الأحد، 19 يناير 2014

50 عاماً



خمسون عاماً مضت على رفع الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً الراية الحمراء ضد تدخين السجائر، وخمسون عاماً مضت على تحذير وتأكيد "الجرّاح العام"، أو الرئيس التنفيذي للخدمات الصحية العامة والمتحدث الفيدرالي الرسمي في شؤون الصحة العامة الأمريكي بأن للتدخين تأثيرات صحية خطيرة تهدد الصحة العامة، وتسبب في وقوع المدخن في أسقامٍ وعللٍ مستعصية على العلاج، وبالتحديد الإصابة بسرطان الرئة وأمراض الالتهاب الرئوي المزمنة، وخمسون عاماً مضت الآن على هذا الإنذار الأول الذي أُطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، ليس لأمريكا وحدها فحسب، وإنما لكل دول العالم قاطبة، ولكن إنسان مدخن، أو يعتزم الشروع في هذه العادة السيئة والمهلكة للنفس والجسم والمال.

فقد أعلنها الدكتور لوثر تيري(Luther Terry) المسئول الأول عن شؤون وهموم وحماية الصحة العامة للأمريكيين في 11 يناير 1964 صرخةً مدوية ليسمعها كل إنسان يعيش على سطح الأرض بأن التدخين آفة ومرض يجب القضاء عليه، وأن على الكونجرس الأمريكي تنظيم وتقنين إنتاج، وتسويق، وبيع هذا المنتج الخطير من خلال سن التشريعات المناسبة لمنع الضرر العام والمفسدة الصحية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية العظيمة التي تنجم عن تعاطيه على الفرد وأفراد أسرة المدخن والمجتمع برمته.

ولم تأت صرخة هذا المسئول الأمريكي الكبير عن الصحة العامة عبثاً ومن غيرٍ دليلٍ دامغٍ يدين تدخين السجائر قبل خمسين عاماً، وإنما استند إلى تقريرٍ علمي ميداني شامل قام بحصر قرابة 7000 دراسة طبية وبيئية نُشرت على مدار أكثر من عشرين عاماً منذ مطلع الأربعينيات من القرن المنصرم، وتُجمع على أن ظاهرة تدخين السجائر التي انكشفت كعادة اجتماعية "جديدة" في تلك المرحلة الزمنية وأخذت تنشر بسرعةٍ شديدةٍ في المجتمع الأمريكي والمجتمعات الأخرى كانتشار النار في الهشيم، هي في الحقيقة ظاهرة سلبية وعادة سيئة تهدد الصحة العامة للفرد والمجتمع.

والآن ونحن نعيش ذكرى مرور خمسين عاماً على النداء التحذيري الحكومي الأمريكي الأول حول أضرار تدخين السجائر، هل توقف الناس عن التدخين، وهل انتهت المشكلة، أم تفاقمت واستفحلت؟
لا شك بأن التقرير أحدث فرقاً كبيراً في السنوات الأولى من حيث وعي الناس واتجاهاتهم وانعكاس ذلك على عدد المدخنين، حيث انخفض في أمريكا بنسبة 59%، حسب المقال التحريري المنشور في يناير 2014 في مجلة الجمعية الأمريكية الطبية(Journal of the American Medical Association)، ولكن مازال هناك زهاء 42 مليون أمريكي مدخن اليوم، وأكثر من 3000 طفل وشاب أمريكي يجربون التدخين يومياً.

ويعزى السبب في ذلك إلى أن شركات التبغ الذي انفجر التقرير في وجها، اعتبرته بمثابة إعلان الحرب العلنية ضدها، فلم تقف متفرجة تنتظر نحبها ودفنها، ولم تقف مكتوفة اليدين عاجزة ضعيفة، وإنما شمرت عن ساقيها وعملت بكل جدٍ وحماس وشراسة، فاستغلت كل الوسائل الشرعية وغير الشرعية وكل ما لا يخطر على بال أحد من مكرٍ ودهاءٍ وحيلٍ شيطانية لمحاربة التقرير، حتى أنها الآن تصرف في أمريكا وحدها قرابة 8 بلايين دولار سنوياً على هذه الجهود.

فقد عملت شركات التبغ بتجنيد وشراء كل من ليس له ضمير من أجل تشجيع وتحفيز الناس على التدخين وابتعدت وسائل حديثة بهدف تحقيق ذلك، فاستغلت أساتذة الجامعات ومراكز البحوث لإجراء دراسات تشكك في أضرار التدخين وتحاول إيجاد ثغرات في الأبحاث التي تؤكد أضراره، كما استغلت جماعات الضغط السياسية ورجال التشريع والسياسة للوقوف بجانبها والتخفيف من حدة القوانين الصادرة ضد السجائر، كما استغلت الممثلين وأفلام هوليود والرياضيين في مجال التسويق والدعاية بأساليب غير مباشرة. وفي الجانب الآخر غيرت من السيجارة نفسها من حيث الشكل والحجم والتصميم النهائي، وسوقت منتجات جديدة منها سجائر منخفضة القطران والسجائر الإلكترونية، كما أدخلت مضافات إلى محتوى السيجارة لترغيب وجذب فئات عمرية جديدة كالأطفال والشباب، فأنتجت سجائر ذات نكهات مختلفة من فواكه وحلويات وغيرهما من آلاف المضافات التي تدخل في صناعة هذه السجائر ولا يعلم أحد حتى الآن عن هويتها ومكوناتها وصلاحيتها للإنسان.

ولذلك فالصراع بين الحكومات وبين شركات التبغ والسجائر لن ينتهي قريباً، ولن يكون سهلاً، فهو صراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وهو صراع مستمر لأكثر من مائة عام.

الأحد، 12 يناير 2014

ما هو مصير كمبيوترك القديم؟


هل فكرتَ يوماً ما وأنت تلقي بكمبيوترك القديم في القمامة وتستبدله بآخر جديد، ماذا سيكون مصير هذا الجهاز الذي يحتوي على مكونات خطرة مضرة للإنسان وبيئته والحياة الفطرية؟

 

وهل سألت نفسك عن مصير العشرات من الهواتف النقالة التي رميتها أنت وأفراد أسرتك في القمامة المنزلية، فأين ذهبت وأين سيكون مثواها الأخير، وفي أي أرضٍ سيوارى جثمانها الثرى؟

 

وفي السياق نفسه ما مصير ملايين الأطنان من مخلفات الألعاب الإلكترونية، وشاشات العرض الإلكترونية، وأجهزة التلفزيون، والطابعات القديمة، والمليارات من البطاريات الخطرة التي تُشغل كل هذه الأجهزة؟

 

كل هذه المخلفات التي أُطلقُ عليها بمخلفات القرن الحادي والعشرين، والتي تُعرف عالمياً بالمخلفات الإلكترونية أصبحت الآن قضية كبرى تشغل بال الإنسان من علماء وسياسيين ورجال الأمن والاقتصاد والاجتماع، وتُسبب لهم جميعاً هماً كبيراً وقلقاً عميقاً مشتركاً لا بد لهم من تقديم حلولٍ جذريةٍ ومستدامة لمنعها وإدارتها، فهي مشكلة ذات أبعادٍ متشعبة ومتعمقة في جذور المجتمع على المستويين الوطني والدولي، فمنها البعد السياسي والأمني، ومنها البعد الاقتصادي والاجتماعي، ومنها البعد البيئي الصحي.

 

أما البعد السياسي الأمني فيتمثل في ولوج العصابات الإجرامية ومنظمات المافيا بطرق شرعية وغير شرعية في عملية التخلص من هذه المخلفات، حيث وجدت فيها فرصة استثمارية فريدة ومصدراً شهياً لجمع المال والثروة، فهي تقوم بتأمين نقل هذه المخلفات الإلكترونية من دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية الغنية إلى دول العالم الثالث الفقيرة والمستضعفة، كالهند وباكستان وهونج كونج والصين ونيجيريا وغانا والمكسيك وفنزويلا وغيرها من الدول التي لديها عمالة رهيبة وعاطلة عن العمل ومعدومة وتحتاج إلى دولاراتٍ قليلة لسد جوعها وكسب قوت يومها، فعلى سبيل المثال، غانا وحدها تستقبل قرابة 237 ألف طن سنوياً من المخلفات الأوروبية الإلكترونية.

 

ولذلك تفاقمت عمليات المافيا في السنوات الأخيرة وتعمقت مشكلة تهريب هذه المخلفات إلى درجةٍ كبيرةٍ تعدت طاقات وإمكانات الدول منفردة في منعها وإيقافها، مما اضطرت بعض دول العالم إلى الاستعانة بمنظمة الشرطة الدولية، أو الإنتربول في الحصول على الدعم الفني والتقني والمعلوماتي، حيث قام الإنتربول خلال السنوات القليلة الماضية بضبط زهاء أربعين شركة تقوم بهذه العمليات غير الشرعية وتحويلها إلى محاكم الجنايات.

 

أما الجانب البيئي الصحي فينعكس أساساً وبشكل مباشر وعلى المدى القصير على الدول النامية الفقيرة التي تدخل في حدودها هذه المخلفات، فيتعامل عشرات الآلاف من البشر الفقراء من الأطفال والنساء وغيرهم مع هذه المخلفات، فيعملون في ظروفٍ غير صحية وغير آمنة في الهواء الطلق وفي مدافن القمامة السامة، من حيث حرقها في العراء لفصل المواد المعدنية النافعة منها كالذهب والنحاس، أو فكها والتعرض مباشرة للملوثات الخطرة كالزئبق والرصاص والكادميوم والزرنيخ وغيرها من المعادن المسرطنة. وقد أكد المقال المنشور في مجلة اللانست الطبية المعروفة تحت عنوان:"البعد الصحي للتعرض للمخلفات الإلكترونية" في 30 أكتوبر 2013 على هذه الظاهرة السيئة، وأشار إلى ارتفاع الإصابة بالأمراض المزمنة بين العاملين في عملية فصل المخلفات الإلكترونية.

 

فهذه المخلفات الإلكترونية حقيقة واقعة تجثم فوق صدور مجتمعاتنا لا ينكرها أحد، ورَفَعتْ الدول دون استثناء الراية البيضاء أمامها لعدم قدرتها على مواكبة وملاحقة إدارة هذا المد الكاسح والمستمر والمتعاظم منها في كل دول العالم، ولذلك قامت منظمات الأمم المتحدة ذات العلاقة والحكومات والجمعيات الأهلية المختصة والجامعات والشركات والصناعات بتشكيل فريق عمل في عام 2007 لسبر غور هذه القضية الدولية المشتركة، فجاء تقريره في ديسمبر من العام المنصرم منذراً بتغلغل خطورتها في أعماق المجتمع البشري، حيث أكد بانفجار ولادة هذه المخلفات وبلوغها عام 2013 حاجر الخمسين مليون طن، وقدر زيادتها بنسبة 33% سنوياً. 

 

أما علاج هذه القضية المشتركة فيكمن على مستويين، الأول دولي والثاني وطني. فعلى المستوى الدولي يجب إلزام الشركات المصنعة لهذه المنتجات الإلكترونية على إتباع التصميم والإنتاج البيئي من حيث تجنب استخدام المواد السامة والخطرة، وإطالة عمر المنتج، إضافة إلى عمل منتجات سهلة التدوير. وأما على المستوى الوطني، فإنني أدعو إلى ما يلي: أولاً على المستوى الفردي من حيث عدم تبديل هواتفنا أو كمبيوتراتنا أو غيرها من المنتجات الإلكترونية بسرعة، ثم تجنب إلقاء هذه المنتجات في حالة عدم الحاجة إليها وتقديمها لمن يستخدمها. ثانياً على مستوى الجمعيات الأهلية والشركات من حيث إقامة مراكز لاستقبال هذه الأجهزة ثم تصليحها وتطويرها وتقديمها أو بيعها للآخرين في الداخل أو خارج البحرين. ثالثاً على مستوى الدولة من حيث تقديم الدعم المعنوي والمالي لهذه الجهود ومساعدتها في عملية إعادة الاستعمال والتدوير، مما سيخفض من أحجام المخلفات الإلكترونية التي تصل إلى مدافن القمامة.   

 

 

الخميس، 9 يناير 2014

الكلفة المالية لتدمير البيئة


بعد أن بلغ السيل الزبي، وبعد أن طفح الكيل واستفحلت المشكلة وانتشرت في جميع شرايين الصين المغذية للحياة، وبعد أن ضج الصينيون وانتفضوا ذعراً وهلعاً، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، ضعيفهم وقويهم من داء التلوث الذي ضرب أطنابه قوية وعميقة في كافة أعضاء الجسم الصيني من بشرٍ وحجرٍ وشجرٍ وطيرٍ، استيقظ الحزب الشيوعي الحاكم من نومه العميق الذي استغرق قرابة خمسين عاماً ليوجه بعض اهتمامه بالبيئة وثرواتها الحية وغير الحية، ويعطي قليلاَ من وقته ليرعي هذه البيئة التي أنهكها التلوث خلال تلك السنوات العجاف، فتحولت مشكلة التلوث من بيئية وصحية إلى سياسية وأمنية، تُهدد تماسك الحزب الشيوعي الحاكم واستقرار الحكومة المركزية.

 

ولكن جاءت الكلفة باهضة جداً، والحساب عسير وكبير، فقد اضطرت الحكومة الصينية الآن إلى تخصيص مبلغ رهيب لحماية البيئة ومعالجة الملوثات التي كانت تنطلق إلى الهواء والماء والتربة دون حسيبٍ أو رقيب، أو مراقبةٍ من أية جهةٍ حكومية، حتى أن هذه الكلفة الأولية وصلت إلى أكثر من 290 بليون دولار أمريكي ستصرف فقط على أجهزة التحكم في الهواء الجوي ومعالجة الملوثات التي تنطلق من محطات توليد الكهرباء والمصانع الأخرى التي أفسدت نقاء وصفاء الهواء الجوي، إضافة إلى تحسين نوعية الملوثات التي تنبعث من عوادم السيارات، وسيكون التركيز في المرحلة الأولى من هذه الخطة الوطنية على الدخان أو الجسيمات الدقيقة الصغيرة الحجم التي لها تأثيرات عظيمة على صحة الإنسان، وبخاصة انعكاساتها الخطرة على الجهاز التنفسي والقلب والتعرض للموت المبكر.

 

وهذا المبلغ الذي نشر مؤخراً من قبل الأكاديمية الصينية للتخطيط البيئي، وهي جهة حكومية، يُعد تقديراً أولياً لفاتورة حماية الهواء الجوي فقط للفترة من عام 2014 إلى 2017، وستكون الفاتورة القادمة كبيرة جداً لا يمكن تحديدها بسهولة، وسترهق كاهل ميزانية الدولة والشركات الخاصة المسئولة عن هذا التدمير البيئي الواسع النطاق.

 

ولكنني أؤكد هنا إلى حقيقةٍ مهمة جداً تَعَلمتُها من الوقائع التاريخية البيئية المعاصرة، ويجب أن لا نغفل عنها بتاتاً في البحرين، وهي أننا مهما صرفنا من أموال الآن، وبذلنا من جهودٍ مضنية ومستميتة، فإننا لن نستطيع إرجاع البيئة إلى سابق عهدها بعد أن سمحنا بالسموم في الدخول فيها، فالكثير من هذه السموم والملوثات تبقى في البيئة خالدة مخلدة، لا تتحلل ولا تتغير فهي مستقرة وثابتة وتتراكم في مكوناتها الحية وغير الحية، فتنتقل عبر السلسلة الغذائية إلى أن تصل إلى الإنسان، ولو بعد حين، ولذلك من الأولى والأجدى والأفضل اقتصادياً وصحياً تجنب إدخال الملوثات إلى بيئتنا منذ البداية حتى لا نضطر إلى القيام بما قامت به الصين. 

 

 

 

الأربعاء، 8 يناير 2014

كلفة التدمير البيئي



بعد أن بلغ السيل الزبي، وبعد أن طفح الكيل واستفحلت المشكلة وانتشرت في جميع شرايين الصين المغذية للحياة، وبعد أن ضج الصينيون وانتفضوا ذعراً وهلعاً، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، ضعيفهم وقويهم من داء التلوث الذي ضرب أطنابه قوية وعميقة في كافة أعضاء الجسم الصيني من بشرٍ وحجرٍ وشجرٍ وطيرٍ، استيقظ الحزب الشيوعي الحاكم من نومه العميق الذي استغرق قرابة خمسين عاماً ليوجه بعض اهتمامه بالبيئة وثرواتها الحية وغير الحية، ويعطي قليلاَ من وقته ليرعي هذه البيئة التي أنهكها التلوث خلال تلك السنوات العجاف، فتحولت مشكلة التلوث من بيئية وصحية إلى سياسية وأمنية، تُهدد تماسك الحزب الشيوعي الحاكم واستقرار الحكومة المركزية.

ولكن جاءت الكلفة باهضة جداً، والحساب عسير وكبير، فقد اضطرت الحكومة الصينية الآن إلى تخصيص مبلغ رهيب لحماية البيئة ومعالجة الملوثات التي كانت تنطلق إلى الهواء والماء والتربة دون حسيبٍ أو رقيب، أو مراقبةٍ من أية جهةٍ حكومية، حتى أن هذه الكلفة الأولية وصلت إلى أكثر من 290 بليون دولار أمريكي ستصرف فقط على أجهزة التحكم في الهواء الجوي ومعالجة الملوثات التي تنطلق من محطات توليد الكهرباء والمصانع الأخرى التي أفسدت نقاء وصفاء الهواء الجوي، إضافة إلى تحسين نوعية الملوثات التي تنبعث من عوادم السيارات، وسيكون التركيز في المرحلة الأولى من هذه الخطة الوطنية على الدخان أو الجسيمات الدقيقة الصغيرة الحجم التي لها تأثيرات عظيمة على صحة الإنسان، وبخاصة انعكاساتها الخطرة على الجهاز التنفسي والقلب والتعرض للموت المبكر.

وهذا المبلغ الذي نشر مؤخراً من قبل الأكاديمية الصينية للتخطيط البيئي، وهي جهة حكومية، يُعد تقديراً أولياً لفاتورة حماية الهواء الجوي فقط للفترة من عام 2014 إلى 2017، وستكون الفاتورة القادمة كبيرة جداً لا يمكن تحديدها بسهولة، وسترهق كاهل ميزانية الدولة والشركات الخاصة المسئولة عن هذا التدمير البيئي الواسع النطاق.

ولكنني أؤكد هنا إلى حقيقةٍ مهمة جداً تَعَلمتُها من الوقائع التاريخية البيئية المعاصرة، ويجب أن لا نغفل عنها بتاتاً في البحرين، وهي أننا مهما صرفنا من أموال الآن، وبذلنا من جهودٍ مضنية ومستميتة، فإننا لن نستطيع إرجاع البيئة إلى سابق عهدها بعد أن سمحنا بالسموم في الدخول فيها، فالكثير من هذه السموم والملوثات تبقى في البيئة خالدة مخلدة، لا تتحلل ولا تتغير فهي مستقرة وثابتة وتتراكم في مكوناتها الحية وغير الحية، فتنتقل عبر السلسلة الغذائية إلى أن تصل إلى الإنسان، ولو بعد حين، ولذلك من الأولى والأجدى والأفضل اقتصادياً وصحياً تجنب إدخال الملوثات إلى بيئتنا منذ البداية حتى لا نضطر إلى القيام بما قامت به الصين. 



السبت، 4 يناير 2014

الاتحاد الأوروبي ينذر لندن


معظم السياح الذين يزورون العاصمة البريطانية لندن لا يعرفون المأزق المتأزم والمستدام الذي تعاني منه هذه المدينة العريقة، ولا يدركون حجم معاناة السكان من تدهور وفساد نوعية الهواء لعقودٍ طويلةٍ من الزمن، بل ومنذ بدء الثورة الصناعية الأولى.

 

فهواء لندن ليس كما يحسبه الكثير من السياح بأنه عليل ونظيف، وينعش القلب، ويلطف النفس، ويقوي البدن، وإنما بلغ هذا الفساد في جودة الهواء إلى درجةٍ كبيرةٍ بحيث أن الاتحاد الأوروبي أنذر وحذر لندن وللمرة الأخيرة بضرورة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتنظيف الهواء وجعله أكثر صحة وأمناً للناس، وبالتحديد من ناحية تقنين أعداد وحركة السيارات في وسط لندن وتبني إستراتيجية طويلة الأمد في السماح فقط للسيارات التي تسير على الوقود النظيف والمتجدد.

 

فبعد أن نفد صبر المسئولين في الاتحاد الأوروبي، وانتظروا طويلاً، وهددوا كثيراً، أصدرت مفوضة الاتحاد الأوروبي ممثلة في وزير البيئة أو المفوض البيئي الأوروبي جانيز بوتكنك(Janez Potočnik) إنذاراً أخيراً وتحذيراً شديد اللهجة لمدينة لندن والمدن الأخرى التي تشتكي من ارتفاع تركيز الملوثات السامة والخطرة في الهواء، ونبهتهم إلى وجود خيارين لا ثالث لهما، إما تنظيف الهواء وتحسين نوعيته بحلول عام 2020، وإما مواجهة الغرامة المالية التي سترهق ميزانياتها.

 

فكما هو معلوم بأن للإتحاد الأوروبي قوانين وأنظمة صارمة في جميع المجالات يجب أن تلتزم بها كافة الدول المنظمة لها، ومن بينها قوانين متعلقة بهموم البيئة وشؤونها وعلى رأسها معايير ومواصفات جودة الهواء الجوي والنسبة المسموح بها للملوثات لكي تتواجد في الهواء.

 

فمدينة لندن منذ عقود وهي تخالف أنظمة الاتحاد الأوروبي وتتحدى هذه القوانين الأوروبية وتماطل في تنفيذها، فلا تتخذ احتياطات وإجراءات حاسمة وفاعلة للتخفيف من حدة وتركيز الملوثات في الهواء الجوي، والتي لا يرى بعضها بالعين المجردة وليس له لون أو طعم أو رائحة، وبالتالي يظن الناس أن الهواء سليم ونظيف ويحمي صحتهم.

 

ويعزى هذا الاهتمام السياسي الأوروبي بجودة الهواء الجوي إلى الآثار الصحية التي تنجم عن التعرض لتلوث الهواء الجوي والتهديدات التي يلحقها بجسم الإنسان من أمراضٍ مزمنة ومستعصية على العلاج والموت المبكر، حتى أن منظمة الصحة العالمية صنفت مؤخراً الهواء الجوي بأنه "مسرطن للإنسان"، أي أن الهواء الجوي الذي نستنشقه يؤدي إلى الإصابة بالسرطان مع الوقت.

 

وعلاوة على الجوانب الصحية لتلوث الهواء، فإنه له مردودات عميقة على اقتصاد الدول الأوروبية، فكلفة العلاج وفاتورة التخلص من أمراض تلوث الهواء تتحملها الحكومات في نهاية المطاف، حيث يتراوح بين 330 إلى 940 بليون يورو سنوياً.

 

واستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي في مجال حماية الهواء الجوي وآلية تنفيذ القوانين على مستوى كافة الدول الأعضاء في الاتحاد، أتمنى من دول مجلس التعاون، ودول الاتحاد الخليجي مستقبلاً، أن لا يتجاهلوا في خضم القضايا الأمنية الساخنة والأزمات السياسية المتلاحقة، تلك القضايا المتعلقة بصحة البيئة والإنسان والحياة الفطرية، وضرورة العمل على تبني السياسات وتنفيذها على مستوى الدول، لكي ننعم بحياةٍ مستقرة وآمنة وطيبة، وبيئةٍ سليمة وصحية تقينا وتمنعنا من شر الأمراض والأسقام المزمنة لنا وللأجيال القادمة من بعدنا.

 

الإنذار الأخير إلى لندن



معظم السياح الذين يزورون العاصمة البريطانية لندن لا يعرفون المأزق المتأزم والمستدام الذي تعاني منه هذه المدينة العريقة، ولا يدركون حجم معاناة السكان من تدهور وفساد نوعية الهواء لعقودٍ طويلةٍ من الزمن، بل ومنذ بدء الثورة الصناعية الأولى.

فهواء لندن ليس كما يحسبه الكثير من السياح بأنه عليل ونظيف، وينعش القلب، ويلطف النفس، ويقوي البدن، وإنما بلغ هذا الفساد في جودة الهواء إلى درجةٍ كبيرةٍ بحيث أن الاتحاد الأوروبي أنذر وحذر لندن وللمرة الأخيرة بضرورة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتنظيف الهواء وجعله أكثر صحة وأمناً للناس، وبالتحديد من ناحية تقنين أعداد وحركة السيارات في وسط لندن وتبني إستراتيجية طويلة الأمد في السماح فقط للسيارات التي تسير على الوقود النظيف والمتجدد.

فبعد أن نفد صبر المسئولين في الاتحاد الأوروبي، وانتظروا طويلاً، وهددوا كثيراً، أصدرت مفوضة الاتحاد الأوروبي ممثلة في وزير البيئة أو المفوض البيئي الأوروبي جانيز بوتكنك(Janez Potočnik) إنذاراً أخيراً وتحذيراً شديد اللهجة لمدينة لندن والمدن الأخرى التي تشتكي من ارتفاع تركيز الملوثات السامة والخطرة في الهواء، ونبهتهم إلى وجود خيارين لا ثالث لهما، إما تنظيف الهواء وتحسين نوعيته بحلول عام 2020، وإما مواجهة الغرامة المالية التي سترهق ميزانياتها.

فكما هو معلوم بأن للإتحاد الأوروبي قوانين وأنظمة صارمة في جميع المجالات يجب أن تلتزم بها كافة الدول المنظمة لها، ومن بينها قوانين متعلقة بهموم البيئة وشؤونها وعلى رأسها معايير ومواصفات جودة الهواء الجوي والنسبة المسموح بها للملوثات لكي تتواجد في الهواء.

فمدينة لندن منذ عقود وهي تخالف أنظمة الاتحاد الأوروبي وتتحدى هذه القوانين الأوروبية وتماطل في تنفيذها، فلا تتخذ احتياطات وإجراءات حاسمة وفاعلة للتخفيف من حدة وتركيز الملوثات في الهواء الجوي، والتي لا يرى بعضها بالعين المجردة وليس له لون أو طعم أو رائحة، وبالتالي يظن الناس أن الهواء سليم ونظيف ويحمي صحتهم.

ويعزى هذا الاهتمام السياسي الأوروبي بجودة الهواء الجوي إلى الآثار الصحية التي تنجم عن التعرض لتلوث الهواء الجوي والتهديدات التي يلحقها بجسم الإنسان من أمراضٍ مزمنة ومستعصية على العلاج والموت المبكر، حتى أن منظمة الصحة العالمية صنفت مؤخراً الهواء الجوي بأنه "مسرطن للإنسان"، أي أن الهواء الجوي الذي نستنشقه يؤدي إلى الإصابة بالسرطان مع الوقت.

وعلاوة على الجوانب الصحية لتلوث الهواء، فإنه له مردودات عميقة على اقتصاد الدول الأوروبية، فكلفة العلاج وفاتورة التخلص من أمراض تلوث الهواء تتحملها الحكومات في نهاية المطاف، حيث يتراوح بين 330 إلى 940 بليون يورو سنوياً.

واستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي في مجال حماية الهواء الجوي وآلية تنفيذ القوانين على مستوى كافة الدول الأعضاء في الاتحاد، أتمنى من دول مجلس التعاون، ودول الاتحاد الخليجي مستقبلاً، أن لا يتجاهلوا في خضم القضايا الأمنية الساخنة والأزمات السياسية المتلاحقة، تلك القضايا المتعلقة بصحة البيئة والإنسان والحياة الفطرية، وضرورة العمل على تبني السياسات وتنفيذها على مستوى الدول، لكي ننعم بحياةٍ مستقرة وآمنة وطيبة، وبيئةٍ سليمة وصحية تقينا وتمنعنا من شر الأمراض والأسقام المزمنة لنا وللأجيال القادمة من بعدنا.