السبت، 21 ديسمبر 2013

ممثل هوليود هاج جاكمان



إذا فتحتَ الإنستجرام هذه الأيام أو التويتر، وتابعتَ حساب ممثل هوليود الأسترالي المشهور هاج جاكمان(Hugh Jackman)، والمعروف ببطولة فيلمه الأخير تحت اسم الولفيرين(The Wolverine)، فستجد صورةً شخصية له في صفحته وفي موقعه في الإنترنت وقد وضع ضَّمادة(لَزْجه) على أنفه. 

فلماذا وضع هذه الصورة بالذات ليراها ملايين الناس من الذين يتابعون أخباره وأحواله بشكلٍ يومي؟

هذه الضَّمادة الملصوقة على أنفه هي لعملية جراحية أُجريت مؤخراً لهذا الممثل لإزالة بُقعٍ سرطانية قد أُصيب بها، حيث إن هذه البقع تُعد من أخطر أنواع سرطان الجلد والمعروف بالـ ميلانوما(melanoma)، وهو في الوقت نفسه من أكثر الأنواع شيوعاً في الكثير من دول العالم، منها الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا.

ففي دراسة حديثة نُشرت في مارس 2012 في مجلة وقائع مايو كلينيك(Mayo Clinic Proceedings)، أكدت أن حالات سرطان الجلد، من نوع ميلانوما قد زادت ستة أضعاف خلال الأربعين سنة الماضية، وبخاصة بين الفئة العمرية من البنات من18 إلى 39، حيث ارتفع 8 أضعاف من 1970 إلى 2009. أما بالنسبة لعامة الأمريكيين، فقد ارتفع معدل الموتى خلال هذه الفترة بين الرجال بنسبة 185% مقارنة بـ 55% للنساء، وعدد الأمريكيين الذين يقضون نَحْبهم بسبب هذا المرض يقدر بنحو 9000 أمريكي سنوياً.

وتُعزى هذه الزيادة المطردة في أعداد المصابين والموتى بسرطان الجلد إلى عاملٍ جديد، وسلوكٍ اجتماعي غريب، وعادةٍ غير صحية غزت المجتمع الأمريكي خاصة، وانتشرت في المجتمعات الغربية والمتحضرة عامة، فأصبحت من علامات الرُقي والتحضر والجمال والتميز عن الآخرين، وهي عملية تغيير لون ومظهر البَشَرة والجلد إلى اللون الذهبي، أو البرونزي، أو البني القاتم قليلاً، وتُطلق على هذه العملية بـ التانينج“.

والغريب في هذا الأمر أن الإنسان يذهب بمحض إرادته، وبرغبةٍ جامحة منه، ليستلقي بكل فرحٍ وسرور تحت مصابيح خاصة تنبعث منها الأشعة فوق البنفسجية، فيُعَرِّض جسمه الضعيف طواعية لجرعات قوية ومركزة من الأشعة فوق البنفسجية وهذه الملوثات الضارة، ويقع فريسة سهلة للمردودات والانعكاسات الصحية الخطرة والمزمنة التي تنكشف عليه بعد حينٍ من الزمن وعلى رأسها مرض سرطان الجلد، بل وأصبحت هناك الآن عشرات الآلاف من صالونات السرطان التي انتشرت في كافة أرجاء المعمورة، وكأنها محلات أساسية ضرورية لبيع المنتجات الغذائية والسلع الأساسية التي لا يستغني عنها الإنسان ويحتاج إليها بشكلٍ يومي، وكل ذلك بسبب ازدياد الطلب على هذه الصالونات وارتفاع أعداد الناس الذين يريدون تبديل لون بشرتهم وجلدهم ليكونوا أكثر جمالاً وجاذبية ومواكبةً مع تطورات الموضة والحداثة. وعند بعض الناس وصل إلى درجةِ ”الهوس والإدمان“ وعدم القدرة على الاستغناء عن عملية التانينج، بحيث إنهم اشتروا أسرة التانينج الشخصية والمصابيح الخاصة بذلك، ووضعوها في منازلهم.

فهذه المستجدات الصحية والبيئية والاجتماعية فرضت نفسها على المعنيين بالصحة العامة، فاضطروا إلى مواجهة هذه المشكلة والعادة السيئة التي تهدد صحة الناس من خلال وضع تشريعات وأنظمة خاصة تتعامل مع هذه القضية وتقنن استخدام أسرة ومصابيح التانينج. ففي هذا الإطار،صرح رئيس إدارة الغذاء والدواء الأمريكي في مايو 2013 قائلاً:”إن استخدام أسرة التانينج الداخلية تدمر الجلد، وتزيد من احتمال الإصابة بسرطان الجلد“، ولذلك قامت هذه الإدارة بوضع قانونٍ جديد يفرض وضع علامات تحذيرية تفيد بأن عملية التانينج لا تصلح للذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، كما قامت 33 ولاية أمريكية بتحديد أعمار المواطنين الذين يسمح لهم بالقيام بهذه العملية، وأقر مجلس حكومة ولاية تكساس بمنع وحظر استخدام الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 إلى 18لعملية التانينج.

ومن هذا المنطلق فإنني أدعو الجهات الحكومية في البحرين والمعنية بصالونات التانينج ضرورة دراسة هذه القضية الصحية البيئية ووضع الأنظمة والضوابط المناسبة لها حفاظاً على الصحة العامة ووقاية للمواطنين من الوقوع في شر الإصابة بسرطان الجلد.

الخميس، 19 ديسمبر 2013

المخلفات اللاستيكية التي لا نراها



قبل أيام كنتُ أتجول في محمية العرين، وشاهدت عن بعد بعجةً في إحدى البحيرات وهي تغطس في الماء وتحاول أكل والتهام شيءٍ ما في هذه البحيرة، وظننتُ في البداية أنها تحاول أكل وجبتها المفضلة وهي الأسماك، ولكن عندما اقتربت أكثر من البحيرة، وإذا بي أرى أن هذه البجعة تحاول التهام قطعةٍ من البلاستيك قد رماها أحد الزوار في البحيرة، ظناً منها أنها طعام يؤكل ووجبة شهية.

هذه المشاهدة البسيطة في بحيرةٍ من بحيرات محمية العرين، تُمثل حالياً قضية عالمية ملحة ومزمنة تُهدد الحياة الفطرية البرية، والبحرية، والطيور في أعالي السماء بخطرٍ شديد، ودمارٍ مُنتظر، وانقراضٍ كبير لهذه الأحياء.

فالمخلفات البلاستيكية بشكلٍ عام، وفي البيئة البحرية والمسطحات المائية بشكلٍ خاص تعتبر من أخطر القضايا البيئية والصحية التي يواجهها العلماء ومتخذو القرار في كل دول العالم، وتُنظم من أجل معالجتها المؤتمرات الدولية الرسمية، ممثلة في منظمات الأمم المتحدة المعنية بالبيئة وصحة البحار والمحيطات، إضافة إلى اللقاءات والاجتماعات العلمية غير الرسمية.

وتشتد خطورة هذه المخلفات البلاستيكية كلما صغر حجمها، بحيث إنها في بعض الأحيان لا تُرى بالعين المجردة، فتكون على هيئة حبيباتٍ أو كبسولاتٍ دقيقة متناهية في الصغر تتراكم في البحار والمحيطات مع الوقت، ثم إلى الكائنات البحرية العالقة في عمود الماء، سواء أكانت نباتية أم حيوانية، ومنها تنتقل إلى الأسماك الصغيرة والكبيرة، ثم إلى الطيور البحرية حتى تصل في نهاية السلسلة الغذائية إلى الإنسان فيصاب بالأمراض والعلل المزمنة دون أن يعلم سببها وكيف نزلت عليه.

وقد نُشرت دراسة في ديسمبرمن العام الجاري في مجلة مستجدات علم الأحياء(Current Biology) تؤكد على حقيقة وجود هذه المخلفات البلاستيكية الدقيقة(Microplastic particles) في البيئات البحرية، وأنها بالفعل قد بدأت طريقها في الدخول في السلسلة الغذائية البحرية. فقد أُجريت هذه الدراسة على منطقة بحرية في بريطانيا وأكدت على وجود هذه المخلفات في الكائنات البحرية العالقة النباتية منها والحيوانية، وانتقالها إلى الديدان(lugworms) التي تعيش في أعماق التربة القاعية وفي البيئات الطينية، حيث تعتبر هذه الديدان غذاءً شهياً للأسماك والطيور.
ولذلك من الضروري الاهتمام بهذا النوع من المخلفات واتخاذ الإجراءات والاحتياطات اللازمة لمنع دخولها في بيئتنا، سواء أكانت مخلفات بلاستيكية دقيقة وصغيرة يصعب مشاهدتها بالعين المجردة، أو مخلفات بلاستيكية أكبر حجماً تمتلئ بها شوارعنا وسواحلنا، وتَعلق فوق أشجارنا، وتطفو فوق سطح بحارنا أو تجثم في أعماقها.

السبت، 14 ديسمبر 2013

ملكة بريطانيا تفتتح..


قبل أيام قامتْ ملكة بريطانيا بافتتاح عمارة مكونة من 14 طابقاً في مدينة مانشستر الواقعة شمال إنجلترا، واسم هذه العمارة هو ون أنجل سكوير(One Angel Square)، وبلغت كُلفة بنائها زهاء مائتي مليون دولار.

 

ولكن ما مِيزة وسِر هذه العمارة لكي تُحمَّل ملكة بريطانيا نفسها عناء السفر، ومشقة الطريق لتقوم بافتتاحها رسمياً ومع تغطيةٍ إعلامية واسعة على مستوى بريطانيا برمتها، وحضورٍ جماهيريٍ شعبيٍ غفير؟

 

فالسبب في هذا الاهتمام الرسمي بهذا المبنى بالتحديد من بين عشرات الآلاف من المباني المنتشرة في كافة أرجاء بريطانيا هو فوزه بلقب ”أفضل عمارة بيئية في العالم“، ولذلك فإن هذا التكريم والاعتراف الدولي، وهذا التشريف العالمي لهذه العمارة البيئية والمستدامة هو الذي استحق رعاية الملكة إليزابيث وحضورها شخصياً لتدشين حفل الافتتاح.

 

فقد نالت هذه العمارة على أعلى درجة من بين قرابة مليون عمارة على المستوى الدولي عند تقييمها بيئياً وهي نسبة95.32%، وذلك باستخدام أداة وطريقة معترفة دولياً ومخصصة لتقييم العمارات من ناحية استدامتها، وحمايتها للبيئة، وحفاظها على الموارد والثروات البيئية الطبيعية من الناحيتين الكمية والنوعية، وهذه الأداة يُطلق عليها بطريقة التقييم البيئي لمؤسسة أبحاث المباني(Building Research Establishment Environmental Assessment Method).

 

وعادةً ما تستخدم عدة مصطلحات حديثة لوصف هذا النوع من البناء والعمارة، منها المباني الصديقة للبيئة، أو المباني المستدامة، أو المباني البيئية، وجميعها يصب في توافر مجموعة من العناصر والمقومات في مثل هذه المباني أو طريقة التصميم والبناء.

 

فالعنصر الأول هو الثروة المائية، وكيفية المحافظة عليها وترشيد استهلاكها أثناء مرحلة التصميم والبناء، ثم مرحلة التشغيل، وما هي مصادر المياه المستعملة في المبني، وما هي طرق تدويرها وإعادة استعمالها وتقنين استخدامها من قبل الساكنين في المبني، وما هي الأجهزة والمعدات والأدوات التي وُضِعت في المبنى لترشيد استهلاك هذه الثروة الحيوية.

 

والعنصر الثاني الذي يدخل في عملية التقييم البيئي للمبنى هو الطاقة، من حيث توليد ومصدر الطاقة، وهل هي مصادر نظيفة ومتجددة لا تنبعث عنها ملوثات، أم إنها مصادر تقليدية تعتمد على الوقود الأحفوري الناضب وغير المتجدد والملوث للهواء والماء والتربة. كذلك ما هي الوسائل والأجهزة والمعدات ومواد البناء المستعملة التي تهدف إلى خفض استهلاك الطاقة وترشيد استخدامها من قبل الساكنين في المبنى. أما العنصر الثالث فهو المواد المستعملة في عملية الإنشاء والبناء، وهل هي مواد تم تدويرها أم مواد تم استخراجها من باطن الأرض، ثم العنصر الرابع هو كيفية إدارة المخلفات الناجمة عن تشغيل المبنى، سواء أكانت مخلفات غازية أم صلبة أم سائلة، وهل يتم تدويرها وإعادة استعمالها، أم أنها تُصرف وتنتقل مباشرة إلى مواقع الدفن ومحطات معالجة مياه المجاري.

 

والعنصر الأخير فهو نوعية البيئة الداخلية التي يعيش فيها سكان العمارة ومدى شعورهم بالراحة والسعادة، من حيث درجة الإضاءة الطبيعية أو الصناعية، ونسبة الرطوبة، ودرجة الحرارة، وتركيز الملوثات في المكاتب والشقق وغيرهما.

 

فهذه العمارة البريطانية غطت بامتياز كل هذه العناصر بكفاءةٍ عالية، فمصدر الطاقة متجدد وهو الوقود العضوي أو الديزل الحيوي،ويأتي من المواد العضوية التي تزرعها الشركة صاحبة العمارة، إضافة إلى الاستفادة من الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، كما أن واجهتها مزدوجة من أجل العزل الحراري وترشيد استهلاك الطاقة، والمخلفات السائلة تقوم بإعادة استعمالها وتدويرها، إضافة إلى جمع مياه الأمطار واستخدامها في مرافق العمارة مرة ثانية.

 

وإنني أتمنى أن تقوم الجهات المعنية في البحرين بعملية إعطاء الرخص للبناء أن تأخذ في الاعتبار الجانب البيئي فتضع بعض الاشتراطات التي تخدم حماية البيئة وصيانة مواردها من ماءٍ وطاقة عند الحصول على رخص البناء، حتى تكون عمارتنا في البحرين صديقة للبيئة ومستدامة.

 

الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

الدواء المميت


اليوم يأتي آخرُ فصلٍ في قصة هذا الدواء القاتل التي استمرت الآن أكثر من ستين عاماً، وكَتَبتُ عنه قبل أكثر من عام. فقد وافقتْ المحكمة العليا في مدينة ميلبورن الأسترالية في الثاني من ديسمبر من العام الجاري على تعويض المتضررين الأستراليين والنيوزلنديين من استعمال هذا الدواء والذي وصل عددهم إلى أكثر من مائة، بمبلغٍ مالي قدره 89 مليون دولار.

 

فما قصة هذا الدواء الذي أفسد صحة عشرات الآلاف من الناس بدلاً من إصلاحها، وقتل الكثيرين في جميع أرجاء العالم بدلاً من إحيائهم، وانتقلت أضراره المباشرة من جيلٍ إلى آخر؟

 

يبدأ الفصل الأول من قصة هذا الدواء من مجموعة جرونينثال الألمانية(Grünenthal) في عام 1953 عندما أَنتجتْ عقاراً سحرياً أَطلقتْ عليه الدواء الأعجوبة(wonder drug) وتجارياً على شكل كبسولة بيضاء اللون تحت اسم كونترجن (Contergan)، واسمه العلمي الثاليدوميد(thalidomide). وبالفعل كان هذا الدواء يتميز بخصائص فريدة من نوعها بين الأدوية، فهو مهدئ ومسكن قوي، ويساعد على النوم، ويستخدم لعلاج الصداع، والكحة، والأرق، وبخاصة لمعالجة الأعراض المرضية التي تصيب المرأة الحامل عند الصباح، ولكن في الوقت نفسه لم يَعرفْ منتجو هذا الدواء السحري أنهم زرعوا في المجتمع بذرة خبيثة كانت النواة الأولى لكارثة صحية عالمية استمرت عقوداً طويلة من الزمن، وأنتجت شجرة خبيثة ثمرها سمٌ عضال يستعصي على العلاج.

 

فقد كانت لهذا الدواء آثار جانبية كارثية على المرأة وعلى الأم الحامل، حيث إن هذه الآثار انتقلت مباشرة إلى الأم وإلى الجنين بعد الولادة، وسببت الإعاقات والتشوهات الخَلْقية لعشرات الآلاف من الأطفال الذين وُلِدَ بعضهم بلا أطرافٍ كلياً، أو أطرافٍ ناقصة، كنصف رِجْل، أو نصف يد، أو ولدوا بأيدٍ ناقصة تشبه بعض الحيوانات البحرية، أو ولدوا بتشوهات في العين، والأذن، والقلب، والكلى، والجهاز الهضمي.

 

وبعد عقود مؤلمة وطويلة من ظهور هذه الإعاقات البشرية التي خلقت مأسي وآلام للمتضررين أنفسهم وعذاباً نفسياً وعضوياً لأسرهم، وعانوا منها أكثر من خمسين عاماً، اعترفت الشركة المـُصنعة للدواء بهذا الإثم الكبير والخطيئة العظمى، فاعتذرت رسمياً في أغسطس 2012.

ولذلك انطلاقاً من هذه الطامة الصحية الكبرى، لا بد من التنبه إلى أن الأدوية عبارة عن مركبات صناعية ملوثة لجسم الإنسان، تُعالج مرضاً محدداً وقد تصيب الإنسان بمشكلات صحية أخرى، كما لا بد من العلم أن الشركات الكبرى، سواء أكانت شركات العقاقير أو غيرها، لا يهمها إلا الربح السريع والثراء الفاحش، فهي تدافع عن منتجاتها بكل وسيلة شرعية أو غير شرعية حتى الرمق الأخير، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها السجائر، والشيشة، وعملية التانينج المسرطنة.

 

والآن هل انتهت قصة هذا الدواء السحري وأُسدل الستار عليها، أما أنها متجددة وتنكشف فصولاً أخرى بين الحين والآخر لأفراد قد تضرروا من استعمال هذا الدواء؟

 

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

طائر يطير 17 ألف كم دون توقف!


في كل يوم يكتشف الإنسان عظمة الله سبحانه وتعالى في خلقه وتدبيره، وفي كل يوم يكتشف سراً من أسرار هذا الكون الشاسع الواسع العجيب ويسبر غور خفايا حياة الكائنات الفطرية الحية التي تعيش على وجه الأرض، وفي باطنه، وفي أعماق المحيطات المظلمة، وقد دعا الله سبحانه وتعالى الإنسان للقيام بهذه الاكتشافات في الكون ومخلوقاته والاستفادة منها لاستعمار الأرض وبنائها، عندما قال:”يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا“

 

واليوم تنقل لنا مجلة علمية اسمها علم الأحياء التجريبي(Journal of Experimental Biology) دراسة تحت عنوان: ”التحليق الديناميكي للباتروس“ في العدد المنشور في نوفمبر من العام الجاري، لتروي لنا قصة طائرٍ بحري معروف لدى الجميع، وهو طائر الباتروس أو القَطْرس الذي يتميز بجناحين كبيرين يبلغ طولهما أكثر من ثلاثة أمتار ونصف المتر، فتحاول الدراسة تقديم تفسيرٍ علميٍ منطقي لظاهرة غريبة وفريدة من نوعها يتميز بها هذا الطائر، وحيَّرت العلماء منذ سنوات طويلة وأوقفتهم أمامها عاجزين على فك قيودها وشفراتها والتعرف على أسرارها.

 

فهذا الطائر الأعجوبة، يطير في أعالي السماء، ويحلق في ارتفاعات شاهقة، ويقطع مسافة أكثر من 17 ألف كيلومتر في رحلة واحدة، فيدور حول الأرض في 46 يوماً دون أن يَخْفِق أو يضرب ويحرك جناحيه في هذه المسافات طويلة، حيث تصل سرعته إلى نحو 108 كيلومترات في الساعة.

 

فهذه الظاهرة طرحت أسئلة كثيرة عند العلماء، فكيف يمكث الباتروس معظم وقته في السماء؟ وكيف يقطع هذه المسافات الماراثونية دون فقدانٍ لكمياتٍ كبيرة من الطاقة وبأعلى درجة من الفاعلية في التحكم في طاقة الجسم، وبهذه الكفاءة العالية التي لا مثيل لها في عالم الحياة الفطرية؟ وكيف يستطيع جسمه الثقيل أن يتحمل الطيران لهذه المسافات دون تعبٍ أو شعورٍ بالإرهاق والإعياء؟  

 

فالعلماء منذ زمنٍ بعيد يحاولون حل هذا اللغز المعقد، وطرحوا العديد من النظريات لتفسير هذه الظاهرة، كان آخرها ما قام به مهندسون من جامعة ميونيخ للتقنية في ألمانيا عندما ثبتوا جهاز تحديد الموقع، أو الـجي بي إس على 16 طيراً، وتمكنوا من خلاله وبدقة متناهية مراقبة حركة الباتروس كل ثانية على مدار الرحلة من ناحية السرعة والارتفاع.

 

وأكد الباحثون على نظرية التحليق الديناميكي(dynamic soaring)، أو المناورات الديناميكية التي تفيد بأن عملية تحليق الباتروس تتكون من أربع خطوات أو مراحل، فالمرحلة الأولى هي الصعود والعُروج ضد اتجاه الريح، ثم الدوران والانحناء وتغيير الاتجاه، ثم النزول مع اتجاه الريح حيث يكتسب الباتروس في هذه المرحلة على الطاقة الحركية من الرياح التي تكون خلفه، وأخيراً تأتي المرحلة الرابعة وهي الانعطاف فوق سطح البحر للاستعداد للعُروج والصعود مرة ثانية وبدء دورة التحليق من جديد دون بذل أية طاقةٍ تُذْكَر.

 

وقد ألهمت هذه الظاهرة الطبيعية وهذه التقنية ذات الكفاءة العالية في الطيران والتحليق، علماء وكالة الفضاء الأمريكية(ناسا)، فقاموا بتصميم وصناعة طائرة آلية(robotic aircraft) تطير وتحلق في أعالي السماء كما يفعل طائر الباتروس دون الحاجة إلى محرك ومصدر للطاقة.

 

الأحد، 1 ديسمبر 2013

أمريكا تمنع عرض فيلمٍ بيئي!



في عهد الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجن، وبالتحديد في عام 1982، وقع أمر غريب جداً في دولةٍ ديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأمريكية تؤمن بحرية التعبير والرأي وتفتح المجال واسعاً أمام كافة وسائل الإعلام باختلاف أنواعها وأشكالها، حيث مُنع فيلم بيئي من الدخول إلى أمريكا، وتم حظر مشاهدته على كل مواطنٍ أمريكي.

هذا الفيلم المحظور تم تصويره ونشره من قبل جهاز البيئة الكندي، وكان عنوانه:”قصة المطر الحمضي“(Downwind: the Acid Rain Story)،وقامت السلطات الكندية في مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم بتوزيع هذا الفيلم على دور السينما المتخصصة لعرضه في كندا، إضافة إلى توزيعه على الدول الأخرى، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية لعلاقتها المباشرة بموضوع الفيلم المتعلق بالمطر الحمضي. وعندما استملت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الفيلم واطلعتْ عليه الأقسام المختصة، قامت بتصنيفه كفيلمٍ دعائي أجنبي يعمل ضد المصالح الأمريكية، ويشوه سمعة الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا الأساس تم منع دخوله وعرضه.

هذا الفيلم الكندي العلمي تناول قضية بيئية هامة جداً وساخنة في ذلك الوقت، وهي مشكلة المطر الحمضي والأضرار الكبيرة والواسعة النطاق التي ألحقه هذا المطر السام على غابات كندا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث حول الغابات الخضراء المثمرة إلى صحاري قاحلة، وحول مياه البحيرات العذبة الفرات السائغ شرابها إلى سمٍ أجاج، وحول هذه البحيرات المنتجة المليئة بالروح والحياة إلى مقابر جماعية للكائنات الفطرية المائية. وكانت الأسباب وراء سقوط هذه الأمطار المهلكة للحرث والنسل والتي دمرت الأخضر واليابس هي الملوثات التي تنبعث من حرق الوقود في محطات توليد الكهرباء والمصانع، حيث تنطلق هذه الملوثات إلى أعالي السماء وتتفاعل مع الماء في السحب وتكون مركبات حمضية مثل حمض الكبريتيك أو حمض بطاريات السيارات، والمعروف عامياً بـ ”التِيزَابْ“، فتنزل على الأرض مطراً مشبعاً بهذه الأحماض يقتل غابات وبحيرات أمريكا وكندا.

وهنا بدأت حرب باردة بين البلدين الجارين، كندا وأمريكا، فكل دولة تُلقي بأصابع الاتهام على المصانع ومحطات الطاقة الموجودة على حدود الدولة الأخرى، وكل دولة تحاول أن تنأى بنفسها عن مصدر هذا المطر الحمضي، ووصلت هذه الحرب إلى درجة تمنع فيها عرض الأفلام العلمية التوعوية حول هذه القضية المعقدة الشائكة، حتى وصلت الدولتان في نهاية المطاف إلى التوقيع على اتفاقية ثنائية مشتركة تُسهم فيها كل دولة في علاج المشكلة البيئية الحدودية، فتقوم بخفض حجم الملوثات الحمضية المنبعثة إلى الهواء الجوي.

واليوم ننتقل من قضية المطر الحمضي إلى قضية أخرى مشابهة وهي المحيط الحمضي، ولكن هذه المرة لن تكون الحرب الباردة والمناوشات الكلامية بين دولتين، وإنما هي بين دول العالم برمتها، فجميع الدول دون استثناء مسئولة، ولكن بدرجة متفاوتة في وجود وانكشاف ظاهرة المحيطات والبحار الحمضية.

وقد حذر آخر تقريرٍ علمي من علماء متخصصين في حالة البحار والمحيطات، أن مستوى حمضية هذه المسطحات المائية انخفض من 8.1 إلى 8، مما يعني زيادة 26% في الحموضة، ويُقدر العلماء أن هذه الدرجة المخيفة من انخفاض حمضية المحيطات ستستمر بحيث إنها قد تنزل إلى 7.9 مع نهاية القرن الحالي، أي بزيادة تبلغ قرابة 170%.

وهذه الزيادة المطردة في حمضية مياه المحيطات بسبب الملوثات التي نطلقها إلى الهواء الجوي لها مردودات كارثية تهدد استدامة إنتاجية وعطاء المحيطات، وتنعكس بشدة على الإنسان بيئياً واقتصادياً واجتماعياً وصحياً. فالحموضة المرتفعة للمياه تؤثر على التنوع الحيوي للبيئة البحرية، وبخاصة بالنسبة للكائنات الدقيقة الضعيفة من نباتاتٍ عالقة، وحيواناتٍ متناهية في الصغر تسبح في الماء، وتَضَرَرَ هذه الكائنات التي تعتبر رئة المحيطات وأساس السلسلة الغذائية، يعني التهديد المباشر على الثروة السمكية والأمن الغذائي للإنسان.

وإذا استمر الحال على ما هو عليه الآن، واستمر الإنسان في تلويث الهواء والمحيطات فإن الوصف والتعريف المستقبلي الذي سيطلقه العلماء على المحيطات سيكون بأنها بيئات مائية حمضية، وحارة، لا هواء فيها، ومقفرة لا حياة لها.