الضحية الأولى الصامتة التي تسقط دائماً عند اندلاع
الحروب بين الأطراف المتنازعة هي البيئة ومكوناتها الحية وغير الحية، من ماء،
وهواء، وتربة، وحياة فطرية، ولكن هذه الضحايا البيئية في أغلب الأحيان يتم
تجاهلها، ولا تحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع حجم الخسائر الجسيمة التي تلحق بها
وتستمر سنوات عجاف طويلة حتى بعد أن تقف الحرب.
ويمكن تقسيم هذه الأضرار البيئية إلى قسمين رئيسين. أما
الأول فهو الخسائر الآنية التي نراها في الحال، ووقت وقوع المعارك على عناصر
بيئتنا، فالجميع يستطيع مراقبة ومشاهدة مناظر تدمير البيئة، وبخاصة بالنسبة لمظاهر
تلوث الهواء التي رأيناها جميعاً رأي العين. فهناك تلوث الهواء الجوي الناجم عن
حركة الطائرات الحربية، والطائرات بدون طيار، والآليات العسكرية الثقيلة، والسفن
الحربية، واطلاق الصواريخ، وانفجار القنابل، حيث تنبعث منها ملوثات كثيرة، منها
مسرطنة، ومنها سامة وخطرة على صحة الهواء الجوي والأمن الصحي للإنسان، وبالتحديد
تسبب له مشكلات حادة في الجهاز التنفسي والجلد. كذلك عندما تُقصف خزانات الوقود،
ومحطات تكرير النفط والغاز، وأنابيب النفط فتنطلق منها الأدخنة السوداء، أو
الجسيمات الدقيقة التي إما تنزل على الأرض على هيئة ترسبات جافة، وإما أن تسقط على
شكل أمطارٍ سوداء، دهنية لزجة، أو أمطار حمضية، فتؤثر على نوعية المسطحات المائية
والأحياء التي تعيش فيها، وعلى التربة، وعلى الإنسان عندما يتعرض لها. وهذه
الأمطار السوداء قد تمت بالفعل مشاهدتها عدة مرات في إيران أثناء هذه الحرب.
كما أن هذه المصادر من تلوث الهواء تؤدي إلى انبعاث
الغازات المتهمة بتفاقم ظاهرة التغير المناخي، وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وعلى
رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون. فقد قدَّر أحد التقارير العلمية بأنه خلال 14 يوماً
من الحرب العقيمة فقط، انبعث قرابة 5 ملايين طن من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى
الهواء الجوي.
ومن أخطر أنواع تلوث الهواء وأشدها وطأة على الإنسان هو
عندما تُقصف وتفجر المرافق النووية، سواء أكانت مفاعلات نووية، أو مواقع لتخزين
اليورانيوم، أو حتى السفن التي تعمل بالوقود الذري، حيث إن ضرب مثل هذه المنشآت قد
تتسرب منها الاشعاعات التي تقتل البشر والشجر والحياة الفطرية عامة، وتسبب للإنسان
أمراضاً سرطانية عقيمة تستمر عقوداً طويلة على الإنسان.
ومن جانب آخر هناك وقائع تؤكد
تلوث مياه الخليج العربي، وبالتحديد عند ضرب السفن الحربية والمدنية وغرقها في
المياه، أو قصف المنشآت النفطية والغاز الساحلية وفي عمق البحر، أو الهجوم على
ناقلات النفط العملاقة. وفي كل هذه الحوادث قد يتسرب منها النفط الخام، أو وقود
السفن، أو غير ذلك من أنواع الوقود الأحفوري التي تسبب تلوثاً نفطياً وبقعاً
زيتياً قد يصعب التعامل معها لحجمها وكثافتها، فتقتل الأحياء والطيور البحرية
عندما تتعرض لها بشكلٍ مباشر، أو غير مباشر مع مكوث هذه البقع الزيتية في مياه
الخليج مع الوقت وانتقالها عبر السلسلة الغذائية.
وأما القسم
الثاني من الأضرار البيئية للحرب الراهنة فهو من الخبرات السابقة تؤكد بأنها تبقى
خالدة مخلدة على بيئتنا لعقود طويلة من الزمن، ويتم اكتشافها بين الحين والآخر.
ويتلخص هذا النوع أولاً في الألغام الأرضية والبحرية التي تُزرع في البر والبحر
ولا يعرف أحد عن مواقعها بالضبط، وثانياً في الذخائر، والقنابل التي أُلقيت من
الطائرات في البر والبحر ولكنها لم تنفجر، ولذلك ستبقى في موقعها حتى تكتشفها
الصدف ولو بعد عقود طويلة من انتهاء الحرب. فعلى سبيل المثال، بالرغم من أن الحرب
العالمية الثانية قد انتهت قبل أكثر من ثمانين عاماً، إلا أننا نقرأ عن اكتشاف هذه
القنابل حتى يومنا هذا.
ومع مرور الأيام،
وبخاصة بعد أن تتوقف أصوات الطائرات والصواريخ والانفجارات، ويعود الجنود إلى
ثكناتهم، فستتضح الرؤية أكثر حول التداعيات البيئية للحرب بشكلٍ أكبر، ويمكن
دراستها وتحديدها كمياً وليس نوعياً فقط.