الثلاثاء، 8 يوليو 2014

خِطَاب الملكة إليزابيث



أَلقتْ الملكة اليزابيث، ملكة بريطانيا في مجلس اللوردات في 4 يونيو خطاباً تاريخياً إيذاناً بافتتاح الدورة الجديدة للبرلمان البريطاني، حيث أَعلنتْ فيه الملكة وفي كلمةٍ مكتوبة تُلقيها نيابة عن الحكومة، جدول أعمال الحكومة البريطانية، وسياساتها العامة المستقبلية، والقوانين والتشريعات التي تعتزم سَنها.


 


فقد أعلنت الملكة عن 11 قانوناً، من بينها قانون خاص بالبيئة ويعالج قضية بيئية معروفة لدى الجميع وهي مشكلة الأكياس البلاستيكية وتداعياتها البيئية على الإنسان والحياة الفطرية النباتية والحيوانية، حيث يشمل القانون فرض رسومٍ قيمتها 5 بنسات، أو ما يعادل قرابة 30 فلساً بحرينياً، بدءاً من أكتوبر 2015 على كل كيس بلاستيك يأخذه الناس من المحلات التجارية والبرادات وغيرهما.


 


وبالرغم من أهمية هذا القانون في خفض استهلاك الأكياس البلاستيكية، وبالتالي تقليل الآثار والأضرار المعروفة التي تنجم عن استخدامها، إلا أن هناك جانباً لم يكن في الحسبان، وبُعداً جديداً لم يفكر فيه أحد قد انكشف مؤخراً بعد تطبيق مثل هذا الإجراء في بعض الدول.


 


فقد أكدت الدراسات المنشورة مؤخراً على أن هذا الإجراء يُشجع الناس ويحفزهم على استخدام الأكياس القابلة للتدوير وإعادة الاستعمال مرات عديدة، وهذه الممارسات أدت فعلياً إلى ارتفاع حالات التسمم الغذائي والإصابة بأمراض الحساسية. فاستخدام هذه الأكياس التي تُوضع فيها المواد الغذائية كالخضروات والفواكه واللحوم والأسماك مراتٍ ومراتٍ متكررة قد تترك في كل مرة بعض المخلفات الغذائية القابلة للتحلل والتعفن مع الوقت، أي أن هذه الأكياس البلاستيكية تؤدي إلى نمو كائناتٍ دقيقة مرضية من فطريات وبكتيريا القولون وغيرهما فيها، فيتعرض لها الإنسان مع الوقت وتؤدي إلى تسممه ومرضه وفي بعض الحالات الحادة إلى موته.


 


فهذه الدراسات التي أُجريت في المدن التي قامتْ بوضع ضريبة على الأكياس البلاستيكية، أكدت وجود علاقة بين وقت تطبيق هذه الضريبة وازدياد حالات التسمم الغذائي. فعلى سبيل المثال، زادت حالات دخول الناس لقسم الطوارئ في المستشفيات بسبب التسمم البكتيري في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، وذلك بعد ثلاثة أشهر من تطبيق قانون الأكياس البلاستيكية، وأكدت هذه الدراسات عن وجود بكتيريا القولون المسببة للتسمم في 51% من الأكياس البلاستيكية التي يستخدمها الناس عند شراء حاجياتهم اليومية. 


 


ولذلك فإن هذه الحالة الميدانية تؤكد لنا ضرورة دراسة كافة الأبعاد والجوانب المتعلقة بأية قضيةٍ بيئية، وبخاصة عند فرض إجراءٍ بيئي محدد على عامة الناس حتى لا نخلق لأنفسنا مشكلة أخرى جديدة نحن في غنى عنها.


 

السبت، 5 يوليو 2014

وأَرْسلنا الرياح لواقِح، ظاهرة سلبية أم إيجابية؟



لم يخلق الله سبحانه وتعالى أي مخلوقٍ عبثاً، سواء أكان من الكائنات الحية كالإنسان والحيوان والنبات، أو كان من المخلوقات غير الحية كالرياح، والجبال، والبحار، والصحاري، والثلوج وغيرها، فلكل منها دور ووظيفة ومهمة يقوم بها ضمن الأنظمة البيئية التي يتواجد فيها، وقد اكتشف عقل الإنسان على مر السنين مهمة ووظيفة الكثير من هذه الكائنات، ومازال حتى يومنا هذا يسبر غور أسرار وجود الآلاف من الكائنات الأخرى الموجودة في الأعماق السحيقة والمظلمة من المحيطات، أو في البيئات الثلجية القارسة البرودة وعلى مسافات بعيدة ونائية عن أي نشاطٍ بشري.

فعلى سبيل المثال، لا الحصر اكتشف العلماء دور حركة وجريان الرياح من منطقةٍ إلى أخرى في القيام بوظيفةٍ محددة تتمثل في عملية التلقيح الطبيعي، فمنها نَقل حبوب اللقاح إلى أعضاء التأنيث في أزهار النباتات ليتم الإخصاب وتكوين الثمار، ومنها تلقيح السحب بذرات الماء حتى تمتلأ وتُنزل مطراً، مصداقاً لقوله تعالى:"وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ".

ولكن في الوقت نفسه فإن هذه الريح المباركة الطيبة التي يرسلها رب العالمين ويسخرها لتؤدي دوراً حيوياً للإنسان وتقوم بوظيفة مجانية لا يمكن الاستغناء عنها، أصبحت الآن في بعض الأحيان شراً للإنسان وتقوم بدورٍ بغيضٍ غير مرغوبٍ فيه، فهي كما أنها تحمل الخير والعطاء للنباتات والسحب، فإنها أيضاً تحمل معها كل ما هو موجود في الهواء الجوي من عشرات الآلاف من الملوثات الحيوية والكيميائية التي أطلقناها بأيدينا إلى الهواء الجوي، فتنقلها إلى مناطق ودول لا علاقة لها بهذه السموم القاتلة، ولا توجد بها أصلاً مصادر تنبعث منها هذه الملوثات، فتسبب لهم الأسقام والعلل. 

فمن الأمثلة التي تؤكد هذا الدور السلبي للرياح هي ظهور مرضٍ غريب تم اكتشافه عام 1967 من قِبَل عالمٍ ياباني اسمه كاواساكي فأُطلق عليه مرض كاواساكي(Kawasaki disease)، وهذا المرض يُصيب الأطفال بصفةٍ خاصة في كل أنحاء العالم، ولكن الأشد تضرراً منه هم أطفال اليابان وفي مواسم محددة، فهذا المرض يصيب الطفل بالحمى واحمرار شديد في الجلد وسقوط أظافر الأصابع، وفي حالات حادة يؤدي إلى أعراض أكثر خطورة مثل انسداد الأوعية القلبية، ولكن مازال العلماء في حيرةٍ من أمرهم حول أسباب هذا المرض المجهول. وهناك عدة نظريات طُرحت حول أسباب المرض، آخرها نظرية نُشرت في مجلة "وقائع الأكاديمية القومية للعلوم" في العدد المنشور في يونيو من العام الجاري من مركز أبحاث مرض كاواساكي(Kawasaki Disease Research Center) في جامعة كاليفورنيا في مدينة سان ديجو، حيث يفيد بأن أعداد المصابين بالمرض يرتفع عندما تهب الرياح من مزارع الحبوب المنتشرة على نطاق واسع في شمال شرق الصين، فهي تـَحْمل معها العديد من الملوثات الكيميائية والحيوية منها نوعاً من الفطريات يُطلق عليه كانديدا(Candida) فتسبب مرض كاواساكي.

وفي السياق نفسه هناك أزمة حادة تسببها الرياح بين بعض الدول مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، حيث إن الرياح تحمل الملوثات الكيميائية الناجمة عن المصانع الصينية فتنقلها إلى المدن اليابانية والكورية الواقعة بالقرب من الحدود الصينية فتمثل تهديداً بيئياً وصحياً للدولتين، مما اضطر هذه الدول بالرغم من وجود عداوات بينهما إلى التعاون لمواجهة خطر هذه الملوثات على الصحة العامة، وذلك من خلال عقد اجتماعات دورية لمناقشة هذه القضية، كان آخرها في 30 أبريل 2014 في مدينة(Daegu) بكوريا الجنوبية.

كذلك تحمل الرياح معها تداعيات الكوارث البيئية التي تقع في بعض دول العالم مثل كارثة تشرنوبيل في أوكرانيا وفوكوشيما في اليابان إلى الكرة الأرضية برمتها عن طريق نقل الملوثات المشعة القاتلة والمسرطنة إلى كل الدول التي تقع في طريق ومسار حركتها، حتى ولو كانت تبعد آلاف الكيلومترات عنها.

ولذلك نجد أن الإنسان ساهم بشكلٍ مباشر في إعطاء دورٍ سلبي للرياح وتحويلها من رياح رحمةٍ وبركة وازدهار إلى رياح نقمةٍ وعذاب وأمراض، وذلك من خلال السماح لآلاف الملوثات الكيميائية والحيوية والفيزيائية من الدخول في الهواء الجوي، ثم قيام الرياح بنقلها من بلدٍ إلى آخر ونزولها إلى الأرض، إِما من خلال المطر والثلج والندى والرطوبة، وإما سقوطها جافة بعد تراكمها مع بعض على شكل جسيمات ثقيلة تنزل على سطح الأرض.


الأربعاء، 2 يوليو 2014

غزو السجائر الالكترونية


تأمل معي هذه الأرقام والإحصائيات العلمية المـَوْثوق بها والمنشورة في مجلة التحكم في التبغ(journal Tobacco Control) في العدد الصادر في يوليو والتي بالفعل تُثير الاستغراب والدهشة والاستفسار، فهذه الإحصاءات تفيد بأنه منذ ولوج السجائر الإلكترونية في الأسواق الأمريكية عام 2007، فإن هناك الآن أكثر من 466 نوعاً من السجائر الإلكترونية التي تُباع مباشرة في الأسواق، أو عن طريق التسوق في بحر الإنْتَرنت، وهذه السجائر تُقدَّم إلى الناس بأكثر من 7764 طعماً ونكهةً ورائحة مختلفة حسب الأذواق والرغبات والميول الأهواء الشخصية المتنوعة، منها النعناع والفواكه بكل أنواعها والشكولاتة والفانيلا والحلويات والقهوة والشاي، وهذه الأرقام من ناحية عدد أنواع السجائر والنكهات الفريدة من نوعها في ازدياد مطرد شهرياً وليس سنوياً!

 

كذلك تأمل معي هذه المعلومات المنشورة في المجلة الأمريكية لطب الأطفال في العدد الصادر في يونيو وفي مجلة الجمعية الأمريكية للقلب(Circulation)، حيث تفيد بأن زهاء 1.78 مليون شاب أمريكي جربوا السجائر الإلكترونية وأن هذا العدد تضاعف خلال عامي 2011 و 2012، إضافة إلى تضاعف العدد بين طلاب المدارس حيث ارتفع من 4.7% في عام 2011 إلى 10% في 2012، وفي بريطانيا أيضاً زاد عدد مدخني السجائر الإلكترونية من 700 ألف عام 2012 إلى 2.1 مليون عام 2013، ولذلك فإن مبيعات السجائر الإلكترونية بلغت قرابة بليونين دولار سنوياً في أمريكا، ونحو عشرة بلايين على المستوى الدولي. وفي المقابل أكدت هذه الدراسات أن مشاهدة دعايات السجائر الإلكترونية زادت بنسبة 256% من عام 2011 إلى 2013.

 

واستناداً إلى هذه الإحصائيات والمعلومات العلمية حول السجائر الإلكترونية، ألا تتفق معي بأن هناك غزواً فعلياً وممنهجاً للسجائر الإلكترونية في مجتمعاتنا؟

 

وهذا الغزو لم يأت عشوائياً وبدون تخطيطٍ وتدبيرٍ عميقين، وإنما تقف وراءه قوى متنفذة وشيطانية ماكرة تعمل ليلاً ونهاراً وبكل ما أوتيت من مكرٍ ودهاءٍ وخبث، وتستخدم كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لنشر هذه الآفة الجديدة بين الشباب وتشجيعهم على الإدمان على استخدامه.

 

فمن الملاحظ أن معظم الشركات المنتجة للسجائر الإلكترونية هي نفسها التي تقوم الآن بإنتاج السجائر التقليدية، وتقوم بتسويقها تحت عدة مبررات وأسباب، فتارةً تَدعي بأن هذه السجائر الإلكترونية أكثر أماناً وأقل ضرراً من الناحيتين الصحية والبيئية على المدخن، وتارةً أخرى تقول بأن هذه السجائر صُممت وأُنتجت من أجل أن يعزف المدخن تدريجياً عن تدخين سجائر التبغ التقليدية، كما أنها أقل ثمناً منها. 

 

وبالنسبة لي شخصياً فإنني لا أصدق كلياً هذه الشركات ولا أثق بما تقول، فهي أصبحت الآن تُردد الاسطوانة القديمة نفسها عندما أدخلت في الأسواق لأول مرة السجائر بشكلٍ عام، ثم بعد أن أَثبت وأَجمع العلماء على ضررها الفادح والمدمر على الصحة والبيئة، كرروا الاسطوانة المشروخة مرة ثانية، ولكن بالنسبة للسجائر "الخفيفة"، أو السجائر "منخفضة القطران"، وقالوا بأنها قليلة الضرر على الصحة، وهكذا عبر التاريخ تأكد كذبهم المستدام، وتلفيقهم المستمر للحقائق والتستر عليها وإخفائها عن عامة الناس.

 

ولذلك وضعت إدارة الغذاء والأدوية الأمريكية في 24 أبريل 2014 نظاماً يُقنن استخدام السجائر الإلكترونية من ناحية الإنتاج، والتوزيع، والتسويق، والإعلان، مثل منع بيعها على الأطفال، ومنها إجبار شركات إنتاج السجائر الإلكترونية على الإعلان عن محتواها، إضافة إلى وضع إعلانات تحذيرية تفيد بأن النيكوتين يسبب الإدمان، وانطلاقاً من هذا النظام الجديد أعلنت 28 ولاية عن منع بيعها على الأطفال.

وإنني على يقين بأن الوقت كفيل بالكشف عن الأسرار الضارة الخفية لهذه البدعة الجديدة في عالم السجائر، وستعلمن نَبَأَهُ بعد حين.

الاثنين، 30 يونيو 2014

الحذر من بِرَكْ السباحة






أتذكر عندما كنت صغيراً، ويشتد بنا القيظ، وترتفع درجات الحرارة فيصب العرق صباً على أجسامنا، أُنشد فأقول: "إن جاء حَرُ الدار رُحنا إلى عذاري سبحنا في المياه"، ولكن اليوم ليس هناك عذاري وماؤها العذب الفرات وبيئتها الصافية والنظيفة والمزدهرة والمتنوعة بالحياة الفطرية الجميلة من نباتاتٍ وحيوانات نادرة الوجود، فليس هناك اليوم سوى برك السباحة الجماعية التي فيها من المخاطر الصحية والبيئية ما يجب التنبيه إليها والحذر منها.


 


فمن المخاطر التي توجد في برك السباحة وتهدد صحتنا هي أولاً الكلورين الذي يضاف إلى الماء للتعقيم والتخلص من الميكروبات والجراثيم المرضية المعدية، فهذا العنصر السام يقتل الجراثيم ويخلصنا من البكتيريا الضارة والقاتلة، إلا أنه في حد ذاته وفي الوقت نفسه يسبب مشكلات صحية أخرى يجب الحذر منها والتنبه إليها. فعنصر أو مركبات الكلورين التي تُوضع في برك السباحة تتفاعل مع المركبات العضوية التي تدخل في برك السباحة من إفرازات جسم الإنسان أثناء السباحة من عرق وبول وأوساخ على الجلد وعلى الشعر، فينتج خليط من الملوثات الكيميائية العضوية المكلورة يزيد عن 600 ملوثٍ عضوي سام وخطر، منها مجموعة من مركبات الفينول التي تحتوي على عنصري الكلورين والبرومين، ومنها عدد كبير من ملوثات الميثان التي تحتوي على أكثر من ذرة من الكلور، ومنها ملوثات عضوية حمضية كأحماض الخليك، وجدير بالذكر أن بعض هذه الملوثات يصنف كمركبات تسبب السرطان للإنسان.


 


ومن المخاطر أيضاً التي تنجم عن عدم الاستخدام السليم لبرك السباحة هي الملوثات الحيوية من جراثيم معدية وبكتيريا ضارة والتي تنتج من الإنسان نفسه، وبالتحديد من الأنف والفم والجلد، فكل هذه المناطق في جسم الإنسان تُعد مصدراً لهذه الكائنات الدقيقة التي تسبب مشكلات صحية خطرة.


 


ولذلك إذا أردنا أن نتمتع بالسباحة في البرك ونستمتع بصيفٍ صحيٍ وجميل، وبخاصة بالنسبة لبرك السباحة الجماعية فعلينا توخي الحذر والأخذ بالأسباب، وهي كما يلي: أولاً وَضْعْ الكلور أو مركباته في برك السباحة بقدرٍ معلوم وبأحجام محددة، أي باتخاذ الوسائل والأدوات العلمية اللازمة لهذا الغرض، فلا زيادة ولا نقصان في كمية الكلور، فالزيادة ضارة وسامة وتسبب الحكة والتهاب العينين والإغماء، والنقصان قاتل ويسبب عدوى مهلكة. وثانياً الاستحمام قبل الدخول في البركة لإزالة الملوثات التي تلتصق بالجسم من عرق وأوساخ ودهون وغيرها من الإفرازات التي تنتج عن الجسم. وثالثاً الامتناع عن التبول أو إدخال أية مواد غريبة في برك السباحة، وتجنب شرب ماء البركة. وأخيراً الاستحمام بعد الخروج لإزالة أية آثار لمواد كيميائية قد التصقت بالجسم.  

الخميس، 26 يونيو 2014

الأراضي المسمومة



بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي، قُمتُ بزيارة للكويت للاطلاع على أكبر كارثة بيئية فريدة من نوعها شهدها التاريخ البشري، ولا أظن بأن الإنسان سيشهد مثل هذه الطامة البيئية الكبرى مرة ثانية.

فقبيل انسحاب الجيش العراقي من الكويت في نهاية شهر فبراير عام 1991، قام بتدمير زهاء 1073 بئراً نفطياً، وحرق أكثر من 737 من هذه الحقول النفطية، وكَوَّن عندئذٍ مشهداً نارياً مرعباً فأضاء مدينة بأكملها في ظلمات الليل السوداء الكالحة، وكأنها مصابيح جبارة ضخمة متناثرة في أطراف الصحراء القاحلة، وهذا المنظر الغريب والمهيب كان يمكن رؤيته بكلِ جلاءٍ ووضوح من مسافاتٍ طويلةٍ على الأرض، بل ومن خلال صور الأقمار الصناعية في أعالي السماء.

فهذا الاحتراق لهذا الكم الهائل من الآبار النفطية خلق مظاهر بيئية ومناخيةلم تكن في الحسبان ولم يفكر بوقوعها إنسٌ ولا جَانْ، فلم ترَ العيون مثلها، ولا سمعت الآذان بها، ولا خطر على قلب بشر، فتداعياتها من تلوث الهواء الجوي بالدخان الأسود والخليط السام والمسرطن من الملوثات بلغت البر والبحر والجو ووصلت إلى مناطق بعيدة جداً تعدت العشرة آلاف كيلومتر، كما كَونَتْ ظاهرة لم ير التاريخ لها مثيلاً وهي ما أُطْلِقَ عليها بالبحيرات أو البرك النفطية التي وصل عددها نحو 246 بحيرة عمقها تراوح بين 5 إلى 30 سنتيمتراً، وغطت مساحة من البر قُدرت بنحو 114 كيلومتراً مربعاً. وفي الوقت نفسه فإن هذه البحيرات كَونتْ ما يُطلق عليه علمياً بالمواقع الملوثة(contaminated land)، أو الأراضي المسمومة، فلوثت التربة وسممت المياه الجوفية وقضت على الحياة الفطرية النباتية والحيوانية.

ومشكلة المواقع الملوثة تحولت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين إلى ظاهرة عالمية خطيرة موجودة في كل دول العالم، ولكن لأسباب متعددة، وبدرجات ومستويات متفاوتة، وأنواع من التلوث تختلف من دولة إلى أخرى، فبعضها مواقع لمصانع أو محطات قديمة لتوليد الكهرباء، وبعضها مواقع لدفن المخلفات، وأخرى محطات أُغلقت للتجارب والأبحاث، أو مواقع لتسربات نفطية وكيميائية.

فقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بحصر هذه المواقع التي بلغت أكثر من 1300 وجعلتها في قائمة واحدة أُطلق عليها بمواقع السوبر فيند(Superfund)، وخصصت مليارات الدولارات لمعالجتها والتخلص من سمومها وإعادتها تدريجياً إلى وضعها الطبيعي خلال المائة سنة القادمة. ومن أشهر هذه المواقع المسمومة والملوثة بالمواد المشعة والتي تعتبر قنابل الدمار الشامل المـَوْقُوتة هي منطقة هانفورد(Hanford Nuclear Reservation) في ولاية واشنطن التي كانت من المواقع السرية في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى لإنتاج أول قنبلة ذرية، والآن تُعد من المواقع الأخطر والأشد تلوثاً على المستوى الدولي، حيث تـُخزن في بطنها في أعماق الأرض نحو 53 مليون جالون من المخلفات شديدة الإشعاع والتي بدأت في التسرب إلى سطح الأرض. وهناك في المقابل المواقع الملوثة بمخلفات الحروب كالحربين العالميتين الأولى والثانية وحرب فيتنام، مثل الذخائر والمعدات المستهلة أو القديمة أو القنابل الكيميائية والحيوية والنووية، فهذه المخلفات مازالت موجودة حتى الآن في بعض المواقع لا يعرف أحد عن مصيرها، وستظل جاثمة فوق صدور الأمريكيين إلى أجلٍ غير مسمى.

وفي الصين فقد أكدت التقارير الحكومية أن قرابة أن 19.4% من الأراضي الزراعية مسمومة بملوثات خطرة تهدد صحة الإنسان والكائنات الفطرية النباتية والحيوانية وهي العناصر الثقيلة مثل الكادميوم والنيكل والزرنيخ والزئبق والملوثات العضوية، ولذلك فهي تدخل ضمن المواقع المسمومة.

وفي الكثير من الدول الأفريقية مواقع ملوثة بالمخلفات الصلبة، وبخاصة المخلفات الإلكترونية الخطرة التي تحتوي على الزئبق والرصاص والكادميوم وغيرها من العناصر السامة التي تُسمم التربة والإنسان والحياة الفطرية.

واليابان اليوم تعاني من أزمة خانقة تهدد حياة الناس، وتتمثل في المواقع التي تسممت بالإشعاع الذي نجم عن انفجار مفاعلات فوكوشيما، إضافة إلى حيرة اليابان في كيفية التعامل مع مئات الآلاف من الأطنان من التربة والحمأة المشعة المخزنة حالياً في بعض المواقع.

ولذلك نجد أن المواقع الملوثة المسمومة أصبحت مشكلة واقعية تُسبب قلقاً شديداً، وهَمَّاً مستداماً للمعنيين من علماء وسياسيين وصُناع القرار، ففي بعض الحالات الحلول الناجعة والسليمة غير موجودة، فلم يتوصل العلم الحديث حتى الآن إلى علاجها وسبل التخلص الآمن منها، ولذلك عليها الانتظار إلى أي يحين موعدها!

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

كيف تُريد لون بَشَرَتك: مشوية، أم مقلية؟






عندما تَذهبْ إلى مطعمٍ خاص لتقديمالستيك، أو شرائح اللحم البقرية، يأتيك النادل ويسألك كيف تريد أن نَطبخ ونُقدم لك الستيك أو شريحة اللحم، فهل ترغب في أن تكون مقلية أم مشوية، وإذا كانت مشوية، فكيف تحبذ أن تكون، مطبوخة قليلاً، أم كثيراً، أم وسط.


 


والآن هذه التساؤلات نفسها قد تُطرح عليك إذا ذهبتَ إلى صالونات التانينج، أو صالونات تغيير لون ومظهر البَشَرة والجلد. فمصطلح التانينج“ مستخلص من عملية الدِباغة، وهي تحويل جلد الحيوان إلى منتجٍ مفيد باستخدام مادة التانين (tannin)، وهي مادة حمضية تُستخرج من الأشجار، وتُعتبر جزءاً من محلول الدباغة القديم.


 


فإذن نحن فعلياً أمام عملية دباغة الجلد، أو دباغة بَشَرة الإنسان، ولكن باستخدام ما يُطلق عليه بأَسِرةْ التانينج(Tanning Beds)، أو ما أُطلق عليه شخصياً بأسرة الدباغة وأسرة المرض والموت، ولكن المادة المستعملة هنا هي المصابيح التي تنبعث منها الأشعة فوق البنفسجية المـُهلكة للإنسان، فتعمل هذه الأشعة الضارة والمـُسرطنة على تحويل لون البشرة حسب الطلب، وبناءً على الرغبة الشخصية، فهناك في القائمة أو "المانيو" البشرة المشوية قليلاً وهي البرونز، وهناك البشرة المطبوخة قليلاً وهي الذهبي الفاتح، وهناك البشرة المطبوخة أو المحمصة كثيراً وهي اللون البني القاتِم وبدرجاته المتفاوتة.


 


ومع الأسف أننا في المشرق نتبع ونلحق ونلهث دون أي تفكير وراء كل "موضة" أو ظاهرة حديثة تُصَدَّر مُعلبة جاهزة إلينا من الغرب، سواء أكانت مفيدة أم ضارة، فاسدة أم مصلحة، خبيثة أم طيبة، تتنافى مع عاداتنا وثقافتنا أم تتماشى معها، فنحن أصبحنا كما وصَفَنَا الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام عندما قال:"لَتَتْبَعُنَّ سنَنَ من قبلكم شِبراً شبراً وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ تَبِعتُموهم، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن".


 


فالغرب هو نفسه الآن يعاني منذ سنوات من تبعات هذه الظاهرة غير الصحية المنتشرة في مجتمعاتهم، ويصرخ بصوتٍ عالٍ من ويلاتها التي شملت الملايين من الناس، وبخاصةٍ المراهقون وصغار السن، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من يقاسي من آلام المرض نتيجة للإسراف الشديد في عملية التانينج أو دباغة الجلد. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال هناك قرابة 30 مليون أمريكي يستخدمون مصابيح الدباغة سنوياً، ونحو مليونين من المراهقين في ريعان الشباب، وأكدت دراسة منشورة في مجلة المعهد الوطني للسرطان في العدد الصادر في مايو من العام الجاري على ارتفاع احتمال إصابة هؤلاء الناس بسرطان الجلد، حيث يموت منهم نحو 9000 أمريكي سنوياً، كما أشار بحث منشور في مجلة أبحاث السرطان البريطانية في أبريل أن حالات الإصابة بسرطان الجلد الآن أعلى من حقبة السبعينيات بخمسة أضعاف، حيث بلغ العدد 13 ألف في السنة مقارنة بـ 1800 في 1975. 


 


كل هذه الإحصاءات المخيفة اضطرت الجهات الحكومية المعنية في الدول الغربية إلى تشديد الرقابة على صالونات التانينج، ووضع أنظمة وإجراءات واضحة تقنن استخدامات أسرة التانينج. فقد أعلنت إدارة الأغذية والدواء الأمريكية في 29 مايو من العام الجاري عن أنظمة أكثر صرامة من قَبْلْ حول عملية دباغة جلد الإنسان، منها إجبار منتجي أسرة الدباغة أو التانينج على وضع تحذيرٍ يُفيد بمنع استخدامها من قبل الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً والمخاطر الصحية التي تنجم عن استعمالها، إضافة إلى التأكد من كمية الأشعة التي يتعرض لها الإنسان، كما رَفَعتْ من درجة خطورة تصنيفها لهذه الأسرة من "منخفضة الخطورة" إلى "متوسطة الخطورة" أو من أجهزة الدرجة الثانية من حيث خطورتها. وعلاوة على هذه الأنظمة الاتحادية الأمريكية، فقد قامت 20 ولاية بسن الأنظمة الخاصة بها، حيث منعت الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة من الدخول في صالونات المرض والموت.


 


ولذلك فنصيحتي الشخصية إلى المواطنين عدم تبني "النموذج والنظرة الغربية للجَمال" وعدم اتخاذ "باربي" قُدْوَة لنا من حيث الأناقة وهيئة الجسم من الطول والعرض، ولون ونوعية الشعر، ولون الجلد، وعرض الخصر، فالجمال أولاً هو جمال الأخلاق والسلوك والمعاملة الرفيعة والأفكار النيرة والسمحة التي يحملها الإنسان ويطبقها في حياته، ثم يأتي جمال الجسم الذي أساسه الحفاظ على صحة وسلامة أعضاء هذا الجسم وتبني كافة الوسائل للعيش بعيداً عن الأمراض والأسقام.