حرب
الإبادة الجماعية الشاملة التي شهدها الجميع حيَّة وعلى الهواء مباشرة واعترف بها
العدو قبل الصديق، لها تداعيات كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، وهناك شهود يؤكدون حجم
هذه الإبادة الشاملة والتداعيات التي نجمت عنها. فهناك التداعيات المباشرة والتي
تتمثل في قتل وجرح ومرض مئات الآلاف من البشر الذين يُدلون بشهادتهم على هذه
الكارثة البشرية غير المسبوقة في التاريخ، والتي صرَّح واعترف الجيش الصهيوني في
30 يناير 2026 بأن عدد القتلى تجاوز 71 ألف، وهو بالطبع أعلى بكثير جداً، حسب
التقديرات المستقلة التي قام بها بعض الباحثين ونُشرت في مجلة "لانست"
الطبية المرموقة في 10 يناير 2025، إضافة إلى تقديرات منظمات الأمم المتحدة ذات
العلاقة.
كذلك
من المردودات المباشرة التي تشهد في الواقع الاعتداء الهمجي والإبادة الشاملة لغزة
هي التدمير الشامل للحجر والمتمثل في تفجير المباني والعمارات السكنية والتجارية،
والمقابر، والمستشفيات والمراكز الصحية، والمساجد والكنائس، والمرافق الخدمية من
محطات إنتاج الكهرباء، ومعالجة مياه المجاري، ومواقع التخلص من المخلفات البلدية
والقمامة المنزلية، والحقول والمزارع، فلم يبق شبر من غزة إلا ولحق به التدمير
والخراب.
أما
التداعيات غير المباشرة والتي ستكون كالكابوس المزعج الذي سيجثم فوق صدور أهل غزة
لعقود طويلة من الزمن، وستُمثل تهديداً أمنياً لسكان غزة جميعهم، فهو المخلفات
العسكرية الخطرة والمتفجرة، من ذخائر، وصواريخ، وقنابل سقطت على غزة ولم تنفجر،
وهي الآن موجودة في وسط الركام، وتحت مخلفات المباني والمرافق التي تم تفجيرها
وضربها. فهذه المخلفات العسكرية ستكون بمثابة القنابل الموقوتة الخفية والمدفونة
تحت الركام، وقد تنفجر في أية لحظة في وجه أي طفل أو إنسان، فتعرضهم للموت
المحتوم، أو الجروح والاعاقات الجسدية المزمنة.
فهناك
الآن وفي الوقت نفسه الملايين من الأطنان من المخلفات الصلبة المتزايدة والناجمة
عن العمارات والمساكن التي تم تدميرها والمتراكمة حالياً في الأحياء والشوارع
والطرقات، ولا بد من التعامل معها وإدارتها بطريقة علمية ومنهجية من الناحيتين
البيئية والأمنية حتى لا يقع الضرر والفساد على الإنسان ومكونات البيئة. فهذه
المخلفات الشاهدة على حجم الكارثة، أُصنِّفُها كمخلفات "خطرة"، ليس في
حد ذاتها كمخلفات للهدم، ولكن لأنها قد تحتوي في بطنها الذخائر والقنابل غير
المتفجرة والسامة والخطرة، إضافة إلى احتواء هذه المخلفات الصلبة على مواد خطرة
اُستخدمت في البناء، كالأسبستوس، والعناصر السامة الثقيلة مثل الرصاص، والكروميوم،
والخارصين، ولذلك لا بد من الحذر الشديد عند إدارتها. كذلك تكمن خطورة هذا النوع
من المخلفات في أنها إذا تُركت بدون معالجة لفترة زمنية طويلة فإنها ستكون مرتعاً
خصباً، وبيئة مناسبة جداً للتلوث الأحيائي، حيث تُكوِّن القوارض والكلاب والحشرات
والكائنات الدقيقة مستعمرات دائمة فيها، فتُعرض وتهدد حياة الناس للتلوث والأمراض المعدية.
فالتقديرات
الأولية الصادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في 18 يونيو 2024
حول التأثيرات البيئية للحرب على غزة، أي في المرحلة الأولى من الحرب كانت 60
مليون طن من المخلفات الصلبة المتمثلة في مخلفات الهدم والركام الناجم عن قصف
المرافق السكنية وغير السكنية. كما أفادت هذه التقارير بأن كل مترٍ مربع من غزة
يحتوي على أكثر من 107 كيلوجرامات من هذه المخلفات.
كما
نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريراً في 20 نوفمبر 2025 أكد فيه بأن حجم
مخلفات الدمار الصلبة بلغ أكثر من 70 مليون طن، وأن هذا الحجم في زيادة مطردة بشكل
يومي حتى يومنا هذا، وأن هناك أكثر من 169 كيلوجراماً من المخلفات الصلبة أو ركام
المباني لكل متر مربع من مساحة غزة. كذلك أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في
18 ديسمبر 2025 بأنه قد أزال حتى ذلك التاريخ قرابة 190 ألف طن من المخلفات الصلبة
من ركام المباني على الأرض.
فهذه
المخلفات العظيمة في حجمها تحتاج إلى سنوات طويلة جداً لإدارتها بأسلوب سليم،
وتحتاج إلى آليات حديثة وكبيرة قادرة على التعامل بسرعة مع هذه الكميات الضخمة،
علماً بأن هذه الآليات الكبيرة المتخصصة لا توجد في غزة، ولا يسمح العدو الصهيوني
بدخولها.
أما
ما يحدث حالياً على أرض الواقع لشهود الحرب العدوانية المتمثلة في هذه المخلفات،
فيلخصه التقرير الصحفي المنشور في 25 يناير 2026 تحت عنوان: "بين الأنقاض:
الركام والأنقاض يتحولان إلى سبل العيش محفوفة بالموت". فهذا الشاهد الصامت
على الدمار والخراب والفساد البيئي العظيم تحول إلى موردٍ لفقراء غزة والمستضعفين
منهم، فيبحثون فيه، ويفتشون عن أي شيء له قيمة مادية نقدية، أو غير مادية، حيث
يمكن بيعه مباشرة كمصدر للعيش والرزق، أو أن يستخدم مرة ثانية، كالحديد، والنحاس،
والألمنيوم، والأخشاب، والطوب، والأحجار، وألعاب الأطفال، وكابلات الكهرباء،
وغيرها.
كما
أن هناك مبادرات محلية بسيطة يقوم بها سكان غزة، منها إزالة بعض الركام لفتح
الطرقات لحركة المشاة والسيارات والعربات، وإعادة استخدام البعض الآخر لتسوية
الشوارع وبناء المسطحات الترابية، إضافة إلى تحويل بعض الخرسانات الكبيرة إلى
الشواطئ لحمايتها من عوامل التعرية والأمواج العاتية الرفيعة.
أما
الحل العلمي المطلوب لإدارة هذه المخلفات، فقد تم تقديمة في عدة بحوث علمية، منها
بحوث لها علاقة بمخلفات الهدم للحروب السابقة التي خاضتها غزة ضد الصهاينة مثل حرب
عام 2008، و 2012، و 2014، و 2021، والتي تقدم تجارب وخبرات ثرية وعملية يمكن
الاستفادة منها حالياً. فهناك دراسة تحت عنوان: "إدارة مخلفات الهدم بعد
النزاع في قطاع غزة: دراسة حالة حول النزاع في مايو 2021. والمنشورة في مجلة
"تدوير المواد وإدارة المخلفات" في ديسمبر 2022، فخلال الحرب التي دارت
في غزة في عام 2021 لمدة 11 يوماً تخلفت جبال من الركام، بلغت قرابة 370 ألف طن.
كذلك الدراسة المنشورة في مجلة "أبحاث البيئة" في 17 يوليو 2025 تحت
عنوان:" معالجة المخلفات من هدم وخراب المباني في غزة".
وهذه
الدراسات تلخص الحل في إدارة هذا الشاهد الصامت غير المباشر لحرب غزة، وهو المرور
عبر عدة مراحل متتالية، منها إزالة وجمع المخلفات من مواقعها، ثم نقلها إلى مصنع
الفصل والتدوير، وبعدها فصل المواد عن بعضها كالحديد، والبلاستيك، والمعادن الأخرى
والقيام بتكسير وسحق مخلفات الخرسانة والطوب وتحويها إلى تراب أو حصى صغير مختلف
الحجم ليستخدم مباشرة في الشوارع وبناء المنازل والعمارات.
ونظراً
للحجم المهول لهذه المخلفات فإن إزالتها وإدارتها ستحتاج إلى سنوات، وستظل هذه
المخلفات طوال هذه السنوات الشاهد على الأرض لهذه الإبادة الجماعية الشاملة.