الأحد، 29 مارس 2026

لماذا لا يشن ترمب الحرب على التغير المناخي بدلاً من البشر؟


إذا كان ترمب يلهث وراء نيل جائزة نوبل للسلام، وتَهُمه كثيراً الحصول على هذه الجائزة المرموقة، فعليه القيام ببعض الإجراءات البسيطة لمحاربة قضية العصر التي يشترك فيها كل دول العالم، وهي التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها وارتفاع مستوى سطح البحار في كل العالم.

 

فبدلاً من أن يشعل فتيل الحروب في كل مكان، ويقتل الآلاف من البشر، ويقضي على الشجر والحجر، فبِيده وبكل بساطة إشعال حربٍ طويلة بناءة ومفيدة للجميع ضد كل ما يؤدي إلى وقوع التغير المناخي وتداعياته الخطيرة ليس على أمن أمريكا فحسب، وإنما على أمن وسلامة كوكبنا، واستدامة عطائها وبقائها للبشرية جمعاء. وبخاصة أنه انسحب مرتين من الجهود الأممية الرامية للتصدي للتغير المناخي والمتمثلة في اتفاقية باريس لعام 2015، إضافة إلى تغييره لبوصلة أمريكا داخلياً والتي كانت في عهد بايدن متجهة نحو خفض الانبعاثات من الغازات المتهمة بوقوع التغير المناخي وسخونة الأرض.

 

فقد أجمع علماء أمريكا والعالم بأن قضية التغير المناخي لها تداعيات عقيمة واسعة النطاق تشمل الكرة الأرضية جمعاء، ومن أهمها التداعيات الأمنية على المصالح الأمريكية خاصة، فهي تهدد القواعد العسكرية الأمريكية الساحلية في أمريكا وسائر دول العالم، وبالتالي فهي تهدد هذه المرافق بالدمار الشامل، كما تهدد سلامة الشعب الأمريكي في الداخل والخارج. فمحاربة ومواجهة التغير المناخي تصب مباشرة في حماية الأمن القومي الأمريكي خاصة، والدولي عامة، علماً بأن التداعيات لو استمرت على ما هي عليها فستؤدي إلى اختفاء بعض الدول الساحلية والجزر من خارطة العالم، ومنها الكثير من القواعد العسكرية الأمريكية الساحلية. أي أنها قضية أمن وسلامة على المستويين القومي والدولي.

 

وإذا بدأ ترمب بهذه الحرب النبيلة الهادفة، فسيقدم خدمة عظيمة للبشرية، وفي تقديري سيستحق فعلاً وبجدارة جائزة نوبل للسلام، لأنه يحقق الأمن والسلام ليس في منطقة جغرافية ضيقة ولعدد قليل من سكان الأرض، وإنما في جميع مناطق الكرة الأرضية برمتها، أينما كانت، وتحمي أمن وسلامة كافة سكان كوكبنا وجميع مكتسباتنا التنموية.

 

فهذا هو الوقت المناسب لتدخل ترمب لمواجهة تداعيات التغير المناخي، لأنها بدأت تتفاقم وتتضح كثيراً مؤشراتها ومردوداتها المهددة لأمن البشر وسلامة كوكبنا، وفي كل سنة يكتشف العلماء مؤشرات جديدة، وعلامات متقدمة تثبت واقعية تهديد هذه القضية على الأمن والسلم الدوليين.

 

ومن هذه المؤشرات والتداعيات ارتفاع حرارة الأرض وزيادة سخونتها وبسرعة مطردة مع الوقت، فخلال السنوات العشر الماضية، أي منذ عام 2015 ارتفعت معدلات حرارة الأرض وبوتيرة متسارعة أعلى من مستويات ما قبل الثورة الصناعية، حيث ارتفعت نحو 0.35 درجة مئوية، مقارنة بمعدل ارتفاع 0.2 درجة مئوية خلال الفترة من 1970 إلى 2015، حسب المنشور في 6 مارس 2026 في مجلة (Geophysical Research Letters). والأعلى في ارتفاع معدل سخونة الأرض كان خلال الثلاث سنوات الماضية، ففي عام 2024 تخطى الارتفاع 1.5 درجة مئوية، وهذا يتخطى الهدف الذي حدده اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2015.

 

كذلك هناك مؤشر آخر ينتج من سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وهو سخونة مياه البحر وارتفاع درجة الحرارة، مما يؤدي إلى تمدد مياه البحار وارتفاع مستوى سطح هذه البحار ووقوع الفيضانات والأعاصير وتدمير جميع المرافق الساحلية ومكتسبات الإنسان التنموية. وقد أكدت دراسة عن ارتفاع مستوى سطح البحر حالياً بدرجة مشهودة، وهي منشورة في مجلة "الطبيعة" في 4 مارس 2026، تحت عنوان: " مستوى سطح البحر أعلى بكثير من تقديرات معظم تقييمات المخاطر الساحلية". وقد خلُصَت الدراسة إلى أن التقديرات العلمية السابقة حول ارتفاع مستوى سطح البحر غير دقيقة وهي أقل من الوضع الحالي، ولا تعكس الواقع الذي نشهده. حيث قامت الدراسة بتحليل أكثر من 385 دراسة وتقرير نُشرت في الفترة من 2009 و 2025، وأفادت بأن معدل مستوى سطح البحر سيرتفع بين 0.28 و 1.01 متر بحلول عام 2100. ولا شك بأن هذه الدراسة تنذر حياة البشر وكوكبنا بخطر قادم لا محالة، وسيعرض حياة الملايين من البشر للموت، إضافة إلى التدمير الشامل للمرافق الحيوية السياحية والسكنية والتجارية الساحلية، ولهذا التدمير تكاليف اقتصادية لا يمكن تقديرها لحجمها الكبير.

 

كما نشرت "ناسا" تقريراً في 13 مارس 2025 تحت عنوان: "تحليل ناسا يبين ارتفاع غير متوقع لمستويات سطح البحر لعام 2024"، حيث أفاد بارتفاع مستوى سطح البحر 0.59 سنتيميتر سنوياً مقارنة بالمتوقع من الدراسات السابقة وهو 0.43 سنتيمتر سنوياً. كما تضاعف المعدل السنوي لارتفاع مستوى سطح البحار، وإجمالياً ارتفع 10 سنتيمترات منذ 1993. وهذه المعلومات مستخلصة من الأقمار الصناعية التي تقيس معدل ارتفاع مستوى سطح البحر منذ عام 1993.

Top of Form

 

ومن التداعيات التي اكتشفت مؤخراً حول تأثيرات غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء الجوي، وهو المتهم الرئيس بسخونة الأرض، هو تغييره للتفاعلات الكيميائية والحيوية التي تحدث في جسم الإنسان، وبالتحديد في الدم. فقد أكدت دراسة منشورة في 5 مارس 2026 في مجلة "جودة الهواء والغلاف الجوي والصحة"(Air Quality, Atmosphere & Health) على أن ارتفاع غاز ثاني أكسيد الكربون يغير من نوعية وخصائص مكونات الدم، فهو له علاقة بزيادة مستويات البيكربونات وانخفاض الكالسيوم والفوسفور في الدم. وهذا الاستنتاج يعني بأنه مع زيادة غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء وارتفاع حرارة الأرض يؤدي ذلك إلى أضرار صحية مباشرة تنعكس على صحة وسلامة البشر.

 

فمن الواضح إذن بأن للتغير المناخي تداعيات لا تعد ولا تحصى، وتأثيراته العقيمة تزلزل وتهز الكرة الأرضية برمتها وعلى سلامة البشر والأمن الدولي في كل مكان، والرئيس ترمب في يده إحداث التغيير الفاعل لوقف زحف هذه التداعيات، وبخاصة أن أمريكا تاريخياً تعتبر المسؤول الأول عن وقوع هذه القضية الدولية المهددة للسلم والأمن الدوليين.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق