الخميس، 9 أبريل 2026

اعترافات خطيرة لمدير مكافحة الإرهاب الأمريكي


استقالة جو كِينْتْ (Joe Kent) مدير "المركز القومي لمكافحة الإرهاب" في حكومة ترمب في 17 مارس 2026 جاءت في مرحلة حرجة جداً بالنسبة لترمب، وأحدثت شرخاً كبيراً، وانقساماً عميقاً يصعب تصليحه وترميمه في البيت الأبيض، وشكلت هزة قوية وتمزقاً ملحوظاً في نسيج حركة "اجعل أمريكا عظيمة مرة ثانية"، وشعار "أمريكا أولاً"، كما أحدثت في الوقت نفسه زلزالاً شديداً وعميقاً بلغ جذور الشعب الأمريكي برمته، وكان له انعكاسات مشهودة وقوية على الرأي العام الأمريكي.

 

وفي تقديري هناك عدة أسباب جعلت من استقالة "جو كينت" والاعترافات الخطيرة التي أدلى بها بكل جرأة وشجاعة وتحدي لحكومة ترمب المسيحية الصهيونية التابعة لإسرائيل لها تأثيرات مدوية وصارخة على كافة المستويات الشعبية، وكافة أجهزة أمريكا التنفيذية والتشريعية، ومنها ما يلي:

 

أولاً: جو كينت لا ينتمي إلى أحد الأعراق المهمشة في أمريكا، أو إلى الأقليات المستضعفة التي لا نفوذ لها على الشعب الأمريكي والمستوى الحكومي الاتحادي، فلا تستطيع تغيير مواقفه بشكل جذري، وإنما هو من عرق السيادة المسيحية البيضاء المتسلطة والتي تحكم أمريكا منذ قرون، وتتمتع بالنفوذ القوي والسيادي في الدولة الأمريكية العميقة. فقد كان هو نفسه من اليمينيين المتطرفين الذين يعتقدون بتفوق وسيادة العرق الأبيض(White supremacist)، وكان حليفاً مخلصاً لترمب، وكان مع الذين احتلوا الكونجرس الأمريكي في 6 يناير 2021، أي أنه لا يستطيع أحد أن يشكك في ولائه العميق لترمب.

 

ثانياً: جو كينت له مصداقية عالية في أوساط الشعب الأمريكي، فهو جندي مخضرم ومعروف أمريكياً بوطنيته الشديدة، وسجله الوطني المشرق، وتاريخه المهني القتالي الذي استمر 20 عاماً يشهد له بذلك، حيث شارك كجندي في القوات الخاصة في حروبِ أمريكا المتعددة على دول العالم، وفي 11 عملية قتالية، كما أن زوجته "شانون كينت" (Shannon Kent) كانت أيضاً جندية محاربة، وقُتلت في احدى المعارك في سوريا عام 2019. ولذلك عندما يصرح ويقول فستكون آذان الأمريكيين صاغية ومنتبهة لما يقول، والجميع يسمع له، ويتأثر بمواقفه وآرائه، وكيفية تصويته في أية انتخابات قادمة.

ثالثاً: كان الرجل يشغل منصباً أمنياً رفيعاً وكان مقرباً جداً من ترمب، كما حظي بموافقة الكونجرس على تعيينه في فبراير 2025.

 

فكل هذه الأسباب تؤكد بأن الاستقالة التي قدَّمها لترمب في خطاب رسمي قد أغضبت ترمب كثيراً لفقدانه أحد أعمدة الحكم الموالية والمخلصة، كما تشير إلى أن أية اعترافات وتصريحات يدلي بها ستكون من العيار الثقيل الذي له وطأة شديدة على الشعب الأمريكي.

 

فالاعترافات والتصريحات التي نشرها للمواطن الأمريكي جاءت على عدة أوجه وصور، منها خطاب الاستقالة المنشور في وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها المقابلة التي أجراها معه الإعلامي الجريء "تاكر كارلسون"(Tucker Carlson) والتي استغرقت أكثر من ساعتين واستمع لها الملايين من الأمريكيين، إضافة إلى المقابلات المتتالية مع إعلاميين آخرين.

 

وهنا أُلخص لكم أهم ما ورد في هذه الوثائق والمقابلات، كما يلي:

أولاً: كَتَب جو كينت في خطاب الاستقالة: "لا أستطيع بضميرٍ حي أن أَدْعَم الحرب الجارية على إيران"، كما جاء أيضاً في الخطاب تبريره لتقديم الاستقالة قائلاً: "إيران لا تمثل تهديداً وشيكاً لأُمْتنا، وإنه من الواضح أننا بدأنا الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل واللوبي الأمريكي القوي". فلذلك نجد بأنه عارض هذه الحرب استناداً إلى شعارات وتصريحات ترمب التي كان يرفعها أثناء حملته الانتخابية الرئاسية والتي أكد فيها أنه ضد الحروب، ولن يشعل أية حرب جديدة، ولن ينفق المال الأمريكي على حروب خارجية. كما أنه عارض الحرب لمبرراتها غير الصحيحة، وحججها الواهية والمبنية على معلومات مضللة وكاذبة من إسرائيل واللوبي الأمريكي الصهيوني التي كانت تُحرض أمريكا للدخول في الحرب ضد إيران بحجة أنها تمتلك صواريخ باليستية تصل إلى أمريكا فتهدد أمنها، وأن لها خلايا سرية وطائرات بدون طيار تهدد ولاية كاليفورنيا.

 

ثانياً: في المقابلة مع "تاكر كارلسون" أوضح عدة حقائق، منها أنه فضح على الملأ بأن الضغوط الإسرائيلية على أمريكا وتوريطها في الحروب ليست وليدة الحرب الراهنة. فإسرائيل كانت تحرض أمريكا على غزة العراق والانقلاب على صدام حسين، ولفقَّتْ الكثير من الأدلة المفبركة ضد العراق في أنها تمتلك أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيميائية، فتهدد الأمن القومي الأمريكي وتهدد حلفاء أمريكا في المنطقة. والجميع يتذكر كلمة وزير الخارجية الأمريكية "كولن بأول" الشهيرة في 5 فبراير 2003 التي قدَّم أدلة كاذبة ومزعومة، وصوراً مزيفة في الجلسة المفتوحة لمجلس الأمن، وادعى بأن هذه الصور تؤكد بأن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل، ولذلك يبرر غزو أمريكا للعراق، علماً بأن "كولن بأول" بعد خروجه من وزارة الخارجية أقر قائلاً بأن الخطاب تضمن معلومات مضللة، وأن ما قاله وصمة عار، ويعتبر لطخة في تاريخه المهني. فقال جو كينت معلقاً على هذا التدخل الإسرائيلي والتحريض الصهيوني للحكومات الأمريكية للدخول في الحروب، إن: "الإسرائيليين يعتقدون بأنهم مهما يفعلون، ومهما يضعوننا في مواقف محرجة، فإنهم يستطيعون الاستمرار فيه، وأن علينا فقط رد الفعل".

 

كذلك من الحقائق التي وردت في المقابلة بأن إسرائيل هي العامل المزعزع للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بتوريطها للحكومات الأمريكية في اشعال الحروب لمصلحتها، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية المتمثلة في إخضاع الدول العربية، وبسط هيمنتها عليها جميعاً، حيث قال: "لذلك، فإن التهديد الوشيك ليس من إيران، إنه من إسرائيل...فلا توجد معلومات استخباراتية تفيد بأن الإيرانيين سيشنون هذا الهجوم المفاجئ الكبير" على أمريكا. كما أكد على حقيقة أخرى مهمة جداً تشير إلى أنه بالنسبة لخوض الحروب بالوكالة عن إسرائيل وحماية أمنها، فإن الحزبين مشتركين في هذه السياسة ولا فرق كبير بينهما، فقال: "الجمهوريون والديمقراطيون يكذبون باستمرار على الشعب الأمريكي لإبقائنا منخرطين في حروب بالخارج".

 

ونتيجة لهذه الاعترافات الصادمة وغير المتوقعة من رجل موالي وحليف سنوات طويلة لترمب، ونتيجة لشدة وطأة هذه التصريحات وضررها العقيم والواسع النطاق على سمعة وسياسة ترمب والجمهوريين عامة والتي نزلت عليهم جميعاً كالصاعقة المدمرة وشقت صفوفهم المرصوصة، فإن التشويهات، والتحريضات، والمضايقات بدأت تطال جو كينت منذ اليوم الأول. فقد بدأ أولاً مكتب التحقيقات الاتحادي(إف بي آي) بالتحقيق معه بحجة أنه سرب معلومات سرية إلى وسائل الإعلام، ثم جاءت الملاحقات الإعلامية والاتهامات الشخصية بأنه معادي للسامية ويحارب اليهود وإسرائيل، وأنه شخصية نكرة لا قيمة لها ولا وزن في المجتمع الأمريكي.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق