كالبكتيريا والطفيليات، أي التي تعمل طوال الساعة بجدٍ واجتهاد، وبدون كللٍ أو تعب أو فتور، فتقوم بمهمة حيوية تتمثل في تحلل الأموات من الكائنات النباتية والحيوانية، فتحولها وترجعها إلى التربة مرة ثانية. وفي المقابل هناك العناصر غير الحية في النظام البيئي من هواء، وماء، وتربة، وأشعة الشمس والتي توفر الظروف المناسبة لحياة هذه الكائنات الحية. فأي خللٍ نوعي أو كمي يحدث على هذه الكائنات الحية وغير الحية يؤدي مع الوقت إلى وقوع خللٍ وشرخ عميقين في النظام البيئي العام، وينجم عنه سقوط هذا النظام وخرابه. وعادة ما تكون أيادي الإنسان الفاسدة والعبثية هي التي تقف وراء هذا الفساد في النظام البيئي، وهي التي تسبب في حدوث ثغرات وعيوب في هذا النظام والتشريع الإلاهي الدقيق.

 

فلو أخذنا ودرسنا عن كثب نظام الغابات الفطري الطبيعي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى والذي يحتوي على مختلف أنواع الحيوانات المفترسة، والطيور الجارحة، والحيوانات غير المفترسة. فنجد أن الأسد الذي يتربع على عرش هذه الغابات البرية، ويقف في نهاية السلسلة الغذائية، يؤدي دور الضابط والمتحكم في أعداد الكائنات الحية الأخرى التي يتغذى عليها كالغزلان وحمار الوحش وغيرهما، ولكن دون القضاء عليهم، أو استئصالهم من نظام الغابة، أو طردهم من منازلهم وبيئاتهم التي يعيشون فيها، فيقوم بالتغذي على الضعاف والمرضى من الحيوانات، فتبقى هذه الحيوانات موجودة في صحة وأمن وسلام وتتكاثر بشكل طبيعي دون أن تَحدث طفرة في أعدادها فتقوم بالرعي الجائر وتُدهور الغطاء النباتي الذي يحتاج إليه كل الكائنات الحية الأخرى. فلم نسمع في شريعة الغاب، ونظام الغابات الذي لم تتدخل فيها أيدي البشر عن انقراض كائنٍ حي، أو طرده من بيئته الكبيرة، أو التخلص منه كلياً.

 

أما في شريعة الإنسان، كما ُيحدثنا التاريخ البعيد والقريب، فإن الإنسان تحت مبررات كثيرة لا تعد ولا تحصى، وحجج متنوعة، واستغلال للقانون يقوم بعملية الإقصاء للآخرين، ويقوم بعملية الإبادة الجماعية الشاملة للشعوب، سواء بقتلهم مباشرة، أو تجويعهم ومنع الشراب والأكل والدواء عنهم، أو بمحاصرتهم وخنقهم. وأُقدم لكم مثالاً واحداً فقط على "شريعة الإنسان" واستغلال هذا النفوذ التشريعي لاستئصال الأمم والشعوب، والسيطرة عليهم وعلى قرارهم وسيادتهم وجميع مناحي حياتهم، والتوسع جغرافياً في مناطق ودول أخرى وغزوها واحتلالها. فقد أعلن ترمب عند تنصيبه رئيساً للمرة الثانية في يناير 2025 عن "شريعته" وسياسته الجديدة التي سيمشي عليها وينفذها قائلاً:" ستَعتبر الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى أمة نامية، أمة تزيد ثروتها، وتوسع أراضيها، وتبني مدنها، وترفع سقف توقعاتها، وترفع رايتها إلى آفاق جديدة وجميلة". وهذه "الشريعة البشرية" التي لا احترام فيها للآخرين، ولا سيادة للدول، ولا سيطرة للشعوب على مواردها، ولا قانون دولي، ولا نظام عالمي، شاهدناها على أرض الواقع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر اختطاف رئيس فنزويلا واحتلال دولة ذات سيادة وتنصيب ترمب نفسه رئيساً لها، واعطاء نفسه حق التصرف في ممتلكات وثروات الدولة الفنزويلية ونهبها وسرقتها في وضح النهار. ومنها أيضاً تهديد ترمب لجزيرة جرينلاند بضمها بالقوة إلى أمريكا، ومنها تحريض الشعب الإيراني لزعزعة الاستقرار في الدولة والقيام بأعمال التخريب والهجوم عليها، ومنها محاولة ضم كندا وبناما ودول أخرى إلى أمريكا، ومنها المشاركة الفاعلة بالسلاح والمال والدبلوماسية لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ومحاولة استئصاله وتصفيته من على سطح الأرض.

 

فبعد هذا، أين قانون الغاب وشريعة الغاب ونظامه الرباني الدقيق والمتوازن والعادل، الذي يحفظ الحقوق ويعيش فيه الجميع بأمن وسلام وطمأنينة من "شريعة الإنسان" الجائرة، والمعتدية التي تُقصي الأمم والشعوب، بل وتقضي عليها كلياً؟ 

     

الثلاثاء، 13 يناير 2026

الجوانب الخفية للذكاء الاصطناعي

 

معظم الناس يكونون عادة من المستهلكين والمستخدمين لهذا المُنتج الرقمي الجديد، الذي يُطلق عليه الآن بالذكاء الاصطناعي، ولذلك لا يعرفون إلا كيفية استخدامه في الحصول على المعلومات في كافة القطاعات وتطبيقاته في المجالات المختلفة، ولكن ليست لديهم أدنى فكرة عن الجوانب الأخرى المتعلقة به، وبالتحديد الأبعاد والانعكاسات السلبية لهذا المنتج التقني الحديث والمتطور الذي تسعى كل دول العالم بما فيها بعض دول الخليج إلى نيل التفوق والريادة في تطويره وإنتاجه واحتكار تسويقه.

فبعد أن بدأ هذا المنتج في الاستقرار في بعض دول العالم المتطور والمتقدم من خلال بناء البنية التحتية الخاصة به، وبالتحديد مراكز المعلومات، انكشفت بعض الأبعاد السلبية التي كانت مخفية وغير مرئية في مطلع استخدام هذا المنتج على كافة المستويات، من الفرد، والمجتمع، والدولة برمتها. كما انعكست على البيئة ومواردها وثرواتها الطبيعية، من ماء، وهواء، وتربة، إضافة إلى استنزافها الشديد للماء والكهرباء، وبخاصة في الدول التي تعاني أصلاً من شح في هذه الموارد وارتفاع أسعار إنتاجها. وقد أحس المواطن العادي البسيط في هذه الدول، وشعر عن قرب هذه السلبيات، فأثرت على معاشه وحياته اليومية، وبخاصة على فواتير الماء والكهرباء الشهرية التي يدفعها وأخذت في الارتفاع شهراً بعد شهر. ولذلك تحول الذكاء الصناعي من انجاز تقني مشهود وملموس للعالم أجمع، إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية، واجتماعية، بل وتحولت في بعض الدول التي لها الريادة والسبق في هذا المنتج، مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى قضية سياسية عامة، حسب التحقيق المنشور في صحيفة الواشنطن بوست في 7 يناير 2026.

ونتيجة لكل هذه الجوانب الخفية التي بدأت تظهر يوماً بعد يوم، وقلق وتخوف الشعب الأمريكي من تداعياته المستقبلية غير الواضحة، فإن رجال السياسة وأعضاء الكونجرس قاموا بنقل هذا الهم الشعبي العام إلى كافة الشارع والمجتمع الأمريكي، وبالتحديد رداً على الأمر التنفيذي للرئيس ترمب في 13 ديسمبر 2025 الذي منع فيه الولايات الأمريكية اتخاذ أية خطوات تشريعية ونظامية لتنظيم وتقنين مراكز المعلومات الخاصة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتعددة.

فعلى سبيل المثال، صرحتْ النائبة الجمهورية السابقة في الكونجرس في ديسمبر 2025 "مارجوري تايلور جرين" قائلة بأن: "التنافس مع الصين لا يعني أن نُصبح مثل الصين، فنهدد حقوق الولايات، ونؤثر على جهود التوظيف بدرجة واسعة، ونفاقم من مستوى الفقر، ونؤثر على البيئة ومصادر المياه". كذلك صرحت النائبة الديمقراطية "ألكسندريا أوكاسيو_كورتيز" وقالت: "بأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تسبب الانتحار لأطفالنا، وترفع مراكز البيانات من كلفة الكهرباء وتلوث المجتمعات المحلية، كما أن معظم الأمريكيين يعيشون في قلق من أن الذكاء الاصطناعي سيسلبهم وظائفهم ويجعلهم عاطلين دائماً عن العمل".

وعلاوة على تصريحات أعضاء الكونجرس، فقد أعلنت في 8 ديسمبر 2025 أكثر من 230 مجموعة ومنظمة بيئية ومجتمعية عن دعوتها للجهات المعنية للتوقف عن بناء مراكز جديدة للمعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية، ووجهت رسالة مفتوحة إلى الكونجرس تبين فيه عطش هذه المراكز للطاقة واستهلاكها الشديد للكهرباء، مما أدى إلى رفع فواتير الكهرباء والماء التي يدفعها الشعب الأمريكي، كما نجم عن تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحديات بيئية خطيرة منها تلوث الهواء الجوي، وبخاصة بالنسبة لغاز ثاني أكسيد الكربون المتهم الأول في التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع مستوى سطح البحار. كما أن هذه المراكز تهدد الأمن المائي للمدن والولايات بسبب استنزافها الكبير للثروة المائية لعمليات التبريد. كذلك حثت هذه المنظمات في خطابها إلى الكونجرس إلى تجميد بناء مراكز جديدة، والتريث قليلاً وعدم التسرع في بناء وإنشاء البنية التحتية لهذه التقنية الحديثة، حتى تتضح الرؤية حول مختلف جوانب أبعادها، والعمل على اتخاذ خطوات متأنية وشاملة ومدروسة للتعرف عن كثب على سلبيات مراكز المعلومات من جميع النواحي، البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، ومصادر الطاقة والماء.

فاستعجال ترمب في تحقيق السبق والريادة والتفوق على الصين وغيرها من الدول في صناعة الذكاء الاصطناعي، وتجاهل الجوانب السلبية المتعلقة بها وعدم أخذها في الاعتبار أثناء التطوير والبناء، تُرجع بي الذاكرة إلى أمريكا والغرب في مهد الثورة الصناعية عندما كان الهدف الأول والأخير هو الإنتاجي الصناعي السريع والكبير بسياسة مفرطة وعشوائية، وتحقيق النمو الاقتصادي والازدهار المعيشي للشعوب، وفي الوقت نفسه الغفلة الكاملة عن كل الجوانب السلبية الناجمة عن هذا النمو المعوق والعقيم، وبخاصة من الناحية البيئية والانبعاثات السامة والخطرة إلى الهواء الجوي من المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، ووسائل النقل. فهذه الانبعاثات ولَّدت قضايا وأزمات بيئية عالمية مثل تدهور طبقة الأوزون، والتغير المناخي، ومشكلات إقليمية عابرة للحدود الجغرافية مثل المطر الحمضي، والإثراء الغذائي والمد الأحمر في الأنهار والبحيرات، إضافة إلى المشكلات المحلية في الكثير من مدن العالم كظاهرة الضباب الضوئي الكيميائي. وكل هذه الأزمات البيئية تسببت في كوارث بشرية أسقطت عشرات الآلاف من الضحايا والمرضى.

ولذلك لا بد من على الإنسان أن يتعظ بهذا التاريخ البيئي المظلم، ويتعلم من هفواته وزلاته، فيقوم بدراسة جميع الجوانب المتعلقة بكل منتج جديد، كالذكاء الاصطناعي. ومن هذه الجوانب التي بدأت تنكشف بوضوح هو الاستهلاك الشديد للكهرباء والماء لمراكز معلومات الذكاء الاصطناعي، وما ينجم عنه من ملوثات تدمر صحة البيئة وتنعكس مباشرة على سلامة وأمن الإنسان من جهة وتحقيق الأمن والاستدامة في مجالي الطاقة والمياه.

أما في مجال استهلاك الكهرباء، فقد أكدت وكالة البلومبيرج في 5 يناير 2026 على هذا الواقع المرير، حيث أفادت بأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة، مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى دعم توليد الكهرباء بالطاقة النووية بمبلغ قدره 2.7 بليون دولار لتغطية الطلب بسبب الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى احياء مصانع توليد الكهرباء بالفحم التي ماتت منذ عقود. كذلك صرحت شركة "ميتا" في 9 يناير 2026 بأنها ستبني مفاعلاً نووياً لسد احتياجاتها المرتفعة والمتسارعة من الكهرباء لمراكز المعلومات الخاصة بها. وقد أعلن وزير الطاقة الأمريكي "كريس رايت" في سبتمبر 2025 بأن "الفحم الجميل النظيف سيكون ضرورياً للفوز في سباق الذكاء الاصطناعي" وأكد بأنه سيستثمر 625 مليون دولار.

وقد نُشرتْ دراسة في مجلة(Patterns) في 17 ديسمبر 2025 تحت عنوان: "البصمة الكربونية واستهلاك المياه لمراكز المعلومات للذكاء الاصطناعي"، حيث قدَّرت بأن البصمة الكربونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي تتراوح بين 32.6 و 79.7 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون في عام 2025، في حين أن بصمة المياه قد تصل إلى 312.5 إلى 764.6 بليون لتر، وهذه البصمة الكربونية والمائية للذكاء الاصطناعي بسبب شدة استهلاكها للكهرباء والماء، حيث أشارت الوكالة الدولية للطاقة بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تمثل قرابة 15% إلى 20% من إجمالي استهلاك وحاجة الكهرباء لمراكز المعلومات في عام 2024، وحاجتها للكهرباء قد تصل إلى 47.4 جيجاواتس في عام 2024، وهذه أعلى من احتياجات واستهلاك الكثير من دول العالم مثل بريطانيا التي تحتاج معدل 30.7. وهذا الاستهلاك الضخم للكهرباء يولد ملوثات من بينها غاز ثاني أكسيد الكربون المتهم في سخونة الأرض، حيث إن توليد الكهرباء من مراكز المعلومات على المستوى الدولي ينتج عنها 182 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، ويستهلك 560 بليون لتر من المياه في عام 2023.

وعلاوة على الجوانب المتعلقة بالبيئة، والصحة، وأمن الثروات الطبيعية من طاقة ومياه، فهناك الجوانب الاجتماعية والثقافية من حيث نشر المعلومات الخاطئة، والمزورة، والمضللة في جميع القطاعات، إضافة إلى البرامج الإباحية الجنسية الموجهة نحو الأطفال.

فكل هذه الجوانب السلبية الخفية وغير المرئية للذكاء الاصطناعي بدأت تنكشف يوماً بعد يوم، وأخذت هذه السلبيات تتفاقم مع الزمن، وتظهر بشكل أكثر وضوحاً، وأشد تأثيراً على صحة وسلامة المجتمعات، مما يؤكد ضرورة أن يدوس الإنسان على المكابح، ويضغط على فرامل قطار الذكاء الاصطناعي فيخفف من سرعته المتهورة ليسبر غور هذه الجوانب الخفية، ويتعامل معها من الآن قبل أن تستشري كثيراً، وتتجذر في قلب المجتمعات فلا يمكن علاجها.

الجمعة، 9 يناير 2026

متى نسمح لأطفالنا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟


أشيدُ كثيراً بجرأة وشجاعة الحكومة الأسترالية على تحديها ومواجهتها الصعبة للشركات العملاقة متعددة الجنسيات ذات النفوذ القوي والواسع سياسياً واقتصادياً من خلال اتخاذها لقرارٍ استراتيجي قوي لا شعبية له بالنسبة لهذه الشركات الجشعة الكبيرة، ولكن هذا القرار يحمي عقول ونفسية فلذات أكبادنا من أطفالنا وشبابنا من شر وسلبيات وأمراض وسائل التواصل الاجتماعي التي انتشرت في جميع المجتمعات الغنية والفقيرة بدون استثناء، فتوغلت في شرايينها وتحركت فيها كجريان الدم في جميع أعضاء جسم الإنسان.

 

وهذا القرار التاريخي الأول من نوعه، وهذه المبادرة الحيوية على المستوى الدولي تم اتخاذه في العاشر من ديسمبر 2025، حيث يؤكد على أن هذه الوسائل غير آمنة لصغار السن ويعرضهم للإصابة بالإدمان والأمراض العقلية والنفسية، كما يقوم بتقنين استخدام كافة شبكات ووسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، وسناب شات، وإنستجرام، ويوتيوب، وفيس بوك بحيث يُمنع استخدامها من الذين أعمارهم تقل عن 16 سنة. كذلك ألزم القرار هذه الشركات الخاصة بالتواصل الاجتماعي العمل على عدم السماح لمن دون سن 16 على الدخول في هذه التطبيقات في هواتفهم الذكية، أو الحاسب الآلي، أو غيرهما.

 

ونظراً لشدة وقع هذا القرار على مملكة شركات التواصل الاجتماعي الجشعة، وخسارتها لأكبر فئة عمرية تَستَخدم بكثافة هذه الوسائل، وانخفاض أرباحها ونموها الاقتصادي، فقد سعت سراً ومن تحت الستار إلى استنفار جميع قواتها وجنودها لاستعادة هذه الفئة لاستخدام وسائلها الاجتماعية، مهما كانت الطرق والوسائل، شرعية أم غير شرعية. فقد كشفت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في 29 ديسمبر 2025 عن وثائق سرية لشركة "ميتا"، وبالتحديد لوسيلة التواصل الاجتماعي "إنستجرام"، تضمنت خططها لإعادة الأطفال والشباب إلى الإدمان على استخدام الإنستجرام مرة ثانية، حيث نشرت تحقيقاً تحت عنوان: "وثائق مسربة تبين خطة إنستجرام لاستعادة المراهقين". وقد جاء في هذه الوثائق السرية أن شركة "ميتا" تُجري دراسات معمقة عن أنماط حياة جيل الشباب والمراهقين الحالي، والتعرف على هواياتهم ورغباتهم وميولهم حتى ينجحوا في جذب اهتمامهم، وسحبهم نحو هذه الوسائل والوقوع في فك الإدمان عليها.

 

فالقرار الأسترالي لم يأت من فراغ، ولم يُبن على أهواء رجال السياسة، ولم يكن قراراً حزبياً خالصاً، وإنما استُخلص من استنتاجات الدراسات العملية الموثقة التي أجمعت على الأضرار التي تُلحقها مختلف أنواع الوسائل على الصحة العقلية والنفسية للأطفال.

 

وهناك الكثير من الأبحاث التي سبرت غور هذه القضية، ودرستها من عدة جوانب منها الجوانب الصحية المتعلقة بالصحة الجسدية والعقلية والنفسية على المستخدمين، وبخاصة بين الأطفال والشباب، ومنها الجوانب الاجتماعية والسلوكية، ومنها ما ولج في تحديد عمر المستخدم، وبخاصة من فئة الأطفال والمراهقين.

 

فهناك دراسة شاملة ولفترة طويلة من الزمن أجرتها "المعاهد القومية للصحة" تحت عنوان: "التطور المعرفي للدماغ لدى المراهقين" والمنشورة في ديسمبر 2025 وشملت 12 ألف شاب في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث فحصت العوامل البيئية، والاجتماعية، والجينية، والحيوية التي تؤثر على المخ والتطور المعرفي، وعلى السلوكيات والصحة. وقد تم جمع كمٍ كبير جداً من المعلومات الأولية التي تم تقيمها وتحليلها من قبل الباحثين الآخرين ونشرها كأبحاث علمية مستقلة في مجلات مُحكَّمة.

 

فالدراسة الأولى التي استخدمتْ بنك المعلومات والأرقام من بحث المعاهد القومية للصحة نُشرت في مجلة "علوم الأطفال" في 1 ديسمبر 2025 تحت عنوان: "امتلاك الهاتف الذكي، عُمر استخدام الهاتف، والجوانب الصحية المتعلقة بها في المراهقة المبكرة". فهذه الدراسة هدفت إلى معرفة العلاقة بين استخدام الهاتف الذكي ووسائل التواصل عند المراهقين والتعرض لأمراض نفسية مثل الاكتئاب، والبدانة، وعدم الحصول على النوم الكافي. فقد كانت عينة الدراسة 10588 شاباً، وقارنت بين المراهقين الذين استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي عند عمر 12 سنة، وغيرهم من الذين لم يستخدموا الهاتف. فالذين استخدموا الهاتف ارتفعت لديهم مخاطر الإصابة بالاكتئاب، والبدانة، وعدم الحصول على النوم الكافي.

 

والبحث الثاني نُشر في "مجلة جمعية الأطباء الأمريكيين" في 2 ديسمبر 2025 تحت عنوان: "مسارات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأداء المعرفي في فترة المراهقة"، حيث تكونت عينة الدراسة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و 13 عاماً. وتوصلت الدراسة إلى عدة استنتاجات منها بأن الذين يستخدمون وسائل التواصل من الأطفال لساعات طويلة يعانون من ضعف الأداء المعرفي بشكلٍ عام. وأما البحث الثالث فقد نشر في مجلة "طب الأطفال" في 8 ديسمبر 2025 تحت عنوان: " الوسائل الرقمية، والجينات ومخاطر ظهور أعراض مرضية على الأطفال"، حيث أشارت إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من حالة عدم الاهتمام والتركيز عند الأطفال.

 

وأخيراً هناك الدراسة المنشورة في مجلة "علم الأطفال" في الأول من ديسمبر 2025 والتي تتطابق نتائجها مع نتائج الدراسة المنشورة في مجلة "نمو وقدرات الإنسان"(Human Development and Capabilities) في 20 يوليو 2025 تحت عنوان: "حماية العقل النامي في العصر الرقمي: ضرورة وجود سياسة عالمية"، حيث أفادت بأن استخدام الهاتف الذكي قبل سن 13 مرتبط بضعف القدرات والصحة العقلية عند الأطفال والمراهقين، وبخاصة عند الإناث، ومن ضمن التدهور العقلي والنفسي هو التفكير في الانتحار. علماً بأن مثل هذه الحالات المرضية التي يصاب بها الأطفال تحولت الآن إلى ظاهرة دولية تعاني منها الكثير من المجتمعات حول العالم.

 

فكل هذه الدراسات والأبحاث تُجمع على الأضرار الصحية الجسدية، والنفسية، والعقلية التي يقع فيها الأطفال والشباب عند استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي في سنٍ مبكرة ولساعات طويلة من الزمن، ولكن الاختلاف بين العلماء والمختصين في الفئة العمرية التي تعاني من أشد الأضرار بسبب سوء الاستعمال، إضافة على عدم الاتفاق على العمر الذي يُسمح فيه باستخدام الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي، فأستراليا حددت عمر 16، والرئيس الفرنسي ماكرون أعلن في الأول من يناير 2026 بأنه سيعمل على منع استخدام الأطفال ممن هم دون سن 15 من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

 

فهذه الظاهرة الصحية الاجتماعية الدولية الملحة من المفروض أن تدعونا في دول الخليج إلى دراستها والتعرف عن كثب على كافة تفاصيلها، وبخاصة في قضية تحديد العمر المسموح به للاستخدام والذي قد يكون في عمر أكبر من 13 سنة.

 

الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

نجاحات بيئية في عام 2025


مضى عام 2025، وعانت البيئة في تلك السنة من فشل وإخفاقات دولية كبيرة انعكست سلباً على أمن وسلامة كوكبنا، وبالتحديد بالنسبة لأزمة التغير المناخي العقيمة وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها وزيادة حمضية مياهها. فلم ينجح المجتمع الدولي من ايجاد حلٍ جماعي مشترك، وفشل من خلال مفاوضات الاجتماعات الأممية حول التغير المناخي المستمرة منذ أكثر من 30 عاماً من الوصول إلى معاهدة دولية مشتركة وملزمة لجميع الدول لمواجهة هذا التحدي العظيم والمصيري المشترك. فدرجة حرارة الأرض في ارتفاع سنة بعد سنة ولم تنجح الاجتماعات الدولية في تحديد الآليات والحلول لمنع زيادتها، ومستوى سطح البحر أيضاً في ارتفاع مشهود عاماً بعد عام دون أن يجد الإنسان الأدوات اللازمة لإيقافه ومنع الفيضانات والأعاصير الناجمة عنه.

 

وبالرغم من هذا الوضع المظلم والمتدهور الذي يعيش فيه كوكبنا، إلا أن هناك بعض الجوانب المتعلقة بالتغير المناخي والذي حقق نجاحاً ملموساً ومشهوداً في عام 2025، وبخاصة في الجانب المتعلق بالقانون الدولي للتغير المناخي، وبالتحديد القرار التاريخي الذي صدر عن محكمة العدل الدولية حول التغير المناخي في لاهاي في يوليو من العام المنصرم.

 

وهذا القرار يعد تاريخياً وفريداً من نوعه لسببين رئيسين. الأول هو ولوج محكمة العدل الدولية وربما لأول مرة منذ إنشائه في قضية تُعتبر وتُصنَّف عند الكثير من الدول بأنها قضية بيئية بحتة ولها علاقة مباشرة بأحد عناصر البيئة، وهو الغلاف الجوي، فلا علاقة لهذه المحكمة الدولية بها، ولا تقع ضمن اختصاصها والأهداف التي أنشئت من أجلها والمتعلقة بالجانب السياسي والأمني والحقوقي للبشر، إضافة إلى تقديم الرأي والمشورة في النزاعات بين الدول، كذلك بيان الرأي الشرعي الدولي بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إياها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. والسبب الثاني هو أن هذه المحكمة ربطت قضية التغير المناخي بحقوق الإنسان في كل أرجاء العالم، مما يعني بأن على دول العالم حسب قوانين حقوق الإنسان الاهتمام بهذه القضية وحماية الإنسان في كل المجتمعات من تداعياتها. كما أن المحكمة اعتبرتها قضية عدالة دولية بين الدول النامية والفقيرة التي تعاني وتتضرر يومياً من مردودات وتداعيات التغير المناخي، وهي لم تتسبب في وقوعه، وبين الدول الصناعية المتقدمة التي كانت مصدر وقوع هذه القضية منذ قرابة قرنين من الزمان بتلويث الهواء من المصانع والسيارات والقطارات وغيرهما، فلا بد إذن من هذه الدول أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية في تحقيق العدالة المناخية الدولية. 

وقد نُشرتْ الفتوى القانونية الدولية في 23 يوليو 2025 في قضية "مسؤولية الدول في مواجهة التغير المناخي"، حيث تَضَمنت الطلب الإجابة عن سؤالين هما أولاً: ما هو دور والتزامات وواجبات الدول حسب القانون الدولي في حماية الأنظمة المناخية من انبعاثات الأنشطة البشرية من غازات الاحتباس الحراري مثل غاز ثاني أكسيد الكربون، وثانياً: ما هي العواقب القانونية لهذه الالتزامات والأضرار الناجمة عنها للنظم المناخية ذات العلاقة بالدول، وبالتحديد على الدول الجزرية النامية، والناس، والأجيال المستقبلية.

وقد أكدت الفتوى على عدة مبادئ منها العدالة البيئية بين الدول، فلا تتعدى أية دولة بيئياً على السيادة البيئية لدولة أخرى أو لكوكبنا عامة، إضافة إلى العدالة البيئية بين الأجيال، أي بين الجيل الواحد وبين الأجيال المتعاقبة، فلا يؤثر أي جيل على مكونات وعناصر البيئة من الناحيتين النوعية والكمية حتى تتمتع كل الأجيال على حدٍ سواء ببيئة نظيفة، وسليمة، وصحية، وموارد وثروات بيئية غير ملوثة. وأما المبدأ الثاني فهو ضم قضية التغير المناخي وتداعياتها في بند حقوق الإنسان، فمن حق أي إنسان أن يعيش في بيئة تُعينه على الحياة الكريمة والعيش الرغيد، وتقوي دوره في البناء والتطور والإنتاج، وتحقيق التنمية المستدامة.

 

ومن نصوص هذه الفتوى هي أن على الدول حسب القانون الدولي لحقوق الإنسان الالتزام بتوفير "البيئة النظيفة، والصحية، والمستدامة"، كما أن القرار وصف قضية التغير المناخي بأنها "تهديد وجودي وعاجل" وأن على الدول مسؤولية مواجهتها بشكل جماعي مشترك.

 

أما الأزمة الدولية الثانية التي يخوضها كوكبنا منذ التسعينيات من القرن المنصرم فتُعد قصة نجاح لتظافر الجهود الدولية وتكاتفها لعلاج قضية تخص كوكبنا وتشترك فيها كل دول العالم من حيث المسؤولية في وقوعها من جهة، ومن حيث السقوط في تداعياتها المختلفة. وقد تحققت النتائج الإيجابية الدولية لهذه الأزمة المشتركة في عام 2025 بشكلٍ خاص.

 

هذه القضية هي انخفاض غاز الأوزون في طبقة الأوزون في القطب الجنوبي، والتي هي جزء صغير وحيوي ومهم جداً لاستدامة حياة البشر على سطح الأرض من طبقة الاستراتسفير العليا. وتتلخص هذه القضية في استخدام الإنسان لمواد كيميائية في تطبيقات كثيرة جداً كالتبريد والتكييف، وهذه المواد مع الوقت تسربت إلى الهواء وانتقلت إلى أعالي السماء حتى بلغت طبقة الأوزون، حيث قامت هذه الملوثات بتحليل غاز الأوزون الذي يحمي الإنسان من الأشعة فوق البنفسجية، فتَحوَّل غاز الأوزون إلى غاز الأكسجين غير المطلوب في تلك الطبقة، مما أدى إلى وجود منطقة شاسعة منخفضة تركيز غاز الأوزون فتتسرب منها الأشعة فوق البنفسجية القاتلة وتصل إلى سطح الأرض وتتضرر منها كل الكائنات الحية من إنسان، ونبات، وحيوان.

 

واليوم خفت وتيرتها وشدتها، وبدأ تركيز غاز الأوزون يتعافى في تلك الطبقة حسب تحليلات "الإدارة الوطنية للملاحة الجوية" (ناسا)، والإدارة القومية الأمريكية للمحيط والغلاف الجوي في عام 2025. ويعزى السبب في هذا النجاح إلى تظافر وتكامل جهود دول العالم أجمع بقيادة الأمم المتحدة والدول الصناعية المتقدمة الكبرى لمواجهة هذه الظاهرة البيئية الصحية الوجودية والمصيرية المشتركة. فقد قامت الدول وشركاتها الصناعية بالتخلص التدريجي من الملوثات الكيميائية التي أدت مع الوقت إلى استنفاد غاز الأوزون في طبقة الجو العليا، حيث استخدمت الأمم المتحدة أداة المعاهدات الدولية وعلى رأسها بروتوكول مونتريال.

 

أما قضية النجاح الثالثة للمجتمع الدولي في عام 2025 فهي متعلقة بانقراض الأنواع من الحياة الفطرية النباتية والحيوانية التي تعيش معنا على سطح الأرض، حيث أعلن "الاتحاد الدولي لصون الطبيعة" في أكتوبر 2025 بأنه تم رفع اسم سلاحف البحر الخضراء من قائمة الأنواع المهددة بالانقراض، مما يؤكد نجاح جهود دول العالم التي استغرقت قرابة 40 عاماً في حماية واكثار هذا النوع من السلاحف حتى وصلت أعداده إلى بر الأمان.

 

وبالرغم من تحقيق المجتمع الدولي لبعض الإنجازات والنجاحات في عام 2025، فهي في تقديري ما هي إلا فقط شمعة بسيطة تضيء الطريق في نهاية نفقٍ مظلم وأسود وطويل جداً لا يمكن معرفة مصيره ونهايته. فهل ستكون لخير البشرية، ونماء بيئتها وازدهار مكوناتها، أم ستكون أداة تدميرها والقضاء عليها؟

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

الأطعمة المعالجة صناعياً وباء دولي مشترك

 

لا تخلو "برادة" ومحل لبيع الأغذية والأطعمة صغيرة أم كبيرة في أي مدينة أو قرية نائية حول العالم من الأطعمة والمواد الغذائية المعلبة، والمثلجة، والجاهزة للأكل.  وكل هذه المواد الغذائية تثور وتدور حولها منذ عقود طويلة من الزمن الشكوك الصحية لتعريضها للبشر جميعاً لأمراض وأسقام مزمنة يصعب علاجها.

فمشكلة هذه الوجبات الجاهزة والأطعمة المعلبة تكمن في أنها تحتوي على الآلاف من المضافات الكيميائية الصناعية السرية والخفية التي لا يعرف أي أحدٍ عن هويتها ونوعيتها وتركيبها الكيميائي وخصائصها البيولوجية، ومدى ملاءمتها وسلامتها لاستهلاك الإنسان. فهناك المئات من المواد الملونة، والكثير من المضافات التي تعطي نكهة طيبة للطعام، ومذاق وطعم حلو، وهناك المواد التي تُحسِّن من هيئة ومظهر المادة الغذائية لكي تكون شهية المنظر، وأكثر جاذبية للمستهلك، وأشد قبولاً ورغبة في شرائها وأكلها، إضافة إلى المواد الكيميائية التي تحفظ الغذاء من التلف، والعفن، والميكروبات الضارة، فتطيل من عمرها سنوات عديدة.

ونظراً لواقعية المردودات الصحية التي يصاب بها البشر في كل أرجاء العالم، وبخاصة الأطفال من تناول هذه الوجبات والأطعمة المعالجة صناعياً بطرق وأساليب كثيرة، ومنها السكري من النوع الثاني، والبدانة، وأمراض القلب، فقد زادت الأبحاث والدراسات العلمية التي تُحذر من الإفراط في تناولها وأكلها، وأطلقَ عليها العلماء مصطلحاً عاماً هو "الأطعمة فائقة المعالجة"(ultraprocessed foods)، أو الأطعمة المعالجة صناعياً.

ولذلك خصصت مجلة طبية دولية عريقة هي "اللانست"(The Lancet) عدداً خاصاً صدر في 18 نوفمبر 2025 تحت عنوان: "الأطعمة المعالجة صناعياً: حان الوقت لوضع الصحة قبل الربح". ويتناول هذا العدد من المجلة جميع الجوانب المتعلقة بهذه الظاهرة الصحية الدولية المشتركة والمتمثلة في الأطعمة المعالجة صناعياً، أو الأطعمة المعدلة والتي تضاف إليها مواد كيميائية الكثير منها مجهولة الهوية. كما نَشرتْ المجلة المرموقة سلسلة شاملة وجامعة من ثلاث دراسات في العدد نفسه، وشارك فيها خبراء من 43 دولة في مجال التغذية، والصحة العامة، والبيئة، والقانون والسياسة، وبدعمٍ من منظمات أممية معنية بهذه القضية الجامعة والمشتركة، منها صندوق الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الصحة العالمية.

أما الدراسة الأولى التي نُشرت في العدد الخاص من المجلة، فقد جاءت تحت عنوان: "الأطعمة المعالجة صناعياً وصحة الإنسان: الأطروحة الرئيسة والأدلة"، حيث عرضت الجانب المتعلق بصحة وسلامة الإنسان، والأمراض التي يتعرض لها عند الإفراط ولسنوات طويلة في استهلاك الأغذية والأطعمة المعالجة صناعياً. وأما الدراستان الثانية وعنوانها: "السياسات لوقف وعكس نمو إنتاج، وتسويق، واستهلاك الأطعمة المعالجة صناعياً"، والثالثة "نحو جهود دولية مشتركة ضد الأطعمة المعالجة صناعياً"، فتقدمان وتقترحان أن تكون هناك جهود دولية مشتركة ترسم وتحدد السياسات العامة التي يجب أن تتبعها المنظمات الأممية ذات العلاقة، وحكومات الدول لكيفية التصدي لهذه الظاهرة الصحية الدولية المنتشرة في كل الدول بدون استثناء، بحيث تتم مواجهة كافة مراحل هذه الأطعمة، بدءاً بتصنيعها وانتاجها، ثم تسويقها واستهلاكها.

وبعد الاطلاع على كل هذه الدراسات، أُقدم لكم أهم الاستنتاجات التي تمخضت عنها، كما يلي:

أولاً: هناك ارتفاع مطرد مشهود على المستوى الدولي للأمراض غير المعدية المرتبطة بغذاء الإنسان ونوعية المأكولات والأطعمة التي يستهلكها يومياً منذ طفولته وحتى يكبر، مما يعني أهمية توفير واستهلاك وتناول الغذاء الصحي نوعياً وكمياً للإنسان طوال سنوات حياته حتى يتجنب كل الأمراض المتعلقة بها.

ثانياً: تؤكد الدراسات بأن أسباب انتشار وتفاقم ظاهرة تناول الأغذية المعالجة صناعياً في كل أنحاء العالم هي أن الأغذية المعلبة والأطعمة الجاهزة أصبحت متوافرة وبكل سهولة في كل ركنٍ بعيد أو قريب في الأرض، وفي القرى النائية والبعيدة، أو المدن الحضرية الكبيرة، فهي سهلة المنال، ورخيصة الثمن، وطيبة المأكل والمظهر والشكل، ولا تحتاج إلى ساعات طويلة، وجهود كبيرة للإعداد والطهي والتحضير، ولذلك فالإقدام على استهلاكها في نمو دائم في كل أنحاء العالم. وقد أكدت التقارير الرسمية بأن مبيعات هذه الأطعمة على المستوى الدولي قد زادت من 1.5 تريليون دولار في عام 2009 إلى 1.9 في عام 2023. وفي المقابل نجد أن الأغذية الصحية، كالخضروات، والفواكه، والوجبات المنزلية تكون عادة في بعض القرى والمدن غير متوافرة، وغالية الثمن، ومن الصعب الحصول عليها، وتحتاج إلى جهد ووقت كبيرين، ولذلك ينخفض مستوى الإقبال عليها وتناولها يومياً.

ثالثاً: أشارت الدراسات إلى أن هناك علاقة سببية وقوية بين الإسراف في تناول الأغذية المعلبة والمعالجة صناعياً لفترات طويلة من الزمن، وبين الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، مثل البدانة والوزن المفرط، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب.

رابعاً: كشفت الدراسات إلى وجود جماعات ضغط قوية ومتنفذة تدافع عن شركات الأطعمة الجاهزة والمعلبة، وتُلمع من صورتها وسمعتها، وتُحسن من جودتها، وتشكك في الأدلة التي تثبت تأثيرها على الأمن الصحي للإنسان. كما أن جنود هذه الشركات من المرتزقة متغلغلون في الوزارات الحكومية المعنية بهدف توجيه قرارات الحكومات، وتغيير سياساتها نحو تخفيف الأنظمة والتشريعات المتعلقة بهذا النوع من الأطعمة. فهذه الشركات العملاقة تتبع سُنن من قَبْلهم من شركات التبغ والسجائر شبراً بشبر، وذراعاً بذراع فتتبنى استراتيجيات وخطط شركات التدخين القديمة منذ القرن المنصرم لكي تُروج هذه البضاعة الفاسدة صحياً، وتسوق لها عند جميع الفئات العمرية وبأساليب حديثة تجذب الناس وتغريهم وتحثهم على تناولها وتجربة مذاقها وطعمها فتؤدي بهم إلى الإدمان عليها.

خامساً: أكدت الدراسات بأن قضية الوجبات والأطعمة المعالجة صناعياً دولية، ولذلك لا بد أن يكون حلها دولياً، ولا بد من تظافر دول وعلماء العالم وجميع المهتمين للحد من تفاقم هذه الظاهرة العالمية، بحيث توضع حلولاً مشتركة تتعامل مع كافة مراحل هذه الأطعمة من مرحلة التصنيع والإنتاج والتحكم في محتوى المُنتج الغذائي والعلامات التحذيرية والتوضيحية التي توضع على المنتج إلى مرحلة التسويق والبيع، وأخيراً تنبيه المستهلك إلى خطورة تناول مثل هذه الأطعمة. 

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

ماذا يعني توجيه ترمب باستئناف التجارب النووية؟

 


فجّر ترمب كعادته تصريحاً نووياً ثقيلاً هزَّ العالم برمته، وولَّد الكثير من الغموض والتكهنات، ونُشرت العديد من التحليلات على كافة المستويات الدولية لسبر غور هذا التصريح ومحاولة تكهن أبعاده، ودلائله، وتأثيراته المستقبلية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

فقد وجه ترمب في 30 أكتوبر 2025 وزارة الحرب على استئناف التجارب النووية التي كانت تجريها أمريكا منذ الأربعينيات من القرن المنصرم بعد أن توقفت لقرابة 33 عاماً، أي في عام 1992 في عهد الرئيس جورج بوش الأب الذي أصدر أمراً تنفيذياً بإيقاف التجارب والتفجيرات النووية. وجاء هذا الأمر الرئاسي قبيل لقائه بالرئيس الصيني كرد فعل على البرامج النووية التي تقوم بها روسيا، والصين، وكوريا الشمالية من ناحية إجراء روسيا لتجارب نووية ومن ناحية زيادة أعداد القنابل والرؤوس النووية في هذه الدول، إضافة إلى الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية العابرة للقارات والتي تحمل رؤوساً نووية بأحجام وقدرات تفجيرية مختلفة، حيث كتب ترمب على منصة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال" قائلاً: "بسبب برامج التجارب النووية التي تنفذها دول أخرى، وجهتُ وزارة الحرب للبدء في اختبار أسلحتنا النووية على أساس متكافئ، وهذه العملية ستبدأ فوراً". كما أكد ترمب على هذه التصريحات في اللقاء التلفزيوني لمحطة "أخبار سي بي إس" التي أَجرتْ معه لقاءً في 2 نوفمبر في برنامج "60 دقيقة"، حيث قال: "لا أريد أن أكون الدولة الوحيدة التي لا تُجري الاختبارات النووية"، لأن روسيا والصين تقومان بالاختبارات على أسلحتها النووية.

ولكن هذا التصريح ترك أمامنا الكثير من التساؤلات والاستفسارات، فلم يوضح ترمب أموراً عدة، منها هل ستجري أمريكا فعلاً تجارب نووية جديدة، أي تفجيرات نووية، علماً بأنها محظورة دولياً حسب المعاهدات التابعة للأمم المتحدة، مثل "المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية" والتي لم تصادق عليها الدول النووية الكبرى؟

وإذا كانت ستقوم الولايات المتحدة بهذه التجارب والتفجيرات النووية، هل ستكون فوق الأرض، أو تحت الأرض، أو تحت أعماق المحيطات، أو في الفضاء الشاسع فوق الأرض؟

وما هي الرسائل التي يريد ترمب توصيلها من هذا التصريح إلى الدول المعنية، وبالتحديد روسيا والصين، وباقي حكومات العالم؟

وهل مثل هذا التصريح سيشجع ويحفز البدء في سباق محتدم جديد للتسلح النووي بين دول العالم، ولكن هذه المرة لن يكون السباق بين دول الحرب الباردة كأمريكا وروسيا فحسب، وإنما ستدخل السباق دول أخرى كثيرة، وستشارك في إنتاج الأسلحة النووية ذات القدرات التدميرية الهائلة؟ وهذه الحالة الكارثية من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار ليس على مستوى الدول وإنما على مستوى الكرة الأرضية برمتها.

 

 ولذلك قامت وبسرعة عدة جهات حكومية رسمية أمريكية على مستوى الوزراء بنشر تصريحات تفسيرية وتوضيحية عقب تصريح ترمب من أجل إزالة الغمام والغموض عن تصريحات ترمب، وتقديم الصورة الواقعية الصحيحة للحكومات والناس لإزالة الخوف والرعب عن قلوب شعوب العالم.

 

ومنها تصريح وزير الطاقة "كريس رايت" في 2 نوفمبر 2025 وهي الوزارة المعنية تاريخياً بتجارب الأسلحة النووية، حيث قال مقابلة مع "فوكس نيوز": "أظن بأن الاختبارات التي نتحدث عنها حالياً هي اختبارات الأنظمة النووية بمجملها...فهي ليست تفجيرات نووية، فهي التي نُطلق عليها التفجيرات غير الحرجة"، وبعبارة أخرى فإن التجارب والاختبارات ستُجرى على جميع أجزاء نظام الأسلحة النووية للتأكد بأنها صالحة وجاهزة للاستعمال والقيام بتفجير نووي. أما وزير الحرب الأمريكي فقد قال بأن "الرئيس قال بوضوح بأننا نحتاج إلى أن يكون لدينا رادع نووي موثوق به"، أي تعميق مصداقية وقوة أمريكا النووية، مما يساعد على منع حرب نووية، كما قال وزير الحرب الأمريكي بأنني أظن بأن هذا سيقلل من احتمالية وقوع أي نزاع نووي.

فمثل هذه التصريحات التي أدلى بها ترمب تؤكد بأننا لا نعيش في عالمٍ متحضر ومتعلم يُفضل السلم والأمن على الحرب والدمار وعدم الاستقرار، حيث إنه من المفروض على ترمب الذي يسعى لنيل جائزة السلام أن يدعو ويحث دول العالم، وبخاصة الدول النووية الكبرى القديمة والحديثة، ويستخدم أسلوب الضغط والترغيب والترهيب والعصا والجزرة، كما يفعل حالياً في قضية فرض الضرائب والرسوم الجمركية على جميع دول العالم، على الالتزام بالمعاهدات النووية القديمة كالمعاهدات المعنية بحظر الأسلحة النووية ومنع امتلاكها، ومنع التجارب النووية، والتوقف عن إنتاج أسلحة نووية جديدة، فيكون بذلك هو القدوة والنموذج الأعلى لباقي دول العالم على التعهد وتنفيذ كل هذه الاتفاقيات والمعاهدات الأممية، فتكون الولايات المتحدة هي زعيمة وقائدة العالم حقاً في إيقاف أي سباق نووي لإنتاج الأسلحة الذرية، والسعي نحو عالم آمن خالٍ من الأسلحة النووية ومنزوع منه جميع أسلحة الدمار الشامل النووية (denuclearization).

ولكن مع الأسف فبالرغم من امتلاك أمريكا وبعض دول العالم لآلاف الأسلحة النووية من قنابل ذرية ورؤوس نووية إلا أنها مازالت تنفق المليارات على إنتاج أسلحة جديدة أشد فتكاً وأكثر تدميراً لبشر والشجر والحجر. فقد أفاد الكتاب السنوي الأخير الصادر في يونيو 2025 تحت عنوان "المخزونات الدولية من الرؤوس الحربية النووية" والمنشور من "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" بأن الولايات المتحدة تمتلك 1770 رأساً نووياً منتشراً أي محمولاً وجاهزاً للاستعمال، وهو العدد الأكبر بين جميع الدول النووية. كما تحتفظ الولايات المتحدة بـ 1930 رأساً نووياً مخزناً في أكثر من ثلاثين موقعاً في الولايات الأمريكية ليرتفع إجمالي مخزونها العسكري إلى 3700 رأس. أما روسيا، فيُقدر أنها تمتلك عدداً أقل بقليل من الرؤوس المنتشرة والمحملة ويبلغ 1718 رأساً، غير أن مخزونها الذي يصل إلى 2591 رأساً يجعل إجمالي ترسانتها أكبر بكثير، إذ يبلغ 4309 رؤوس.

وفي عام 2025، أخرجت الولايات المتحدة 1477 رأساً نووياً من الخدمة، وروسيا 1150 لأنها أصبحت بالية وغير فاعلة، وكلفة صيانتها مرتفعة جداً. وأما الصين فيقدر أنها تمتلك 24 رأساً نووياً فقط في الخدمة الفعلية وجاهزة للانطلاق، في حين ترسانتها العسكرية النووية الإجمالية تضم 600 رأس نووي، منها 576 مخزناً، ولكن الترسانة النووية الصينية تنمو بوتيرة متسارعة من الناحيتين الكمية والنوعية، أي نحو 100  رأس نووي جديد سنوياً منذ عام 2023. وهناك في المقابل الدول النووية التقليدية الأخرى كبريطانيا وفرنسا، والدول الحديثة التي دخلت النادي النووي وهي كوريا الشمالية، والهند، وباكستان، والكيان الصهيوني.

فماذا ستفعل الدول بهذا الكم الهائل الضخم من أسلحة الدمار الشامل؟ ولماذا هذا السباق الجديد لإنتاج أعدادٍ أكبر من هذه القنابل النووية وبقدرات تدميرية هائلة تكفي كل واحدة منها لتدمير مدن بأكملها وقتل مئات الآلاف من البشر في دقائق معدودة؟

 فلماذا لا يتجه العالم نحو الدبلوماسية والحوار الشفاف والصريح واستخدام أدوات المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والدولية لإنقاذ كوكبنا من شر هذه الأسلحة التدميرية الشاملة؟