الخميس، 20 سبتمبر 2018

الإدارة اليتيمة


هذا الطفل الصغير الضعيف وُلد يتيماً ووحيداً، فلم يجد أحداً يهتم به ويرعاه من أعماق قلبه وبكل إخلاصٍ وعطفٍ وحنان، فانتقل من ملجأ للأيتام إلى آخر، ومن حضن يأويه إلى آخر، فلم يشعر بالاستقرار منذ ولادته في بيتٍ واحد ومع أسرة واحدة لا تتغير، ولم يحصل منذ أن ولج إلى الحياة الدنيا على ملاذٍ آمن ودافئ ودائم، فيكبر فيه، ويترعرع تحت ظله بشكلٍ طبيعي وسليم ومستدام.

فوضع هذا الطفل اليتيم ينطبق على وضع بعض الإدارات عندنا، كإدارة الثروة السمكية. فهذه الإدارة منذ أن وطأت قدماه أرض الدنيا في الستينيات من القرن المنصرم، فتحت عينيها وهي تحت مسمى "مكتب الثروة السمكية" التابع لوزارة الخدمات الهندسية، فهي إذن وُلدت وتعاني من ضعفٍ جسدي وهوانٍ عضوي.

وبعد سنواتٍ من بقائه في هذا الملجأ الإداري انتقل هذا المكتب الصغير في السبعينيات من القرن العشرين إلى دارٍ آخر جديد هو وزارة المالية، فلم يلبث هناك فترة طويلة ليحس بالأمان والاستقرار والراحة الجسدية والنفسية فيتمكن من العطاء والإنتاج، فنُقل بعد أن كبر في السن قليلاً إلى وزارة التجارة والزراعة تحت مسمى "إدارة الثروة السمكية"، ثم شاءت الأقدار والظروف أن يُرحل إلى ملاذٍ آخر هو وزارة الأشغال والزراعة التي لم تتمكن من تبنيه طويلاً فنُقل إلى وزارة الإسكان والزراعة.

ويا ليت حال هذا الطفل اليتيم ووضعه بقيا عند هذا الحد لكي ينعم بالاستقرار النفسي والجسدي، ففي عام 2002 تغير اسمه إلى "إدارة الثروة البحرية" ونُقل إلى ملجأ جديد لم يُعرف من قبل هو "الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية"، فاستمر في هذا الملجأ فترة قصيرة ولم يستقر فيه فأُلحق بعد ذلك وبالتحديد في عام 2012 بوزارة الأشغال وشؤون البلديات والتخطيط العمراني، وأخيراً الآن وصل به المطاف ليكون ضيفاً على وزارة شؤون البلديات والتخطيط العمراني. 

وهكذا نرى أمامنا وبكل وضوح الوضع الإداري والتنظيمي وتغير تبعية هذه الجهة المعنية بإدارة وتنظيم هذا المورد الحيوي الفطري غير الناضب والمتجدد المتمثل في الموارد البحرية الغنية والثروة السمكية الثرية، فكيف سيكون وضع هذه الثروة البحرية الطبيعية التي أنعمها الله علينا إذا كان هذا هو حال الإدارة المعنية بالاهتمام بهذه الثروة وصيانتها ورعايتها لنا وللأجيال اللاحقة؟

والجواب تشاهدونه أمامكم!     



الأحد، 16 سبتمبر 2018

العميل البرتقالي يُبعثْ من جديد


عندما أتحدثُ هنا معكم عن "العميل البرتقالي" فإنني أتكلم عن صفحةٍ سوداء مظلمة من التاريخ المعاصر، وبالتحديد أثناء الغزو الأمريكي لفيتنام في الستينيات من القرن المنصرم، أي قبل أكثر من 60 عاماً، ومن المفروض أن هذه الصفحة العصيبة قد أُغلقت وطُويت، وتحولت سيرتها إلى كتب التاريخ وملفات الأرشيف القديم، فمن الذي أحيا هذا الجزء المؤلم من التاريخ مرة ثانية وهي رَمِيمْ؟


ومن الذي بعث "العميل البرتقالي" من قبره من جديد؟


 


وفي الحقيقة هناك حوادث وكوارث تاريخية بسبب انعكاساتها الشديدة المتغلغلة في قلب المجتمعات عبر الأجيال، فإنها لا تموت أبداً وتنبض دائماً بالحياة، فتبقى خالدة مخلدة ومنقوشة في ذاكرة البشرية، ومحفورة بعمق في تاريخها الطويل، فكلما طوى عليها الدهر وحسبناها اندثرت ودفنت تحت الثرى، جاءت حوادث تحيي آثارها مرة أخرى وتُجدد ذكراها وآلامها أمام الناس، ومن هذه الحوادث التاريخية الكرب البيئي الصحي العظيم الذي نزل على الشعبين الفيتنامي والأمريكي أثناء وبعد الحرب الأمريكية الفيتنامية.


 


والعميل البرتقالي هو أحد مشاهد ووقائع هذه الطامة الكبرى التي لا ولن تغيب عن الذاكرة أبد الدهر، والذي أحياه اليوم من جديد وبَعَثهُ من مدفنه في كتب التاريخ المعاصر هو الخبر الذي نقله بعض الصحف في 31 أغسطس من العام الجاري تحت عنوان:"فيتنام تُطالب شركة مُونْسانتو الأمريكية العملاقة دفع تعويضات لضحايا العميل البرتقالي"، علماً بأن الصليب الأحمر الفيتنامي أعلن مؤخراً بأن هناك أكثر من ثلاثة ملايين فيتنامي سقطوا ضحايا لهذا العميل القاتل.


 


فالعميل البرتقالي المتهم هنا بارتكاب المجازر البشرية وإسقاط الضحايا من الشعب الفيتنامي والشعوب الأخرى، ليس بشراً وإنساناً يمشي على الأرض فيمكن محاسبته ومعاقبته على ما ارتكبته يداه، وإنما هو مبيد قاتل ومدمر للأعشاب والغطاء النباتي بشكلٍ عام، فقد أجرتْ شركة مونسانتو في مطلع الستينيات من القرن المنصرم بتكليفٍ من الجيش الأمريكي تجارب في غاية السرية والخطورة تهدف إلى إنتاج "سلاح"ٍ فتاك ومهلك للحَرْث والزرع ليقضي على الأعشاب والحشائش الطويلة والغابات التي يختبئ فيها المقاتل الفيتنامي فيمكن بعد ذلك مشاهدته ومراقبته وقتله، وبالفعل نجحت الشركة في تصنيع هذا السلاح المبيد للبشر والحجر والزرع، فنُقل مباشرة إلى ساحة القتال في براميل عليها علامات وخطوط بألوان مختلفة، منها اللون البرتقالي، فأُطلق منذ ذلك الوقت عليه بالعميل البرتقالي، ويُعرف حتى يومنا هذا تحت هذا المسمى.


 


وقد نفذ الجيش الأمريكي بدءاً من عام 1961حتى عام 1971 عملية عسكرية أَطلق عليها (Operation Ranch Hand) واستخدم طائرات خاصة للرش من السماء العليا هذه الأحجام الهائلة من الأمطار الصَرْصَر العاتية على رؤوس الشعب الفيتنامي الجنوبي، وغطت مساحات شاسعة من الغابات بلغت عشرات الآلاف من الكيلومترات المربعة، فلوث مبيد الدمار الشامل البر والماء والهواء والإنسان والشجر، فدخل مع الوقت إلى كل جزءٍ صغيرٍ أو كبيرٍ من مكونات البيئة الحية وغير الحية حتى وصل في نهاية المطاف بشكلٍ مباشر وغير مباشر إلى أعضاء جسم الإنسان، فمنهم من قضى نحبه وسقط فوراً صريعاً يقاسي من سمية هذا المبيد، ومنهم من نزل به المرض المزمن فأصبح يعاني طوال حياته من السقم والإعاقات الجسدية والتشوهات الخَلقية والعلل العقلية والنفسية. 


 


فهذا المبيد والمركبات الخطرة الموجودة فيه، وبالتحديد مجموعة المركبات القاتلة المعروفة بالديكسين، لم تُعرِّض الشعب الفيتنامي فقط للمخاطر البيئية والصحية، وإنما هدد حياة الملايين من الأمريكيين أنفسهم ومن اليابانيين والفلبينيين والكوريين من الذين عملوا وتعاونوا مع الجيش الأمريكي وتعاملوا بطريقةٍ أو بأخرى مع هذا العميل البرتقالي، فمنهم من قام بحمل براميل العميل البرتقالي إلى الطائرات، ومنهم من فتح هذه البراميل، ومنهم من قام برش المبيد من الطائرة، ومنهم من أفرغ البراميل الفارغة، ومنهم من حملها إلى الشاحنات، ومنهم من قام بتخزينها، ومنهم من قام بدفن هذه البراميل، فكل هؤلاء البشر كانوا فريسة سهلة وقعت ضحية لهذا المبيد.


 

وجدير بالذكر أن الشكوى ضد شركة مونسانتو أو الحكومة الأمريكية ممثلة في وزارة الدفاع ليست جديدة وليست من الفيتناميين فحسب، وإنما رفع عشرات الآلاف من المحاربين الأمريكيين القدامى الذي شاركوا في حرب فيتنام دعاوى قضائية ضد البنتاجون بسبب الأمراض والعاهات والإعاقات الجسدية والعقلية والنفسية التي تعرضوا لها أثناء الحرب، وبالتحديد نتيجة لاستخدامهم لهذا العميل البرتقالي، فعلى سبيل المثال، في 18 يونيو 2015 وبعد سنوات عجاف طويلة من المعارك القضائية وافقت الحكومة الأمريكية على تعويض 2100 أمريكي كانوا يعملون في السلاح الجوي ويتعاملون مع براميل العميل البرتقالي سواء بفتحها أو نقلها أو تخزينها أو رشها، سواء الذين كانوا في قواعد عسكرية داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو الجنود الذين كانوا في ساحات القتال، والتعويض المالي بلغ 47.5 مليون دولار.

 

وهكذا نجد بأن هذا العميل الأمريكي لن يموت، وسيظل في ذاكرة الناس، وسيظل حلماً مرعباً وكابوساً ثقيلاً سيجثم فوق رؤوس الحكومة الأمريكية ويطاردهم بين الحين والآخر.

 

الخميس، 13 سبتمبر 2018

كيف يدخل الرصاص إلى مياه الشرب؟


من حُسن الحظ والتخطيط أننا في البحرين قد تخلصنا كلياً من أنابيب الرصاص السامة التي كانت تُستخدم لنقل وتوزيع المياه من محطات إنتاج مياه الشرب إلى المنازل والشقق، فهي تُعد من مصادر تلوث المياه والبيئة بشكلٍ عام وأحد مصادر الأمراض المزمنة للأطفال بشكلٍ خاص، ومن سوء حظ شعوب بعض الدول الأخرى المشهود لها بأنها صناعية ومتقدمة ومتطورة أنها مازالت ونحن في القرن الحادي والعشرين تعاني من وجود أنابيب الرصاص القديمة في منازل المواطنين.

فهذه الأنابيب المصنوعة من الرصاص، أو التي تدخل مركبات الرصاص في تركيبها وصناعتها تُعتبر من المواد والتقنيات الغابرة التي انتشرت في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فأكل عليها الآن الدهر وشرب وتخلت عن استعمالها معظم دول العالم، بل ويُعد استعمالها حتى الآن دليلاً واضحاً ومؤشراً بيِّناً على تأخر هذه الدولة، وعلامة من علامات إهمالها لصحة شعوبها.

فالمستغرب إذن أن نجد أكبر دولة في العالم وأكثرها تقدماً ورقياً، وأعلاها تطوراً وعلماً أن تستخدم مثل هذه المواد الضارة في نقل مياه الشرب إلى الشعب، ولذلك تؤكد التقارير والدراسات عن ارتفاع نسب الملوثات، وبخاصة الرصاص في مياه شرب الملايين من الشعب الأمريكي، بل ووقعت فضائح وكوارث مخجلة تؤيد هذه الحقيقة، وآخر هذه الكوارث تلوث مياه الشرب وتسمم المواطنين في مدينة فلينت بالقرب من ديترويت، عاصمة صناعة السيارات في العالم بولاية ميتشيجن.

فقد بدأ المشهد الأول من هذه الطامة الكبرى في 25 أبريل من عام 2014 عندما قام المعنيون في مدينة فلينت بالتحول من تزويد المدينة بمياه الشرب من بحيرة هارون(Huron) الذي كان يُستخدم فيها مركبات الفوسفات لمنع تآكل الأنابيب ومنع الصدأ إلى استخدام مياه نهر فلينت مباشرة، مما أدى إلى خروج الرصاص من مخبأه في الأنابيب وترشحه وانتقاله إلى مياه الشرب، ثم إلى الأطفال بصفةٍ خاصة وإصابتهم بالتسمم وتعريض باقي الشعب الأمريكي في المدينة وتهديد أمنهم الصحي بشكلٍ مباشر.

أما المشهد الثاني فيسدل فيه الستار على زيارة الرئيس الأمريكي السابق نفسه أوباما إلى المدينة لطمأنتهم وإطلاق الوعود السياسية التي لا قيمة لها من أجل إصلاح هذا الفساد البيئي الصحي العظيم الذي ألَّم بسكان هذه المدينة الذين غالبيتهم من المستضعفين والفقراء السود، فلا حول لهم ولا نفوذ ولا قوة وليس هناك من يدافع عن حقوقهم ومعاناتهم.

وقد نُشرت الكثير من الدراسات والأبحاث العلمية الميدانية لتوثيق هذه الحالة العصيبة التي نزلت على هؤلاء الناس على حين غرة، منها الدراسة المنشورة في السابع من أغسطس في المجلة الأمريكية "علوم وتقنيات البيئة" تحت عنوان :"تقييم مستويات الرصاص في الماء أثناء أزمة المياه في مدينة فلينت بولاية ميتشيجن الأمريكية"، حيث أكدت على التعدي الصارخ على حقوق المواطنين البيئية الصحية المتمثلة في مسؤولية الجهات الحكومية في توفير مياه الشرب الآمنة والسليمة، فقد بلغت مستويات الرصاص في مياه الشرب درجات عالية تهدد الصحة العامة.

وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية التي أرسلتْ أول إنسان يمشي على وجه القمر وبلغت المريخ وصنعت وأبدعت في إنتاج شتى أنواع الأسلحة ذات الدمار الشامل، فشلت في توفير الخدمات الأساسية الضرورية للشعب الأمريكي، وأخفقت كثيراً في حقٍ رئيس من حقوقه اليومية وهو التمتع بمياه شرب نظيفة سليمة وآمنة، حيث أكدت وأجمعت التقارير والدراسات الحكومية أن نحو 18 مليون أمريكي يتعرضون كل ثانية لمستويات مرتفعة من بعض الملوثات في مياه الشرب، وعلى رأس القائمة الرصاص، كما نشرتْ المحطة الإخبارية المشهورة الـ سي إن إن في 30 مارس من العام الجاري تحقيقاً مفصلاً مستنداً على التقارير الحكومية الرسمية حول جودة مياه الشرب في الولايات المتحدة الأمريكية والملوثات التي تدخل في أجسام الملايين من الشعب الأمريكي بسبب شربهم لمياه غير صحية وغير آمنة على حياتهم. وعلاوة على ذلك فإن أن وسائل الإعلام الأمريكية الأخرى كمحطة إِن بِي سي الإخبارية وصحيفة الـ يُو إِس أيه تُوداي نشرتا في 30 أغسطس من العام الحالي خبراً يفيد فيه بأن طلاب المدارس في مدينة ديترويت سيبدأون عامهم الدراسي الجديد من غير مياه شرب صحية ونظيفة في المدارس نتيجة لتلوثها بالرصاص والنحاس، حسب تصريح المسؤول عن المدارس الحكومية في هذه المدينة.

ومن أهم أسباب تدهور مياه الشرب في الولايات المتحدة الأمريكية هو تهاوي البنية التحتية الخاصة بتوفير مياه الشرب فهي قديمة ومتهالكة واستخدمتْ فيها مواد ضارة لا تصلح الآن لنقل مياه الشرب، وقد أكدت على واقعية هذه الظاهرة "الجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين" فهناك أكثر من مليون ونصف المليون كيلومتر من الأنابيب القديمة الموجودة تحت الأرض عبر الولايات التي تجاوزت عمرها الافتراضي فأصبحت الآن مستهلكة وغير صالحة وتترشح منها الملوثات لتصل إلى الناس وتهدد أمنهم الصحي.

ولذلك علينا الاتعاظ من هذه الأزمة والتجربة الأمريكية وتجارب الآخرين وسِيرهم، والاستفادة من خبراتهم، وتجنب أخطائهم وزلاتهم وبخاصة في مجال حماية البيئة وصيانة مواردها الذي يستهين به البعض ويتهاون في تنفيذ استحقاقاته ومتطلباته التي أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية والضرورية المفروضة على الحكومات، كتوفير مياه الشرب الصحية، والهواء النقي والنظيف، والتربة السليمة والآمنة.

السبت، 8 سبتمبر 2018

المدينة الخضراء


هناك من يُطلق للعنان عبارات ومصطلحات رنانة وجميلة لا يفهم هو أبعادها وكلفة الدعوة إليها وتعقيدات تنفيذها وتطبيقها في الواقع، كمصطلح "المدينة الخضراء" الذي سمعته مؤخراً وقرأتُ عنه في الصحف المحلية.

 

فالمدينة الخضراء منهج شامل وكبير للحياة، وسياسة عامة معقدة ومتشابكة تضعها الحكومات والدول لتحويل المدن من النهج التقليدي العشوائي غير المنظم والمتداخل إلى النهج الحديث الإبداعي الذي يعتزم في نهاية المطاف تحقيق التنمية المستدامة من خلال ضم وإدخال البعد البيئي الصحي والعامل المتعلق بحماية موارد وثروات البيئة وصيانتها في كافة أجهزة ووزارات وهيئات الدول دون استثناء، سواء أكانت وزارة الدفاع أو الداخلية أو البيئة أو التربية أو الصحة أو المواصلات، فكل وزارة دور ووظيفة تقوم بها بحيث تصب كل هذه الجهود في مصلحة حماية صحة البيئة والإنسان، وأخيراً في مصلحة تحقيق الدولة للتنمية المستدامة.

 

فالمدينة الخضراء تعني وضع وتنفيذ معايير ومواصفات في مجال البناء في تلك الدولة أو المدينة بحيث تأخذ في الاعتبار رعاية كافة عناصر البيئة، ومنها المعايير الخاصة بترشيد استهلاك الماء من خلال وضع أجهزة ومعدات تقلل من استخدام الماء في عملية بناء منزل أو فلة أو عمارة أو مصنع، ومنها المواصفات الخاصة بتقنين وخفض استعمال الكهرباء عن طريق وضع العوازل على الجدران والنوافذ والأسطح واستعمال مصادر الطاقة المنخفضة الانبعاث للملوثات، ومنها أيضاً المحافظة على جودة الهواء داخل المبنى.

 

والمدينة الخضراء تعني تبني وسائل مواصلات صديقة لصحة الإنسان والبيئة من خلال تغيير أو تحسين نوعية الوقود المستعمل في السيارات حالياً، والتحول التدريجي إلى السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية أو الشمسية.

 

والمدينة الخضراء تعني وضع سياسات واستراتيجيات واضحة طويلة الأمد وتحويلها إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ في مجال إدارة المخلفات الصلبة والسائلة سواء كانت مخلفات المصانع، أو مخلفات البناء، أو المخلفات المنزلية الصلبة، أو مياه المجاري.

 

والمدينة الخضراء تعني زيادة المساحات الخضراء وزيادة رقعة الحدائق سواء أكانت الحدائق المنزلية أو الحدائق العامة، وإنشاء المحميات النباتية التي تحافظ على الغطاء النباتي في المدن.

 

والمدينة الخضراء تعني أيضاً إنتاج الطاقة والكهرباء بشكلٍ خاص من مصادر لا تضر بصحة الإنسان والبيئة وتجنب استعمال مصادر الطاقة الأحفوري غير المتجددة والملوثة للهواء، والتحول مع الوقت إلى مصادر لا تلوث الهواء مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية.

 

فكل هذه المعاني التي أوردتها بسرعة الآن وباختصار شديد تقع تحت مظلة مصطلح "المدينة الخضراء"!    

 

 

الأحد، 2 سبتمبر 2018

بين السماح للشيشة وشراء الأدوية


تقوم حكومتنا مشكورة سنوياً بصرف الملايين على شراء الأدوية والعقاقير الطبية، وإنفاق جزءٍ كبير من ميزانية الدولة على توفير الدواء المناسب لعلاج مختلف أنواع الأمراض التي يعاني منها الناس، وهذا جهد عظيم نُقدره كثيراً ونثمنه لما فيه الحماية لصحة المواطنين وتقديم الرعاية اللازمة لهم وشفائهم بإذن الله من الأسقام والعلل التي تنزل عليهم.

 

وهذا الإنفاق الكبير على شراء الأدوية يمكن خفضه إذا ركزتْ وزارة الصحة وجميع الوزارات والهيئات في الدول على إتباع سياسة "التنمية المستدامة"، وبالتحديد تنفيذ إستراتيجية التنمية المستدامة في المجال الصحي البيئي وتبني المنهج "التحذيري"، أو المنهج "الوقائي" القائم أولاً على منع جميع مصادر المرض كلياً من مجتمعنا واجتثاثها من جذورها، ثم في المرتبة الثانية من الأولويات تقنين وخفض مصادر الأسقام وإدارتها بأسلوبٍ صحي بيئي مستدام، ثم في المرتبة الثالثة من الأولويات تأتي سياسة العلاج وشراء الأدوية للتعامل مع الأمراض التي يتعرض لها الناس.

 

فهناك مصادر معروفة موجودة في مجتمعنا يراها كل مواطن، ولها دوراً مشهوداً أَجْمع عليه الأطباء في تدميره لصحة الأفراد من جهة والصحة العامة من جهةٍ أخرى، بل وهذه المصادر للأوبئة والأمراض بدأت تنتشر في السنوات الماضية دون رقيبٍ أو حسيبٍ نظامي رسمي، وبطرقٍ شرعية وغير شرعية ملفتة للنظر لا يمكن غض الطرف عنها أو تجاهلها.

 

ومن هذه المصادر الملوثة لصحة البيئة والمهلكة لصحة الإنسان هي تعاظم ظاهرة تدخين الشيشة وانتشارها بدرجة ملحوظة في المطاعم، والمقاهي، والمجمعات، إضافة إلى المحلات المتخصصة بتقديم هذا الوباء للناس صغاراً وكباراً، شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساءً.

 

فالأمراض التي تنزل على الفرد من تدخين الشيشة ليست محل جدلٍ أو نقاش، أو أنها ظاهرة تحمل صفة "الشُبهة"، أو أنها قضية "خلافية تثير الجدل" من ناحية السقوط في الأسقام والعاهات الصحية، وإنما هناك "إجماع" في المجتمع الطبي الدولي على أن تدخين الشيشة كتدخين سجائر التبغ التقليدية المعروفة من ناحية كمية ونوعية الملوثات السامة والمسرطنة التي تنبعث منها، ومن ناحية إضرارها العميق والمباشر بصحة المدخن نفسه والجالسين حوله.

 

والأبحاث التي تؤكد الأذى الصحي الذي يلحق بمدخن الشيشة كثيرة ولا تكاد تنتهي، وأُتابع تطوراتها منذ زمنٍ بعيد، وسأُقدم لكم اليوم آخر الدراسات حول هذه الظاهرة البيئية الصحية القاتلة للفرد والمجتمع.

 

فقد نشرتْ مجلة الجمعية الأمريكية للقلب في العدد الصادر في الثاني من أغسطس من العام الجاري بحثاً ولتأثير تدخين الشيشة على الإصابة بأمراض القلب،وقد أُجريت هذه الدراسة الميدانية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس وأكدت على أن تدخين الشيشة لمدة نصف ساعة فقط يولد مخاطر صحية على الأوعية الدموية القلبية وذلك من خلال قياس عدد دقات القلب في الدقيقة الواحدة، وضغط الدم، ودرجة تصلب الشرايين، وتركيز النيكوتين في الدم، وتركيز أول أكسيد الكربون في وقتين مختلفين، الأول قبل تدخين الشيشة والثاني بعد تدخين الشيشة لمدة 30 دقيقة. فتدخين الشيشة لهذه الفترة الزمنية القصيرة جداً أدى إلى زيادة حادة ومباشرة في دقات القلب وارتفاع ضغط الدم،كما زاد من تصلب الشرايين، وهذه كلها من مؤشرات وعوامل الإصابة بأمراض القلب والسقوط في هاوية السكتة القلبية. وهذه الدراسة الحالية تؤكد نتائج الدراسات السابقة المتعلقة بالآثار الصحية والبيئية العصيبة التي يتعرض لها المدخن، وبالتحديد تلك الأضرار التي تلحق بأداء القلب وسلامته على المدى القريب، كالدراسة التي نُشرت في 17 مارس 2016 في دورية الجمعية الأمريكية للقلب.

 

ولذلك ما يحصل عندنا يدعو إلى الحيرة والقلق في الوقت نفسه، فكيف أسمح بيدي لمصادر الأمراض في الانتشار في كل أحياء ومرافق البلاد وأُعرض المواطن مباشرة لكل التأثيرات الصحية الضارة التي تنجم عنها،ثم أبذل كل الجهد والعناء الشديدين، وأضيع الوقت، وأنفق المال الكبير على شراء الأدوية والعقاقير لعلاج هذه الأسقام؟ ألا يعتبر هذا تناقضاً صارخاً في السياسات والاهتمام؟

 

فأتمنى من وزارة الصحة والجهات المعنية الأخرى إجراء سلسلة من الدراسات الصحية والبيئية والاقتصادية حول مصادر الأمراض التي أجمعتْ عليها المنظمات الصحية الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، والبدء أولاً في دراسة حول تدخين السجائر التقليدية، والشيشة، والسجائر الإلكترونية من حيث الأمراض التي تنجم عن استخدامها، وكُلفة علاج كل مريض، والخسائر المالية الباهظة التي تكبدها الحكومة لعلاج كل مريض من تشخيص وعلاج ودواء وفقدان في الإنتاجية والعمل، ثم نقارن كل هذه الخسائر المادية بما يُطلق عليه "الضرائب والإيرادات المالية التي تجنيها الدولة من هذه السجائر".