الاثنين، 26 يناير 2026

بين شريعة الغاب وشريعة الإنسان

 

الكثير من الناس من المثقفين والمحللين والكتاب وغيرهم يقارن ما يقوم به الإنسان حالياً من ممارسات بربرية ووحشية من عدم الاحتكام إلى أي تشريع ونظام بأنه شريعة الغاب، أو قانون الغاب، وكأن الغاب لا قانون له، ولا نظام متقن يسير عليه. وهذه المقارنة في تقديري مجحفة وغير صحيحة كلياً لوجود الفرق الشاسع والجذري بين شريعة الغاب من جهة، وشريعة الإنسان وقانون البشر من جهة أخرى.

 

فالفرق الرئيس والجوهري يكمن في مَنْ وضع وأسس الشريعتين. فأما شريعة الغاب، أو ما نُطلق عليه علمياً الآن في علوم البيئة والأحياء فهو "النظام البيئي للغابات"، وهو من رب العالمين، وهو من صُنع الله جلَّت قدرته وعظمته، وكل ما في هذا النظام الرباني من مخلوقات الله سبحانه وتعالي لا تمييز بين مخلوقاته، ولا تفضيل لمخلوق على آخر، ولا محاباة لكائن حي على الكائن الحي الآخر، فكل منها في فلك يسبحون حسب هذا النظام الرباني الدقيق والمتوازن، وكل منها يؤدي دوره ووظيفته التي خُلق من أجله حسب موقعه، ومكان وجوده، بحيث إن هذا الدور يصب بشكلٍ متكامل مع أدوار الكائنات الأخرى في النظام البيئي الواحد، سواء أكانت حية أم خير حية. فهذا النظام الثابت في كُليته وشموله مُنزه عن الخطأ والعيب، وغير قابل للزلل، ولا يتعرض للتجاوزات بين كل مكونات هذا النظام المختلفة في النوعية والحجم، فهو إذن نظام لا يظْلم المخلوقات، ولا يهضمهم حقوقهم، فلا إقصاء، ولا تهميش، ولا تعدي، ولا اضطهاد للفئات المستضعفة، ولا استئصال لمجموعة حية والقضاء عليها كلياً، فالجميع يعيش مع بعض في أمن وأمان واستقرار، وفي تفاعلٍ ديناميكي بينها.

 

وأما شريعة الإنسان فهي من صنع الإنسان، ومن وضع البشر، ومن صفات البشر النسيان والقصور في الفكر والعقل مهما أوتوا من علم وخبرة، إضافة إلى الضيق في الأفق، وعدم التكامل بين كل التشريعات التي وضعها. كما أن من خصائص الإنسان العامة التحيز مهما بلغ أعلى مستوى من النزاهة، وعدم تنفيذ مبدأ السواسية المطلقة على القريب والبعيد، والعدالة التامة بين كل فئات البشر. فشريعة الإنسان قد تكون ظالمة، وقد تكون متحيزة، وقد تُعين القوي على الضعيف، وقد تأكل مال الضعيف وثروته وموارده، وقد يفلت القوي من العقاب والمحاسبة. وعادة ما تَحْكُم التشريعات البشرية الأهواء الشخصية، وتسيطر عليها المصالح الحزبية، وتكون في أغلب الأوقات غير ثابتة ومستقرة فترة طويلة ومتقلبة ومتغيرة حسب التقلبات السياسية، والتغيرات في نوعية الحُكم والأفراد.

 

فشريعة الغاب تُعد جزءاً من الشرائع والأنظمة الربانية المُحكمة والمتقنة التي خلقها الله سبحانه وتعالي، حيث خلق الله الكرة الأرضية وتحتوي على أنظمة بيئية كثيرة ومتنوعة، ولكل نظام قانونه الخاص به، والتشريع المتزن والدقيق الذي يُسيِّر أموره وشؤونه اليومية، وكل نظام يمشي ليلاً نهاراً باتقان شديد، وبتوازن دقيق، وبتكامل عميق بين مكوناته الحية وغير الحية. فهناك أنظمة بيئية برية، كالصحاري، والغابات، وهناك أنظمة مائية كالمسطحات المائية من بحار وأنهار ومحيطات، وهناك الأراضي الرطبة.

 

وهذه الأنظمة البيئية تحتوي على كائنات حية ذات وظائف وأدوار مختلفة، بحيث إنها تُكمل بعضها البعض، فتعيش مع بعض، وتتفاعل مع بعض في توازن دقيق وهش، ونظام ديناميكي متشابك ومعقد ونابض بالحيوية والنشاط، وشبكة غذائية دائرية، وحياة مستدامة ومستقرة.

 

فهناك أولاً في كل نظام بيئي الكائنات الحية "المُنتجة" المتمثلة في مختلف أنواع النباتات التي تنتج غذاءها بتحويل أشعة الشمس إلى طاقة عن طريق عملية التمثيل الضوئي، وهناك ثانياً الكائنات "المُستهلكة" التي تتغذى على النباتات وتعيش عليها، أو التي تعيش على الكائنات الحية الأخرى، ثم أخيراً هناك الأحياء "المُحلِّلة"، كالبكتيريا والطفيليات، أي التي تعمل طوال الساعة بجدٍ واجتهاد، وبدون كللٍ أو تعب أو فتور، فتقوم بمهمة حيوية تتمثل في تحلل الأموات من الكائنات النباتية والحيوانية، فتحولها وترجعها إلى التربة مرة ثانية. وفي المقابل هناك العناصر غير الحية في النظام البيئي من هواء، وماء، وتربة، وأشعة الشمس والتي توفر الظروف المناسبة لحياة هذه الكائنات الحية. فأي خللٍ نوعي أو كمي يحدث على هذه الكائنات الحية وغير الحية يؤدي مع الوقت إلى وقوع خللٍ وشرخ عميقين في النظام البيئي العام، وينجم عنه سقوط هذا النظام وخرابه. وعادة ما تكون أيادي الإنسان الفاسدة والعبثية هي التي تقف وراء هذا الفساد في النظام البيئي، وهي التي تسبب في حدوث ثغرات وعيوب في هذا النظام والتشريع الإلاهي الدقيق.

 

فلو أخذنا ودرسنا عن كثب نظام الغابات الفطري الطبيعي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى والذي يحتوي على مختلف أنواع الحيوانات المفترسة، والطيور الجارحة، والحيوانات غير المفترسة. فنجد أن الأسد الذي يتربع على عرش هذه الغابات البرية، ويقف في نهاية السلسلة الغذائية، يؤدي دور الضابط والمتحكم في أعداد الكائنات الحية الأخرى التي يتغذى عليها كالغزلان وحمار الوحش وغيرهما، ولكن دون القضاء عليهم، أو استئصالهم من نظام الغابة، أو طردهم من منازلهم وبيئاتهم التي يعيشون فيها، فيقوم بالتغذي على الضعاف والمرضى من الحيوانات، فتبقى هذه الحيوانات موجودة في صحة وأمن وسلام وتتكاثر بشكل طبيعي دون أن تَحدث طفرة في أعدادها فتقوم بالرعي الجائر وتُدهور الغطاء النباتي الذي يحتاج إليه كل الكائنات الحية الأخرى. فلم نسمع في شريعة الغاب، ونظام الغابات الذي لم تتدخل فيها أيدي البشر عن انقراض كائنٍ حي، أو طرده من بيئته الكبيرة، أو التخلص منه كلياً.

 

أما في شريعة الإنسان، كما ُيحدثنا التاريخ البعيد والقريب، فإن الإنسان تحت مبررات كثيرة لا تعد ولا تحصى، وحجج متنوعة، واستغلال للقانون يقوم بعملية الإقصاء للآخرين، ويقوم بعملية الإبادة الجماعية الشاملة للشعوب، سواء بقتلهم مباشرة، أو تجويعهم ومنع الشراب والأكل والدواء عنهم، أو بمحاصرتهم وخنقهم. وأُقدم لكم مثالاً واحداً فقط على "شريعة الإنسان" واستغلال هذا النفوذ التشريعي لاستئصال الأمم والشعوب، والسيطرة عليهم وعلى قرارهم وسيادتهم وجميع مناحي حياتهم، والتوسع جغرافياً في مناطق ودول أخرى وغزوها واحتلالها. فقد أعلن ترمب عند تنصيبه رئيساً للمرة الثانية في يناير 2025 عن "شريعته" وسياسته الجديدة التي سيمشي عليها وينفذها قائلاً:" ستَعتبر الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى أمة نامية، أمة تزيد ثروتها، وتوسع أراضيها، وتبني مدنها، وترفع سقف توقعاتها، وترفع رايتها إلى آفاق جديدة وجميلة". وهذه "الشريعة البشرية" التي لا احترام فيها للآخرين، ولا سيادة للدول، ولا سيطرة للشعوب على مواردها، ولا قانون دولي، ولا نظام عالمي، شاهدناها على أرض الواقع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر اختطاف رئيس فنزويلا واحتلال دولة ذات سيادة وتنصيب ترمب نفسه رئيساً لها، واعطاء نفسه حق التصرف في ممتلكات وثروات الدولة الفنزويلية ونهبها وسرقتها في وضح النهار. ومنها أيضاً تهديد ترمب لجزيرة جرينلاند بضمها بالقوة إلى أمريكا، ومنها تحريض الشعب الإيراني لزعزعة الاستقرار في الدولة والقيام بأعمال التخريب والهجوم عليها، ومنها محاولة ضم كندا وبناما ودول أخرى إلى أمريكا، ومنها المشاركة الفاعلة بالسلاح والمال والدبلوماسية لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ومحاولة استئصاله وتصفيته من على سطح الأرض.

 

فبعد هذا، أين قانون الغاب وشريعة الغاب ونظامه الرباني الدقيق والمتوازن والعادل، الذي يحفظ الحقوق ويعيش فيه الجميع بأمن وسلام وطمأنينة من "شريعة الإنسان" الجائرة، والمعتدية التي تُقصي الأمم والشعوب، بل وتقضي عليها كلياً؟ 

     

الثلاثاء، 13 يناير 2026

الجوانب الخفية للذكاء الاصطناعي

 

معظم الناس يكونون عادة من المستهلكين والمستخدمين لهذا المُنتج الرقمي الجديد، الذي يُطلق عليه الآن بالذكاء الاصطناعي، ولذلك لا يعرفون إلا كيفية استخدامه في الحصول على المعلومات في كافة القطاعات وتطبيقاته في المجالات المختلفة، ولكن ليست لديهم أدنى فكرة عن الجوانب الأخرى المتعلقة به، وبالتحديد الأبعاد والانعكاسات السلبية لهذا المنتج التقني الحديث والمتطور الذي تسعى كل دول العالم بما فيها بعض دول الخليج إلى نيل التفوق والريادة في تطويره وإنتاجه واحتكار تسويقه.

فبعد أن بدأ هذا المنتج في الاستقرار في بعض دول العالم المتطور والمتقدم من خلال بناء البنية التحتية الخاصة به، وبالتحديد مراكز المعلومات، انكشفت بعض الأبعاد السلبية التي كانت مخفية وغير مرئية في مطلع استخدام هذا المنتج على كافة المستويات، من الفرد، والمجتمع، والدولة برمتها. كما انعكست على البيئة ومواردها وثرواتها الطبيعية، من ماء، وهواء، وتربة، إضافة إلى استنزافها الشديد للماء والكهرباء، وبخاصة في الدول التي تعاني أصلاً من شح في هذه الموارد وارتفاع أسعار إنتاجها. وقد أحس المواطن العادي البسيط في هذه الدول، وشعر عن قرب هذه السلبيات، فأثرت على معاشه وحياته اليومية، وبخاصة على فواتير الماء والكهرباء الشهرية التي يدفعها وأخذت في الارتفاع شهراً بعد شهر. ولذلك تحول الذكاء الصناعي من انجاز تقني مشهود وملموس للعالم أجمع، إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية، واجتماعية، بل وتحولت في بعض الدول التي لها الريادة والسبق في هذا المنتج، مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى قضية سياسية عامة، حسب التحقيق المنشور في صحيفة الواشنطن بوست في 7 يناير 2026.

ونتيجة لكل هذه الجوانب الخفية التي بدأت تظهر يوماً بعد يوم، وقلق وتخوف الشعب الأمريكي من تداعياته المستقبلية غير الواضحة، فإن رجال السياسة وأعضاء الكونجرس قاموا بنقل هذا الهم الشعبي العام إلى كافة الشارع والمجتمع الأمريكي، وبالتحديد رداً على الأمر التنفيذي للرئيس ترمب في 13 ديسمبر 2025 الذي منع فيه الولايات الأمريكية اتخاذ أية خطوات تشريعية ونظامية لتنظيم وتقنين مراكز المعلومات الخاصة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتعددة.

فعلى سبيل المثال، صرحتْ النائبة الجمهورية السابقة في الكونجرس في ديسمبر 2025 "مارجوري تايلور جرين" قائلة بأن: "التنافس مع الصين لا يعني أن نُصبح مثل الصين، فنهدد حقوق الولايات، ونؤثر على جهود التوظيف بدرجة واسعة، ونفاقم من مستوى الفقر، ونؤثر على البيئة ومصادر المياه". كذلك صرحت النائبة الديمقراطية "ألكسندريا أوكاسيو_كورتيز" وقالت: "بأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تسبب الانتحار لأطفالنا، وترفع مراكز البيانات من كلفة الكهرباء وتلوث المجتمعات المحلية، كما أن معظم الأمريكيين يعيشون في قلق من أن الذكاء الاصطناعي سيسلبهم وظائفهم ويجعلهم عاطلين دائماً عن العمل".

وعلاوة على تصريحات أعضاء الكونجرس، فقد أعلنت في 8 ديسمبر 2025 أكثر من 230 مجموعة ومنظمة بيئية ومجتمعية عن دعوتها للجهات المعنية للتوقف عن بناء مراكز جديدة للمعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية، ووجهت رسالة مفتوحة إلى الكونجرس تبين فيه عطش هذه المراكز للطاقة واستهلاكها الشديد للكهرباء، مما أدى إلى رفع فواتير الكهرباء والماء التي يدفعها الشعب الأمريكي، كما نجم عن تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحديات بيئية خطيرة منها تلوث الهواء الجوي، وبخاصة بالنسبة لغاز ثاني أكسيد الكربون المتهم الأول في التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع مستوى سطح البحار. كما أن هذه المراكز تهدد الأمن المائي للمدن والولايات بسبب استنزافها الكبير للثروة المائية لعمليات التبريد. كذلك حثت هذه المنظمات في خطابها إلى الكونجرس إلى تجميد بناء مراكز جديدة، والتريث قليلاً وعدم التسرع في بناء وإنشاء البنية التحتية لهذه التقنية الحديثة، حتى تتضح الرؤية حول مختلف جوانب أبعادها، والعمل على اتخاذ خطوات متأنية وشاملة ومدروسة للتعرف عن كثب على سلبيات مراكز المعلومات من جميع النواحي، البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، ومصادر الطاقة والماء.

فاستعجال ترمب في تحقيق السبق والريادة والتفوق على الصين وغيرها من الدول في صناعة الذكاء الاصطناعي، وتجاهل الجوانب السلبية المتعلقة بها وعدم أخذها في الاعتبار أثناء التطوير والبناء، تُرجع بي الذاكرة إلى أمريكا والغرب في مهد الثورة الصناعية عندما كان الهدف الأول والأخير هو الإنتاجي الصناعي السريع والكبير بسياسة مفرطة وعشوائية، وتحقيق النمو الاقتصادي والازدهار المعيشي للشعوب، وفي الوقت نفسه الغفلة الكاملة عن كل الجوانب السلبية الناجمة عن هذا النمو المعوق والعقيم، وبخاصة من الناحية البيئية والانبعاثات السامة والخطرة إلى الهواء الجوي من المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، ووسائل النقل. فهذه الانبعاثات ولَّدت قضايا وأزمات بيئية عالمية مثل تدهور طبقة الأوزون، والتغير المناخي، ومشكلات إقليمية عابرة للحدود الجغرافية مثل المطر الحمضي، والإثراء الغذائي والمد الأحمر في الأنهار والبحيرات، إضافة إلى المشكلات المحلية في الكثير من مدن العالم كظاهرة الضباب الضوئي الكيميائي. وكل هذه الأزمات البيئية تسببت في كوارث بشرية أسقطت عشرات الآلاف من الضحايا والمرضى.

ولذلك لا بد من على الإنسان أن يتعظ بهذا التاريخ البيئي المظلم، ويتعلم من هفواته وزلاته، فيقوم بدراسة جميع الجوانب المتعلقة بكل منتج جديد، كالذكاء الاصطناعي. ومن هذه الجوانب التي بدأت تنكشف بوضوح هو الاستهلاك الشديد للكهرباء والماء لمراكز معلومات الذكاء الاصطناعي، وما ينجم عنه من ملوثات تدمر صحة البيئة وتنعكس مباشرة على سلامة وأمن الإنسان من جهة وتحقيق الأمن والاستدامة في مجالي الطاقة والمياه.

أما في مجال استهلاك الكهرباء، فقد أكدت وكالة البلومبيرج في 5 يناير 2026 على هذا الواقع المرير، حيث أفادت بأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة، مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى دعم توليد الكهرباء بالطاقة النووية بمبلغ قدره 2.7 بليون دولار لتغطية الطلب بسبب الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى احياء مصانع توليد الكهرباء بالفحم التي ماتت منذ عقود. كذلك صرحت شركة "ميتا" في 9 يناير 2026 بأنها ستبني مفاعلاً نووياً لسد احتياجاتها المرتفعة والمتسارعة من الكهرباء لمراكز المعلومات الخاصة بها. وقد أعلن وزير الطاقة الأمريكي "كريس رايت" في سبتمبر 2025 بأن "الفحم الجميل النظيف سيكون ضرورياً للفوز في سباق الذكاء الاصطناعي" وأكد بأنه سيستثمر 625 مليون دولار.

وقد نُشرتْ دراسة في مجلة(Patterns) في 17 ديسمبر 2025 تحت عنوان: "البصمة الكربونية واستهلاك المياه لمراكز المعلومات للذكاء الاصطناعي"، حيث قدَّرت بأن البصمة الكربونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي تتراوح بين 32.6 و 79.7 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون في عام 2025، في حين أن بصمة المياه قد تصل إلى 312.5 إلى 764.6 بليون لتر، وهذه البصمة الكربونية والمائية للذكاء الاصطناعي بسبب شدة استهلاكها للكهرباء والماء، حيث أشارت الوكالة الدولية للطاقة بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تمثل قرابة 15% إلى 20% من إجمالي استهلاك وحاجة الكهرباء لمراكز المعلومات في عام 2024، وحاجتها للكهرباء قد تصل إلى 47.4 جيجاواتس في عام 2024، وهذه أعلى من احتياجات واستهلاك الكثير من دول العالم مثل بريطانيا التي تحتاج معدل 30.7. وهذا الاستهلاك الضخم للكهرباء يولد ملوثات من بينها غاز ثاني أكسيد الكربون المتهم في سخونة الأرض، حيث إن توليد الكهرباء من مراكز المعلومات على المستوى الدولي ينتج عنها 182 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، ويستهلك 560 بليون لتر من المياه في عام 2023.

وعلاوة على الجوانب المتعلقة بالبيئة، والصحة، وأمن الثروات الطبيعية من طاقة ومياه، فهناك الجوانب الاجتماعية والثقافية من حيث نشر المعلومات الخاطئة، والمزورة، والمضللة في جميع القطاعات، إضافة إلى البرامج الإباحية الجنسية الموجهة نحو الأطفال.

فكل هذه الجوانب السلبية الخفية وغير المرئية للذكاء الاصطناعي بدأت تنكشف يوماً بعد يوم، وأخذت هذه السلبيات تتفاقم مع الزمن، وتظهر بشكل أكثر وضوحاً، وأشد تأثيراً على صحة وسلامة المجتمعات، مما يؤكد ضرورة أن يدوس الإنسان على المكابح، ويضغط على فرامل قطار الذكاء الاصطناعي فيخفف من سرعته المتهورة ليسبر غور هذه الجوانب الخفية، ويتعامل معها من الآن قبل أن تستشري كثيراً، وتتجذر في قلب المجتمعات فلا يمكن علاجها.

الجمعة، 9 يناير 2026

متى نسمح لأطفالنا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟


أشيدُ كثيراً بجرأة وشجاعة الحكومة الأسترالية على تحديها ومواجهتها الصعبة للشركات العملاقة متعددة الجنسيات ذات النفوذ القوي والواسع سياسياً واقتصادياً من خلال اتخاذها لقرارٍ استراتيجي قوي لا شعبية له بالنسبة لهذه الشركات الجشعة الكبيرة، ولكن هذا القرار يحمي عقول ونفسية فلذات أكبادنا من أطفالنا وشبابنا من شر وسلبيات وأمراض وسائل التواصل الاجتماعي التي انتشرت في جميع المجتمعات الغنية والفقيرة بدون استثناء، فتوغلت في شرايينها وتحركت فيها كجريان الدم في جميع أعضاء جسم الإنسان.

 

وهذا القرار التاريخي الأول من نوعه، وهذه المبادرة الحيوية على المستوى الدولي تم اتخاذه في العاشر من ديسمبر 2025، حيث يؤكد على أن هذه الوسائل غير آمنة لصغار السن ويعرضهم للإصابة بالإدمان والأمراض العقلية والنفسية، كما يقوم بتقنين استخدام كافة شبكات ووسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، وسناب شات، وإنستجرام، ويوتيوب، وفيس بوك بحيث يُمنع استخدامها من الذين أعمارهم تقل عن 16 سنة. كذلك ألزم القرار هذه الشركات الخاصة بالتواصل الاجتماعي العمل على عدم السماح لمن دون سن 16 على الدخول في هذه التطبيقات في هواتفهم الذكية، أو الحاسب الآلي، أو غيرهما.

 

ونظراً لشدة وقع هذا القرار على مملكة شركات التواصل الاجتماعي الجشعة، وخسارتها لأكبر فئة عمرية تَستَخدم بكثافة هذه الوسائل، وانخفاض أرباحها ونموها الاقتصادي، فقد سعت سراً ومن تحت الستار إلى استنفار جميع قواتها وجنودها لاستعادة هذه الفئة لاستخدام وسائلها الاجتماعية، مهما كانت الطرق والوسائل، شرعية أم غير شرعية. فقد كشفت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في 29 ديسمبر 2025 عن وثائق سرية لشركة "ميتا"، وبالتحديد لوسيلة التواصل الاجتماعي "إنستجرام"، تضمنت خططها لإعادة الأطفال والشباب إلى الإدمان على استخدام الإنستجرام مرة ثانية، حيث نشرت تحقيقاً تحت عنوان: "وثائق مسربة تبين خطة إنستجرام لاستعادة المراهقين". وقد جاء في هذه الوثائق السرية أن شركة "ميتا" تُجري دراسات معمقة عن أنماط حياة جيل الشباب والمراهقين الحالي، والتعرف على هواياتهم ورغباتهم وميولهم حتى ينجحوا في جذب اهتمامهم، وسحبهم نحو هذه الوسائل والوقوع في فك الإدمان عليها.

 

فالقرار الأسترالي لم يأت من فراغ، ولم يُبن على أهواء رجال السياسة، ولم يكن قراراً حزبياً خالصاً، وإنما استُخلص من استنتاجات الدراسات العملية الموثقة التي أجمعت على الأضرار التي تُلحقها مختلف أنواع الوسائل على الصحة العقلية والنفسية للأطفال.

 

وهناك الكثير من الأبحاث التي سبرت غور هذه القضية، ودرستها من عدة جوانب منها الجوانب الصحية المتعلقة بالصحة الجسدية والعقلية والنفسية على المستخدمين، وبخاصة بين الأطفال والشباب، ومنها الجوانب الاجتماعية والسلوكية، ومنها ما ولج في تحديد عمر المستخدم، وبخاصة من فئة الأطفال والمراهقين.

 

فهناك دراسة شاملة ولفترة طويلة من الزمن أجرتها "المعاهد القومية للصحة" تحت عنوان: "التطور المعرفي للدماغ لدى المراهقين" والمنشورة في ديسمبر 2025 وشملت 12 ألف شاب في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث فحصت العوامل البيئية، والاجتماعية، والجينية، والحيوية التي تؤثر على المخ والتطور المعرفي، وعلى السلوكيات والصحة. وقد تم جمع كمٍ كبير جداً من المعلومات الأولية التي تم تقيمها وتحليلها من قبل الباحثين الآخرين ونشرها كأبحاث علمية مستقلة في مجلات مُحكَّمة.

 

فالدراسة الأولى التي استخدمتْ بنك المعلومات والأرقام من بحث المعاهد القومية للصحة نُشرت في مجلة "علوم الأطفال" في 1 ديسمبر 2025 تحت عنوان: "امتلاك الهاتف الذكي، عُمر استخدام الهاتف، والجوانب الصحية المتعلقة بها في المراهقة المبكرة". فهذه الدراسة هدفت إلى معرفة العلاقة بين استخدام الهاتف الذكي ووسائل التواصل عند المراهقين والتعرض لأمراض نفسية مثل الاكتئاب، والبدانة، وعدم الحصول على النوم الكافي. فقد كانت عينة الدراسة 10588 شاباً، وقارنت بين المراهقين الذين استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي عند عمر 12 سنة، وغيرهم من الذين لم يستخدموا الهاتف. فالذين استخدموا الهاتف ارتفعت لديهم مخاطر الإصابة بالاكتئاب، والبدانة، وعدم الحصول على النوم الكافي.

 

والبحث الثاني نُشر في "مجلة جمعية الأطباء الأمريكيين" في 2 ديسمبر 2025 تحت عنوان: "مسارات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأداء المعرفي في فترة المراهقة"، حيث تكونت عينة الدراسة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و 13 عاماً. وتوصلت الدراسة إلى عدة استنتاجات منها بأن الذين يستخدمون وسائل التواصل من الأطفال لساعات طويلة يعانون من ضعف الأداء المعرفي بشكلٍ عام. وأما البحث الثالث فقد نشر في مجلة "طب الأطفال" في 8 ديسمبر 2025 تحت عنوان: " الوسائل الرقمية، والجينات ومخاطر ظهور أعراض مرضية على الأطفال"، حيث أشارت إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من حالة عدم الاهتمام والتركيز عند الأطفال.

 

وأخيراً هناك الدراسة المنشورة في مجلة "علم الأطفال" في الأول من ديسمبر 2025 والتي تتطابق نتائجها مع نتائج الدراسة المنشورة في مجلة "نمو وقدرات الإنسان"(Human Development and Capabilities) في 20 يوليو 2025 تحت عنوان: "حماية العقل النامي في العصر الرقمي: ضرورة وجود سياسة عالمية"، حيث أفادت بأن استخدام الهاتف الذكي قبل سن 13 مرتبط بضعف القدرات والصحة العقلية عند الأطفال والمراهقين، وبخاصة عند الإناث، ومن ضمن التدهور العقلي والنفسي هو التفكير في الانتحار. علماً بأن مثل هذه الحالات المرضية التي يصاب بها الأطفال تحولت الآن إلى ظاهرة دولية تعاني منها الكثير من المجتمعات حول العالم.

 

فكل هذه الدراسات والأبحاث تُجمع على الأضرار الصحية الجسدية، والنفسية، والعقلية التي يقع فيها الأطفال والشباب عند استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي في سنٍ مبكرة ولساعات طويلة من الزمن، ولكن الاختلاف بين العلماء والمختصين في الفئة العمرية التي تعاني من أشد الأضرار بسبب سوء الاستعمال، إضافة على عدم الاتفاق على العمر الذي يُسمح فيه باستخدام الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي، فأستراليا حددت عمر 16، والرئيس الفرنسي ماكرون أعلن في الأول من يناير 2026 بأنه سيعمل على منع استخدام الأطفال ممن هم دون سن 15 من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

 

فهذه الظاهرة الصحية الاجتماعية الدولية الملحة من المفروض أن تدعونا في دول الخليج إلى دراستها والتعرف عن كثب على كافة تفاصيلها، وبخاصة في قضية تحديد العمر المسموح به للاستخدام والذي قد يكون في عمر أكبر من 13 سنة.