الجمعة، 24 أغسطس 2018

الإرثْ الثقيل الذي لا يعلمه الناس


عامة الناس ينظرون إلى السلاح النووي كالقنبلة الذرية أو الصواريخ ذات الرؤوس النووية بأنها دليل عملي على التقدم والرقي، ومؤشر مشهود على قوة الدولة وتطورها العلمي والتقني، وعامل من عوامل هيبتها ورهبتها وتقدم موقعها العالمي السياسي والعسكري بين دول النادي النووي.

ولكن في الوقت نفسه لا يعلمون، بل ويجهلون كلياً الإرث الثقيل والطامة الكبرى التي تتركها أسلحة الدمار الشامل على المجتمع نفسه وعلى الناس أجمعين لمئات السنين ولجيلٍ بعد جيل، فهذا الإرث العظيم، والعبء الكبير يُثقل الآن كاهل العلماء والمختصين ويقصم ظهورهم، ويُعد بالنسبة لهم كابوساً مرعباً وحلماً كارثياً يجثم على صدورهم كل ليلة.

فصناعة أسلحة الدمار الشامل والدخول في عالم التقنية النووية بشكلٍ عام سواء لأغراض سلمية أو عسكرية تترك وراءها مخلفات نووية مشعة لا يمكن علاجها حتى يومنا هذا بطرق سليمة ومستدامة بيئياً وصحياً، ولا يمكن إدارتها والتحكم فيها بأسلوب علمي يحمي صحة الناس ويرعى في الوقت نفسه مصالح وسلامة مكونات البيئة الحية وغير الحية من ماءٍ وهواءٍ وتربة وحياة فطرية نباتية أو حيوانية.

فالدول الصناعية العريقة الغربية والشرقية التي ولجت منذ العشرينيات من القرن المنصرم في تحديات استعمال التقنية النووية لأغراض سلمية أو عسكرية، وشرعت في القيام بتجارب على إنتاج القنابل الذرية تعاني الأمرين منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا من المخلفات النووية المشعة التي نجمت عن هذه البرامج والأنشطة النووية، وهي وبعد مضي أكثر من 80 عاماً تقف حائرة وعاجزة أمام هذه المخلفات الخطرة والمدمرة للحرث والنسل وأعلنت فشلها الذريع في التوصل لحلولٍ عملية مستدامة، وكل ما قامت به طوال العقود الطويلة الماضية هو دفن وتخزين مخلفات الدمار الشامل هذه في خنادق عميقة تحت الأرض، أو وضعها في بركٍ مائية، أو خزانات حديدية، ثم توريث هذا الكابوس المخيف ونقله للأجيال اللاحقة للتعامل معها!

فالولايات المتحدة الأمريكية ورَّثتْ شعبها جيلاً بعد جيل منطقة مساحتها قرابة الإجمالية 1500 كيلومتر مربع أي أكبر من مساحة البحرين، وتُعرف بمحمية هانفورد النووية( Hanford Nuclear Reservation) بالقرب من مدينة ريشموند بولاية واشنطن، وهي الموقع السري الذي استخدم في الأربعينيات من القرن المنصرم لإنتاج أول قنبلة ذرية وأسلحة نووية أخرى، وهذه المنطقة تُعد من أخطر المواقع على سطح الأرض فهي تحمل في بطنها الآلاف من الأطنان من مخلفات الدمار الشامل والقنابل الذرية الموقوتة المخزنة في براميل أكل عليها الدهر وأضعف قوتها الزمن، فبدأت تتهاوى وتتسرب منها الملوثات الإشعاعية القاتلة، علماً بأن آخر تسرب إشعاعي وقع في 15 فبراير 2013 وأُعلن رسمياً عن حدوثه.

وها هي بريطانيا العظمى تقف يائسة وحائرة أيضاً أمام المخلفات النووية التي تولدت قبل أكثر من 60 عاماً، ومازالت تتراكم في بيئتها، فهي تبحث دون جدوى عن مواقع تصلح لدفنها وتخزيها إلى أجلٍ غير مسمى، حتى أن الحكومة البريطانية أعلنت في 12 أغسطس من العام الجاري بأنها تدرس في دفن وتخزين مخلفات الدمار الشامل النووية تحت أكثر مناطق بريطانيا جمالاً وجذباً للسياح، وهي منطقة البحيرات العظمى(Lake District) في شمال البلاد!

وكوريا الجنوبية التي تولد الكهرباء من أكثر من ثلاثين مفاعلاً نووياً، تستخدم موقعاً خاصاً لتخزين المخلفات المشعة، والآن هي تقاسي من أزمة خانقة حقيقية، فهذا الموقع بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة ويتشبع كلياً من هذه المخلفات، فلا يتحمل أية كمية أخرى تنتج سنوياً من هذه المفاعلات.

وألمانيا ورِثتْ حملاً عصيباً من الأجيال السابقة قرابة 130 ألف برميل من المخلفات المشعة المدفونة تحت الأرض في مناجم ملحية تحت أعماق الأرض، ولا يعلم إلا الله إلى متى ستظل مخزنة هناك، وماذا سيحدث لها في العقود القادمة؟

واليابان لا تختلف في ورطتها عن الدول الصناعية المتقدمة الأخرى فقد انقطعت بها السبل في كيفية إدارة مخلفات الدمار الشامل، إلى درجة أن الحكومة اليابانية أعلنت في 14 أغسطس من العام الجاري بأنها تدرس جميع الخيارات الممكنة، ومنها دفن وتخزين المخلفات النووية المشعة تحت قاع البحر!

فجميع هذه الدول النووية الكبرى نقلت أزمتها الطاحنة ومشكلاتها المستعصية في التعامل مع مخلفات الدمار الشامل النووية إلى الأجيال اللاحقة، وإنني على يقين بأن الجيل الحالي أيضاً سيورث الجيل القادم هذه القضية العصيبة، ولا أدري متى سينتهي هذا الإرث الثقيل؟

الاثنين، 20 أغسطس 2018

تلوث الهواء وقيمة الأراضي، خليج توبلي مثالاً


عندما بدأتْ تنشط حركة تداول العقارات من بيع وشراء في منطقة خليج توبلي في الثمانينيات من القرن المنصرم، كنتُ أتلقى مكالمات هاتفية كثيرة من المواطنين الذين يرغبون في شراء الأراضي، أو المساكن والفلل الجاهزة في تلك المنطقة، وكان هؤلاء المواطنون يريدون أخذ مشورتي ورأيي في شراء العقار في خليج توبلي.

فلماذا إذن يتصل بي هؤلاء المواطنين؟

فأنا لستُ خبيراً في بيع العقارات، ولست متبحراً في أسعار الأراضي في مناطق البحرين المختلفة، فهذه المهنة ليست مهنتي وبضاعتي مُزْجاة في هذا المجال الاقتصادي المتخصص، ولا أعلم عنها إلا القليل غير النافع للناس، وليست لدي خبرة ميدانية عملية فيها، فلماذا هذه الاتصالات المتكررة والمستمرة من الناس ليستشيرونني عند رغبتهم في شراء العقار في خليج توبلي بالتحديد؟

فمشكلة السكن في منطقة خليج توبلي ذي شقين مرتبطين، الأول هو الشق البيئي والثاني هو الشق الصحي الذي ينجم من تدهور البيئة، وبالتحديد الهواء الجوي في تلك المنطقة. فالجميع يعلم بأن هناك مصدراً كبيراً لتلوث الهواء في خليج توبلي وهو وجود أكبر محطة معالجة لمياه المجاري، ومن طبيعية هذا المحطة، مهما فعلنا واتخذنا من احتياطات وإجراءات بيئية وتقنية، فإن هناك روائح عفنة ونتنة تنبعث منها لأنها تتعامل مع مياه المجاري الآسنة.

فعملية معالجة مياه الصرف الصحي أو مياه المجاري تنطلق منها ملوثات سامة كثيرة، ومن سوء حظ الساكنين في تلك المنطقة إن هذه الملوثات لها روائح كريهة تؤذي الإنسان عن بعد ولا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها، مثل كبريتيد الهيدروجين الحمضي والأمونيا القاعدي، إضافة إلى أن هذه الملوثات لها خصائص حمضية وقلوية، أي انها شديدة التأثير على المواد وعلى الأجهزة التي يستخدمها الإنسان في منزله كالمكيفات وتؤدي إلى تلفها وخرابها بشكلٍ سريع، علاوة على أضرارها المزمنة على صحة الساكنين في المنطقة.

فوجود هذا العامل البيئي الصحي والمصدر الواضح للعيان لتلوث الهواء الجوي جعل الناس يفكرون ملياً قبل شراء أي عقار في المنطقة، بل وإن الكثير منهم صرف النظر عن شراء قطعة أرض أو منزل جاهز في هذه المنطقة الملوثة.

وعلاوة على وجود محطة المجاري كمصدر للتلوث، كانت هناك آلاف الأطنان من حمأة مياه المجاري، وهي المخلفات شبه الصلبة التي تنجم عن معالجة مياه المجاري، التي كانت ترمى في سواحل خليج توبلي فتتحلل مع الوقت حيوياً وكيميائياً وطبيعياً وتنبعث عنها أيضاً ملوثات خطرة روائحها يشمها الإنسان من على بعد كيلومترات طويلة.

فوجود هذا العامل البيئي والصحي جعل البعض يعزف عن الشراء في المنطقة، كما أدى مع الوقت إلى انخفاض أسعار العقار. وهذه الظاهرة المتمثلة في انخفاض أسعار العقارات بشكلٍ عام بسبب التلوث وتدهور صحة البيئة، بدأت تنتشر في كل دول العالم نتيجة لتفاقم مشكلة تلوث الهواء في المدن وتأثيرها المباشر على الصحة العامة والكوارث البيئية التي وقعت عبر التاريخ المعاصر بسبب التلوث، وبخاصة في المناطق الساخنة التي توجد بها مصادر واضحة للتلوث كالمطارات، والمصانع، ومحطات معالجة مياه المجاري، والشوارع المكتظة بالسيارات ووسائل النقل الأخرى، ومحطات الحافلات، ومواقع أبراج الاتصالات، ومواقع دفن المخلفات الصلبة البلدية والصناعية، كما أن ارتفاع وعي الناس في السنوات الأخيرة بالأضرار الصحية التي يعاني منها الإنسان عندما يعيش في بيئة ملوثة وبالقرب من مصادر التلوث، إضافة إلى ازدياد اهتمامهم وإدراكهم بانعكاسات تلوث الهواء، أدى إلى هروبهم من شراء أي عقار في هذه المناطق المشبوهة بالملوثات.

وقد نشرت صحيفة بريطانية مؤخراً تحقيقاً أكدت فيه بأن التلوث يخفض من أسعار العقارات في المنطقة بنسبة تصل إلى 15%،وأن الناس بدأوا يسألون أولاً عن جودة الهواء في المنطقة التي يريدون شراء أي منزل فيها ويستفسرون عن وجود مصادر لتلوث الهواء بالقرب منه، مما أضطر الآن شركات العقار الكبرى إلى شراء برامج بيئية متطورة ومكلفة تُقدم معلومات عن نوعية الهواء في مناطق المدن وتركيز ونسبة الملوثات في كل منطقة.     

ولذلك نجد أنه لأول مرة في تاريخ البشرية يصبح العامل البيئي المتعلق بوجود الملوثات السامة والخطرة ووجود مصادر التلوث بشكلٍ عام، محركاً لسوق العقار، ومسيطراً على الأسعار، ومتحكماً فيها نزولاً أو صعوداً.

الخميس، 16 أغسطس 2018

سجناء يجرون أبحاثاً علمية!


هناك ظواهر كونية عظيمة نراها أمامنا ونشاهدها كل يوم، أو مرة كل سنة، وهذه الظواهر الكونية والآيات الربانية الغريبة والعجيبة ذات الأسرار المكنونة والألغاز الحائرة، ألهمت العلماء وأثارت عند الباحثين فضول سبر غورها والدخول في أعماقها، وفك خيوط خفاياها ومدلولاتها، وإيجاد تطبيقات عملية واختراعات تستفيد منها البشرية عامة.

ومن أشهر هذه المظاهر وأكثرها عجباً ودهشة للعلماء والمفكرين هجرة الفراشات الجماعية المليونيرة في رحلة ماراثونية تزيد عن 4000كيلومتر من الجو البارد في شمال الولايات المتحدة الأمريكية إلى جنوبها، وبالتحديد من كندا ومن الولايات الشمالية الشرقية أو الشمالية الغربية لأمريكا إلى دفء دولة المكسيك جنوباً في وسط غاباتأشجار التنوب أو الراتين وهي من أنواع الصنوبر المعروفة، أي أن هذه الحشرة الطائرة الضعيفة والصغيرة الحجم والوزن تقطع بفطرتها وغريزتها التي خلقها الله عليها، دون أن تكل أو تتعب أو تمل رحلة سنوية، كرحلة الشتاء والصيف، طولها قرابة أربعة أضعاف المسافة من البحرين إلى مكة المكرمة!

وقد أراد أحد العلماء من جامعة ولاية واشنطن في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية التعرف عن كثب على ظاهرة هجرة هذه الفراشات من ولاية واشنطن حيث موطنها الأصلي إلى الولايات جنوب واشنطن وصولاً إلى موقعها التي تحط فيها رحالها مؤقتاً في المكسيك قبل رجوعها مرة ثانية في رحلة الإياب، ومثل هذه الدراسات الميدانية التي تستلزم مراقبة ومتابعة الملايين من هذه الفراشات في رحلتها الطويلة تُعتبر عملية مرهقة ومكلفة جداً، وتحتاج في الوقت نفسه إلى ميزانية ضخمة للقيام بها، كما تحتاج إلى الآلاف من الأيدي العاملة من علماء وفنيين ومتطوعين لدراسة دورة حياة هذه الفراشات من ولاية واشنطن إلى المكسيك.

ولذلك فكَّر هذا الأستاذ الجامعي وفريقه البحثي من جامعة ولاية واشنطن في فئةٍ من أفراد المجتمع لديها كل الوقت، بل وليس لديها أي عملٍ تقوم به، وفي الوقت نفسه الاستعانة والاستفادة من هذه الفئة لإجراء هذا البحث العلمي الميداني الطويل والشاق لا يكلفهم مالياً دولاراً واحداً!

هذه الفئة هم القابعون في السجون، وبعضهم محكوم عليهم بالسجن المؤبد أو لسنوات عجاف طويلة، فالوقت متوفر وكثير، والفراغ طويل وقاتل، والأيدي العاملة كبيرة وبدون أية كلفة، إضافة إلى إشغال هؤلاء السجناء في عمل اجتماعي بحثي يشغل فراغهم في عمل مفيد ومثمر، ويقوي عزيمتهم، ويحرك فكرهم، ويؤثر إيجابياً على نفسياتهم، حيث قام الفريق الجامعي بزيارة خاصة إلى مديري سجن والا والا(Walla Walla) في ولاية واشنطن، وعرض فكرة المشروع عليهم وطلب تعاون الجميع للقيام بمهمات محددة تصب في أهداف هذا البحث، وبالتحديد إنشاء مزرعة صغيرة لإكثار الفراش في جميع مراحل حياتهم، ووضع ملصقٍ خفيف جداً تحت الجناح من أجل المراقبة والمتابعة والتعرف على سير الرحلة من ولاية واشنطن ثم جنوباً إلى ولايتي إيداهووأوريجن ومروراً بولاية كاليفورنيا ونيفادا ووصولاً إلى المكسيك، ثم قيام السجناء بأيديهم بإطلاق هذه الفراشات التي قاموا برعايتها وإكثارها في وقت معين من السنة إلى البيئة الخارجية. وبالفعل لاقى المشروع استحساناً من المسؤولين في السجن وبدأ بداية موفقة وناجحة، حيث تم بالفعل بعد أشهر من العمل الجاد الدؤوب والطويل من السجناء بإطلاق سراح الدفعة الأولى المكونة من الآلاف من هذه الفراشات من نوع فراشة الملكة في12 يوليو 2018.

فمثل هذه المشاريع البحثية الاجتماعية الرائدة لها مردودات عظيمة تنعكس على المجتمع برمته من جميع النواحي وتضرب عصفورين بحجرٍ واحد. أما من الناحية البيئية العلمية فمراقبة ومتابعة سلامة هذه الكائنات الفطرية الحية المهاجرة عبر الحدود الجغرافية سواء الطيور في أعالي السماء، أو الكائنات البرية في الصحاري والغابات، أو الأحياء البحرية في أعماق المحيطات، مهمة جداً كمؤشر على سلامة الكرة الأرضية ودليل دامغ ميداني على صحة كوكبنا،  فمشاهدة هذه الدورة السنوية والهجرة الجماعية في وقتها وفي مكانها، دون أي تأخير أو تقديم في الموعد يؤكد للإنسان أن النظام البيئي الكوني يعمل بشكلٍ سليم وفاعل، ويثبت لنا جميعاً أن كوكبنا لا يعاني من خللٍ في التوازن أو من أية أعراضٍ مرضية عابرة أو مزمنة.  

وأما من الناحية الاجتماعية فتدريب بعض فئات المجتمع، سواء الذين يقضون وقتاً في السجون، أو غيرهم على المشاركة الفاعلة في البحث العلمي وإجراء الدراسات عامة، وبخاصة في مجال التفكير في مخلوقات الله، والتدبر في إبداع خلقه، والتأمل في أسرار الظواهر الكونية المرئية، تزيد من إيمان الإنسان بربه، وتقوي عقيدته، وتثير عنده دائماً روح البحث والاكتشاف، وتنمي في نفسه القدرات الذهنية والعقلية والرغبة في الإبداع والتطوير.

السبت، 11 أغسطس 2018

هل قضية التغير المناخي تَهُم المواطن البحريني؟


أُصنفُ المشكلات والقضايا البيئية إلى ثلاثة أقسام رئيسة حسب تأثيراتها الجغرافية، وحدود أضرارها على الناس والحياة الفطرية، فهناك قضايا محلية وطنية، أي أن تأثيراتها السلبية تقع عادة على البيئة المحلية وعلى الناس الذين يعيشون في تلك المنطقة، كظاهرة الإثراء الغذائي أو تغير لون المسطحات المائية إلى اللون الأحمر الفاقع أو الأخضر الداكن، أو ظاهرة انقراض الأحياء وفقدان التنوع الحيوي، وهناك مشكلات إقليمية تمتد أيادي أضرارها على منطقة جغرافية أوسع تشمل في بعض الحالات عدة دول كظاهرة الضباب الضوئي الكيميائي والمطر الحمضي، وفي المقابل هناك قضايا بيئية دولية تغطي تأثيراتها الخطرة كل دول العالم وعلى كوكبنا عامة من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، فلا تُستثني أية بقعة صغيرة أم كبيرة، بعيدة أم قريبة، غنية أم فقيرة، متقدمة أم نامية من تداعياتها المهددة لصحة وأمن كوكبنا وكل من يعيش عليها، مثل انخفاض غاز الأوزون في طبقة الأوزون العلوية التي تحمينا من شرور الأشعة البنفسجية المهلكة للحرث والنسل.

 

كذلك هناك القضية الدولية التي شغلت دول العالم منذ أكثر من خمسين عاماً، ومازالت تراوح في مكانها، فلا يعلم رجال السياسة والبيئة كيفية التعامل معها وخفض بصماتها التي تركتها منذ عقود على البيئة والإنسان والكائنات الحية، وهي قضية التغير المناخي، أو ما يُطلق عليه أيضاً بالاحتباس الحراري، أو قضية سخونة الأرض، أو ظاهرة البيت الزجاجي.

 

فالمجتمع الدولي، ممثلاً في منظمات الأمم المتحدة المعنية، يحاول منذ قمة الأرض، أو مؤتمر البيئة والتنمية في ريو دي جانيروا في البرازيل في عام 1992 أن يضح حلولاً دولية مشتركة فاعلة وملزمة للتصدي بشكلٍ جماعي لهذه القضية العالمية التي تُسهم كل دولة، ويسهم كل إنسان وكل حيوان وكل نبات في وجودها وتفاقمها، ولكن هذه الحلول ومنذ ذلك الوقت تفشل في كل محاولة تقوم بها الدول، فمازلنا على حالنا ووضعنا الذي بدأنا فيه عام 1992 فندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.

 

فهل لهذه القضية الدولية المعقدة علاقة بالمواطن البحريني الذي يعيش في جزرٍ صغيرة بالقرب من سطح البحر؟ وهل يتضرر المواطن من مردودات التغير المناخي على المستوى الدولي؟ 

 

لا أريد هنا أن أَلجَ في التفاصيل العلمية المعقدة لهذه القضية، ولكن من أجل التبسيط فإن الإنسان عندما يفتح الكهرباء في منزله، أو مكتبه، أو في مكان عمله، وعندما يشغل سيارته، أو يركب الطائرة، وعندما يستخدم الثلاجات والمكيفات فإنه يطلق ملوثات كثيرة ومتنوعة، على رأسها ثاني أكسيد الكربون، ثم غاز الميثان وأكاسيد النيتروجين، إضافة إلى مركبات الفلورو كلورو كربون والمعروفة بالـ سِي إِف سي، وهذه الملوثات وغيرها تؤدي في نهاية المطاف إلى رفع درجة حرارة الأرض، ولهذا الارتفاع في درجة حرارة كوكبنا تداعيات كثيرة بيئية، وصحية، واجتماعية، واقتصادية تنعكس على كل كائن حي يعيش فوق سطح الأرض.

 

وأول هذه التداعيات وأشدها تهديداً لأمن الإنسان واستدامة وجوده على سطح الأرض هو ارتفاع مستوى سطح البحر الذي ينجم عن ذوبان الثلوج وتمدد وتوسع المحيطات. فهذا الارتفاع في مستوى سطح البحر، مهما كان صغيراً فإنه يؤثر على المنشآت والمرافق الساحلية التي بنيناها بأيدينا سنواتٍ طويلة وسهرنا عقوداً لإنشائها، وقد يكون التأثير تدميراً شاملاً كاملاً لكل هذه المرافق التنموية.

 

ونحن في البحرين، وكل مواطن يعيش على هذه الأرض الطيبة عليه أن يهتم شخصياً بهذه القضية الأمنية البحتة، ويُسهم على المستوى الفردي والجماعي في علاجها ومكافحتها بكل ما أوتي من وسائل وإمكانات لحماية هذه المكتسبات الوطنية التنموية الساحلية من جهة وحماية أنفسنا وأولادنا من كارثة ارتفاع مستوى سطح البحر.

 

فالبحرين مجموعة من أكثر من 36 جزيرة صغيرة منخفضة السطح، وجزء كبير من مساحة البحرين التي بلغت الآن حسب المخطط الهيكلي الاستراتيجي لعام 2016، 934 كيلومتراً مربعاً، يُعد مساحات ساحلية مدفونة من جسم البحر ووصلت إلى قرابة 290 كيلومتراً مربعاً، مما يعني أن كل المنتجعات والمرافق السياحية والصناعية والسكنية التي شيدناها حديثاً وأنفقنا عليها الملايين من الدنانير على السواحل المدفونة ستكون هي الأشد تنكيلاً وضرراً من تداعيات التغير المناخي وارتفاع مستوى سطح البحر، إضافة إلى التأثيرات التي سيعاني منها الناس الذين يعيشون في هذه المناطق الساحلية المدفونة بشكلٍ مباشر.

 

أما درجة التأثير ومستوى الضرر والمساحة من اليابسة التي ستغمرها هذه المياه نتيجة للتغير المناخي، فتعتمد على مستوى ارتفاع سطح البحر، وهناك العديد من الدراسات التي قامت بمحاولة وضع "أرقام" لمستوى الارتفاع حسب التقديرات الحسابية، ولكن مهما كان مستوى الارتفاع، ولو كان قليلاً، فعلينا الأخذ من اليوم بسياسة "الوقاية خير من العلاج"، أو المبدأ "الاحترازي" المبني على سياسة منع وتجنب الضرر قبل وقوعه واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لذلك، سواء من خلال سن التشريعات والقوانين المتعلقة بتحديد مصادر تلوث الهواء وخفض انبعاث الملوثات منها، أو من خلال وضع البرامج التنفيذية لتفعيل هذه القوانين على المستوى الحكومي الرسمي، أو على مستوى الجمعيات الأهلية الطوعية.

 

فالضرر قادم لا محالة، عاجلاً أم آجلاً. 

السبت، 4 أغسطس 2018

ما قصة التسمم بغاز الأعصاب في بريطانيا؟


أتذكر عندما كنتُ طالباً في بريطانيا في الفترة من عام 1980 إلى 1984 أنني مررتُ أثناء جولاتي السياحية في مدن وقرى بريطانية في الإجازات الرسمية التي تُغلق فيها الجامعة أبوابها على هذه المدينة الوادعة الهادئة التي لم يسمع عنها الكثير من الناس عندما يزورون بريطانيا، وهي مدينة سالزبيري(Salisbury) الصغيرة الآمنة البعيدة عن صغب وإزعاج المدن الكبيرة والتي تقع نحو 145 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة لندن.

 

والآن فجأة نجد أن الأضواء المحلية والدولية تتجه مباشرة نحو هذه المدينة الوادعة وتصبح محط أنظار العالم، بحيث إن وسائل الإعلام من مختلف دول العالم شدَّت رحالها بسرعة شديدة للسفر إليها ونقل أخبارها فوراً وبدون أي تأخير، فقد وقع أمر جلل عصيب يحتاج إلى هذه التغطية الإعلامية المباشرة من موقع الحدث، ففي الرابع من مارس من العام الجاري تم العثور على رجلٍ روسي وابنته غائبين عن الوعي على كرسي في حديقة عامة في هذه المدينة، وبعد التحقيق الشامل والدقيق تبين بأن الرجل هو سيرجي سكريبال ضابط المخابرات الروسي السابق الذي يعيش في بريطانيا، وأن سبب فقدانه الوعي هو تعرضه لقنبلة كيميائية "فردية"، أي مخصصة لعمليات اغتيال الأفراد، وهذه القنبلة تعرف بـ نوفيشوك(Novichok)، أو بمعنى "القَادِمْ الجديد" باللغة الروسية، وهي نوع من أنواع القنابل الكيميائية ومجموعة من غازات الأعصاب التي تمثل الجيل الرابع منها، حيث طور الاتحاد السوفيتي سابقاً سلاح الدمار الشامل هذا في الفترة من 1971 إلى 1993 أثناء الحرب الباردة، ولم تستخدم قط هذه القنابل الفتاكة والمدمرة بعد إنتاجها في أية عملية عسكرية، فطوى عليها الزمن، ووضعتْ في أرشيف الأسلحة الكيماوية، ونساها العلماء والناس.

 

وبعد اكتشاف البريطانيين لهذه المعلومات حول حادثة الاغتيال، توترت العلاقات بين بريطانيا وروسيا وتمثلت في الطرد الجماعي للدبلوماسيين الرُوس من بريطانيا ودول أوروبية أخرى، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم تنته هذه الحادثة عند هذا الحد، فبعد أربعة أشهر وبالتحديد في الثلاثين من يونيو وقعت حادثة مطابقة لرجلٍ وامرأة من بريطانيا في منطقة(Amesbury) التي تبعد قرابة 13 كيلومتراً من موقع الحادثة الأولى، حيث توفت المرأة في الثامن من يوليو نتيجة للتسمم من هذه القنبلة الكيميائية نفسها، وبعد البحث عن السبب ومصدر هذه القنبلة، أكد المحققون في 14 يوليو على أنهم حصلوا على عبوة زجاجية صغيرة للعطور تحتوي على هذه القنبلة الكيميائية في منزل الضحية البريطاني.

 

وهذه الواقعة المخيفة التي تُلقي الفزع والهلع في قلوب الشعوب في كل أنحاء العالم من انعدام الأمن والاستقرار للأفراد من جهة والشعوب من جهةٍ أخرى، أحيت في ذاكرتنا من جديد اغتيال العميل السوفيتي ألكسندر ليفينينكو في 16 أكتوبر 2006 في بريطانيا باستخدام قنبلة فردية مشعة هي بولونيوم(210).

 

فمثل هذه الإعدامات التي لا رادع لها باستخدام القنابل الكيميائية في وضح النهار وأمام أعين العالم، تؤكد لي بأنه بالرغم من وجود الاتفاقيات الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة الكيميائية في الأغراض العسكرية وغير العسكرية وعلى رأسها بروتوكول جنيف لعام 1925، إلا أننا حتى يومنا هذا نرى أمامنا استخدام بعض الدول والأفراد الإرهابيين لسلاح الدمار الشامل، إما على المستوى الفردي لعمليات الاغتيال كما ذكرنا، أو لتدمير وفناء الشعوب.

 

فالمثال الحي الذي لن يغيب عن ذاكرة أحد لسنواتٍ طويلة قادمة، وشاهد كل إنسان يعيش على وجه الأرض تفاصيله المدمرة الحزينة، وصوره الكئيبة المهلكة للحرث والنسل على شاشات التلفاز ووسائل الاتصال الاجتماعي هو استخدام الأسد منذ عام 2012 لسلاح الدمار الشامل من غاز الكلور السام الذي استخدم أولاً في الحرب العالمية الأولى إلى غاز الأعصاب المعروف بالسارين. ومع سكوت دول العالم عن جرائم الإبادة الجماعية للشعب السوري وعدم وجود أي رادع قوي وفاعل ومؤثر لهذه المجازر البشرية، فقد تمادى واستمر الأسد في تعديه على "الخط الأحمر" الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق أوباما وغيره من زعماء الغرب، واستخدام مراراً وتكراراً وبدون أي خجل أو تردد هذا النوع الممنوع دولياً من السلاح حتى يومنا هذا.

 

وفي الحقيقة واستناداً إلى ما أراه أمامي يومياً من أحداث على الساحة الدولية، فإنني قد فقدت ثقتي وتزعزع إيماني بما يُطلق عليه بالمجتمع الدولي، ممثلاً في الأمم المتحدة وعلى رأسها مجلس الأمن في حماية الشعوب أفراداً وجماعات والوقوف مع المظلومين، فالدول الكبرى لا تعترف نفسها بالتشريعات الدولية التي تشارك هي في صياغتها ووضعها ثم التوقيع والمصادقة عليها، فهي تضع هذه التشريعات لاستغلالها عند الحاجة إليها فقط لتنفيذ مآربها وأهدافها الخاصة بها وفي حالة عدم تعارضها مع مصالحها وأهوائها.