الخميس، 12 سبتمبر 2013

المِدْواخ



مصطلح جديد تَعلمتُه اليوم، وياليتني لم أتعلمه، فهو لا ينفعني في شيء.

هذه الكلمة أو المصطلح هو المِدْواخ“، ويعني لغوياً الشيء أو العمل الذي يُصيب الإنسان بالدوْخ والدُوار، أو إن مستخدمه يَدوخ عند تعاطيه.

هذا المصطلح يُطلق الآن على عادةٍ سيئة من الناحيتين الصحية والبيئية، والتي مع الأسف بدأت تنتشر في المجتمع الخليجي بشكلٍ خاص في السنوات القليلة الماضية، وبخاصةٍ بين فئات الشباب، بل وتحولت إلى ممارسة حضارية تقدمية، وموضة حديثة يتباهى فيها الشباب ويفتخرون عند القيام بها فيما بينهم.

هذه العادة خلاصتها في نهاية المطاف هي ”التدخين“، تلك العادة التي يحاربها المجتمع الدولي كافة، ويحذر من تداعياتها الخطرة جميع أطباء العالم، ولكن هذه المرة جاءت علينا بصورة حسنة راقية، وبثوبٍ جميلٍ جديد مزينٍ بكافة أنواع الحُلي والمجوهرات والأحجار الكريمة والألوان الزاهية، وظهرت علينا بوجهٍ حديث يتماشى مع التطورات الجديدة في القرن الحادي والعشرين، ولها الجاذبية الشديدة في جر الشباب نحو تعاطيها وتشجيعهم على القيام بها، وقد أُطلق على هذا النوع الجديد من التدخين بـ ”المِدْواخ“.

فالمداوخ، أو الدوخة، أو السجائر، أو الغليون، أو الشيشة، أو الجدو، أو الشُروت، أو النارجيلة، كلها مُسميات مختلفة لشيء واحد، وهي مُنتجٍ قديم يتمثل أساساً في حرق أوراق التبغ، أو ما كنَّا نطلق عليه في الماضي بـ ”التِتن“، ثم استنشاق الانبعاثات التي تنطلق من حرق هذا التبغ، إما مباشرة، أو من خلال مرورها بالماء أو بمواد صلبة أو شبه صلبة، وهذه العملية بكل أشكالها ومظاهرها وصورها مهما تعددت واختلفت أجمع عليها الأطباء والمنظمات العالمية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية بأن الملوثات التي تنتج عنها وتدخل في جسم الإنسان والتي تزيد عن 4000، تُسبب أنواعاً  كثيرة من السرطان، منها سرطان الرئة، والفم، والحنجرة، والكبد، إضافة إلى اصفرار الأسنان، والإصابة بالشيخوخة المبكرة وزيادة التجاعيد في الوجه، وأمراض القلب والجهاز التنفسي، والإدمان على استخدامها.

ولذلك أرى أن كل هذه العادات القديمة والحديثة المتعلقة بحرق التبغ بأية طريقة كانت يجب أن تقنن بشدة وأن تفرض عليها القيود من أجل التقليل من استخدامها، ثم القضاء عليها تدريجياً مع الوقت.


الخميس، 5 سبتمبر 2013

خطاب إلى وزير التربية الياباني



خطاب كتبه براين فيكتوريا(Brian Victoria) مدير البرنامج الأمريكي أُدْرس في الخارجفي 12 أغسطس إلى وزير التربية الياباني هاكوبنشيمومورن(Hakubun Shimomura) ليُشعره عن تأجيل زيارة الوفد الطلابي الأمريكي السنوي إلى اليابان، والذي من المفروض أن يصل إلى اليابان في سبتمبر من العام الجاري، أي خريف عام 2013.

وقد تأسف المسئول الأمريكي عن اتخاذ هذا القرار، ولكن أكد في الوقت نفسه على أن حماية صحة المواطنين الأمريكيين والحفاظ على أمنهم الصحي، وبخاصة الطلبة الشباب الصغار في السن، هي من الأولويات عند الحكومة الأمريكية ولا يمكن التهاون فيها. ويُعزى السبب في اتخاذ هذا القرار الحاسم إلى أن اليابان مازالت حتى اليوم تعيش تحت وطأة الإشعاع، وتعاني بشدة من تداعيات حرق المفاعلات النووية في فوكوشيما قبل أكثر من عامين، وبالتحديد في 11 مارس 2011، والتسربات الإشعاعية القاتلة التي نجمت عنه، فلوثت المياه السطحية والمياه الجوفية والهواء والتربة وانتقلت هذه المواد المشعة إلى السلسلة الغذائية التي يتعرض لها الإنسان. 

فقد اعترفت شركة تيبكو(Tepco) وهي التي تملك مفاعلاتداياشي النووية في فوكوشيما في 12 أغسطس من العام الجاري أن عشرة عمال تعرضوا للإشعاع أثناء عملهم، مما يؤكد أن التسرب الإشعاعي مازال مستمراً وأن التهديدات المباشرة وغير المباشرة للملوثات المشعة القاتلة مستمرة وتُعرض حياة الناس للخطر. كذلك في 20أغسطس اعترفت الشركة نفسها عن تسرب نحو 300 طنٍ من المخلفات السائلة المشعة من خزانات المياه إلى المحيط، مما يؤكد أن الكائنات البحرية التي يأكلها الإنسان ستكون مشعة وتؤدي إلى إصابته بالأمراض المزمنة. وبناءً على هذه المعطيات فقد أعلن الخبراء النوويون في أمريكا على ضرورة فحص كافة المنتجات البحرية القادمة من اليابان، أو التي يتم اصطيادها من الساحل الغربي الأمريكي.

كذلك أكد على حقيقة وجود الإشعاع في البيئة حتى الآن، علماء اليابان أنفسهم عندما قالوا بأن عمليات تنظيف البيئة ومواردها الحية وغير الحية من التلوث الإشعاعي الناجم عن حرق المفاعلات ستحتاج إلى أكثر من أربعين عاماً. كذلك أكدت وزارة الزراعة والأسماك والغابات اليابانية عن وجود نسبٍ مرتفعة من السيزيم المشع في الأسماك حتى قبل شهرين فقط من كتابة هذا المقال، حيث بلغت 25 ألف بيكرلز من السيزيم في الكيلوجرام من السمك، أي أعلى من المعايير بأكثر من 250 مرة، كما أعلنت الجهات الرسمية أن 40% من الأسماك التي تم اصطيادها من منطقة المفاعل لا تصلح لاستهلاك الإنسان، ولذلك قررت إغلاق هذه المنطقة البحرية كلياً حتى إشعارٍ آخر، وهذا الإشعار الآخر قد يستمر عقوداً من الزمن.

فهذا الخبر البسيط المتمثل في رسالة المسئول الأمريكي إلى الوزير الياباني له دلالات خطيرة يجب الوقوف عنده والاستفادة منه، وهو أن التلوث الإشعاعي لا ينتهي بعد فترة قصيرة من الزمن وإنما يبقى مع الإنسان ربما طوال سنوات حياته، وبخاصة عندما يكون التلوث ناتجاً عن عنصرٍ نصف عمره الإشعاعي عشرات السنين. فعلى سبيل المثال نصف عمر حياة السيزيوم(137) الذي انبعث من فوكوشيما أكثر من 30 عاماً، مما يعني بأن هذا العنصر سيبقى ملوثاً للبيئة، وسيستمر في الإشعاع طوال هذه السنوات، ولذلك فإن هذه التسربات المشعة التي انطلقت إلى الهواء الجوي وإلى مياه البحار منذ أكثر من سنتين ومازالت حتى يومنا هذا قد دخلت الآن إلى كافة مكونات البيئة الحية وغير الحية ولم يبق شبر منها إلا وقد أصابه عدوى التلوث الإشعاعي، فقد أصبح الآن جزءاً لا يتجزأ من هذه البيئات. فالمواد المشعة موجودة في الهواء، وفي المياه السطحية والجوفية، وفي التربة، وفي الكائنات الحية من إنسان، وحشرات، وديدان الأرض، والطيور، والأبقار والأغنام، وفي التربة في أعماق البحار وفي الكائنات البحرية السطحية والقاعية، وهي في نهاية المطاف تنتقل بعد فترة قصيرة أو بعيدة من الزمن إلى غذائنا وطعامنا وشرابنا، فتصيبنا بالأمراض والعلل المزمنة والتي لا ندري عندئذٍ ما هي أسبابها وكيف أصبنا بها.

ومن هذا المنطلق علينا الاهتمام ببيئتنا وصحة مواطنينا في البحرين من خلال التأكد من خلو كافة المنتجات اليابانية من الإشعاع، وبخاصة الصادرة من منطقة فوكوشيما، وأن نستمر في إجراءاتنا الوقائية هذه لعقود من الزمن، فلا ننسى أن التلوث الإشعاعي لا يموت ولا ينتهي سريعاً.

الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

أنا لدي حلم



قبل أيام، وبالتحديد في 28 أغسطس صادفت الذكرى الخمسين للخطبة التاريخية الشهيرة التي ألقاها داعية حقوق الإنسان المدنية القس الدكتور مارتن لوثر كينج جونير في تجمعٍ كبير وحشدٍ من الأمريكيين لا مثيل له في التاريخ الأمريكي أمام نصب لينكولن التذكاري في مركز العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي.

وفي هذا الخطاب الجلل الذي تميز بتكرار عبارة ”أنا لدي حُلم“، قَدَّم فيه هذا المناضل الأمريكي الأسود رؤيته لأمريكا المستقبل التي تختفي فيها ظاهرة التمييز العنصري بين المواطن الأمريكي الأبيض والأسود والتي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وتتحقق فيها العدالة الاجتماعية بين المواطنين من كافة طوائفهم وألوانهم وأجناسهم وألسنتهم.

وإذا كان لمارتن لوثر كينج هذا الحلم السياسي الاجتماعي، فإني أيضاً لدي حُلم، ولكنه حلم بيئي يراودني منذ أكثر من ثلاثين عاماً ويشغل بالي وفكري.

فأنا لدي حلم أن ترجع بيئة البحرين إلى ما كانت عليها قبل عقود من الزمن، بيئة نظيفة نقية شديدة التنوع في الحياة الفطرية النباتية والحيوانية في البر والبحر.

فأنا لدي حلم أن يرجع ذلك الماضي البيئي التليد المزدهر، فتعود المياه الجوفية المتدفقة السائغ شرابها إلى سابق عهدها، فتنفجر من تحتها العيون بمائها العذب الفرات الزلال في البر وفي أعماق البحر، وتعود إلى ضفافها وجداولها المائية الغزيرة الكائنات الفطرية الحيوانية من الضفادع والسلاحف وغيرهما من الكائنات الحية التي كانت تستخدم مناطق العيون بيئة ثرية لها تتكاثر فيها وتربي عليها صغارها.  

وأنا لدي حلم أن تعود البساتين الخضراء الغناء التي تحفها غابات النخيل الباسقات التي لها طلع نضيد والضاربة عنان السماء وفي وسطها وتحت ظلها المئات من أشجار الفواكه والخضروات الطازجة والزكية، وتعيش في كنفها وحولها المئات من الطيور المغردة المهاجرة منها والمقيمة فتخلق جواً من الأنس والسرور والبهجة في نفوسنا.

فأنا لدي حلم أن أرى مرة ثانية ويرى أبناؤنا وأحفادنا من جديد بيئة بحرية ثرية ومنتجة، ماؤها نقي وصافي مليئة بتنوع الأحياء الصغيرة منها والكبيرة، وتزخر بثروة سمكية كبيرة فتؤمن لنا مصدراً غذائياً كافياً للمواطنين، وتعيش على سواحلها الآلاف من الطيور الجميلة بألوانها الزاهية المهاجرة منها والمقيمة. 

فهل يتحقق حلمي هذا، كما تحقق الجزء الكبير من حلم مارتن لوثر كينج؟  

الأحد، 1 سبتمبر 2013

لماذا تمول المخابرات الأمريكية بحثاً في التغير المناخي؟



خبرٌ تناقلته وسائل الإعلام الغربية ولفت انتباهي كثيراً، ويأتي هذا الخبر تحت عنوان:”الـ سي آي إيه تَدْعم دراسة علمية بمبلغ 630 ألف دولار في مجال التحكم في التغير المناخي باستخدام تقنيات الجيوإنجنيرنج“.

فهذا الخبر أثار لَدي العديد من الشبهات والشكوك المشْروعة، وجعلني أطرح الأسئلة التالية: ما علاقة الـ سي آي إيه، أو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وهي جهاز مخابراتي أمني بحت يختص في جمع المعلومات عن الحكومات الأجنبية والشركات والأفراد ثم تحليل هذه المعلومات وربطها بالأمن القومي الأمريكي، بقضيةٍ بيئية خالصة هي التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض؟
ولماذا يقوم هذا الجهاز الاستخباراتي بالتحديد بتمويل دراسة حول التغير المناخي تستغرق 21 شهراً، ويَصرف جزءاً من ميزانيته في قضية غير استخباراتية وغير أمنية ظاهرياً، ولا علاقة لها باختصاصاته المعروفة والمعلنة؟
فهل تنوي أمريكا التحكم في مناخنا وتغييره حسب مصلحتها، كما تتحكم وتتدخل في سياساتنا القومية؟

فهذه الدراسة التي ستمولها الـ سي آي إيه وتقوم بها الأكاديمية القومية للعلوم(National Academy of Sciences)ستسبر غور كيفية التحكم في التغيرات المناخية المرتقبة باستخدام علوم الأرض الهندسية أو هندسة علوم الأرض(geoengineering)، وهو العلم المختص بأسباب التغيرات المناخية وتداعياتها وطرق وتقنيات منعها أو التحكم فيها، وبالتحديد ستبحث الدراسة في تقنيات وطرق التخلص من ثاني أكسيد الكربون وهو المتهم الرئيس في إحداث التغير المناخي، إضافة إلى دراسة إدارة الإشعاع الشمسي.

ولكن المهم في هذه الدراسة والتي على أساسها ستقوم الـ سي آي إيه بتمويلها ودعمها مالياً هي أنها ستبحث في علاقة استخدام تقنيات التحكم في التغير المناخي وتأثيراتها المحتملة على”الأمن القومي الأمريكي“، إضافة إلى تداعياتها المحتملة على الجانبين البيئي والاقتصادي.

ولذلك نجد أن وكالة الاستخبارات الأمريكية اعتبرت أن التغير المناخي ليست قضية بيئية فحسب، وإنما هي قضية أمنية تدخل في صلب اختصاصاتها وتدور حول أهدافها المعلنة، وقد جاء رد المتحدث الرسمي إدوارد برايس(Edward Price) سريعاً لإزالة الغبار والاستغراب، ودحض نظرية المؤامرة عن أسباب تمويل الـ سي آيإيه لهذا البحث، حيث قال:”إنه من الطبيعي أن تقوم وكالة الاستخبارات بالتعاون مع العلماء المختصين من أجل الوصول إلى فهمٍ أدق لظاهرة التغير المناخي وتأثيراتها على الأمن القومي“.

وفي مقالٍ سابق نشرته في أخبار الخليج تحت عنوان:”العُنف“، يصُب في صلب هذا الموضوع، فقد أكدت فيه أن التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، وبخاصة في الدول التي تعاني أصلاً من مناخٍ طبيعي حارٍ ورَطب، يؤدي إلى زيادة معدلات العنف على كافة المستويات الفردية والجماعية والإقليمية، كما أنه يزيد من احتمال اندلاع أعمال الشغب وقيام الحروب بين الجماعات والدول، أي بعبارةٍ أخرى يُعد التغير المناخي وقوداً يشعل فتيل العنف ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتحطيم الأمن على كافة المستويات، ولذلك فإن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية كَلَفتْ وكالة المخابرات باتخاذ الخطوات الاستباقية من الآن، والتخطيط لكيفية مواجهة هذه القضية الأمنية البيئية الكبرى التي تؤثر على الكرة الأرضية برمتها وعلى شعوب الأرض قاطبة، كما أنشئت الوكالة مركزاً بحثياً متخصصاً لإجراء الدراسات والبحوث حول التغير المناخي والأمن القومي الأمريكي.

ولذلك على البحرين أن تنتبه إلى قضية التغير المناخي وتسعى جاهدة إلى خفض انبعاث الملوثات المتهمة بإحداث هذه الظاهرة من كافة مصادرها، لكي نجنب البلد المردودات السلبية البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي تنجم عن تفاقمها.