الثلاثاء، 3 مارس 2026

كيف يكون إنتاج مبيد مسرطن ضرورياً للأمن القومي؟

 


من أسهل المصطلحات استخداماً هو التنمية المستدامة، فستجدُه واقعاً في الصدارة في برامج الحكومات وتقاريرها، وتجده بوضوح في افتتاحية كلمات المسؤولين، ومقالات الكتاب، فقد أصبح المصطلح لقمة سهلة وبسيطة على ألسن الجميع، ويُستخدم في محله وغير محله، وفي مواقع لا تتناسب مع مفهومه وتعريفه، وفي الكثير من الأوقات يحشر حشراً فقط لإعطاء قيمة وحداثة للكلمة، أو الخطاب، أو المقال.

 

ولكن في الوقت نفسه يُعتبر هذا المصطلح من أصعب المصطلحات تنفيذاً على أرض الواقع، ومن أعقدها تطبيقاً في المجال العملي اليومي. فتطبيقه يحتاج إلى علمٍ عميق، وتوازن دقيق، وخبرة طويلة، وتضحيات من الجميع. فلا بد من نجاح تنفيذ التنمية المستدامة أن ننجح في تطبيق التنمية البيئية المستدامة، جنباً إلى جنب مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا يطغى أي جانب على الجانب الآخر، ولا يتوغل أي بعد على الأبعاد الأخرى، ولا نُفضل طرفاً على الطرف الثاني عند التخطيط والتنفيذ.

 

وسأُقدم لكم مثالاً وَقَعَ في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أيام لأبين لكم صعوبة تنفيذ التنمية المستدامة ميدانياً وفي الحياة العملية، وفشل الكثير من الدول في تطبيقها بأسلوب سليم وصحيح ومستدام.

 

فقد أصدر ترمب أمراً تنفيذياً في 18 فبراير 2026 تحت عنوان: "تعزيز الدفاع الوطني من خلال ضمان الإمدادات الكافية لعنصر الفوسفور والمبيدات القائمة على جلاي فوسات". وفي هذا الأمر التنفيذي يُعطي ترمب الحصانة والحماية الإنتاجية الكاملة لمادتين كيميائيتين، الأولى هي عنصر الفوسفور والعمل على استخراجه من المناجم، والذي يدخل في الصناعة العسكرية والزراعية، والثانية هي مركب عضوي فوسفوري يصنَّف بأنه مسرطن، وهو "جلاي فوسات(Glyphosate)، ويُنتج من عنصر الفوسفور، ويدخل في محتوى بعض المبيدات التي تستخدم في الزراعة. وقد جاء في الأمر التنفيذي: "يُعد التعدين المحلي لعنصر الفوسفور والإنتاج في الولايات المتحدة للمبيدات القائمة على جلاي فوسات أمراً مركزياً للاقتصاد الأمريكي والأمن القومي".

 

وفي الوقت نفسه نشر البيت الأبيض بياناً تفسيرياً يوضح هذا الأمر التنفيذي الذي ربط إنتاج مبيدات جلاي فوسفات بنمو وتعزيز الاقتصاد الوطني والأمن القومي، حيث جاء فيه بأن هذا الأمر التنفيذي ينطلق من قانون "الإنتاج الدفاعي" لعام 1950، فعدم الاستمرار في إنتاج هذا المبيد يعد تهديداً لأمريكا، ويُعرض الأمن القومي والدفاعي الأمريكي للخطر، كما يشتمل التهديد على الأمن الغذائي وتوفير الغذاء للشعب، حيث إن هذا المبيد يعتبر الحجر الأساس للإنتاج الزراعي الواسع والاقتصاد الريفي.

 

ولكن من الواضح أن الأمر التنفيذي ركز كلياً على جانبٍ واحدٍ فقط وهو تحقيق الأمن القومي والأمن الغذائي، أي تناول بعداً واحداً من أبعاد تحقيق التنمية المستدامة، في حين أن هذا الأمر الرئاسي والبيان التفسيري من البيت الأبيض لم يتطرق كلياً، بل وتجاهل الجوانب الأخرى المتعلقة بتحقيق التنمية المستدامة والمتمثلة في المخاطر الصحية والبيئية الواقعية والميدانية التي عانى منها المجتمع الأمريكي نتيجة لتعرضهم لهذه المبيدات التي يدخل في تركيبها جلاي فوسفات. حيث نُشرت الكثير من الدراسات، إضافة إلى تقارير خبراء منظمة الصحة العالمية التي أشارت إلى وجود علاقة بين السرطان وأمراض صحية أخرى وهذا النوع من المبيدات، حيث تأكد أنه يسبب نوعاً محدداً من السرطان يُطلق عليه(non-Hodgkin's lymphoma). وهناك اليوم عشرات الآلاف من القضايا المتراكمة منذ عقود في المحاكم الأمريكية ضد شركة "مونسانتو" منذ عام 2018، وشركة "باير"(Bayer) التي تنتج حالياً هذه المبيدات تحت مسميات تجارية كثيرة من أشهرها "راوند أب"(Roundup) وهو المبيد المستعمل في القضاء على الأعشاب، علماً بأن المادة النشطة والفاعلة في المبيد هي "جلاي فوسات".

 

وعلاوة على عدم تحقيق هذا الأمر التنفيذي للتنمية المستدامة، فإنه يتناقض ويتعارض مع سياسة ترمب نفسه التي رفعها أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، إضافة إلى مبادئ وزارة الصحة، والإتلاف القومي الذي يرفع شعار: "لنجعل أمريكا صحية مرة أخرى" (Make America Healthy Again (MAHA)). وهذا الأمر التنفيذي أثار غضب شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي التي صوتت لترمب على أساس تنفيذ هذا الشعار الصحي في الواقع العملي، فهو يفضل الاعتبارات السياسية الأمنية ودعم مصلحة وازدهار الشركات الصناعية المنتجة لهذه المبيدات على واحد من أهم جوانب تحقيق التنمية المستدامة وهو تعزيز وتحسين الصحة العامة والمهنية لملايين المواطنين الذين يتعرضون لهذه المادة المسرطنة بشكلٍ يومي من خلال السلسلة الغذائية، إضافة إلى صحة البيئة وعناصرها من تربة، وماء، وهواء، وحياة فطرية التي تتسمم نتيجة لرش هذه المبيدات المحتوية على مركب "جلاي فوسات" المسبب للسرطان على الأراضي الزراعية. أي وباختصار لا تحقيق للتنمية المستدامة الشاملة، فهذا الأمر التنفيذي قد يحقق الأمن القومي والأمن الغذائي ولكن في الوقت نفسه يدمر الأمن الصحي للشعب، ويدمر الأمن البيئي لأمريكا.

 

فتاريخ معاناة الشعب الأمريكي مع هذا المبيد طويل جداً، ومستمر منذ عقود، والكثير من الشعب الأمريكي تعرض لأمراض مستعصية مهددة لحياتهم، وعلى رأسها السرطان، مما أضطر "الوكالة الدولية لأبحاث السرطان" إلى إصدار تقرير خاص بهذا المبيد ومادة جلاي فوسات التي تحتويها، حيث صنَّفت فيه "جلاي فوسفات" كمادة مسرطنة محتملة للإنسان ضمن المجموعة 2 أ(Group 2 A).

 

ونظراً لكثرة الشكاوى المرفوعة ضد شركات إنتاج هذا المبيد، والتي بلغت على مستوى الويات المتحدة نحو 100 ألف قضية مرفوعة في المحاكم، فقد دفعت في السنوات الماضية الملايين من الدولارات لتعويض الأضرار التي لحقت بالناس، كما أن شركة "باير" في 17 فبراير 2026 وافقت على تسوية بمبلغ 7.25 بليون دولار لجميع القضايا التي رفعت ضدها في السنوات الماضية، إضافة إلى القضايا التي سترفع مستقبلاً لدفع التعويض المالي لكل من عانى ووقع في شباك المرض، أو سقط ضحية في مصيبة الموت.

 

فهذه الحالة المعقدة والمتشابكة وقعتْ في أكثر دول العالم تطوراً وتقدماً وعلماً بأسس وجوانب التنمية المستدامة، ولكنها بالرغم من علمها وخبراتها المتراكمة إلا أنها فشلت في هذه الحالة في تحقيق التنمية المستدامة الشاملة، بيئياً وصحياً، واقتصادياً، واجتماعياً.

الخميس، 19 فبراير 2026

هل هناك أجسام فضائية؟


نَسينا منذ سنوات قصة الكائنات، والسفن، والأجسام الفضائية حتى أصبحت من شؤون الماضي البعيد، واليوم يُحي الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما هذه القصة من جديد، حيث يفجر هذه القنبلة الموقوتة المغلقة والتي هي في غاية السرية منذ أكثر من قرن، ويذَكِّر العالم بها فيؤكد بوجودها وأنها "حقيقية"، ثم لم تلبث ساعات قصيرة على تصريحه إلا ويناقض نفسه، وينكر ما قاله مغيراً تصريحاته!

فيا ليته لم يقل شيئاً، ويا ليته لم يُدل بأي تصريح حول هذه القصة الغريبة المجهولة، فقد أصبحت القصة الآن أكثر غموضاً، وأشد تعقيداً، وكأنها تشير إلى حقيقةْ نظرية المؤامرة التي يشيعها الكثير من الناس، أو السرية التامة التي تحوم حول هذه القصة منذ عقود.

فالرئيس أوباما حَكَمَ الولايات المتحدة لفترتين رئاسيتين من عام 2009 إلى 2013، وفي 14 فبراير 2026 أُجريتْ معه مقابلة مباشرة، حيث وُجه له سؤال حول حقيقة وواقعية الأجسام والكائنات الفضائية الغازية، وهل هي بالفعل موجودة أم لا؟ فقد كانت الإجابة واضحة جداً، ولا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، حيث قال بأن الكائنات الفضائية(Aliens): "حقيقية، ولكن لم أرَهَا"، أي أنها أمر واقع وموجود في مكان ما في الفضاء الشاسع العظيم، وأنها ليست نظرية مؤامرة، وخيال علمي لا سند له من الواقع، ومن الأدلة العلمية الموثوقة. ولا شك بأن رئيس أمريكا وهو من المفروض أن يكون مطلعاً على كل الأسرار الخاصة والعسكرية، وبخاصة أنه اعتلى عرش البيت الأبيض لفترة 8 سنوات، فإن ما يصرح به سيكون هو الحقيقة. ولكن سرعان ما انقلب التصريح، وتغير الرأي، ففي أقل من 24 ساعة نشر أوباما بياناً على "الإنستجرام" قال فيه: "من الناحية الإحصائية، الكون واسع جداً لدرجة أن احتمالات وجود حياة فيه كبيرة...ولكن احتمالية زيارة الكائنات الفضائية لنا ضئيلة، وأنا لم أر دليلاً خلال فترة رئاستي بأن هذه الكائنات الفضائية قد اتصلت بنا".

فهل هذا التغيير في الرأي جاء نتيجة لضغوط سياسية وعسكرية مُورست عليه من الحكومة الأمريكية اضطرته إلى تقديم تصور آخر لهذه الكائنات والأجسام الفضائية، أم أن تعبيره في المقابلة عن هذه القصة لم يكون دقيقاً؟

على كلٍ، مهما كان السبب فإن هذه القصة محل اهتمام كبير عند الشعب الأمريكي خاصة، وشعوب العالم عامة، كما أن الشعب الأمريكي يتابع هذه القصة الفضائية منذ زمنٍ بعيدٍ جداً، ويعتقد بأن الحكومات الأمريكية المتعاقبة تخفي أسرار هذه القصة ولا تقدم الحقائق للشعب الأمريكي، ويدعو إلى المزيد من الشفافية وتقديم المعلومات الصحيحة، مما انعكس هذا الاهتمام والمتابعة على جلسات الكونجرس الأمريكي، حيث عقد عدة جلسات استماع للتعرف عن كثب على تفاصيل، وخفايا، وأسرار هذه القصة.  

فآخر جلسة استماع للكونجرس للجنة الفرعية للرقابة في مجلس النواب كانت في 9 سبتمبر 2025 تحت عنوان: "الأجسام الطائرة غير المعروفة" أو "الظواهر الغريبة غير المعروفة والمجهولة"( Unidentified Anomalous Phenomena, UFOs)، بهدف التعرف على آخر المعلومات من وزارة الحرب، وتقديم التقارير حول هذه القصة. وقد استمع أعضاء مجلس النواب إلى شهادة أربعة أفراد ادعوا بأنهم شاهدوا مثل هذه الأجسام أو الكائنات، ولكن هذه الجلسة لم تخرج بأية استنتاجات، أو توصيات مهمة.

كما عَقدَ الكونجرس جلسة استماع سابقة في 17 مايو 2022، طرح فيها موضوع الظواهر المجهولة. كذلك أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية، وهي "الإدارة القومية للملاحة الجوية والفضاء"(National Aeronautics and Space Administration)، في التاسع من يونيو 2022 بأنها قد شكلت فريق علمي مستقل لدراسة هذه الظاهرة، حيث سيهتم الفريق في البحث في جميع الظواهر السماوية غير المعروفة وغير المحددة، أي الظواهر غير الطبيعية، وغير المألوفة، والتي لا توجد لها تفسيرات علمية موثقة، ولا يوجد دليل حسي دامغ عليها. ولذلك تَتَحدد مهمة الفريق في عدة أعمال، منها حصر المعلومات المتوافرة حتى الآن من كافة الجهات المدنية والعسكرية والأمنية من القطاعات الحكومية الرسمية، ومن منظمات وجمعيات المجتمع المدني ومن الشركات الخاصة، ثم جمع وتحليل كافة النظريات المطروحة حول هذه الظواهر الفضائية، وأخيراً اتباع المنهج العلمي في تحليل وتقييم كل هذه المعلومات، وتحديد مدى مصداقيتها وثقتها، وطرح الاستنتاجات التي تتمخض عنها.

وبعد أن انتهى الفريق من إعداد التقرير، قامت ناسا بنشره في 14 سبتمبر 2023، ونظمت مؤتمراً صحفياً في العاصمة واشنطن دي سي، عُرضت فيه أهم الاستنتاجات التي تمخضت عن الدراسة. فقد قال رئيس الفريق "من المهم توضيحه بناءً على النتائج الحالية بأننا لم نجد أية أدلة تفيد بأن المظاهر المجهولة والغريبة مصدرها كائنات ومخلوقات فضائية خارج حدود كوكبنا"، كما أضاف قائلاً: "تركيزنا سيكون على فهم الظاهرة بغض النظر عن مصدرها". كذلك توصل التقرير إلى عدة استنتاجات منها بأنه: "لا يوجد دليل بأن هذه الظواهر الفضائية المجهولة مصدرها من خارج كوكبنا، وأن هناك بعض المظاهر التي لا يمكن تفسيرها حتى الآن"، كما استنتج التقرير بأنه: " في الآونة الأخيرة، أفاد العديد من الشهود الموثوقين، وغالباً ما يكونون طيارين عسكريين، أنهم شاهدواً أجساماً لم يتعرفوا عليها فوق المجال الجوي الأمريكي، ومعظم هذه الأجسام تم التعرف عليها، باستثناء القليل منها التي لم يمكن فوراً تحديد هويتها كأجسام من صنع الإنسان أو مظاهر طبيعية". ولذلك أوصت الدراسة بأن: "هناك حاجة لإجراء أبحاث علمية لسبر غور هذه المظاهر"، واختتم التقرير بهذه العبارة: "الدعوات غير العادية تحتاج إلى أدلة غير عادية". وأما مدير ناسا بيل نيلسون فقد قال بأن: "ناسا ستبحث عن المجهول في الهواء والفضاء"، "وهناك الكثير للتعلم". كما تساءل مدير ناسا قائلاً: "هل أعتقدُ أن هناك حياة في كون شاسع لدرجة أنه من الصعب علي فهم حجمه؟ جوابي الشخصي هو: "نعم". كذلك قال بيل نيلسون: "نريد تحويل الحديث حول هذه المظاهر المجهولة من الإثارة إلى العلم"، حيث أعلن عن تعيين مدير في ناسا للبرنامج الاستكشافي البحثي الجديد الذي يحمل مسمى: "البحث عن كائنات فضائية خارجية ذكية"( The Search for Extraterrestrial Intelligence). كما أكد في الوقت نفسه بأن التعامل مع هذه الظواهر المجهولة لن يكون أمنياً فحسب، وإنما يتبع المنهج العلمي المستند على الموضوعية، والاستقلالية، والشفافية، والأدوات العلمية الموثقة، ويكون الشعب الأمريكي والعالم أجمع على علم بكل أبحاثنا والنتائج التي نحصل عليها.

وخلاصة القول لا توجد أدلة علمية رسمية ومعلنة تؤكد وجود أو نفي هذه الكائنات والأجسام والظواهر الغريبة والمجهولة غير المعروفة، ولكن قد تكون هناك معلومات سرية جداً لا تنشرها أمريكا، وبالتحديد في موقع سري ومحظور الدخول فيه كلياً ويمنع الطيران فوقه، ويُطلق عليه المنطقة 51، وأشار إليه أوباما في بيانه بعد أن رُفعت السرية عنها. وهي قاعدة القوات الجوية الأمريكية التي تأسست عام 1950 منذ الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي كموقع للتدريب وإجراء التجارب السرية الخاصة والمتقدمة جداً والتدريبات العسكرية، وتوجد في صحراء ولاية نيفادا على بعد نحو 135 كيلومتراً من مدينة لاس فيجاس. وهذا الموقع الشديد السرية والخصوصية بالتحديد يثير شكوك الكثير من الأمريكيين وغير الأمريكيين، فلا يعلم أحد ما يدور فيه من تجارب، وما يحتويه من أسرار قد تكون لها علاقة بالأجسام الفضائية. 

الاثنين، 16 فبراير 2026

التغير المناخي يدخل مرحلة الموت السريري

 

عندما انسحب ترمب في الفترة الأولى من رئاسته من اتفاقية التغير المناخي الدولية في 1 يونيو 2017، أدخل فوراً قضية التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها إلى غرفة الإنعاش والعناية المركزة، حيث تم مباشرة وضع الأجهزة والمعدات الطبية على جسمه العليل، وإعطائه الأدوية اللازمة لإبقائه حياً ينبض بالحياة. فخروج الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية التغير المناخي، وأي اتفاقية ومعاهدة دولية له تأثير عقيم على مخرجات هذه المعاهدة، وله دور فاعل في تأخير وشل تنفيذه على المستوى الدولي.

 

فالنسبة للتغير المناخي فالولايات المتحدة تُعد تاريخياً المسبب الأول لوقوع هذه الظاهرة الدولية المشتركة التي تخص كل دولة، وكل إنسان يعيش على سطح كوكبنا. فمعظم انبعاثات الملوثات التي أحدثت التغير المناخي للأرض، فرفعتْ حرارة كوكبنا، وزادت من ارتفاع مستوى سطح البحر ونزول الفيضانات والأعاصير وموجات الحر، هي من أرض أمريكا على مدى أكثر من قرن ونصف القرن وبشكل مستمر لم يتوقف دقيقة واحدة. فالانبعاثات للغازات المتهمة بسخونة الأرض انطلقت من مصانعها التي لا تعد ولا تحصى، ومن محطاتها المتناثرة لتوليد الكهرباء، ومن عمليات البحث والتنقيب واستخراج كافة أنواع الوقود الأحفوري، وأخيراً من وسائل المواصلات. ولذلك انسحاب أمريكا يعني ضعف قدرة دول العالم الأخرى على مواجهة هذا التحدي العصري العظيم، وعدم فاعلية أي حل وعلاج لهذه الأزمة الخانقة لعدم وجود أمريكا ضمن جهود الحل.

 

ولكن بعد أن اعْتَلى جو بايدن عرش البيت الأبيض، سارع في 19 فبراير 2021 إلى إعادة انضمام الولايات المتحدة إلى الحظيرة الدولية الخاصة بالتغير المناخي، مما أرجع الروح والحياة مرة ثانية للجهود الدولية لتصدي للتغير المناخي، فأخرج هذه القضية العامة من غرفة الإنعاش وحالة الطوارئ القصوى التي كان يعاني منها.

 

وهذه الحالة الصحية للتغير المناخي لم تدم طويلاً، ولم يكتب لها الاستقرار، فتدهورت صحتها بشكلٍ أكبر من قبل، مما جعلها تدخل في مرحلة الموت السريري، وبالتحديد بعد فوز ترمب في الانتخابات الرئاسية وانسحابه للمرة الثانية من اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2014 في 20 يناير 2025.

 

وفي تقديري فإن هذه المرحلة الخطيرة للموت السريري والمهددة لحياة التغير المناخي، ستدخل بُعَيد سنوات، ومع استمرار بقاء ترمب في الحكم سينتقل التغير المناخي إلى آخر مرحلة للحياة، وهي الموت الدماغي، وأخيراً الموت البيولوجي المعروف، والذي يؤدي إلى نقله إلى مثواه الأخير للدفن تحت الثرى.

 

وهناك العديد من السياسات، والمؤشرات والعلامات التي أراها أمامي الآن، وأشهدها في جسم التغير المناخي المنهك والضعيف الذي يعاني منذ أكثر من 30 عاماً على المستويين الدولي والاتحادي الأمريكي. فترمب منذ ولايته الأولى وصف التغير المناخي بأنه "خدعة" وشكك في وقوعه، والآن يعمل بشكلٍ ممنهج ومتسارع على كافة المستويات لاستئصال كل الجهود التي تصب في مكافحة التغير المناخي في الولايات المتحدة.

 

أما المؤشر الأول فيكمن في التشريعات المتعلقة بالتغير المناخي وخفض انبعاثات غازات الدفيئة من مصادرها المختلفة إلى الهواء الجوي. ففي 12 فبراير 2026 أعلن ترمب اعلاناً تاريخياً ألغى فيه حقيقة علمية واجماعاً دولياً حول تداعيات التغير المناخي كان موجوداً منذ عام 2009، وبالتحديد في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. وهذه الحقيقة أُطلق عليها "استنتاج تعريض الآخرين للخطر"(endangerment finding)، حيث أكدت هذه الحقيقة وبعد جهود ماراثونية قضائية وصلت إلى أعلى سلطة قضائية في أمريكا هي المحكمة العليا بأن الغازات المنبعثة من المصانع والسيارات، مثل ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان وأربعة غازات أخرى هي غازات الدفيئة أو الاحتباس الحراري وهي المتهمة في وقوع ظاهرة التغير المناخي وتؤدي إلى سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وهذه الحرارة المرتفعة للأرض لها تداعيات سلبية على صحة البشر، فهي تسبب لهم الأمراض المزمنة والخطيرة. ولذلك كان هذا الاستنتاج العملي هو حجر الأساس لبناء سياسة مناخية للولايات المتحدة الأمريكية مدعمة ومنبثقة منها تشريعات ومواصفات ومعايير بيئية تُخفض من انبعاث هذا الملوثات المناخية إلى الهواء الجوي. فمع إعلان ترمب الأخير بإلغاء هذه الحقيقة، تم الغاء جميع الأنظمة والمواصفات البيئية التي تقنن انبعاث الملوثات التي ترفع حرارة الأرض من السيارات، والشاحنات، ومحطات توليد الكهرباء. 

 

وأما المؤشر الثاني فهو مواصلة الاعتماد على الوقود الأحفوري في تشغيل المصانع وتوليد الطاقة، وبخاصة الفحم والنفط، وضخ الأموال للاستثمار فيهما، إضافة إلى تهميش مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ففي 11 فبراير 2022 أعلن ترمب وقوفه بجانب صناعة الفحم، وأعطى الضوء الأخضر لتخصيص دعم مالي حكومي لقطاع الفحم، كما وجه وزارة الحرب والطاقة إلى شراء الكهرباء من محطات للطاقة تعمل بالفحم. وعلاوة على ذلك فقد شجع المستثمرين في 13 فبراير في كلمة ألقاها في البيت الأبيض وجميع المعنيين في قطاع استخراج الوقود الأحفوري، وبالتحديد النفط والغاز للاستثمار في فنزويلا.

 

وأما المؤشر الثالث فهو في قطاع المعلوماتية من حيث تغيير المفاهيم والحقائق العلمية المعروفة، ونشر المعلومات المضللة حول الحقائق المتعلقة بالتغير المناخي، ومحاولة التشكيك في الاجماع الدولي حول دور الإنسان وعملياته التنموية في وقوع التغير المناخي وسخونة الأرض. ومن أجل إعطاء البعد العملي المنهجي لعملية التضليل والتشكيك فقد عيَّن وزير الطاقة "كريس رايت" مجموعة عمل مناخية لإصدار تقرير "علمي" حول التغير المناخي تحت عنوان: "مراجعة نقدية لتأثيرات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مناخ الولايات المتحدة"، حيث استنتج بأن هناك مبالغات كثيرة في القضايا المتعلقة بدور الإنسان في وقوع التغير المناخي، إضافة إلى دور الملوثات المناخية في تهديد الصحة العامة للخطر. ولكن هذا التقرير جاء الرد عليه من 85 خبيراً أمريكياً في 30 أغسطس 2025 تحت عنوان: "مراجعة خبراء المناخ على تقرير مجموعة العمل المناخية التابعة لوزارة الطاقة".

 

فكل هذه المؤشرات والعلامات التي تحدث الآن في أمريكا تجعلنا أقتنع بأن قضية التغير المناخي ستنتهي في أمريكا، وستموت مرحلياً، وستدفن تحت الأرض، وبخاصة خلال الثلاث سنوات القادمة.

 

الخميس، 12 فبراير 2026

التيك توك يُوقعك في شِباك الإدمان


هناك حقيقة قديمة ومتجددة يجب أن يعلمها الجميع ويقتنع بواقعيتها كل إنسان، وهي أن الشركات العملاقة هدفها الوحيد، وهمها الرئيس هو الربح السريع وكنز وتجميع الثروة الكبيرة حتى ولو كانت على حساب أي شيء آخر. فهذه الشركات بوصلتها متجهة كلياً نحو المال، فلا ترقب في أحدٍ إلاً ولا ذمة، فلا تؤمن بالقيَّم الإنسانية، ولا تعتقد بالمبادئ البشرية، فلا ضوابط أخلاقية تحكُمها، ولا نظم إنسانية راقية تمشي عليها. فكم شركة صناعية هَدَمت البيئة الإنسانية والطبيعية، فلوثت الهواء والماء نوعاً وكماً، وأفسدت التربة، وتسببتْ في وقوع مظاهر بيئية كارثية في السماء الدنيا والسماء العليا والفضاء الواسع الشاسع، فأودت بحياة الكثير من البشر، وأسقطتهم بين جريح ومريض وصريع دفنوا تحت الثرى.

 

واليوم تأتي الشركات العملاقة في مجال التقنية الرقمية وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي فتسير على نهج وخطى المصانع الكيميائية ومحطات توليد الطاقة، فتُلوث مكونات البيئة من جهة، وتلوث فكر وعقل الإنسان من جهة أخرى، وبخاصة الصحة النفسية والعقلية للأطفال، والمراهقين، والشباب، وتلقى بهم في غياهب الإدمان والاعتماد الكلي على استخدامها. ومعظم هذه التقنيات التي يكب الناس على استعمالها، وبالتحديد الأطفال، مُصممة في جوهرها وبشكلٍ متعمد من قبل عقول شياطين الإنس الذين يديرون هذه الشركات لتطويع عقل ونفسية المستخدم ليتحول إلى عبدٍ ذليل لها لا يستغني عنها، فلا يستطيع أن يفارقها ليلاً أو نهاراً، ويستعملها طوال اليوم ولسنوات طويلة حتى يقع ضحية سهلة لهذه التقنية المفترسة والفاسدة، فتزيد عندئذٍ أرباح شركاتهم، وتتراكم وتتجمع ثرواتهم على حساب صحة فلذات أكبادنا.

 

ومن هذه التطبيقات التقنية الرقمية في شبكات وسائل التواصل الاجتماعي، ومن منصاتها المشهورة الواسعة الانتشار حول العالم والتي بدأت تفوح منها رائحة نتنة وكريهة انتشرت في أعماق المجتمعات، وشعر بها الناس والعلماء خاصة هي "تيك توك".

 

ففي السادس من فبراير 2026 نشر الاتحاد الأوروبي تقريراً مفصلاً استغرق عامين منذ فبراير 2024 من التحقيق والدراسة الميدانية، إضافة إلى دراسة ظاهرة جديدة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي يُطلق عليها "تأثير جُحر الأرنب"(rabbit hole effect). وقد توصل التقرير الأولي إلى عدة استنتاجات خطيرة ومهمة جداً، منها أن هذا التقرير العملي المعمق والشامل اتهم شركة تيك توك بأنها صَمَّمتْ برامجها بشكلٍ متعمد ومقصود سلفاً لتُسقط المستخدم في الإدمان عليها (addictive design)، كما أن "نموذج العمل" (business model) للشركة هو العمل على إبقاء الفرد مع المنصة ساعات طويلة من اليوم والليلة، فيستغرق جل وقته من الليل، وبخاصة عند الأطفال والمراهقين مع تيك توك، فيسهرون معه ومع محتواه من فيديوهات متواصلة لا تنتهي. فالشركة تعمل بشكل ممنهج وخبيث على إيقاع فلذات أكبادنا في الإدمان.

 

وهناك عدة خصائص ومميزات موجودة في منصة تيك توك تحقق هدف الإدمان، مثل "التشغيل التلقائي"(autoplay)، و "التمرير اللانهائي"(infinite scroll). فمثل هذه المميزات الفاسدة والمدمرة للعقل والنفس هي التي تجعل المستخدم ينزلق في "جحر الأرنب" ولا يستطيع الخروج منه بسهولة ويسر وبإرادته الذاتية، مما يجعله يقضي ويضيع ساعات طويلة من وقته أمام تيك توك ومحتوياته الفاسدة للعقل والنفس. فهذا التدفق المستمر وغير المتوقف للمحتوى على تيك توك، مثل الفيديو وغيره يجعل مخ ودماغ المستخدمين في حالة ووضع التشغيل التلقائي والآلي، أي لا سيطرة على المخ في ما يقوم به، مما يؤدي إلى ظهور سلوكيات القهري اللاإرادي للمستخدم، فيقوم بتكرار أفعال غير مرغوب فيها بشكل مفرط وغير اعتيادي ولا يمكن التحكم فيه.

 

كذلك من استنتاجات تقرير الاتحاد الأوروبي هو الأضرار التي تُلحقها هذه المنصة على المستخدمين، وبخاصة من الأطفال، والمراهقين، والشباب حيث يقضون نحو 5 ساعات يومياً أمام تك توك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي مما يترك بصمة قوية متجذرة في صحتهم العقلية والنفسية، كما تنعكس عليهم من الناحية الاجتماعية من العزلة والابتعاد عن الأسرة والمجتمع.

 

ونظراً لأهمية هذا التقرير على الأمن الصحي لهذا الجيل من الأطفال خاصة، والأجيال القادمة عامة، فقد أعلنت المفوضية الأوروبية وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي في التاسع من فبراير عن فتح تحقيق داخلي رسمي لتقييم استنتاجات هذا التقرير الأولى، وما إذا قامت شركة تك توك بمخالفة القانون في سلامة وأمن الاستخدام، وبالتحديد قانون "الخدمات الرقمية"(Digital Services Act) لعام 2022 الذي يلزم شركات وسائل التواصل الاجتماعي على حماية الأمن الصحي للمستخدم. كما حذرت المفوضية الأوروبية تيك توك على ضرورة إحداث تغيير في برامج تشغيل المنصة لمواجهة جميع التهديدات التي تصاحب استخدامها، وإذا لم تقم بالتغيرات اللازمة، فستواجه غرامات مالية تصل إلى 6% من إيراداتها السنوية على المستوى الدولي.

 

فهذا المثال العملي الخاص بالتأثيرات الخطرة والفاسدة لمنصة تيك توك على الصحة الجسدية، والعقلية، والنفسية للأجيال الحالية والمستقبلية ينطبق بدرجات متفاوتة على باقي وسائل التواصل الاجتماعي. فهناك إجماع عند العلماء المختصين، وعند رجال التشريع والسياسة وحكومات العالم بأن شبكة التواصل الاجتماعي تهدد سلامة وأمن جميع المستخدمين، وبخاصة الصغار في السن، مما يحتم ضرورة تقنين هذه الوسائل من مناحي كثيرة، منها عمر المستخدم، ومحتوى هذه الوسائل، والساعات التي يقضيها الفرد أمامها، وإذا لم نُنظم هذه العملية فسيكون إثم ومفاسد هذه الوسائل أكثر من نفعها، وضررها أكبر من فوائدها.

 

 

الأحد، 8 فبراير 2026

وصفة وقائية وعلاجية للصحة المستدامة

 

أكبر وآخر دراسة شاملة حول أسباب الإصابة بالسرطان نُشرت في 3 فبراير 2026 في مجلة (Nature Medicine) تحت عنوان: " العبء العالمي والإقليمي للسرطان الذي يُعزى إلى عوامل الخطر القابلة للمنع، وذلك لتعميق جهود الوقاية"، وخلصتْ الدراسة التي غطت 36 نوعاً من السرطان في 185 دولة حول العالم إلى أن قرابة 40%، أي نحو 7.5 مليون من حالات السقوط في فخ السرطان يمكن منعها وتجنبها من قبل الفرد نفسه عن طريق القيام بإجراء تغييرات بسيطة وغير مكلفة في نمط الحياة، والممارسات والعادات التي يقوم بها. فقد أفادت هذه الدراسة الجامعة بأن هناك 30 عاملاً وسبباً يزيدون من مخاطر التعرض لهذا المرض العضال، وعلى رأس القائمة وفي المرتبة الأولى التدخين بكل أنواعه من السجائر التقليدية المعروفة أو السجائر الإلكترونية، وثانياً شرب الخمر، حتى ولو كان قليلاً، وثالثاً البدانة والوزن الزائد، وفي المرتبة الرابعة في قائمة العوامل المسببة للسرطان هي عدم ممارسة الرياضة والتمارين العضلية، وفي المرتبة الخامسة تلوث الهواء والتعرض للسموم في الهواء الجوي، كذلك هناك العامل الغذائي من ناحية النوعية والكمية وعلاقته بالسرطان.

 

وفي هذا المقال سأُركز فقط على عامل الرياضة ودوره الفاعل والمشهود في خفض مخاطر الإصابة بالسرطان، إضافة إلى أمراض العصر الأخرى التي لها علاقة بممارسة أي نوع من أنواع الرياضة مثل مرض ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب الأخرى، والسكري، والبدانة والوزن المفرط، إضافة إلى الأمراض العقلية والنفسية. فالرياضة تعتبر من العوامل السهلة والبسيطة التي يمكن للجميع الالتزام بها دون كلفة، أو مشقة، أو وقت طويل، كما بقدرة أي إنسان على ممارستها في أي وقتٍ من الليل أو النهار، وفي أي مكان في المنزل، أو الملاعب الخارجية والحدائق، أو الصالات الرياضية المغلقة، بحيث يقوم كل إنسان بالرياضة المناسبة له، كل على حسب عمره، وقدراته، ورغباته من أجل تجنب مختلف أنواع الأمراض.

 

وهناك الآن إجماع عند الأطباء على أهمية ممارسة أي نوعٍ من الرياضة حتى ولو كانت خفيفة فيبذل فيها الإنسان مجهوداً بسيطاً، ودور هذا العمل البسيط في الوقاية من المرض ومنعه من جهة، والعلاج من بعض الأمراض من جهةٍ أخرى، إضافة إلى تجنب الموت المبكر بسبب هذه الأمراض.

 

فعلى سبيل المثال، نشرتْ مجلة "لانست الصحة الدولية"(Lancet Global Health)في 6 ديسمبر 2024 بحثاً معمقاً شاملاً تحت عنوان: "الأنماط الوطنية، الإقليمية، والدولية لممارسة النشاط البدني بدرجة غير كافية بين البالغين في الفترة من 2000 إلى 2022 لـ 5.7 مليون مشارك"، حيث أكد على حقيقة طبية هي أن عدم ممارسة الرياضة تزيد من مخاطر الوقوع في الأمراض غير المعدية الجسدية، والعقلية، والنفسية.

 

كذلك نشرتْ مجلة "اللانست" في 24 يناير 2026 دراسة تحت عنوان: "تجنب الوفيات بإجراء تغييرات طفيفة في النشاط البدني ووقت الجلوس". وهذه الدراسة الشاملة غطت أربع دول غربية هي النرويج والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، حيث خلصتْ إلى أن زيادة خمس دقائق كل يوم في الحركة والنشاط البدني تخفض 6% من نسبة الوفيات، أي أن الحركة تمنع الفرد من التعرض للأمراض المؤدية إلى الموت، وكلما زادت الحركة وشدة النشاط الرياضي ارتفعت هذه النسبة وزاد من تجنب المرض. كذلك خفض زمن الجلوس وعدم الحركة 30 دقيقة كل يوم يمنع ما لا يقل عن 3% من إجمالي الوفيات. كما نشرت دراسة في 29 مايو 2019 في مجلة "الطب الباطني للجمعية الطبية الأمريكية" تحت عنوان: "العلاقة بين حجم الخطوات وشدتها والوفيات عند كبار السن من النساء"، وقد استنتجت الدراسة التي شملت 16741 امرأة في سن معدل 72 عاماً بأنه كلما زادت عدد الخطوات يومياً انخفض معدل ونسبة الوفيات حتى 7500 خطوة كل يوم، وبعدها لم تتغير النسبة.

 

أما المجلة الطبية الأمريكية "الدورة الدموية"(Circulation) فقد نشرت دراسة في 25 يوليو 2022 تحت عنوان: "علاقة النشاط الرياضي الترفيهي لفترات طويلة بالوفيات"، حيث تكونت عينة الدراسة من 116221 أمريكياً وتمت مراقبتهم لمدة 30 عاماً. وكانت النتيجة أن الرياضة الخفيفة لفترة زمنية تتراوح بين 150 إلى 300 دقيقة في الأسبوع كان لها الأثر الأكبر في خفض نسبة الوفيات. كما خصلت دراسة أخرى منشورة في المجلة نفسها في 1 أغسطس 2011 بعنوان: "العلاقة بين زمن النشاط البدي وخطر الإصابة بأمراض القلب التاجية"، واستنتجت إلى أن ممارسة الرياضة لفترة 150 دقيقة في الأسبوع تقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 14%، وأما الذين مارسوا الرياضة لفترة زمنية تبلغ 300 دقيقة في الأسبوع فقد وصلت النسبة إلى 20%، كما توصلت الدراسة إلى استنتاج عام بأن الرياضة الخفيفة ذات المجهود القليل أفضل من عدم القيام بأي مجهود عضلي، وكلما زاد الجهد البدني زادت الفوائد الصحية.

 

وهناك مقال تحليلي في مجلة "الطبيعة" المرموقة في 28 يناير 2026 تحت عنوان: "الفوائد الصحية الكبيرة المثيرة للدهشة من التمرين البسيط"، حيث يُطلق المؤلف على ممارسة الرياضية الخفيفة المستمرة بـ "الوجبات الرياضية الخفيفة"(exercise snacks). فقد أكد على أن الحركة المتقطعة المستمرة طوال اليوم تُخفض من مخاطر أمراض القلب والموت المبكر.

 

والآن السؤال العملي الذي يدور في مخيلة الجميع: ما عدد الساعات اللازمة لتحقيق الهدف من الرياضة ومن أجل صحة مستدامة؟

 

للإجابة عن هذا السؤال فهناك عدة عوامل يجب أخذها في الاعتبار لتحديد الإجابة الشافية، من أهمها العمر، والوزن، وصحة الفرد ما إذا كان مريضاً، ونوعية المرض أو سليماً صحيح الجسم، ونوعية الرياضة. ولكن بشكل عام هناك توصية مشتركة صادرة من جمعية القلب الأمريكية، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، ومنظمة الصحة العالمية وهي ممارسة الرياضة لمدة 150 دقيقة أسبوعياً في الأقل من التمارين المعتدلة، أي حوالي 30 دقيقة كل يوم.

 

وفي تقديري وانطلاقاً من الأبحاث التي ذكرتُها سابقاً فإن أي نوعٍ من الرياضة والتمارين العضلية يفيد الإنسان ويطيل في صحته وعمره، ولو كانت لفترات زمنية قصيرة كل يوم، وكلما زادت الفترة الزمنية زادت الفائدة، فالمهم هو الحركة وتجنب الجلوس والكسل والاستمرار في ممارسة الرياضة دون تقطع وتوقف، كما أنه من الضروري إضافة إلى الرياضة التقيد ببرنامج غذائي صحي سليم من الناحيتين النوعية والكمية، تنفيذاً للتوجيهات الربانية: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا"، فبالرياضة المستدامة والغذاء الصحي المعتدل والمتوازن يستتب الأمن الصحي للإنسان.