الخميس، 12 فبراير 2026

التيك توك يُوقعك في شِباك الإدمان


هناك حقيقة قديمة ومتجددة يجب أن يعلمها الجميع ويقتنع بواقعيتها كل إنسان، وهي أن الشركات العملاقة هدفها الوحيد، وهمها الرئيس هو الربح السريع وكنز وتجميع الثروة الكبيرة حتى ولو كانت على حساب أي شيء آخر. فهذه الشركات بوصلتها متجهة كلياً نحو المال، فلا ترقب في أحدٍ إلاً ولا ذمة، فلا تؤمن بالقيَّم الإنسانية، ولا تعتقد بالمبادئ البشرية، فلا ضوابط أخلاقية تحكُمها، ولا نظم إنسانية راقية تمشي عليها. فكم شركة صناعية هَدَمت البيئة الإنسانية والطبيعية، فلوثت الهواء والماء نوعاً وكماً، وأفسدت التربة، وتسببتْ في وقوع مظاهر بيئية كارثية في السماء الدنيا والسماء العليا والفضاء الواسع الشاسع، فأودت بحياة الكثير من البشر، وأسقطتهم بين جريح ومريض وصريع دفنوا تحت الثرى.

 

واليوم تأتي الشركات العملاقة في مجال التقنية الرقمية وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي فتسير على نهج وخطى المصانع الكيميائية ومحطات توليد الطاقة، فتُلوث مكونات البيئة من جهة، وتلوث فكر وعقل الإنسان من جهة أخرى، وبخاصة الصحة النفسية والعقلية للأطفال، والمراهقين، والشباب، وتلقى بهم في غياهب الإدمان والاعتماد الكلي على استخدامها. ومعظم هذه التقنيات التي يكب الناس على استعمالها، وبالتحديد الأطفال، مُصممة في جوهرها وبشكلٍ متعمد من قبل عقول شياطين الإنس الذين يديرون هذه الشركات لتطويع عقل ونفسية المستخدم ليتحول إلى عبدٍ ذليل لها لا يستغني عنها، فلا يستطيع أن يفارقها ليلاً أو نهاراً، ويستعملها طوال اليوم ولسنوات طويلة حتى يقع ضحية سهلة لهذه التقنية المفترسة والفاسدة، فتزيد عندئذٍ أرباح شركاتهم، وتتراكم وتتجمع ثرواتهم على حساب صحة فلذات أكبادنا.

 

ومن هذه التطبيقات التقنية الرقمية في شبكات وسائل التواصل الاجتماعي، ومن منصاتها المشهورة الواسعة الانتشار حول العالم والتي بدأت تفوح منها رائحة نتنة وكريهة انتشرت في أعماق المجتمعات، وشعر بها الناس والعلماء خاصة هي "تيك توك".

 

ففي السادس من فبراير 2026 نشر الاتحاد الأوروبي تقريراً مفصلاً استغرق عامين منذ فبراير 2024 من التحقيق والدراسة الميدانية، إضافة إلى دراسة ظاهرة جديدة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي يُطلق عليها "تأثير جُحر الأرنب"(rabbit hole effect). وقد توصل التقرير الأولي إلى عدة استنتاجات خطيرة ومهمة جداً، منها أن هذا التقرير العملي المعمق والشامل اتهم شركة تيك توك بأنها صَمَّمتْ برامجها بشكلٍ متعمد ومقصود سلفاً لتُسقط المستخدم في الإدمان عليها (addictive design)، كما أن "نموذج العمل" (business model) للشركة هو العمل على إبقاء الفرد مع المنصة ساعات طويلة من اليوم والليلة، فيستغرق جل وقته من الليل، وبخاصة عند الأطفال والمراهقين مع تيك توك، فيسهرون معه ومع محتواه من فيديوهات متواصلة لا تنتهي. فالشركة تعمل بشكل ممنهج وخبيث على إيقاع فلذات أكبادنا في الإدمان.

 

وهناك عدة خصائص ومميزات موجودة في منصة تيك توك تحقق هدف الإدمان، مثل "التشغيل التلقائي"(autoplay)، و "التمرير اللانهائي"(infinite scroll). فمثل هذه المميزات الفاسدة والمدمرة للعقل والنفس هي التي تجعل المستخدم ينزلق في "جحر الأرنب" ولا يستطيع الخروج منه بسهولة ويسر وبإرادته الذاتية، مما يجعله يقضي ويضيع ساعات طويلة من وقته أمام تيك توك ومحتوياته الفاسدة للعقل والنفس. فهذا التدفق المستمر وغير المتوقف للمحتوى على تيك توك، مثل الفيديو وغيره يجعل مخ ودماغ المستخدمين في حالة ووضع التشغيل التلقائي والآلي، أي لا سيطرة على المخ في ما يقوم به، مما يؤدي إلى ظهور سلوكيات القهري اللاإرادي للمستخدم، فيقوم بتكرار أفعال غير مرغوب فيها بشكل مفرط وغير اعتيادي ولا يمكن التحكم فيه.

 

كذلك من استنتاجات تقرير الاتحاد الأوروبي هو الأضرار التي تُلحقها هذه المنصة على المستخدمين، وبخاصة من الأطفال، والمراهقين، والشباب حيث يقضون نحو 5 ساعات يومياً أمام تك توك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي مما يترك بصمة قوية متجذرة في صحتهم العقلية والنفسية، كما تنعكس عليهم من الناحية الاجتماعية من العزلة والابتعاد عن الأسرة والمجتمع.

 

ونظراً لأهمية هذا التقرير على الأمن الصحي لهذا الجيل من الأطفال خاصة، والأجيال القادمة عامة، فقد أعلنت المفوضية الأوروبية وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي في التاسع من فبراير عن فتح تحقيق داخلي رسمي لتقييم استنتاجات هذا التقرير الأولى، وما إذا قامت شركة تك توك بمخالفة القانون في سلامة وأمن الاستخدام، وبالتحديد قانون "الخدمات الرقمية"(Digital Services Act) لعام 2022 الذي يلزم شركات وسائل التواصل الاجتماعي على حماية الأمن الصحي للمستخدم. كما حذرت المفوضية الأوروبية تيك توك على ضرورة إحداث تغيير في برامج تشغيل المنصة لمواجهة جميع التهديدات التي تصاحب استخدامها، وإذا لم تقم بالتغيرات اللازمة، فستواجه غرامات مالية تصل إلى 6% من إيراداتها السنوية على المستوى الدولي.

 

فهذا المثال العملي الخاص بالتأثيرات الخطرة والفاسدة لمنصة تيك توك على الصحة الجسدية، والعقلية، والنفسية للأجيال الحالية والمستقبلية ينطبق بدرجات متفاوتة على باقي وسائل التواصل الاجتماعي. فهناك إجماع عند العلماء المختصين، وعند رجال التشريع والسياسة وحكومات العالم بأن شبكة التواصل الاجتماعي تهدد سلامة وأمن جميع المستخدمين، وبخاصة الصغار في السن، مما يحتم ضرورة تقنين هذه الوسائل من مناحي كثيرة، منها عمر المستخدم، ومحتوى هذه الوسائل، والساعات التي يقضيها الفرد أمامها، وإذا لم نُنظم هذه العملية فسيكون إثم ومفاسد هذه الوسائل أكثر من نفعها، وضررها أكبر من فوائدها.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق