الاثنين، 16 فبراير 2026

التغير المناخي يدخل مرحلة الموت السريري

 

عندما انسحب ترمب في الفترة الأولى من رئاسته من اتفاقية التغير المناخي الدولية في 1 يونيو 2017، أدخل فوراً قضية التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها إلى غرفة الإنعاش والعناية المركزة، حيث تم مباشرة وضع الأجهزة والمعدات الطبية على جسمه العليل، وإعطائه الأدوية اللازمة لإبقائه حياً ينبض بالحياة. فخروج الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية التغير المناخي، وأي اتفاقية ومعاهدة دولية له تأثير عقيم على مخرجات هذه المعاهدة، وله دور فاعل في تأخير وشل تنفيذه على المستوى الدولي.

 

فالنسبة للتغير المناخي فالولايات المتحدة تُعد تاريخياً المسبب الأول لوقوع هذه الظاهرة الدولية المشتركة التي تخص كل دولة، وكل إنسان يعيش على سطح كوكبنا. فمعظم انبعاثات الملوثات التي أحدثت التغير المناخي للأرض، فرفعتْ حرارة كوكبنا، وزادت من ارتفاع مستوى سطح البحر ونزول الفيضانات والأعاصير وموجات الحر، هي من أرض أمريكا على مدى أكثر من قرن ونصف القرن وبشكل مستمر لم يتوقف دقيقة واحدة. فالانبعاثات للغازات المتهمة بسخونة الأرض انطلقت من مصانعها التي لا تعد ولا تحصى، ومن محطاتها المتناثرة لتوليد الكهرباء، ومن عمليات البحث والتنقيب واستخراج كافة أنواع الوقود الأحفوري، وأخيراً من وسائل المواصلات. ولذلك انسحاب أمريكا يعني ضعف قدرة دول العالم الأخرى على مواجهة هذا التحدي العصري العظيم، وعدم فاعلية أي حل وعلاج لهذه الأزمة الخانقة لعدم وجود أمريكا ضمن جهود الحل.

 

ولكن بعد أن اعْتَلى جو بايدن عرش البيت الأبيض، سارع في 19 فبراير 2021 إلى إعادة انضمام الولايات المتحدة إلى الحظيرة الدولية الخاصة بالتغير المناخي، مما أرجع الروح والحياة مرة ثانية للجهود الدولية لتصدي للتغير المناخي، فأخرج هذه القضية العامة من غرفة الإنعاش وحالة الطوارئ القصوى التي كان يعاني منها.

 

وهذه الحالة الصحية للتغير المناخي لم تدم طويلاً، ولم يكتب لها الاستقرار، فتدهورت صحتها بشكلٍ أكبر من قبل، مما جعلها تدخل في مرحلة الموت السريري، وبالتحديد بعد فوز ترمب في الانتخابات الرئاسية وانسحابه للمرة الثانية من اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2014 في 20 يناير 2025.

 

وفي تقديري فإن هذه المرحلة الخطيرة للموت السريري والمهددة لحياة التغير المناخي، ستدخل بُعَيد سنوات، ومع استمرار بقاء ترمب في الحكم سينتقل التغير المناخي إلى آخر مرحلة للحياة، وهي الموت الدماغي، وأخيراً الموت البيولوجي المعروف، والذي يؤدي إلى نقله إلى مثواه الأخير للدفن تحت الثرى.

 

وهناك العديد من السياسات، والمؤشرات والعلامات التي أراها أمامي الآن، وأشهدها في جسم التغير المناخي المنهك والضعيف الذي يعاني منذ أكثر من 30 عاماً على المستويين الدولي والاتحادي الأمريكي. فترمب منذ ولايته الأولى وصف التغير المناخي بأنه "خدعة" وشكك في وقوعه، والآن يعمل بشكلٍ ممنهج ومتسارع على كافة المستويات لاستئصال كل الجهود التي تصب في مكافحة التغير المناخي في الولايات المتحدة.

 

أما المؤشر الأول فيكمن في التشريعات المتعلقة بالتغير المناخي وخفض انبعاثات غازات الدفيئة من مصادرها المختلفة إلى الهواء الجوي. ففي 12 فبراير 2026 أعلن ترمب اعلاناً تاريخياً ألغى فيه حقيقة علمية واجماعاً دولياً حول تداعيات التغير المناخي كان موجوداً منذ عام 2009، وبالتحديد في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. وهذه الحقيقة أُطلق عليها "استنتاج تعريض الآخرين للخطر"(endangerment finding)، حيث أكدت هذه الحقيقة وبعد جهود ماراثونية قضائية وصلت إلى أعلى سلطة قضائية في أمريكا هي المحكمة العليا بأن الغازات المنبعثة من المصانع والسيارات، مثل ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان وأربعة غازات أخرى هي غازات الدفيئة أو الاحتباس الحراري وهي المتهمة في وقوع ظاهرة التغير المناخي وتؤدي إلى سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وهذه الحرارة المرتفعة للأرض لها تداعيات سلبية على صحة البشر، فهي تسبب لهم الأمراض المزمنة والخطيرة. ولذلك كان هذا الاستنتاج العملي هو حجر الأساس لبناء سياسة مناخية للولايات المتحدة الأمريكية مدعمة ومنبثقة منها تشريعات ومواصفات ومعايير بيئية تُخفض من انبعاث هذا الملوثات المناخية إلى الهواء الجوي. فمع إعلان ترمب الأخير بإلغاء هذه الحقيقة، تم الغاء جميع الأنظمة والمواصفات البيئية التي تقنن انبعاث الملوثات التي ترفع حرارة الأرض من السيارات، والشاحنات، ومحطات توليد الكهرباء. 

 

وأما المؤشر الثاني فهو مواصلة الاعتماد على الوقود الأحفوري في تشغيل المصانع وتوليد الطاقة، وبخاصة الفحم والنفط، وضخ الأموال للاستثمار فيهما، إضافة إلى تهميش مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ففي 11 فبراير 2022 أعلن ترمب وقوفه بجانب صناعة الفحم، وأعطى الضوء الأخضر لتخصيص دعم مالي حكومي لقطاع الفحم، كما وجه وزارة الحرب والطاقة إلى شراء الكهرباء من محطات للطاقة تعمل بالفحم. وعلاوة على ذلك فقد شجع المستثمرين في 13 فبراير في كلمة ألقاها في البيت الأبيض وجميع المعنيين في قطاع استخراج الوقود الأحفوري، وبالتحديد النفط والغاز للاستثمار في فنزويلا.

 

وأما المؤشر الثالث فهو في قطاع المعلوماتية من حيث تغيير المفاهيم والحقائق العلمية المعروفة، ونشر المعلومات المضللة حول الحقائق المتعلقة بالتغير المناخي، ومحاولة التشكيك في الاجماع الدولي حول دور الإنسان وعملياته التنموية في وقوع التغير المناخي وسخونة الأرض. ومن أجل إعطاء البعد العملي المنهجي لعملية التضليل والتشكيك فقد عيَّن وزير الطاقة "كريس رايت" مجموعة عمل مناخية لإصدار تقرير "علمي" حول التغير المناخي تحت عنوان: "مراجعة نقدية لتأثيرات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مناخ الولايات المتحدة"، حيث استنتج بأن هناك مبالغات كثيرة في القضايا المتعلقة بدور الإنسان في وقوع التغير المناخي، إضافة إلى دور الملوثات المناخية في تهديد الصحة العامة للخطر. ولكن هذا التقرير جاء الرد عليه من 85 خبيراً أمريكياً في 30 أغسطس 2025 تحت عنوان: "مراجعة خبراء المناخ على تقرير مجموعة العمل المناخية التابعة لوزارة الطاقة".

 

فكل هذه المؤشرات والعلامات التي تحدث الآن في أمريكا تجعلنا أقتنع بأن قضية التغير المناخي ستنتهي في أمريكا، وستموت مرحلياً، وستدفن تحت الأرض، وبخاصة خلال الثلاث سنوات القادمة.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق