الجمعة، 22 نوفمبر 2013

دواؤنا من برازنا!



إذا عرفتَ أن الدواء الذي وصفه لك الطبيب لعلاج مرضك مصنوع من البراز البشري، أو أنه مستخلص من المخلفات البشرية الصلبة، فهل ستتناول هذا الدواء؟

في الحقيقة، وفي الواقع الذي أشهده، فإن الإنسان الذي ابتلاه الله بمرضٍ عضال، وأنزل عليه سَّقماً مستعصياً على العلاج، ويعاني من آلامه ليلاً ونهاراً، ويسهر الليالي الطوال يقاسي من ويلاته، فإنه سيكون حتماً في كامل الاستعداد لتناول أي شيءٍ مهما كان مصدره، أو كانت هويته لكي يتخلص من ألمه ومعاناته المستمرة.

فالعلماء والأطباء الآن يحاولون إيجاد العلاج المناسب والفاعل لنوعٍ من الأمراض المعدية سببه أحد أنواع البكتيريا التي تعيش في أمعاء الإنسان اسمها العلمي(Clostridium difficile)، ويُعد هذا الداء من الأمراض المنتشرة في المستشفيات والمستعصية على العلاج والشفاء، فالإحصاءات الرسمية المنشورة في الولايات المتحدة الأمريكية فقط تؤكد بانتشار هذا المرض بين أكثر من نصف مليون مواطن أمريكي، ويؤدي الإصابة به إلى وفاة قرابة 14 ألف منهم.

وينتج هذا المرض العضال المعدي عند استخدام المريض للمضاد الحيوي، حيث إن هناك آثاراً جانبية تنكشف على بعض المرضى من استعمال المضاد الحيوي، منها الإسهال الحاد والشديد، بحيث إن هذا الإسهال يقضي تماماً على ملايين البكتيريا النافعة الموجودة في الأمعاء، والتي تلعب دوراً حيوياً في امتصاص العناصر المفيدة من الغذاء، مما يؤدي إلى نشوء بيئةٍ خصبة لأنواع أخرى موجودة طبيعياً في الأمعاء من الجراثيم والبكتيريا الضارة، ومنها هذا النوع الذي ذكرناه آنفاً، فيتوفر له الجو المناسب للتكاثر والنمو بأعدادٍ هائلة تسبب خللاً في التوازن البكتيري الذي ننعم به في الحالات الطبيعية الصحية، كما أن هذا النوع من البكتيريا يفرز سموماً منها إنتروتوكسين(enterotoxin) وسيتوتوكسين(cytotoxin) فتؤدي إلى إصابة المريض بآلام في البطن، والإسهال، ثم التهاب الخلايا والقولون، وفي حالات مزمنة يؤدي إلى الموت.

فعلاج هذا المرض يكمن في إرجاع التوازن الجرثومي والبكتيري في الأمعاء الصحية، أي إرجاع البكتيريا النافعة التي كانت موجودة في الأمعاء وخرجت من الأمعاء وجسم الإنسان بسبب المضاد الحيوي، أو لأسباب أخرى. ولذلك بدأ الأطباء والعلماء في التفكير في كيفية الحصول على هذه البكتيريا، وبالتحديد توفير مصدرٍ ثابت يمكن الاعتماد عليه دائماً في الحصول على الدواء والعلاج، فاتجهت أنظار الأطباء إلى مصدرٍ لا يفكر فيه الإنسان بتاتاً ليكون علاجاً لأسقامنا أو دواءً لأبداننا، بل وإن هذا المصدر يشمئز الإنسان لسماع اسمه، أو رؤيته، فيتخلص منه بأسرع وقت وبأفضل الطرق بيئياً وصحياً، وهذا المصدر الغريب هو البراز، أو الغائط، أو مخلفات الإنسان الصلبة”.

فبراز الإنسان الذي يتمتع بصحة جيدة يحتوي على الملايين من البكتيريا النافعة التي كانت موجودة في جسمه، وبالتحديد تلك التي كانت تسكن في الأمعاء، فإذا قام العلماء بتنظيف البراز من الشوائب والأوساخ، ثم استخلص منه هذه البكتيريا المفيدة، وعمل لها مزرعة خاصة لتتكاثر وتنمو بسرعة، وبعد ذلك أدخلها في جسم المريض الذي يعاني من نقصٍ شديدٍ وحادٍ لهذه البكتيريا، فقد قام عندئذٍ بإعادة التوازن البكتيري في الجسم وفي الأمعاء بشكلٍ خاص، فأعاد بذلك الوظيفة الطبيعية التي كانت تقوم بها في الأمعاء، وبالتالي شفاء الإنسان من علته وسقمه.

وبالفعل قام عالم كندي في إعطاء هذا “البراز الدوائي” لــ27 مريضاً ممن كانون يعانون لمدة طويلة من الزمن من هذا المرض دون الاستفادة من أي نوعٍ آخر من الأدوية التقليدية، فكانت النتيجة مذهلة وغير متوقعة، حيث شفوا جميعاً بعد أيامٍ معدودات من استخدام هذا الدواء الإبداعي العجيب، وقد أُلقيت نتائج هذه الدراسة الميدانية في مؤتمرٍ طبيٍ حول الأمراض المعدية عقد في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية في أكتوبر من العام الجاري.

والآن وبعد النجاح الميداني المبهر الذي حققه هذا الدواء من البراز، يسعى العلماء في جمع التبرعات، ليس هذه المرة لدم الإنسان كما هو العادة، وإنما التبرع بعينات من البراز، ثم العمل على استحداث وإنشاء بنكٍ في المستشفيات لـ “البراز المجمد” يمكن تخزينه ونقله من مكانٍ إلى آخر، وبعد ذلك صناعة وإنتاج حبوب خاصة أو “كبسولات برازية” مستخلصة منها تُباع في الصيدليات والمستشفيات، فتكون في متناول اليد عند وقوع هذا المرض، ويمكن بلعها مباشرة كمضاد حيوي.

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

كريمات التجميل أم كريمات التشويه؟

اضطرت شركة عالمية يابانية مؤخراً للاعتذار رسمياً ومن خلال وسائل الإعلام عن تسويقها وبيعها لنوعٍ من أنواع الكريمات يعمل من المفروض على تبييض الجلد وتفتيح لون البشرة، ولكنه بعد الاستعمال تبين أنه كريم يؤدي إلى تشويه الجلد وتعكير لون البشرة، فأصاب من استخدمه من النساء ببقعٍ جلدية داكنة اللون، وتشوهات في البشرة، وتغيير صورتها وتكوين عدم تناسق في لون الجلد من منطقة إلى أخرى، بحيث كان من الصعوبة جداً إزالتها والقضاء عليها.

فهذه الشركة اليابانية التي اسمها مجموعة شركات كانيبو(Kanebo) لإنتاج مواد التجميل ومستحضرات الزينة والتبرج، وبخاصة أنواع مختلفة من الكريمات المتعددة الاستعمال، قد وقعت في حرجٍ كبير، وتشويهٍ حاد لسمعتها وفاعلية منتجاتها بشكلٍ عام، حيث اشتكى أكثر من مليون امرأة ورجل في اليابان، والصين، وبريطانيا، ودول أخرى بعد التشويه الذي أصابهم من استخدام الكريم السحري الخاص الذي أُطلق عليه مبيضات الجلد(skin-whitening cosmetics)، وبالتحديد من نوع كنيبو بلانشير سوبيرير(KaneboBlanchir Superior) وذلك بسبب وجود مادة كيميائية في غير محلها، فكان لزاماً على الشركة حفاظاً على ريادتها، وسمعتها، واستمرارية تسويق باقي منتجاتها من أن يأتي رئيس الشركة نفسه لتقديم الاعتذار العلني وأمام الملأ، والالتزام بتعويض المتضررين مالياً، كما تعهد بتطوير وتحسين نظام السلامة للمنتجات حتى لا تتكرر مثل هذه الحادثة. 

فهذه الحادثة ومثيلاتها من الحوادث التي لا نعلمها ولا تتناول وسائل الإعلام الكثير منها، يجب أن نقف عندها بتمعن وعقلانية، وبالتحديد بالنسبة للنساء، فهن أكثر تضرراً من هذه المواد والمساحيق التجميلية التي تستخدم يومياً، وأشدهن وقوعاً في الفخ الذي ينصب لهن من قبل شركات التجميل والزينة وعن طريق مغربات التسويق والإعلان المـضلل والكاذب في بعض الأحيان.

فالمجلات المتخصصة في منتجات التجميل وغير المتخصصة والصحف ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية تكتظ بالدعاية والإعلان للترويج لأنواعٍ لا تُعد ولا تحصى من الكريمات والمساحيق، فمنها ما يستعمل للعناية بالجسم والبشرة والشعر، ومنها لتبييض الجلد وتفتيح لون الجسم والوجه واليدين، ومنها للقضاء على الترهل والتجاعيد، ومنها ما يستخدم لنفخ الشفاه، ومنها لشد الصدر والبطن، ومنها ما يُسوق بأنها طبيعية ومنتجات من طحالب بحرية، أو عسلٍ مصفى، أو من الزيوت النباتية والأعشاب الطبيعية، أو من الحليب البقري الطازج، أو أنها مستخلصة ومصنعة من نباتات برية نادرة، وهكذا نرى امتلاء المحلات التجارية بجميع هذه المنتجات والأدوات التجميلية، ولذلك لا بد من الحذر وأخذ كافة الاحتياطات اللازمة عند شرائها من حيث معرفة بلد المنشأ أو التصنيع، واسم الشركة، والمحتوى الكيميائي لهذه المنتجات، إضافة إلى أهمية الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين مع هذه المنتجات.     

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

السم الذي قتل عرفات موجود في التدخين!



حديثُ الصحف التي اطلعتُ عليها اليوم، والصادرة في دول المشرق إلى دول المغرب، كلها تناولت وفي صفحاتها الأولى خبر تسمم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بمادة البولونيوم المشعة وبتركيز أعلى من المعدلات الموجودة في الطبيعية بأكثر من 18 ضعفاً، وجميع هذه المقالات ركزت بشكلٍ مباشر وكامل على هذه القضية من الناحيتين الأمنية والسياسية، والمتعلقة بشكلٍ رئيس بكيفية تعرض عرفات لهذا السم، وما هو مصدره، حيث أشبعتها بحثاً ودراسة وتمحيصاً، وهذا البعد من القضية ليس من اختصاصي، ولا أفهم فيه كثيراً.

ولذلك أريد هنا أن أُسلط الضوء على بعدٍ هامٍ آخر ولكن غفلتْ عنه كل وسائل الإعلام الشرقية والغربية، وربما لا يعلم عنه الكثير من الناس، وهو أن السُّم، أو عنصر البلوتونيم المشع(polonium-210) الذي استخدم لقتل عرفات، موجود أيضاً في الملوثات الغازية التي تنبعث حرق التبغ أثناء عملية التدخين، أي أننا نحن جميعاً من المدخنين وغير المدخنين نتعرض يومياً لهذا السم عندما نُدخنُ أي نوعٍ من أنواع التبغ، سواء في السجائر، أو الشيشة، أو المدواخ أو غيرها، ونحن لا نعلم عن استنشاقنا بشكلٍ مباشر لهذا الملوث الذي قتل عرفات، ومن قبله قتل العميل والجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليفينينكو(Alexander Litvinenko) الذي كان يعمل لحساب المخابرات الروسية الـ كي جي بي، وقضى نحبه متأثراً بهذا الملوث المشع في مستشفى الكلية الجامعية في العاصمة البريطانية لندن في 23 نوفمبر 2006، بعد ثلاثة أسابيع من شربه للشاي الملوث بالبولونيوم في أحد فنادق لندن.

فوجود البولونيوم القاتل في الانبعاثات التي تنطلق عند التدخين كان معروفاً منذ منذ عام 1959 من قبل شركات التبغ ومنتجي السجائر الأمريكية، وذلك بعد أن أجرت أبحاثاً حول مكونات أوراق التبغ، وكشفت أنها تحتوي على بعض المواد الخطرة، وبالتحديد عنصر البولونيوم المُشع، حيث إن أوراق نبات التبغ تمتص هذا العنصر المشع والسام من التربة ومن مياه الري، فتتراكم في أوراقه مع الزمن. وبالرغم من هذا الاكتشاف المخيف ومعرفتهم به، إلا أنهم وضعوا الشمع الأحمر على نتائج هذه الدراسات والوثائق التي أكدت على ذلك، وكتبوا عليها “سرية للغاية”، وادخلوها في أعماق أدراجهم وأرشيفهم السري الخاص بهم، وامتنعوا عن إزالة هذا السُم المشع من أوراق التبغ من أجل خفض تكاليف إنتاج السجائر وزيادة متعة المدخن وإصابته بالإدمان مع الزمن. فلم تفكر هذه الشركات الجشعة التي لا أخلاق ومبادئ لها سوى جمع المال وكنزه في البنوك، ولم تكترث، أو تشعر بالذنب لمقتل ومرض الملايين من البشر في أمريكا وفي باقي دول العالم.

وقد ظهرت هذه الحقيقة المدفونة على يد أحفادهم ومن بني جلدتهم، حيث قام باحث أمريكي بالتفتيش في الوثائق السرية القديمة لشركات التبغ، واكتشف أنها كانت تعلم أن السجائر التي تصنعها من أوراق التبغ تحتوي على عنصر البولونيوم، وأن هذا السم يتعرض له المدخن وغير المدخن عندما ينبعث من دخان السجائر، ونشر اكتشافه في 27 سبتمبر 2011 في مجلة تصدر من جامعة أكسفورد البريطانية هي أبحاث النيكوتين والتبغ(Nicotine & Tobacco Research)، تحت عنوان: “الإشعاع في دخان السجائر وخطورة الإصابة بسرطان الرئة”.

ولذلك كما أن قضية قتل ياسر عرفات حظت بهذه التغطية الإعلامية الكبيرة، فإني على أمل أن تحتل قضية قتل التدخين للإنسان بفعل البولونيوم وبفعل أكثر من 5000 ملوث خطر ومسرطن أيضاً بنفس الدرجة من الرعاية والاهتمام، فالتدخين يؤدي إلى القتل البطيء للملايين سنوياً من المدخنين وغير المدخنين، ويصيب الآخرين بأمراض مستعصية ومزمنة ترهق ميزانية الدول والشعوب.


الجمعة، 8 نوفمبر 2013

الرصاص يحمي صحتك!

لا بد من أنك استغربت كثيراً عند قراءتك لعنوان هذا المقال، وأثار لديك سؤالاً مشروعاً هو: كيف يكون عنصر الرصاص المعروف تاريخياً بسُميته الشديدة للإنسان والكائنات الحية الأخرى واقياً لصحة الإنسان؟

في الحقيقة أن هذه الجملة، أو هذا العنوان الغريب:”الرصاص يساعد على حماية صحتك“، قرأته في مجلة ناشينالجيوجرافيك(National Geographic ) في العدد الخامس من المجلة، والمنشور قبل نحو قرنٍ من الزمان، وبالتحديد في نوفمبر 1923، وهذه المجلة العريقة والعلمية تعتبر منذ أكثر من قرنْ من أفضل وأرقى المجلات البيئية والمهتمة بحماية الحياة الفطرية وإنمائها على مستوى الكرة الأرضية، ولذلك كيف توافق مثل هذه المجلة التي تدافع عن حقوق البيئة وتهتم بصحة الإنسان والحياة الفطرية أن تنشر مثل هذا الخبر؟

لقد جاء هذا العنوان على شكل مقالٍ دعائي إعلامي من شركة إن إل الصناعية، أو الشركة الوطنية للرصاص(NL Industries) في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تقوم بصناعة وإنتاج أصباغ وألوان من الرصاص المستخدمة في الدهان المنزلي، حيث أكد المقال على أهمية الرصاص بالنسبة لــ الحياة العصرية للمواطن الأمريكي، ودوره في تحسين المعيشة للفرد والمجتمع، وتطوير أسلوب الحياة الراقية والمتحضرة.

ولم يكن هذا المقال هو الوحيد من نوعه الذي يُمجد فيه هذا المنتج الجديد الذي دخل الأسواق ويمدح مميزات الرصاص ويصف خصائصه الفريدة التي لا يمكن أن يستغني عنها الإنسان العصري، فقد تكررت مثل هذه المقالات الإعلانية عدة مرات في هذه المجلة المرموقة وفي الصحف الأمريكية. فجميع هذه المقالات ركزت على ثقافة استخدام منتجات الرصاص العصرية في تلك المرحلة الزمنية من تاريخ أمريكا، فالمنتجات التي تحتوي على الرصاص، أو إنها كلياً مصنوعة من الرصاص دخلت في كافة مناحي الحياة، وأصبحت جزءاً مهماً في حياة الإنسان الأمريكي، وتم إقناعه من خلال هذه المقالات الدعائية في أنبل المجلات والصحف أن هذه المنتجات كالفانوس السحري الذي نزل على الأمريكيين، والذي سيغير حياتهم نحو الأفضل، ويجعلها أكثر رفاه وراحة وأمناً.

فالرصاص يوجد في أوني ومستلزمات المطبخ، والرصاص يدهن به المنزل باللون الأبيض الناصع الجميل، والرصاص موجود في أدوات ولوازم الحمامات والأثاث المنزلي، وهو نفسه في جازولين السيارات والبطاريات والإطارات، كما هو موجود في ألعاب الأطفال ومستلزمات الزينة والجمال للمرأة العصرية المثقفة، والرصاص تصنع منه أنابيب المياه، فالرصاص في كل مكان ولا حياة عصرية بدونه، حتى إنه تحول إلى مكونٍ رئيس من ”الثقافة الأمريكية“. 

ولكن بعد فترة زمنية ليست ببعيدة تحول السحر على الساحر، فهذا الرصاص الأعجوبة ومنتجاته السحرية الضرورية لحياة المواطن الأمريكي العصرية، تحولت إلى لعنةٍ صحيةٍ مزمنة، فقد تغلغل الرصاص في أعماق مكونات البيئة فدخل إلى جسم الإنسان وتراكم في أعضائه، ونزلت عليه الأمراض والأسقام العضال التي لا يمكن علاجها والتخلص منها، والآن وبعد عقود من العهد الذهبي للرصاص، نقرأ عن مقالات تندد باستخدام الرصاص وتدعو إلى التخلص منه نهائياً من جميع المنتجات.

فهذه ”الدورة“ للمنتجات التي تُسوق بين الحين والآخر بأنها الحل الأمثل للبشرية، وأنها المنتجات التي لا غنى عنها للإنسان، قد تكررت عدة مرات منذ الثورة الصناعية الأولى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، السجائر التي دخلت إلى الأسواق بأنها المنتج الفريد الذي يعطي للرجل رجولته وهيمنته، وأنها للرجل العصري المتحضر، وأن لها فوائد جمة تظهر مع الوقت، ثم هناك مادة ”التفلون“ وهي المادة التي تتحمل الحرارة ولا يلتصق بها أي شيء، فاستخدمت في كافة مستلزمات الطهي والمطبخ وفي الأنابيب والآلات، وتم تسويقها بأنها منتج القرن العشرين، وما إلى ذلك من المنتجات التي نعرف الآن يقيناً بأنها تضر بالإنسان أكثر مما تنفعه، وعَرَّضت صحة الإنسان لمخاطر جسيمة تعاني منها أجيال من البشر.  

ولذلك لا بد من توخي الحذر الشديد عند سماعنا عن أي منتجاتٍ جديدة نزلت في الأسواق، فلا ننجر وراءها ونتسرع في إدخالها في حياتنا ومنازلنا، ولا ننخدع ببعض المقالات ”العلمية“ التي تُمول من قبل هذه الشركات لتسويق منتجاتها وإقناع الناس بأهميتها وفوائدها، فالتاريخ يعيد نفسه، وعلينا أن نتعظ بالتاريخ قبل أن يتعظ التاريخ بنا.



الأحد، 3 نوفمبر 2013

شللٌ في الصين


ليست هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها ونقرأ عن شللٍ تام يصيب كافة مرافق الحياة في بعض المدن الصينية العريقة والمعروفة بنشاطها التنموي الواسع وازدهارها الاقتصادي المشهود، ولكن هذه المرة كانت كالضربة القاضية التي أوجعت كثيراً فأردت حركة الحياة وأنشطة الإنسان اليومية صريعة ميتة لا روح لها.

 

فالضباب الكثيف الذي نزل مؤخراً على عدة مقاطعات في الصين وبالتحديد في المناطق الشمالية الشرقية، وحَمَل في بطنه الآلاف من الملوثات المسرطنة والسامة، جثم فوق صدور الصينيين وقلوبهم لأكثر من أسبوعٍ طويلٍ وثقيل، فاضطرت الجهات الحكومية الرسمية المعنية في رصد الطقس اليومي والمناخ إلى رفع الأعلام الحمراء، وتوجيهِ تحذيرٍ قوي إلى الناس عن خطورة التعرض للملوثات الموجودة في الضباب، فأدى استمرار هذا الضباب المرعب إلى وقوع شللٍ كلي للحياة العامة في هذه المقاطعات وتوقف نبض قلب الحياة فيها، ومن أكثر المدن في هذه المقاطعات المنكوبة تضرراً بهذا الضباب المخيف هي مدينة هاربن (Harbin) عاصمة مقاطعة هيلونجينج(Heilongjiang province) التي يسكنها قرابة 11 مليون صيني.

 

فبعد نزول هذه السحب الكثيفة والضباب المميت على مستويات منخفضة من سطح الأرض، انحجبت أشعة الشمس عن المدن، وحَلَّ الظلام، وانعدمت الرؤية، فتحول الصبح مساءً والنهار ليلاً، وتعطلت الحركة المرورية في كافة أرجاء هذه المدن، وازدحمت الشوارع الرئيسة بالسيارات وتكدست في الطرقات العامة فتوقفت حركتها تماماً. وفي الجانب الآخر توقفت حركة القطارات بين المدن، وأَغلقت المطارات أبوابها وتوقفت حركة الطيران فتأخرت كل الرحلات الجوية، وبقي الملايين من الناس متجمعين في المطارات لعل الحركة الجوية تستأنف ولو بعد حين.

 

ومع توقف حركة المرور في الشوارع ووقوع شلل في حركة الطائرات، لم يتمكن الملايين من الناس إلى الوصول إلى مواقع أعمالهم وتجاراتهم، مما اضطرهم إلى البقاء في منازلهم، كما أعلنت السلطات الرسمية في الدولة إغلاق المدارس الابتدائية والإعدادية ودور حضانة الأطفال، وحثت الأطفال والمسنين على البقاء في بيوتهم تجنباً للتعرض لهذه السموم القاتلة، فقد أكدت أجهزة قياس الدخان، أو الجسيمات الدقيقة التي يصل قطرها إلى أقل من 2.5 ميكروميتر على أن التركيز في الهواء الجوي بلغ نسبة عالية جداً وصل إلى1000 ميكروجرام من الغبار في كل متر مكعب من الهواء، أي أعلى من مواصفات منظمة الصحة العالمية بأكثر من 40 مرة.

 

وكل هذه المظاهر التي شاهدناها بسبب تلوث الهواء انعكست بشكلٍ مباشر على صحة الناس، فقد أفادت التقارير أن عدد الناس الذين دخلوا المستشفيات أثناء نزول الضباب القاتل زاد بنسبة 30% وهم يعانون من آلام في الصدر، وحرقة في العين، وضيق في التنفس، وأمراض القلب المختلفة، كما أن الكثير من الناس أصابتهم نوبة من الهلع والخوف من شدة تأثير هذا التلوث على الآخرين ومشاهدتهم سقوط الضحايا أمام أعينهم.

 

فهذه الكوارث البيئية والبشرية التي تنزل على المدن الصينية الصناعية العريقة بين الحين والآخر تؤكد لي أن هناك خللاً في نمط التنمية الذي تتبعه الصين، وأن هناك خطأً جسيماً في سياساتها التنموية وأسلوب ومنهجية قيامها وتنفيذها للأنشطة التنموية بكافة أنواعها وأشكالها.

 

فالصين كغيرها من الدول النامية أرادت أن تلحق بسرعة بقطار التنمية الذي بدأ خط سيره في الدول الغربية، فتبنت سياسة متطفرة تنظر إلى النشاط التنموي بعينٍ واحدة، فانصب جل تركيزها واهتمامها على التنمية الاقتصادية وتحقيق ازدهار مالي عظيم، فتمكنت خلال عقود قليلة من الزمن على تحقيق ما تصبوا إليه من نموٍ اقتصادي مشهود لا مثيل له. ولكن في المقابل دمرت وأفسدت بيئتها كلياً وسممت الهواء والماء والتربة، وانعكست مردودات هذا النمط المعوق من التنمية بشدة على صحة كافة المواطنين، فاهتز المواطنون دفاعاً عن صحتهم وبيئتهم وخرجوا في مظاهرات عنيفة يطالبون بتغيير هذا الأسلوب التنموي الأعمى وغير المستدام.

 

واستجابة للضغط الشعبي، اضطرت الحكومة الصينية إلى تعديل سياساتها التنموية لتكون أكثر رفقاً وعناية بالأمن الصحي للإنسان وبيئته.

 

ولكن السؤال الذي أطرحه هنا على الجميع: أليس من الأولى والأجدى اقتصادياً وبيئياً أن نُدخل البعد البيئي والصحي منذ أول خطوة تنموية نقوم بها حتى لا نضطر إلى صرف البلايين على علاج المرضى من التلوث وعلاج الخراب والدمار الذي حل بمكونات البيئة؟