السبت، 14 يوليو 2012

البيئة في حفل إفتتاح أولمبياد لندن


 

أعلن المدير الفني لحفل افتتاح الألعاب الأولمبية في لندن بأن مراسم حفل الافتتاح ستبدأ الساعة التاسعة مساءً في 27 من الشهر الجاري، وسيكون موضوعها وفكرتها الرئيسة هي إظهار بيئةِ بريطانيا الفطرية الأصيلة التي أوشكت على الانقراض بسبب التوسع العمراني والحضري والصناعي، وهذه هي البيئة الريفية، أو ريف بريطانيا.

وسيشتمل حفل الافتتاح على عدة عناصر تُجسد لملايين المشاهدين حول العالم مكونات هذه البيئة الريفية الأصيلة، وتعكس عناصرها الطبيعية من حياة فطرية نباتية وحيوانية. 

ولذلك سيشاهد الزائر حياة فطرية حيوانية تتحرك أمامه في الملعب الأولمبي من الخراف، والدجاج، والخيول، وكلاب الحقول، كما إن الحفل سيقدم نماذج حية لبعض الحياة الفطرية النباتية الموجودة في ريف بريطانيا مثل أشجار البلوط والحشائش البرية، إضافة إلى الأدوات والآليات المستخدمة في الزراعة كالمحراث.

أما المشهد الافتتاحي للحفل سيكون تحت عنوان “الخضرة واللطافة” ( Green and Pleasant)، وسيبدأ بدق أكبر جرسٍ في أوروبا إيذاناً بالدخول رسمياً في فعاليات الألعاب الأولمبية.  

ولا شك بأن هذا التركيز المباشر بالبيئة الريفية في حدثٍ جماهيري كبير كالألعاب الأولمبية التي يشاهدها الناس في كل أنحاء العالم، أمر في غاية الأهمية، فهذه البيئة بدأت في الانحسار في الكثير من دول العالم نتيجة لطغيان وتوغل البيئات الحضرية والصناعية عليها، حتى أن هذه البيئة في بعض الدول أوشكت على الانقراض، إن لم تنقرض فعلياً، كما هو الحال في البحرين، حيث خسرنا هذا التراث الفطري الفريد الذي كانت تتميز به البحرين منذ قديم الزمان، وأهلكنا الأحياء النباتية والحيوانية الجميلة التي كانت تعيش في كنفه.

ونظراً لفقدان الكثير من الدول لهذه البيئات وانقراض الحياة الفطرية فيها، فإن الإنسان بدأ يستشعر ضرورة حمايتها ورعايتها، فانكشفت الكثير من الدراسات التي تؤكد أهميتها للإنسان من الناحية البيئية والصحية، والاقتصادية، والسياحية، ومنها دراسة وبائية أجريت في هولندا شملت عينة مكونة من 345143 من المصابين بأمراض مختلفة، حسب التصنيف الدولي للصحة الأولية للأمراض. وقد أشارت الدراسة إلى انخفاض أعداد المصابين بالأمراض بشكلٍ عام للذين يسكنون في مناطق تزيد فيها نسبة الأراضي الخضراء، وبالتحديد بالنسبة لمرضي القلق والاكتئاب، حيث خَلُصت الدراسة إلى أن هناك علاقة مباشرة بين العيش في مناطق تنخفض فيها الرقعة الخضراء وارتفاع التعرض للأمراض العضوية والنفسية.  

وانطلاقاً من هذه الدراسة ومثيلاتها من الدراسات الأخرى لا بد من إعادة التوازن الدقيق بين البيئات المختلفة في البلد الواحد، وإحداث التوافق والتكامل بين متطلبات واحتياجات كل البيئات، ومنع تعدي بيئة محددة على حرمات وحدود البيئات الأخرى، فالتنوع والتعددية في البيئات والأحياء النباتية والحيوانية ضروري لاستدامة حياة الإنسان، ورفع مستوى المعيشة، وتحسين جودة ونوعية الحياة التي نعيشها في بلدنا.

الثلاثاء، 10 يوليو 2012

خمسون عاماً من الحوار



الـ د ي دي تي، الاسم اللامع والمشهور في عالم المبيدات، والمبيد الذي أنقذ حياة الملايين من البشر من الموت المحتوم. هذا المبيد منذ استعماله قبل زهاء خمسين عاماً مازال تحت المجهر من العلماء والسياسيين، ومازال الجدل والحوار حول استعماله مستمراً.

ففي عام 1939 تم اكتشاف فاعلية هذا المبيد المعجز ودوره في القضاء كلياً على الحشرات والقوارض في المزارع والحقول والمنازل والتي كانت السبب في وقوع الأوبئة التي ضربت البشرية سنوات طويلة وأودت بحياة مئات الملايين من البشر.

ولذلك مع هذا الاكتشاف المثير، استخدم الإنسان هذا المبيد في شتى مناحي الحياة وبطريقة هستيرية في كل مكان، في الحدائق، والمزارع، والمكاتب، والمنازل، وبأحجام كبيرةٍ جداً، دون التفكير والنظر في كيفية تصرف هذا المبيد عند دخوله في مكونات البيئة الحية وغير الحية وعند تعرض الإنسان له بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. فالفوائد والايجابيات التي جناها الإنسان وانعكست على صحته أعمته من التدقيق في هوية هذا المبيد وخصائصه الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية.

واستمر الإنسان في كل أنحاء العالم في الاستعمال المفرط وغير المتبصر لهذا المبيد، حتى تم نشر سلسلة مقالات في مجلة النيويوركر في يونيو 1962، والذي خرج في سبتمبر من ذلك العام على هيئة كتاب تحت عنوان “الربيع الصامت” للعالمة الأمريكية ريشيل كارسون، فبدأ من ذلك التاريخ الحوار والجدل حول استخدام هذا المبيد بشكلٍ خاص والمبيدات العضوية المصطنعة بشكلٍ عام.

فقد أكد هذا الكتاب على أن هذه المبيدات التي يتم تسويقها على أنها المنقذة للبشرية من الأمراض، هي أيضاً في الوقت نفسه تسبب أمراضاً جديدة أخرى للإنسان والحياة الفطرية، فهي عند رشها يتعرض لها الإنسان بشكلٍ مباشر، أو أنها تنتقل من مكونات البيئة الحية وغير الحية فتصل في نهاية المطاف إلى الإنسان وتتراكم في أعضاء جسمه فيصاب بالأمراض أو الموت المباشر.

ولكن هذه الحقائق لم تعجب الشركات والمؤسسات التي تربح الملايين من صناعة وتسويق هذه المبيدات، فاحتجت على الكتاب واعتبرته قصص وأقاويل من مخيلة الكاتبة، كما يفعل حتى الآن منتجو السجائر المسرطنة.

وبعد سنوات من النقاش العلمي والجدل السياسي، تم حظر استخدامه في عام 1972، ولكن فقط في التطبيقات الزراعية، فمازال يستخدم في التطبيقات المنزلية، فالشركات الصناعية أقنعت المجتمع الدولي بأنه لا بديل فاعل حتى الآن للمبيد المعجزة الـ د ي دي تي.

ولذلك فإن باب الحوار لم يغلق بعد، فالجدل محتدم وسيستمر طويلاً حول الـ د ي دي تي.


السُم الذي قتل الزعيم الفلسطيني



شاهد الجميع التحقيق التلفزيوني المميز الذي أعدته قناة الجزيرة الإخبارية حول الأداة المستخدمة لاغتيال ياسر عرفات، والتي هي عبارة عن مادة ملوثة وسامة للإنسان ومشعة جداً في الوقت نفسه تُعرف بعنصر البولونيوم، فكمية صغيرة منها تبلغ جراماً واحداً فقط لها القدرة على تسميم قرابة 20 مليون إنسان، وقتل 10 ملايين منهم.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه المادة للاغتيال، فقد استعملت من قبل في القضاء على العميل والجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليفينينكو الذي كان يعمل لحساب المخابرات الروسية الـ كي جي بي، وقضى نحبه متأثراً بهذا الملوث المشع في مستشفى الكلية الجامعية في العاصمة البريطانية لندن في 23 نوفمبر 2006.

ولكن هذا العنصر المشع الذي يستخدم كأداة فاعلة لتصفية الناس وقتلهم بشكلٍ فوري ومباشر، هو نفسه يقتلنا جميعاً، ولكن بصمتٍ وسكوتٍ شديدين دون أن تُحدث هذه الضجة الإعلامية الواسعة التي سمعنا عنها في حالة القائد ياسر عرفات أو العميل الروسي المنشق.

فهذا العنصر نتعرض له يومياً شئنا أم أبينا، ونستنشقه بين الحين والآخر، وهو يميتنا موتة بطيئة وبإرادتنا ومعرفتنا، فهذا العنصر الخطير الذي يهدد حياتنا ينبعث عند تدخين السجائر أو الشيشة أو غيرهما من المنتجات التي تحتوي على التبغ.

وهذه الحقيقة التي نعرفها اليوم كانت سرية قبل سنوات، حيث إن شركات التبغ والسجائر الأمريكية كانت تعلم بخطورة مُنتجها على صحة المدخن بشكلٍ خاص، والصحة العامة بشكلٍ عام منذ عام 1959، فقد كانت تعلم بأن التبغ الذي يوضع في السجائر يحتوي على مادة مشعة، وأن الملوثات التي تنتج عن دخان السجائر تحتوي أيضاً على هذه المادة المشعة.

ففي الخمسينيات من القرن المنصرم أجرت شركات التبغ دراسات وأبحاث حول مكونات أوراق التبغ، وكشفت دراساتهم إلى أن نبات التبغ يحتوي على بعض المواد الخطرة، وبالتحديد عنصر البولونيوم المُشع، حيث إن أوراق نبات التبغ تمتص هذا العنصر المشع والسام من التربة ومن مياه الري، فتتراكم في أوراقه مع الزمن. 

وبالرغم من هذا الاكتشاف ومعرفتهم به، إلا أنهم وضعوا الشمع الأحمر على نتائج هذه الدراسات والوثائق التي أكدت على ذلك، وكتبوا عليها “سرية للغاية”، وادخلوها في أعماق أدراجهم وأرشيفهم السري الخاص بهم، وامتنعوا عن إزالة هذا السُم المشع من أوراق التبغ من أجل خفض تكاليف إنتاج السجائر وزيادة متعة المدخن وإصابته بالإدمان مع الزمن.

فلم تفكر هذه الشركات الجشعة التي لا أخلاق ومبادئ لها سوى جمع المال وكنزه في البنوك، ولم تكترث، أو تشعر بالذنب لمقتل ومرض الملايين من البشر في أمريكا وفي باقي دول العالم.

وقد ظهرت هذه الحقيقة المدفونة على يد باحثٍ أمريكي، حيث قام بالتفتيش في الوثائق السرية القديمة لشركات التبغ بعد أن حصل على الرخصة القانونية للإطلاع عليها، واكتشف أن شركات التبغ كانت تعلم أن السجائر التي تصنعها من أوراق التبغ تحتوي على عنصر البولونيوم، وأن هذا السم يتعرض له المدخن وغير المدخن عندما ينبعث من دخان السجائر،  حيث قام بنشر اكتشافه في 27 سبتمبر 2011 في مجلة تصدر من جامعة أكسفورد البريطانية هي أبحاث النيكوتين والتبغ، تحت عنوان:“الإشعاع في دخان السجائر وخطورة الإصابة بسرطان الرئة”.

فكما أن قضية قتل ياسر عرفات حظت بهذه التغطية الإعلامية الكبيرة، فإن القتل البطيء لملايين الناس وإصابتهم بالأمراض المستعصية بسبب التدخين يجب أن يكون في مقدمة أولويات وسائل الإعلام والبرامج الحكومية الوقائية المتعلقة بالصحة العامة، ويجب أن تكون هذه القضية دافعاً لنا لمنع التدخين كلياً، أو في الأقل السماح له في حدود ضيقة لا تؤثر على الصحة العامة.

السبت، 7 يوليو 2012

مرض الليجونير يضرب بريطانيا


تكتظ وسائل الإعلام البريطانية هذه الأيام بخبر إنتشار مرض الليجونير(Legionnaire) في بريطانيا، وبالتحديد في مدينة أدنبره عاصمة اسكتلندا، حيث مرض قرابة 100 شخصٍ، فادخلوا العناية المركزة وغرف الإنعاش لتلقي العلاج السريع قبل فوات الأوان، ولكن اثنين منهما قضيا نحبهما متأثرين بجراح هذا المرض.

فهذا المرض المفاجىء الذي ينزل على الناس بين الحين والآخر، يُعد من أمراض البيئات الداخلية أو البيئات المغلقة بسبب تلوث مصادر المياه بنوعٍ من البكتيريا يعيش وينمو عند وجود مياهٍ راكدة دافئة ولا تتحرك، ولا تتعرض مباشرة لأشعة الشمس، كالمياه التي تتكثف وتتجمع في الأنابيب الخاصة بأجهزة التكييف المركزي، والحمامات، وبرك الجكوزي، وأبراج تبريد المياه. وفي مثل هذه البيئات تتكاثر هذه البكتيريا التي تعرف ببكتيريا اللجينولا، فيتعرض الإنسان لقطرات هذه المياه الملوثة، فتنتقل هذه البكتيريا المعدية والقاتلة عن طريق الاستنشاق إلى الأنف، وتستقر في جسم الإنسان لفترة زمنية تصل إلى زهاء عشرة أيام، وبعدها تنكشف الأعراض التي تهدد حياة الإنسان وتشبه الإصابة بالالتهاب الرئوي الحاد، مثل الصداع، وآلام في العضلات والصدر، وارتفاع درجة حرارة الجسم، والكحة المزمنة، والإسهال، وأخيراً الموت، إذا لم يتلق المريض العلاج المناسب وفي الوقت المناسب.

وجدير بالذكر أن هذا المرض اكتشف حديثاً، وبالتحديد في يوليو عام 1976 في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا أثناء انعقاد المؤتمر العام لمنظمة الجنود الأمريكيين المتقاعدين في فندق بليفيو ستراتفورد، حيث أصيب ضيوف الفندق بمرضٍ غريبٍ لم يعرفه الأطباء في ذلك الوقت، فأُدخل أكثر من 221 شخصاً إلى غرف الطوارئ لإنقاذهم من هذا المرض المفاجئ والغريب، مات منهم 34. ولم تنكشف أسباب هذه الكارثة الصحية إلا بعد أشهر، عندما حَلَّل أحد الأطباء مياه الفندق ووجد فيها نوعاً جديداً من البكتيريا أُطلق عليه اللجينولا إشارة إلى اسم منظمة المحاربين الأمريكيين القدماء(The American Legion).   

وفي الحقيقة فإن هذا المرض الشائع يُلفت انتباهنا إلى قضيةٍ هامة جداً متعلقة بالبيئات الداخلية، كبيئة المنزل، والمكتب، والفندق، والجامعة، والتي نقضي فيها جُل وقتنا في اليوم والليلة، ويؤكد ضرورة الاهتمام بها من حيث التعرف على كافة مصادر التلوث الموجودة فيها. فقد أكدت الدراسات التي قُمتُ بها شخصياً أنه في بعض الحالات تكون بيئة المنزل أكثر تلوثاً من البيئات الخارجية، فهناك مصادر للتلوث إذا لم يتم التعامل معها وإدارتها بأسلوبٍ بيئي وصحي سليمين فإنها تسبب مشكلة صحية مزمنة للإنسان. فمصادر التلوث في المنزل كثيرة منها الفرن المنزلي، والبخاخات بمختلف أنواعها، والسجاد، والأدوات الكهربائية، وحرق البخور والعود، والدهان، وبعض أدوات البناء والأثاث.

فكل هذه المصادر تُطلق ملوثات إلى بيئة المنزل، ولو كانت بنسبٍ منخفضة وتراكيز بسيطة، إلا أن الإنسان يتعرض لها لساعات طويلة من كل يوم فتؤثر على سلامته الصحية، وقد تؤدي إلى موته كما هو في حالة مرض الليجونير.