الخميس، 19 يونيو 2014

صورة وقصة حزينة



قبل أيام شاهدتُ صورة مفزعة ومحزنة في الوقت لنفسه، لا تغيب عن مخيلتي ولا أستطيع نسيانها، فقد كانت صورة فوتوغرافية لامرأةٍ بَلغتْ من العُمر عِتيا، واشتعل رأسها شيباً، وأكل الدهر في جسدها وعمرها، فوجهها يشع حُزناً وألماً ويحكي قصة حياتها المـُـبْكية والمخيفة والمليئة بالمآسي والآلام، وتجاعيد وجهها تؤكد قساوة الحياة التي مَرَّت بها، وتبين مرارة الأيام التي عاشتها، والساعات والدقائق المضنية التي قضتها طوال سنين عمرها.

هذه الصورة لامرأة سليمة الوجه والشعر والعينين والأذنين والفم والأنف، ولكن عندما تنزل بعينيك قليلاً إلى أسفل الصورة، فستشاهد هنالك المأساة الحقيقة التي واجهتها هذه المرأة المسكينة، سترى جزءاً غير مكتملِ النمو من الذِّراعَينْ فقط، ولكنهما ليس كذراع الإنسان الطبيعي العادي، فالذراع مشوه، ولا يبدو كذراع بشرٍ سليم، وفي نهاية الذراع، وبالتحديد إلى المـِرْفق تجد نمو بعض الأطراف الشاذة الغريبة التي لم أشهدها من قبل لا في إنسان ولا حيوان، وأما اليدان فلا أثر لهما ولا وجود لهما كلياً، أي أن هذه المرأة عاشت طوال هذه السنوات الطويلة من عمرها فاقدة نعمة اليدين، فهي لا تتحسس الأشياء ولا تستطيع لمسها والإمساك بها أو الشعور بوجودها، ولا تتمكن من التواصل مع الناس عند الحديث معهم، والتعبير باستخدام اليدين عند الكلام، كما حُرِمت طوال سنوات حياتها من القيام بالأعمال اليدوية من الكتابة، والرسم، والطباعة على الكمبيوتر، واستخدام الهاتف النقال، وغيرها من الأدوات والوسائل الحديثة التي هي في متناول كل إنسانٍ صغيرٍ أو كبير.

فهذه المرأة الطاعنة في السن الآن، والتي مازالت على قيد الحياة تَشْهَدُ على كارثة بشرية من صنع الإنسان نفسه، وتحكي قصة الآلاف من الذين عانوا من هذه الحالة المرضية المرعبة في معظم دول العالم، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر ويقاسي يومياً من شدة ما أصابهم.

فقد بدأ المشهد الأول من هذه المسرحية الواقعية في الخمسينيات من القرن المنصرم، وفُتح الستار على مشهد نساءٍ حوامل يعانين من الصداع وآلام الحمل في الصباح الباكر فيتناولن دواءً صنع في ألمانيا خصيصاً لمثل هذه الحالات المرضية من مجموعة جرونثال(Grünenthal Group)، ويُسوق تجارياً على شكل كبسولة بيضاء اللون تحت اسم كونترجن (Contergan)، وهذا الدواء عبارة عن مركبٍ عضوي اسمه الثاليدوميد    (Thalidomide)، ونظراً لخصائصه الفريدة وفاعليته في العلاج فقد أُطلق عليه بالدواء الأعجوبة(wonder drug)، حيث يتميز بأنه مُهدئ ومسكن قوي، ويساعد على النوم، ويستخدم لعلاج الصداع، والكحة، والأرق. ثم يُسدل الستار على هذا المشهد ليفتح على مشهد ولادة عشرات الآلاف من الأطفال المشوهين خَلْقِياً الذين وُلِدَ بعضهم بلا أطرافٍ كُلياً، أو أطرافٍ ناقصة، كنصف رِجل، أو نصف يد، أو ولدوا بأيدٍ ناقصة تشبه بعض الحيوانات البحرية، أو ولدوا بتشوهات في العين، والأذن، والقلب، والكلى، والجهاز الهضمي. وهنا تأتي الحيرة والدهشة معاً من واقع هؤلاء الأطفال المعوقين جسدياً وبأشكال لم يشهد لها الإنسان مثيلاً، فاستغرق العلماء والأطباء في البحث عن الحقيقة والوصول إلى الأسباب الخفية التي تقف وراء هذه الطامة البشرية الكبرى، فاتجهت أصابع اتهام الجميع نحو هذا الدواء السحري، الذي أصلح وأفسد في الوقت نفسه، وقَدَّم العلاج وأصاب بالمرض في آنٍ واحد، فشفى إنساناً من علته وأصاب آخرين بإعاقات مزمنة دائمة ومعاناة نفسية وعضوية.

وبعد سنواتٍ عجاف طويلة من الشد والجذب والمعارك الخفية والعلنية بين الضحايا من هذا الدواء وبين الشركة الألمانية المنتجة للدواء، والتي استغرقت قرابة خمسين عاماً، اعترفت هذه الشركة بمسؤوليتها عن وقوع هذه الكارثة الصحية العامة وأبدت أسفها للمتضررين، وقامت ببناء تمثالٍ في مدينة ستولبرج(Stolberg) الألمانية لطفلٍ صغيرٍ لا أطراف له ليُخَلد ذكرى هذه الواقعة الأليمة. 

فمثل هذه الكوارث يجب أن لا تـَمُر علينا دون أن نتعظ بها ونتعلم منها، فالأدوية شر لا بد منه، ومعظم الأدوية له آثار جانبية، بل وفي بعض الحالات يكون الضرر أشد وأقسى، فمن الضروري إذن على الشركات المصنعة للأدوية التعرف عن كثب وبدراسات ميدانية معمقة على جميع هذه الآثار والأعراض الجانبية ونشر نتائجها للناس، وعدم تسويق الأدوية الجديدة قبل التأكد منها كلياً، وعلى دولنا من جانبها طلب الشهادات والإثباتات التي تؤكد سلامتها.


الخميس، 12 يونيو 2014

المثوى الأخير لمخلفاتنا

لا يخطر قط على بال البشر أن المخلفات التي نُلقيها في غير مكانها قد تصل في أغلب الأحيان إلى قاع البحار والمحيطات، وتنتقل مع الوقت وعبر أوساط متعددة إلى أن تجثم في نهايةِ مطاف رحلتها الماراثونية إلى أعماقٍ سحيقةٍ ومظلمة تزيد عن 5000 آلاف مترٍ، بل وفي بعض الأحيان يكون المثوى الأخير لهذه المخلفات في أعماق المحيطات النائية والبعيدة عن المناطق البَرْية وعن أنشطة الإنسان.

فعلى مستوى الخليج العربي وفي المياه الإقليمية لمملكة البحرين، فقد أَجريتُ دراسة مستفيضة وميدانية بالتعاون مع فريق الغوص البحريني في مطلع القرن الحادي والعشرين، وبالتحديد عام 2002، حول كمية ونوعية المخلفات الصلبة الخفيفة والثقيلة المدفونة في قاع البحر في 18 منطقة بحرية غطت كل المياه الإقليمية.

وقد توصلنا إلى عدة اكتشافات لم تكن في الحسبان، فلم ترَ العيون مثلها، ولا سمعت الآذان بها، ولا خطر على قلب بشر، فقد وجدنا في قاع البحر أنواعاً مختلفة من المخلفات التي لم نتوقع وجودها في تلك البقع النائية من البيئة البحرية وبأعدادٍ كبيرة جداً، منها وجود أعدادٍ كبيرة من السيارات قابعة في العمق وكأنك في موقف بحري للسيارات، ومنها زجاجات الخمر المملوءة، وقدور الطبخ، ودلة الشاي، وأشواك وملاعق بلاستيكية، وعبوات زجاجية، وعلب الألمنيوم للمشروبات الغازية، ومن بين هذا الخليط المعقد من المخلفات، جاءت المخلفات البلاستيكية في المرتبة الأولى بنسبة 44%.

واليوم أُجريتْ دراسة مشابهة على المخلفات في البحار والمحيطات حول قارة أوروبا، مثل المحيط الأطلسي والقطب الشمالي والبحر الأبيض في الفترة من 1999 إلى 2011، حيث حصرت المخلفات الصلبة في 32 موقعاً في قاع هذه المحيطات وفي أعماق زادت عن 4500 مترٍ، وشملت 588 عينة سُحبت من القاع، ونُشرت نتائج هذه الدراسة الشاملة في مجلة بلاس ون(PLOS ONE) في 30 أبريل 2014 تحت عنوان"انتشار وكثافة القمامة في البحار الأوروبية". ومن أبرز الاستنتاجات التي تمخضت عن الدراسة التأكيد على أن البيئة البحرية، حتى ولو كانت بعيدة عن حياة البشر وعن أعمالهم التنموية وفي مواقع تبعد عن اليابسة أكثر من ألفي كيلومتر، قد وصلت إليها المخلفات الصلبة بكل أحجامها وأنواعها وأشكالها، وأن أعماق البحر تحولت إلى مقابر جماعية تَرقُد فيها المخلفات بأمنٍ وسلام خالدة مخلدة في بطنها. كما توصلت الدراسة إلى نتيجة تطابق النتيجة التي حصلتُ عليها في دراستي، وهي أن أغلب أنواع المخلفات وأكثرها شيوعاً وانتشاراً كانت مصنوعة من البلاستيك، وبنسبة بلغت 41%، ومعظم هذه المخلفات البلاستيكية كانت شباك وخيوط وأدوات الصيد المهجورة، والأكياس، والعبوات، والحبال المصنوعة من البلاستيك.

وهذه النسب العالية للمخلفات البلاستيكية في بحارنا تؤكد التهديد الشديد الذي تتعرض له البيئات البحرية والكائنات التي تعيش وتستظل تحتها، فخطورة البلاستيك تتمثل في عدة نقاط رئيسة. الأولى هي أن المخلفات البلاستيكية لا تتحلل كما تتحلل المخلفات العضوية، وإنما تتراكم في البيئة البحرية وتتعاظم أحجامها مع الوقت، فبعضها يطفو فوق سطح الماء والبعض الآخر يكون مثواه الأخير في قاع البحر. والنقطة الثانية فهي أن بعض المخلفات البلاستيكية الصغيرة الحجم تلتهمها السلاحف والكائنات البحرية الأخرى والطيور المائية فتختنق وتموت. وأما الثالثة فهي أن المخلفات البلاستيكية مع الوقت تتكسر وتتفتت إلى قطعٍ صغيرة جداً بفعل الحرارة والضوء وماء البحر المالح، وبعضها لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، وهذه القطع المتناهية في الصغر أو المعروفة بالميكروبلاستك تدخل مباشرة في أجسم الكائنات البحرية النباتية منها والحيوانية ويكون لها تأثيرات خطره تهدد حياتها بالموت البطيء. والنقطة الرابعة فهي أن من ضمن مكونات المخلفات البلاستيكية مواد خطرة تترشح مع الوقت وتدخل في البيئة البحرية وتصبح مع الوقت جزءاً من السلسلة الغذائية البحرية التي تنتهي في نهاية الهرم الغذائي بالإنسان. وأما النقطة الخامسة والأخيرة المتعلقة بخطورة المخلفات البلاستيكية فهي أن هذه المخلفات تمتص وتتشرب ملوثات موجودة في مياه البحر وفي التربة القاعية، فتَحْمِلُ معها هذه الملوثات وتتراكم فيها، ثم منها تنتقل إلى الكائنات البحرية بشقيها النباتي والحيواني فتدخل في السلسلة الغذائية للنظام البيئي البحري، ثم أخيراً تصل إلى الإنسان.

ولذلك أستطيع أن أُجزم على وجود حقيقة وظاهرة موجودة في كل بحار العالم، مهما كانت بعيدة عن أيدي البشر وعن أنشطته اليومية، وهي أن المخلفات الصلبة التي نتخلص منها بطرق غير سليمة تصل في نهاية الأمر إلى البيئة البحرية، وبالتحديد فإنها تمكث في قاع البحر إلى أجلٍ غير مسمى، فتُسمم الإنسان والحيوان والطير دون أن ندري، مما يحتم علينا التأكد من تبني الأساليب البيئية الصحيحة والمستدامة في إدارة المخلفات الصلبة، والعمل على إزالة المخلفات الجاثمة حالياً في قاع بحارنا ومحيطاتنا.



الجمعة، 6 يونيو 2014

أسرار الدولة!



تقريرٌ بيئيٌ خطير جداً لم يُنشر في حِينه، وأُودعَ في غَياهِب الأدراج السرية، وأُغلق بالشمع الأحمر، واعتبرته الوزارة المعنية بأنه من "أسرار الدولة"، وبناءً عليه يجب أن لا يطلع عليه أحد ويبقي في طي الكتمان والنسيان. وهذا مع الأسف، هو حال الكثير من التقارير التي تصدرها دولنا، فلا يراها أحد ولا تستفيد منها الأجيال الحالية ولا اللاحقة، بل وإن البعض من الوزراء يستغل ورقة ومصطلح "أسرار الدولة" لإخفاء عيوبهم، والتستر على عوراتهم، وعدم كشف ضعف إنتاجهم وقلة حيلتهم في العطاء والإنجاز والإبداع.

فهذا التقرير الخطير قامت بإعداده وزارة حماية البيئة بالتعاون مع وزارة الأرض والموارد في الصين، حيث احتوى على معلومات هامة جداً تبين حجم التلوث الذي تغلغل بعمق في البيئة الصينية، وبخاصة الفساد البيئي الذي أصاب تربة الصين من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، حتى أنها في معظمها أصبحت سامة وملوثة بالعناصر الثقيلة وغير صالحة للزراعة وإنتاج الغذاء للمواطن الصيني. فقد أكد التقرير الذي يُغطي فترة زمنية من أبريل 2005 إلى ديسمبر 2013، أن 19.4% من الأراضي الزراعية، أي نحو 3.33 مليون هكتار، مسمومة بملوثات خطرة تهدد صحة الإنسان والكائنات الفطرية النباتية والحيوانية وهي العناصر الثقيلة مثل الكادميوم والنيكل والزرنيخ والزئبق والملوثات العضوية، وانعكس هذا التلوث على نوعية المحاصيل وجودتها وصلاحيتها لاستهلاك الإنسان، حيث أكد التقرير أن زهاء 12 مليون طنٍ من الحبوب والرز التي تم إنتاجها كانت مسمومة بهذه الملوثات، مما يعني أن المواطن الصيني كان يأكل طوال السنوات الماضية حبوباً ورزاً مسموماً، إضافة إلى ملايين البشر في الدول الأخرى التي كانت تستورد هذه المحاصيل الصينية. وعلاوة على هذا التدهور الشديد للتربة بسبب الأنشطة الصناعية وغير الصناعية الملوثة للبيئة، فقد أكد التقرير على أن نحو 60% من المياه الجوفية مسمومة وغير صالحة للشرب والاستهلاك الآدمي أو الحيواني أو النباتي، إضافة إلى أن 85% من أنهار الصين غير صالحة للشرب.

ولذلك فلا شك بأن هذه المعلومات الموجودة في التقرير خطيرة جداً ومخيفة في الوقت نفسه، وقد تكون لها تداعيات سياسية وأمنية واجتماعية تهدد الاستقرار في الصين، فكان لا بد إذن من الحجر عليها وإخفائها من قبل الجهات المعنية، وتصنيفها كالعادة ضمن "أسرار الدولة" أو "سرية للغاية".

ولكن مع التغيرات السياسية والبيئية التي شهدتها الصين في السنوات الماضية نتيجة للتدمير الشديد الذي نزل على كل الأوساط البيئية من ماءٍ وهواءٍ وتربة ودمر صحة المواطنين عامة، فقد أعلن رئيس الوزراء الصيني(Li Keqiang) في مارس 2014 في خطابه التاريخي أمام مجلس الشعب الوطني الصيني "الحرب على التلوث"، واتخذ إجراءات ميدانية شاملة لتصحيح الوضع البيئي المأساوي الذي أَلـَمَّ بالصين كلها، وكان من ضمن هذه الإجراءات أنه أصدر أمراً تنفيذياً في فبراير 2014 بحظر ومنع استخدام ورقة "أسرار الدولة" كمبرر لإخفاء المعلومات والتقارير البيئية والصحية التي لها علاقة مباشر بالأمن البيئي والصحي للمواطنين، مما نجم عنه مباشرة كشف التقرير المـُصنَّف سابقاً تحت "أسرار الدولة" حول تدهور التربة في الصين في 17 أبريل من العام الجاري، ونشره في الوسائل الإعلامية الصينية.

وهذه التجربة الصينية لم تأتْ من فراغ وبين عشيةٍ أو ضحاها، وسياسة الشفافية في الحصول على المعلومات التي تبنتها الصين جاءت نتيجة للفساد العميق الذي تغلغل في البيئة الصينية والتدهور الشديد الذي أصاب أجسام الناس، حتى أن هناك نحو 400 قرية سرطانية، أي ترتفع فيها مستويات الإصابة بالسرطان بين سكان هذه القرى، فسياسة رفع القيود والسرية على نشر التقارير الحكومية التي تخص صحة وبيئة المواطنين جاءت كذلك نتيجة للاحتجاجات الشعبية والمظاهرات العنيفة والصدامات المميتة التي شهدتها الصين في الخمس سنوات الماضية منعاً لإنشاء مصانع ملوثةودفاعاً عن حرمات البيئة وحقوقها، وحفاظاً على صحة الناس من الملوثات التي دخلت في أعماق جذور البر والبحر والجو.

ولذلك حري بنا أن لا نُعيد هذه التجربة الصينية في بلادنا فهي مُكلفة جداً أمنياً وسياسياً واقتصادياً وبيئياً وصحياً، والمـُؤمن يتعظ بالتاريخ قبل أن يتعظ التاريخ به.          

الاثنين، 2 يونيو 2014

ملوثات في منتجات التجميل



لا يعلم أحد عن الكثير من المواد التي تضاف إلى منتجات التجميل ومواد التبرج والزينة من كريمات للجلد إلى مستحضرات تجميل العينين، فهذه المركبات الكيميائية تكون في غاية السرية، ويحيط بها التكتم الشديد من قبل الشركات المصنعة.


 


ولكن في بعض الأحيان ينكشف هذا السر وتنكشف معه فضائح خطيرة تـُهدد سمعة هذه الشركات ومصداقيتها أمام الناس، وتُكذب ادعاءاتها بحماية البيئة والحفاظ على مواردها. فقد أكدت دراسات ميدانية على عينات من الكريمات التي تُستخدم لتنظيف وتنقية وغسيل الجلد أنها تحتوي على ملوثات بلاستيكية دقيقة جداً لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة تسمى الخرزات الدقيقة المتناهية في الصغر(microbeads)، وهذه الملوثات بعد التخلص منها وصرفها مع مياه المجاري تنتقل إلى محطات معالجة مياه المجاري ولكن تـَمُر وتنفذ من أجهزة الترشيح والمعالجة دون أن يحدث لها أي تغييرٍ في حجمها، وتدخل بعد ذلك إلى المسطحات المائية كالبحار والبحيرات والأنهار وتتراكم فيها ويزداد تركيزها مع الزمن، ثم مع مرور الأيام والسنين تُصبح جزءاً من هذه البيئات المائية فتنتقل إلى أجسام الكائنات الفطرية البحرية النباتية والحيوانية من قواقع وأسماك وفي السلسلة الغذائية المائية، وأخيراً تصل إلى الإنسان بعد استهلاكه لهذه الكائنات البحرية فتسبب له مشكلات صحية مزمنة.


 


وقد أثبت الباحثون من ولاية نيويورك خط سير هذه الملوثات البلاستيكية المجهرية بدءاً من التخلص منها بعد الاستخدام إلى صرفها في البيئات المائية، عندما اكتشفوا نسباً مرتفعة منها في البحيرات العظمى التي تُعد الرئة الغذائية لأمريكا، مما أقنع الجهات المعنية في الولاية إلى حظر استخدامه في كافة المنتجات.


 


ونظراً لخطورة هذه الحالة على صحة الإنسان وسلامة البيئة والحياة الفطرية، فقد استجابت مُضطرة كبريات الشركات المـُصنعة لهذه المنتجات وتعهدت بإزالتها والتخلص منها في القريب العاجل، حيث صرحت شركة تسكو قائلة: "إننا على علم بالمردودات البيئية لبعض أنواع المواد البلاستيكية الصغيرة الحجم، ونحن نعمل على إزالة هذه المادة من منتجاتنا ونعمل على إيجاد البدائل المناسبة"، كما قالت شركة كلارين الفرنسية للتجميل: "نحن على علم أن هذه المواد تسبب مشكلات للبيئة، ولذلك قررنا التخلص منها بالسرعة الممكنة، ونعمل بسرعة على إيجاد البديل"، كما قالت شركتا لوريل وجونسون وجونسون بأنهما ستتوقفان عن استخدام هذه المواد البلاستيكية الدقيقة بحلول عام 2017.


وجدير بالذكر أن المواد والمخلفات البلاستيكية عامة، الصغيرة منها والكبيرة تحولت إلى أزمة بيئية عظيمة تعاني منها كافة المجتمعات البشرية، فهي دخلت في البر والبحر والجو، ووصلت إلى أعماق البحار والمحيطات وإلى مناطق نائية وبعيدة جداً من الكرة الأرضية، مما يستدعي اهتماماً دولياً جماعياً مشتركاً لمواجهتها والتصدي لها قبل أن تحتل أرضنا.


 

السبت، 31 مايو 2014

عجباً لمنطق التجار


استغربتُ كثيراً وأصابتني الدهشة الشديدة من تصريح بعض التجار ورجال الأعمال في البحرين حول موضوع احتمال قيام الحكومة البحرينية برفع الرسوم، أو فرض ضرائب جديدة على منتجات التبغ، وبالتحديد السجائر، حيث قال أحدهم بأن القطاع التجاري هو الخاسر الأكبر من جراء زيادة الرسوم، وأن رجال الأعمال سيخسرون مالياً نتيجة لهذه الإجراءات الجديدة. 

 

فالواضح جلياً من هذه التصريحات أن بعض التجار لا يهمه إلا الكسب الكبير والسريع، والوصول إلى الثراء الفاحش على حساب أي شيء مهما كانت أهميته وخطورته، فلا يعنيهم أي أمر سوى جمع المال وكنزه بأي طريقة كانت، ومن أي مصدرٍ كان هذا المال، فلم يُفكروا في الأعداد المهولة من البشر الذين يستغيثون في المستشفيات بسبب الأمراض التي نزلت عليهم من التدخين، ولم يعطوا أي اعتبار للموتى من الشباب وغيرهم الذين يسقطون ويقضون نحبهم في كل ثانية على المستوى الدولي نتيجة للتعرض للسموم والمواد المسرطنة التي تنبعث من السجائر، ولم يحسبوا الخسائر المالية العظيمة التي تتكبدها الدولة وتتحملها سنوياً لعلاج المرضى من التدخين، أو لموت الشباب وضياع الإنتاجية وعرقلة التنمية الاقتصادية في البلاد.

 

ولكي أؤكد على خطورة التدخين بكل أنواعه وأشكاله، أريد هنا فقط أن أُذكر إخواني التجار ورجال الأعمال وأُلفت عنايتهم الكريمة إلى الاستنتاجات والحقائق العلمية والميدانية التي توصلت إليها منظمة الصحة العالمية حول الانعكاسات الصحية السلبية التي تنجم عن التدخين للمدخن نفسه ولغير المدخن، وهي كما يلي:

 

أولاً: هناك أكثر من 4000 مادة كيميائية تنطلق من حرق السجائر، منها 400 مادة معروفة بخطورتها على الإنسان، ومنها مواد مُشعة، ومنها 60 مادة تسبب السرطان، ليس للمدخن فحسب، وإنما لكافة الجالسين حوله، أو بالقرب منه، إضافة إلى أن الملوثات التي تنبعث من التدخين تبقى في المنزل أو السيارة أو المكتب، حيث إن الأثاث والجدار وغيرهما يمتصان ويتشربان الملوثات فتبقى فترة طويلة جداً في تلك المواقع ويتعرض لها الإنسان طوال تلك الفترة.

ثانياً: وصَفتْ منظمة الصحة العالمية التدخين بأنه أكبر وباءٍ صحي وأكبر تهديدٍ للصحة العامة تواجهه البشرية.

ثالثاً: التدخين يقضي سنوياً على 6 ملايين إنسان، منهم 5 ملايين نتيجة للتدخين المباشر، أي إنسان واحد كل ست ثوان، إضافة إلى قتل أكثر من 600 ألف نتيجة للتدخين القسري أو التدخين الإجباري وهم الذين يجلسون مع أو بالقرب من المدخنين، كما أن تقديرات المنظمة تُفيد بأن قرابة 8 ملايين سيموتون بحلول عام2030، إذا لم يقم المجتمع الدولي من ناحية وكل دولة في حد ذاتها بالمواجهة الحاسمة لهذا الوباء الصحي العام.

رابعاً: تفيد الإحصاءات الميدانية أنه في القرن العشرين مات زهاء مائة مليون إنسان بسبب التدخين، والمتوقع أن يزيد هذا العدد ويرتفع بشكلٍ مشهود ليصل إلى بليون مع نهاية القرن الحالي.

خامساً: التدخين يؤدي إلى الإصابة بثلاثين نوعاً من الأمراض الفتاكة التي تُعَجِّل وتسرع من وصول أَجَلْ الإنسان وتدخله في القبر مبكراً. فالتدخين يسبب سرطان الرئة، وسرطان القولون، والكبد، والمثانة، والعنق، والثدي، ومرض السكري من النوع الثاني، والسل، وضعف الجهاز المناعي، وأمراض والتهابات المفاصل، وفقدان البصر، وأمراض القلب المختلفة، والسكتة القلبية، إضافة إلى الولادة المبكرة وانخفاض وزن الجنين وولادة أولاد معوقين ومشوهين خَلْقياً بالنسبة للمرأة الحامل التي تدخن، أو التي تتعرض بشكلٍ مستمر للملوثات التي تنطلق من المدخنين أثناء الجلوس معهم.

 

فهل بعد هذه الأرقام الصادرة من منظمة الصحة العالمية، مازال التجار ورجال الأعمال يرفضون رفع الرسوم على السجائر، ويريدون الربح وجني المال من أشلاء الضحايا ومن وراء الاتجار بهذا القاتل الجماعي وسلاح الدمار الشامل؟ 

 

الاثنين، 26 مايو 2014

شبهات حول الكوكا كولا والبيبسي


وافقتْ أخيراً شركة الكوكا كولا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن بعد سنواتٍ من الاحتجاجات والشكاوى الشعبية، على إزالة مادةٍ تَـحُوم حولها الشبهات وتكثر عليها التساؤلات من الناحيتين الصحية والبيئية من مكونات ومحتوى بعض أنواع المشروبات التي تَنْتُجها الشركة، وبالتحديد المشروبات الرياضية ذي النكهات الحمضية الذي يُطلق عليه بورأدى(Powerade)، وفرسكا(Fresca)، وفانتا(Fanta)، والتي تُصنَّع بعدة نكهات للفواكه كالليمون والفراولة، وبألوان مختلفة منها الأصفر والأحمر والأزرق والأخضر.

 

أما المادة المـُشتبهة فيها والتي تثور حولها الشكوك، والمتهمة بأضرارها على الصحة العامة فهي نوع من الدهون النباتية التي تحتوي على عنصر البروم، وهي الدهون النباتية التي بها البروم(Brominated Vegetable Oil, B.V.O.)، وتكمن خطورتها في وجود عنصر البروم في الزيت النباتي والذي يشكل تهديداً لصحة الإنسان، فهذا العنصر موجود أيضاً في المركبات التي تستعمل لإطفاء الحريق.

 

وتضاف هذه المادة إلى المشروبات الغازية لعدة أسباب من أهمها تحسين خاصية استقرار وثبات المواد الموجودة في المشروبات الغازية ومنعها من التحلل سريعاً حتى يطول عمر المنتج عند التخزين ولا يتلف بعد فترة قصيرة من الزمن. وجدير بالذكر أن هذه المادة التي تُضاف إلى المشروبات الغازية دون علم أحد ويستهلكها الملايين من بني البشر في كل أنحاء العالم محظورة في اليابان والاتحاد الأوروبي ويمنع استخدامها في المنتجات الغذائية والمشروبات. كما أن إدارة الغذاء والأدوية في الولايات المتحدة الأمريكية قد رفعت اسم هذه المادة من قائمة المواد التي تُصَنَّفْ بأنها "سليمة بشكلٍ عام" في عام 1970، أي أن أمريكا تعترف بأن هناك ملابسات وشكوكاً تحوم حول هذه المادة من ناحية الأمن الصحي العام، ولكن في الوقت نفسه سمحت باستخدامه ولكن بقدرٍ معلوم، فالتركيز المسموح به في المشروبات يجب أن لا يتعدى 15 جزءاً من هذه المادة في المليون جزء من المشروبات الغازية.

 

ومن قبل، وبالتحديد في يناير عام 2013 أعلنت شركة البيبسي منع استخدام هذه المادة في مشروباتها الرياضية، أو مشروبات الطاقة التي تُطلقْ عليها جاتوراد(Gatorade).

 

ولذلك من الواضح أن الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، سواء أكانت شركات تنتج مواد غذائية أو مصانع، لا يهمها بشكلٍ عام الصحة العامة أو حماية البيئة ومواردها، بِقَدر اهتمامها بالربح السريع والوفير، مما يؤكد ضرورة مراقبة هذه الشركات بدقة وحزم وفاعلية وبخاصة من ناحية سلامة المنتجات التي تصدر إلى بلادنا.