الأحد، 19 أبريل 2026

النُطق بالحُكم في قضية العصر

 

التاريخ يعيد نفسه، ولكن تحت مسميات مختلفة، ففي القرن المنصرم وقع صراع ونزاع مجتمعي وقضائي ماراثوني عظيم، أمريكي النشأة ودولي التداعيات بين كل قطاعات وفئات المجتمع الأمريكي من أفراد، ومنظمات، وجمعيات، وقطاعات تعلمية، وولايات أمريكية من جهة، وبين شركات التبغ والسجائر العملاقة متعددة الجنسيات من جهة أخرى.

 

وقد احتدم هذا النزاع القضائي الذي لم ولن يشهد له التاريخ مثيلاً بشدة أكبر، وتوسعت دائرته بعد سبتمبر عام 1950 عندما نَشرت مجلة طبية مرموقة هي "المجلة الطبية البريطانية" بحثاً ميدانياً أكدت فيه ولأول مرة علاقة التدخين بسرطان الرئة، أي بعبارة أخرى تدخين السجائر يصيبك بمرض سرطان الرئة المميت، واستناداً إلى هذا البحث ودراسات كثيرة أخرى، أَصْدر المسؤول الأول عن الصحة العامة في أمريكا(الجراح العام) تقريراً تاريخياً صادق فيه على استنتاجات الدراسات والأبحاث، وأكد أن التدخين يؤدي بك إلى الموت البطيء من سرطان الرئة.

 ونتيجة لهذه الحقيقة الطبية استقبلت المحاكم الأمريكية تسونامي من الدعوات القضائية من المتضررين من التدخين، ومن المعانين من آلام مرض السرطان، ومن أسر الضحايا، حتى عجَّت المحاكم في كل الولايات من هذه الدعاوى غير المتناهية، مما أدى إلى تجميعها وعرضها على المحاكم في ملف واحد، كان أحد الأطراف هو "الجمعية القومية للمدعين العامين" لـ 46 ولاية ضد أربع شركات للتبغ متعددة الجنسيات. واستمرت هذه الحرب القضائية عشرات السنين، بين مدٍ وجزر، وبين هزيمة وانتصار في بعض المعارك، حتى خسرت في نهاية المطاف شركات التبغ الحرب، وأعلنت مؤقتاً الراية البيضاء وأبرمت في 23 نوفمبر 1998 تسوية تاريخية لا سابقة لها مع الجميع بمبلغ 246 مليار دولار على مدى 25 عاماً، وأُطلق عليها "اتفاقية التسوية الرئيسة"(Master Settlement Agreement).

واليوم نشهد قضية مماثلة لقضية التبغ، ولكن تحت مسمى "وسائل التواصل الاجتماعي"، حيث بدأت تداعيات استخدام هذه الوسائل تنكشف على المجتمع الأمريكي والغربي خاصة، وباقي مجتمعات العالم، وأصبحنا نسمع عن أمراض نفسية، وعقلية، وجسدية يتعرض لها الإنسان، وبالتحديد فئة صغار السن من أطفال ومراهقين وشباب، كما أن قَطَرات القضايا المتعلقة بالجوانب السلبية الصحية أخذت تنزل على المحاكم رويداً رويداً، وتزايدت شدة هذه القطرات في السنوات القليلة الماضية، حتى أصحبت المحاكم اليوم تعج بدعاوى التعويضات التي بلغت قرابة 500 ألف شخص على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. ولذلك منذ سنوات، وبالتحديد في 30 سبتمبر 2021 عَقد الكونجرس جلسة استماع تحت عنوان: "حماية الأطفال عبر الإنترنت، فيس بوك وإنستجرام، وأضرارهما على الصحة العقلية".

وهذه الدعاوى التي رفعت ضد شركات وسائل التواصل المتنفذة أُقسمها إلى ثلاث فئات رئيسة، الأولى هي فئة الأفراد الذين أصابتهم أزمات صحية نفسية، وعقلية، وبدنية، وآفة الإدمان نتيجة للإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، حيث عُقدت أول جلسة فريدة من نوعها على المستوى الدولي في 9 فبراير 2026 في مدينة لوس أنجلوس. والفئة الثانية هي المناطق التعليمية في ولايات أمريكا، حيث قامت أكثر من 1200 من المناطق التعليمية الحكومية برفع دعاوى مماثلة باسم ونيابة عن الطلبة المتضررين. فهذه المناطق التعليمية تقول بأن هذه الوسائل أشغلت عقول الطلاب واهتماماتهم، وضيعت أوقاتهم، وجعلتهم ينحرفون عن القيام بممارسات رياضية جسدية وعقلية مفيدة، كما ألهتهم عن القيام بواجباتهم ودروسهم ومشاريعهم المدرسية، وتسببت في أزمة صحية عقلية، علماً بأن أول محاكمة ستكون في يونيو 2026 في مدينة أوكلالند بولاية كاليفورنيا. وأما الفئة الثالثة فهي الشكاوى التي رفعت من الولايات ضد منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد اتخَذتْ المحاكم المعنية بهذه القضايا الخطوة الأولى باستدعاء أصحاب هذه الشركات للإدلاء بشهادتهم أمام المحكمة، حيث قدَّم رئيس شركة "إنستجرام" شهادته في 11 فبراير 2026، ورئيس شركة ميتا(فيس بوك) بشهادته في 18 فبراير. وكالعادة فإن شهاداتهم وافاداتهم جميعها تُنكر كل الادعاءات المرفوعة ضدها، وتُخلي مسؤوليتها عن أية أزمة صحية ناجمة عن استخدام منتجاتها، كما أنكرت من قبل في المرحلة الأولى شركات التبغ بأن منتجها وهو السجائر له علاقة بمرض السرطان، أو أي مرض آخر، حتى أجمعت جميع الأدلة على إدانتها ومسؤوليتها في تعريض المدخن ومن يجلس مع المدخن لعشرات الأنواع من مرض السرطان.

أما بالنسبة لوسائل التواصل فإنها متهمة بأنها تمت هندستها وتصميمها بشكلٍ منهجي متعمد لإصابة المستخدم بالإدمان من خلال المزايا والخصائص الموجودة في كل منصة، بحيث تجعلك تستمر في الجلوس معها ساعات طويلة من اليوم والليلة دون انقطاع، حتى يصل الوقت لتصبح عبداً لها لا تستطيع مفارقتها. وجدير بالذكر فإن هذه المنصات كانت تعلم جيداً بأن منتجها يصيب الفرد بالإدمان، وبخاصة الأطفال والمراهقين، حسب الشهادة التي أدلى بها أحد مدراء "فيس بوك" وهو "فرانسيس هوجن" (Frances Haugen) في جلسة استماع للكونجرس عام 2021 من خلال الكشف عن وثائق سرية داخلية تثبت بأن هذه المنصة لها تأثيرات سلبية على مستخدميها، وبخاصة بين البنات، وتؤدي بهم إلى الإدمان. كما أكد على هذه الحقيقة التحقيق المنشور في 27 فبراير 2026 في صحيفة(The Atlantic) الأمريكية.

ومع بدء الحرب القضائية بين المجتمع الأمريكي وشركات التواصل الاجتماعي، ومع بروز العديد من الأبحاث حول التأثيرات الصحية لهذه الوسائل، نشر الجراح العام الأمريكي السابق "فيفك ميرثي"(Vivek Murthy) مقالاً في 17 يونيو 2024 صحيفة النيويورك تايمس الأمريكية، إضافة إلى نشره التقرير الاستشاري الصحي الموجه للشعب الأمريكي تحت عنوان: "التواصل الاجتماعي والصحة العقلية للشباب". فقد وصف هذه الحالة المتعاظمة بالأزمة الصحية القومية الواقعية التي تهدد الأمن الصحي للأطفال والمراهقين الأمريكيين. كما دعا المسؤول الأول عن الصحة العامة الكونجرس الأمريكي للتدخل سريعاً في تنظيم هذه الوسائل من خلال سن قانون يلزم شركات التكنلوجيا الكبرى المنتجة لهذه الأدوات الحديثة، مثل جوجل، وفيس بوك، ومنصة أكس، وغيرها إلى إصدار ووضع علامات تحذيرية، وملصقات توجيهية على هذه الوسائل والتطبيقات، ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي. ومن العبارات التحذيرية التي يقترحها (الجراح العام) المسؤول الأول عن صحة الشعب الأمريكي هي: "التواصل الاجتماعي له علاقة بوقوع أضرار جسيمة على الصحة العقلية للمراهقين". فوجود مثل هذه العبارات التي تدق ناقوس الخطر، تُلفت عناية ورعاية المجتمع الأمريكي برمته، وتوقظ الآباء، وأوليا الأمور، والمسؤولين في المدارس والجامعات وغيرهما وترفع من إدراكهم ووعيهم على ضرورة أن تكون هناك هبَّة جماعية مجتمعية لمكافحة هذا الوباء الجديد الذي ولج إلى بيوت كل مواطن، وخلق أزمة صحية كبيرة وطارئة تتمثل في تدهور الصحة العقلية والنفسية للأطفال والشباب والمراهقين، بل وكبار السن على حدٍ سواء.

وبالرغم من هذه الأدلة الدامغة على إدمان المستخدمين، وبخاصة بين فئة صغار السن على منصات التواصل الاجتماعي، وتأثيراتها على الصحة العقلية، والجسدية، إلا أن هذه الشركات التي تهدف فقط إلى الربح الكبير والسريع على حساب كل شيء آخر، حتى صحة فلذات أكبادنا، لن تستسلم قريباً، ولن ترفع الراية البيضاء بسرعة، وستستمر في القتال في أروقة القضاء حتى آخر رمق وحتى النفس الأخير، وستظل تماطل، وتؤجل الحُكم حتى تستنفد كل الأدوات القضائية، والسياسية، والعلمية للدفاع عنها.

وقد قامت محكمتان الأولى في ولاية نيو مكسيسكو في 24 مارس 2026، بإصدار حكمها بتغريم شركة ميتا(فيس بوك وأنستجرام) وجوجل(يو تيوب) 375 مليون دولار، والثانية في مدينة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا في 25 مارس بتغريمها 6 ملايين دولار، حيث ثبتت التهم ضدهم بتعريضهم للأطفال للإدمان والأمراض العقلية والنفسية.

ولكن هل هذا هو نهاية الحرب مع شركات التواصل الاجتماعي، أن هذه هي البداية؟ فهناك آلاف القضايا والدعاوى الأخرى المرفوعة من الأفراد، والمدارس، والولايات تنتظر المرافعات والحكم فيها، وما يحدث الآن في الولايات المتحدة سيتعدى الحدود الجغرافية لأمريكا، وستبلغ تداعياتها كل دول العالم.

الاثنين، 13 أبريل 2026

المظاهر الدينية المسيحية في الحكومة الأمريكية

 

مشهدٌ نظراً لغرابته وندرته في عالمنا اليوم انتشر بين الناس في كل دول العالم كانتشار النار في الهشيم، ومما زاد من غرابته ودهشةْ الناس عند رؤيته أنه وقع في أكثر دول العالم تطوراً، ورقياً، وتقدماً، ودعوة للعلمانية وفصل الدين عن الدولة، وابعاد الكنيسة عن السياسة والحكم.

 

هذا المشهد الفريد والعجيب وقع في يوم الخميس الموافق 5 مارس 2026 في البيت الذي يحكم العالم اليوم ويسيطر على قراراته، وهو البيت الأبيض، وبالتحديد في المكتب البيضاوي الشهير للرئيس الأمريكي. فهو مشهد يمثل عقلية القرون الوسطى المظلمة والجاهلة التي كان يعيش فيها الغرب عامة أثناء الحكم الديني الثيوقراطي المستبد، حيث يسيطر رجال الدين المسيحيين على كل مفاصل الحكم وجميع قرارات الدولة، فيقوم هؤلاء المتنفذون من قساوستهم ورهبانهم وكهنتهم بمباركة الحاكم، والمسح على جسمه، والصلاة من أجل توفيقه ونصرته لنقل الأوامر والتعليمات الإلهية وتنفيذها.

 

هذا المشهد الذي أراه أمامي عبارة عن مقطع لفيديو صادر من البيت الأبيض نفسه، حيث أرى الرئيس الأمريكي ترمب في البيت الأبيض، وبالتحديد في المكتب البيضاوي وهو جالس خلف طاولته الشهيرة المعروفة تحت مسمى (Resolute Desk)، وخلفه وهم وقوف 18 رجلاً وامرأتان. أرى في مقطع الفيديو الرئيس ترمب وهو خافض رأسه تجاه الطاولة، ومغمض عينيه، وقد وضع يديه فوق بعض، وتبدو عليه علامات الخشوع والتضرع والسكون والتركيز الشديد، كما أرى الوقوف من الرجال والنساء من زعماء وقادة الكنيسة الإنجيلية وقد وضع بعضهم أيديهم على ظهر الرئيس، وكتفه يميناً وشمالاً، أو ذراعيه، وتظهر على وجوههم علامات وسمات الخشوع والسكينة. ثم أسمع أحد الرجال وهو القس "توم مولنز" (Tom Mullins) من ولاية فلوريدا، وهو يقود تأدية الصلاة الكلامية خلف ترمب من أجل أن يحقق له الرب النصر على إيران، فيقول مخاطباً ترمب: "نتشرف بأن نقف أمامك اليوم. نحن نصلي من أجل استمرار بركتك ورضاك أن تنزل عليك. نصلي من أجل الحكمة من السماء لتوجه قلبه وعقله، وأن تعينه خلال هذه الأوقات الصعبة التي نواجهها اليوم. يا أبانا، نصلي أن تواصل إعطاء رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة".

هذا المشهد الذي وصفته لكم، كما شاهدته أمامي، وهذه الطقوس الدينية الإيمانية، ما هو إلا مثال واحد فقط، ونموذج من نماذج وصور ومظاهر دينية مسيحية روحانية كثيرة بدأت تنكشف بوضوح يوماً بعد يوم في عهد الرئيس ترمب، وبخاصة في هذه الفترة الرئاسية الثانية. وهذه المظاهر الدينية في الحكومة الأمريكية نشاهدها بدءاً ببيت الحُكم، حيث تحول البيت الأبيض إلى كنيسة مسيحية صغيرة، وساحة للصلاة والعبادة المسيحية يتم فيها استضافة القساوسة ورجال الدين المسيحيين لأداء الصلاة مع الوزراء والمسؤولين والاستماع إلى المواعظ والخطب، ثم أيضاً في المرافق الحكومية الاتحادية، وبشكلٍ ملحوظ جداً في وزارة الدفاع. بل وإنه تم تقنين وتنظيم هذه المظاهر الدينية بشكلٍ منهجي مستمر من خلال أوامر تنفيذية رئاسية، ومن خلال المبادرات الحكومية الاتحادية مثل المبادرة التي أطلقها ترمب تحت عنوان: "أمريكا تصلي"، والمبادرة الوطنية التي تحمل شعار "الإيمان إلى الأمام"، وإنشاء "المجلس الاستشاري الإنجيلي". إضافة إلى إحياء وتكثيف الاحتفال بالأيام والمناسبات الدينية على المستوى الاتحادي، مثل "اليوم الوطني للصلاة".  

والهدف النهائي الاستراتيجي طويل الأمد من هذه المظاهر التي تبدو سطحية وبريئة هو تعميق وترسيخ المسيحية الإنجيلية الصهيونية، ودمجها في عملية اتخاذ القرار في المجتمع الأمريكي على كافة المستويات، وبناء جسور قوية وطويلة بين رجال السياسة ورجال الدين المسيحي. وبعبارة أخرى تطويع القرار السياسي ليخدم الأجندة والمعتقدات المسيحية الصهيونية، فتكون هي أساس ومنطلق القرارات السياسية الاتحادية. فكل خطوة يقوم بها الرئيس، أو عمل تنفيذي، أو حرب يشنها في أي موقع في العالم فسيكون لها تفسيراً دينياً مسيحياً، أو مُبَرراً روحياً مستوحاة من كتبهم المقدسة، فالبوصلة الدينية الانجيلية هي التي توجه وتتخذ القرار في أمريكا.

ومن أشد هذه المظاهر الدينية المسيحية وضوحاً وعلانية وبشكل مستمر هي في وزارة الدفاع، بقيادة المسيحي الصليبي المتطرف وزير الحرب "بيت هيجسيث". فهذا الوزير تم اختياره بعناية لينفذ دمج المسيحية الصهيونية في العقيدة القتالية للجيش الأمريكي، فيتم تلقين الجندي بأنه يقاتل تنفيذاً لتوجيهات الرب المستوحاة من الإنجيل، فهو مأجور عند الرب ويثاب على القتال وبذل النفس من أجل هذه الحروب المقدسة، وبخاصة التي تُشن في الشرق الأوسط. وهذه ليست ادعاءات، وإنما حقائق مشهودة ومعلنة. فوزير الدفاع نفسه لا يخفي تطرفه وتشدده المسيحي الصليبي، ولا يخفي هذه الاعتقادات المسيحية المتطرفة والصليبية، فرموز الحروب الصليبية محفورة في جسمه، وخالدة مخلدة ومنقوشة في بدنه على هيئة وشوم(Tattoos). فعلى العضلة على يده اليمين وعلى صدره هناك وشوم مستوحاة من آيات ونصوص إنجيلية، وتمثل رموزاً مسيحية صليبية، منها شعار الصليبية، ومصطلح (Deus vult). وهي عبارة لاتينية تعني "الرب يريد ذلك"، أو "بإذن الرب"، وهذه العبارة اشتهرت كصرخة ونداء وصيحة للحروب المسيحية الصليبية في العصور الوسطى، فاستخدمها الصليبيون، كشعار ديني وعسكري لتبرير عدوانهم على المسلمين، وكان يوضع كشعار على ملابس فرسان الصليبيين. واليوم تستخدم جماعات وميليشيات "تفوق العرق الأبيض"، والجماعات القومية المسيحية اليمينية المتشددة والذي ينتمي إليها وزير الدفاع كشعار سياسي ضد الإسلام والمسلمين. فهم يؤمنون بأن المسيحيين هم الذين أسسوا وبنوا أمريكا، ولذلك يجب أن تبقى وتستمر على هذا المنهج، ولا موقع ولا مكان لغيرهم في أمريكا. كما يعتقد بأن حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين وإبادتهم لهذا الشعب هو من وحي الانجيل وتفسيراً لآياته، ولذلك يجب على المسيحيين دعم وحماية إسرائيل من أجل حماية الدين المسيحي وتنفيذ أوامر الرب. فالحرب إذن دينية ومقدسة وهي جزء من خطة ومشيئة الرب وتوحي بقرب يوم القيامة(apocalypse). فوزير الدفاع يؤمن بأن الرب قد اختاره لتنفيذ هذه المهمة المقدسة ورجوع المسيح مرة ثانية قبل يوم القيامة واليوم الآخر ونهاية العالم.

كما أن هذه المعتقدات الايمانية وثَّقها وزير الدفاع نفسه في كتابه المنشور في 19 مايو 2020، ويحمل عنوان:" الحملة الصليبية الأمريكية: كفاحنا من أجل أن نبقى أحراراً"، حيث برر الحملات الصليبية بأنها كانت ضرورية لإنقاذ المسيحية الأوروبية من هجوم الإسلام، فلولاها لانتهت أوروبا وأمريكا. كما كشف النقاب عن تفاصيل مركزية في صراع الغرب مع الإسلام، فخصّص جزءاً هاماً للحديث عن خطر الإسلام والمسلمين على الأمة الأمريكية النصرانية، ووجوب مواجهة المد الإسلامي والتصدي له.

 

كذلك فإم هذا الوزير أدخل بشكلٍ مستمر المظاهر الدينية في وزارة الدفاع لزرع وترسيخ هذه العقائد الروحانية الانجيلية في قلوب ونفوس الجنود، حيث يقيم الصلاة المسيحية شهرياً في مبنى البنتاجون، ويدعو إليها بعض القساوسة المتشددين من القومين المسيحيين، مثل "دوجلاس ويلسون"(Douglas Wilson) الذي يعتقد بأفكار تعتبر جدلية، وغير متفق عليها، وشاذة في المجتمع الأمريكي، فهو لا يؤمن بحقوق المرأة في التصويت، وأن تكون المرأة خاضعة كلياً لزوجها، وتُمنع من المناصب القيادة في الكنيسة، كما يؤمن بأن أمريكا دولة مسيحية ويجب أن تتبع هدى وتوجيهات الإنجيل ولا مكان لدين آخر في أمريكا.

 

فهذه هي أمريكا في عهد ترمب، لا تعادي العرب والمسلمين فحسب، وإنما تعادي الدستور الأمريكي أولاً الذي فصل الدولة عن الكنيسة، وتعادي الشعب الأمريكي ثانياً الذي أصبحت مصالحه في مؤخرة أولويات ترمب، وتعادي أخيراً دول العالم أجمع والتي يريدها الملك ترمب أن تخضع لإرادته وسلطته. 

 

الخميس، 9 أبريل 2026

اعترافات خطيرة لمدير مكافحة الإرهاب الأمريكي


استقالة جو كِينْتْ (Joe Kent) مدير "المركز القومي لمكافحة الإرهاب" في حكومة ترمب في 17 مارس 2026 جاءت في مرحلة حرجة جداً بالنسبة لترمب، وأحدثت شرخاً كبيراً، وانقساماً عميقاً يصعب تصليحه وترميمه في البيت الأبيض، وشكلت هزة قوية وتمزقاً ملحوظاً في نسيج حركة "اجعل أمريكا عظيمة مرة ثانية"، وشعار "أمريكا أولاً"، كما أحدثت في الوقت نفسه زلزالاً شديداً وعميقاً بلغ جذور الشعب الأمريكي برمته، وكان له انعكاسات مشهودة وقوية على الرأي العام الأمريكي.

 

وفي تقديري هناك عدة أسباب جعلت من استقالة "جو كينت" والاعترافات الخطيرة التي أدلى بها بكل جرأة وشجاعة وتحدي لحكومة ترمب المسيحية الصهيونية التابعة لإسرائيل لها تأثيرات مدوية وصارخة على كافة المستويات الشعبية، وكافة أجهزة أمريكا التنفيذية والتشريعية، ومنها ما يلي:

 

أولاً: جو كينت لا ينتمي إلى أحد الأعراق المهمشة في أمريكا، أو إلى الأقليات المستضعفة التي لا نفوذ لها على الشعب الأمريكي والمستوى الحكومي الاتحادي، فلا تستطيع تغيير مواقفه بشكل جذري، وإنما هو من عرق السيادة المسيحية البيضاء المتسلطة والتي تحكم أمريكا منذ قرون، وتتمتع بالنفوذ القوي والسيادي في الدولة الأمريكية العميقة. فقد كان هو نفسه من اليمينيين المتطرفين الذين يعتقدون بتفوق وسيادة العرق الأبيض(White supremacist)، وكان حليفاً مخلصاً لترمب، وكان مع الذين احتلوا الكونجرس الأمريكي في 6 يناير 2021، أي أنه لا يستطيع أحد أن يشكك في ولائه العميق لترمب.

 

ثانياً: جو كينت له مصداقية عالية في أوساط الشعب الأمريكي، فهو جندي مخضرم ومعروف أمريكياً بوطنيته الشديدة، وسجله الوطني المشرق، وتاريخه المهني القتالي الذي استمر 20 عاماً يشهد له بذلك، حيث شارك كجندي في القوات الخاصة في حروبِ أمريكا المتعددة على دول العالم، وفي 11 عملية قتالية، كما أن زوجته "شانون كينت" (Shannon Kent) كانت أيضاً جندية محاربة، وقُتلت في احدى المعارك في سوريا عام 2019. ولذلك عندما يصرح ويقول فستكون آذان الأمريكيين صاغية ومنتبهة لما يقول، والجميع يسمع له، ويتأثر بمواقفه وآرائه، وكيفية تصويته في أية انتخابات قادمة.

ثالثاً: كان الرجل يشغل منصباً أمنياً رفيعاً وكان مقرباً جداً من ترمب، كما حظي بموافقة الكونجرس على تعيينه في فبراير 2025.

 

فكل هذه الأسباب تؤكد بأن الاستقالة التي قدَّمها لترمب في خطاب رسمي قد أغضبت ترمب كثيراً لفقدانه أحد أعمدة الحكم الموالية والمخلصة، كما تشير إلى أن أية اعترافات وتصريحات يدلي بها ستكون من العيار الثقيل الذي له وطأة شديدة على الشعب الأمريكي.

 

فالاعترافات والتصريحات التي نشرها للمواطن الأمريكي جاءت على عدة أوجه وصور، منها خطاب الاستقالة المنشور في وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها المقابلة التي أجراها معه الإعلامي الجريء "تاكر كارلسون"(Tucker Carlson) والتي استغرقت أكثر من ساعتين واستمع لها الملايين من الأمريكيين، إضافة إلى المقابلات المتتالية مع إعلاميين آخرين.

 

وهنا أُلخص لكم أهم ما ورد في هذه الوثائق والمقابلات، كما يلي:

أولاً: كَتَب جو كينت في خطاب الاستقالة: "لا أستطيع بضميرٍ حي أن أَدْعَم الحرب الجارية على إيران"، كما جاء أيضاً في الخطاب تبريره لتقديم الاستقالة قائلاً: "إيران لا تمثل تهديداً وشيكاً لأُمْتنا، وإنه من الواضح أننا بدأنا الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل واللوبي الأمريكي القوي". فلذلك نجد بأنه عارض هذه الحرب استناداً إلى شعارات وتصريحات ترمب التي كان يرفعها أثناء حملته الانتخابية الرئاسية والتي أكد فيها أنه ضد الحروب، ولن يشعل أية حرب جديدة، ولن ينفق المال الأمريكي على حروب خارجية. كما أنه عارض الحرب لمبرراتها غير الصحيحة، وحججها الواهية والمبنية على معلومات مضللة وكاذبة من إسرائيل واللوبي الأمريكي الصهيوني التي كانت تُحرض أمريكا للدخول في الحرب ضد إيران بحجة أنها تمتلك صواريخ باليستية تصل إلى أمريكا فتهدد أمنها، وأن لها خلايا سرية وطائرات بدون طيار تهدد ولاية كاليفورنيا.

 

ثانياً: في المقابلة مع "تاكر كارلسون" أوضح عدة حقائق، منها أنه فضح على الملأ بأن الضغوط الإسرائيلية على أمريكا وتوريطها في الحروب ليست وليدة الحرب الراهنة. فإسرائيل كانت تحرض أمريكا على غزة العراق والانقلاب على صدام حسين، ولفقَّتْ الكثير من الأدلة المفبركة ضد العراق في أنها تمتلك أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيميائية، فتهدد الأمن القومي الأمريكي وتهدد حلفاء أمريكا في المنطقة. والجميع يتذكر كلمة وزير الخارجية الأمريكية "كولن بأول" الشهيرة في 5 فبراير 2003 التي قدَّم أدلة كاذبة ومزعومة، وصوراً مزيفة في الجلسة المفتوحة لمجلس الأمن، وادعى بأن هذه الصور تؤكد بأن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل، ولذلك يبرر غزو أمريكا للعراق، علماً بأن "كولن بأول" بعد خروجه من وزارة الخارجية أقر قائلاً بأن الخطاب تضمن معلومات مضللة، وأن ما قاله وصمة عار، ويعتبر لطخة في تاريخه المهني. فقال جو كينت معلقاً على هذا التدخل الإسرائيلي والتحريض الصهيوني للحكومات الأمريكية للدخول في الحروب، إن: "الإسرائيليين يعتقدون بأنهم مهما يفعلون، ومهما يضعوننا في مواقف محرجة، فإنهم يستطيعون الاستمرار فيه، وأن علينا فقط رد الفعل".

 

كذلك من الحقائق التي وردت في المقابلة بأن إسرائيل هي العامل المزعزع للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بتوريطها للحكومات الأمريكية في اشعال الحروب لمصلحتها، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية المتمثلة في إخضاع الدول العربية، وبسط هيمنتها عليها جميعاً، حيث قال: "لذلك، فإن التهديد الوشيك ليس من إيران، إنه من إسرائيل...فلا توجد معلومات استخباراتية تفيد بأن الإيرانيين سيشنون هذا الهجوم المفاجئ الكبير" على أمريكا. كما أكد على حقيقة أخرى مهمة جداً تشير إلى أنه بالنسبة لخوض الحروب بالوكالة عن إسرائيل وحماية أمنها، فإن الحزبين مشتركين في هذه السياسة ولا فرق كبير بينهما، فقال: "الجمهوريون والديمقراطيون يكذبون باستمرار على الشعب الأمريكي لإبقائنا منخرطين في حروب بالخارج".

 

ونتيجة لهذه الاعترافات الصادمة وغير المتوقعة من رجل موالي وحليف سنوات طويلة لترمب، ونتيجة لشدة وطأة هذه التصريحات وضررها العقيم والواسع النطاق على سمعة وسياسة ترمب والجمهوريين عامة والتي نزلت عليهم جميعاً كالصاعقة المدمرة وشقت صفوفهم المرصوصة، فإن التشويهات، والتحريضات، والمضايقات بدأت تطال جو كينت منذ اليوم الأول. فقد بدأ أولاً مكتب التحقيقات الاتحادي(إف بي آي) بالتحقيق معه بحجة أنه سرب معلومات سرية إلى وسائل الإعلام، ثم جاءت الملاحقات الإعلامية والاتهامات الشخصية بأنه معادي للسامية ويحارب اليهود وإسرائيل، وأنه شخصية نكرة لا قيمة لها ولا وزن في المجتمع الأمريكي.

 

 

السبت، 4 أبريل 2026

التداعيات البيئية للحرب الدائرة


الضحية الأولى الصامتة التي تسقط دائماً عند اندلاع الحروب بين الأطراف المتنازعة هي البيئة ومكوناتها الحية وغير الحية، من ماء، وهواء، وتربة، وحياة فطرية، ولكن هذه الضحايا البيئية في أغلب الأحيان يتم تجاهلها، ولا تحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع حجم الخسائر الجسيمة التي تلحق بها وتستمر سنوات عجاف طويلة حتى بعد أن تقف الحرب.

 

ويمكن تقسيم هذه الأضرار البيئية إلى قسمين رئيسين. أما الأول فهو الخسائر الآنية التي نراها في الحال، ووقت وقوع المعارك على عناصر بيئتنا، فالجميع يستطيع مراقبة ومشاهدة مناظر تدمير البيئة، وبخاصة بالنسبة لمظاهر تلوث الهواء التي رأيناها جميعاً رأي العين. فهناك تلوث الهواء الجوي الناجم عن حركة الطائرات الحربية، والطائرات بدون طيار، والآليات العسكرية الثقيلة، والسفن الحربية، واطلاق الصواريخ، وانفجار القنابل، حيث تنبعث منها ملوثات كثيرة، منها مسرطنة، ومنها سامة وخطرة على صحة الهواء الجوي والأمن الصحي للإنسان، وبالتحديد تسبب له مشكلات حادة في الجهاز التنفسي والجلد. كذلك عندما تُقصف خزانات الوقود، ومحطات تكرير النفط والغاز، وأنابيب النفط فتنطلق منها الأدخنة السوداء، أو الجسيمات الدقيقة التي إما تنزل على الأرض على هيئة ترسبات جافة، وإما أن تسقط على شكل أمطارٍ سوداء، دهنية لزجة، أو أمطار حمضية، فتؤثر على نوعية المسطحات المائية والأحياء التي تعيش فيها، وعلى التربة، وعلى الإنسان عندما يتعرض لها. وهذه الأمطار السوداء قد تمت بالفعل مشاهدتها عدة مرات في إيران أثناء هذه الحرب.

 

كما أن هذه المصادر من تلوث الهواء تؤدي إلى انبعاث الغازات المتهمة بتفاقم ظاهرة التغير المناخي، وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون. فقد قدَّر أحد التقارير العلمية بأنه خلال 14 يوماً من الحرب العقيمة فقط، انبعث قرابة 5 ملايين طن من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء الجوي.

 

ومن أخطر أنواع تلوث الهواء وأشدها وطأة على الإنسان هو عندما تُقصف وتفجر المرافق النووية، سواء أكانت مفاعلات نووية، أو مواقع لتخزين اليورانيوم، أو حتى السفن التي تعمل بالوقود الذري، حيث إن ضرب مثل هذه المنشآت قد تتسرب منها الاشعاعات التي تقتل البشر والشجر والحياة الفطرية عامة، وتسبب للإنسان أمراضاً سرطانية عقيمة تستمر عقوداً طويلة على الإنسان.

 

ومن جانب آخر هناك وقائع تؤكد تلوث مياه الخليج العربي، وبالتحديد عند ضرب السفن الحربية والمدنية وغرقها في المياه، أو قصف المنشآت النفطية والغاز الساحلية وفي عمق البحر، أو الهجوم على ناقلات النفط العملاقة. وفي كل هذه الحوادث قد يتسرب منها النفط الخام، أو وقود السفن، أو غير ذلك من أنواع الوقود الأحفوري التي تسبب تلوثاً نفطياً وبقعاً زيتياً قد يصعب التعامل معها لحجمها وكثافتها، فتقتل الأحياء والطيور البحرية عندما تتعرض لها بشكلٍ مباشر، أو غير مباشر مع مكوث هذه البقع الزيتية في مياه الخليج مع الوقت وانتقالها عبر السلسلة الغذائية.

 

وأما القسم الثاني من الأضرار البيئية للحرب الراهنة فهو من الخبرات السابقة تؤكد بأنها تبقى خالدة مخلدة على بيئتنا لعقود طويلة من الزمن، ويتم اكتشافها بين الحين والآخر. ويتلخص هذا النوع أولاً في الألغام الأرضية والبحرية التي تُزرع في البر والبحر ولا يعرف أحد عن مواقعها بالضبط، وثانياً في الذخائر، والقنابل التي أُلقيت من الطائرات في البر والبحر ولكنها لم تنفجر، ولذلك ستبقى في موقعها حتى تكتشفها الصدف ولو بعد عقود طويلة من انتهاء الحرب. فعلى سبيل المثال، بالرغم من أن الحرب العالمية الثانية قد انتهت قبل أكثر من ثمانين عاماً، إلا أننا نقرأ عن اكتشاف هذه القنابل حتى يومنا هذا.

 

ومع مرور الأيام، وبخاصة بعد أن تتوقف أصوات الطائرات والصواريخ والانفجارات، ويعود الجنود إلى ثكناتهم، فستتضح الرؤية أكثر حول التداعيات البيئية للحرب بشكلٍ أكبر، ويمكن دراستها وتحديدها كمياً وليس نوعياً فقط.