الاثنين، 18 يناير 2021

أزمة الرصاص في مياه الشرب عصيَّة على الحل

لو قلتُ لكم بأن البحرين أكثر تقدماً في بعض الجوانب البيئية الصحية من أكثر دولة في العالم تقدماً وتطوراً ورُقياً، فهل تصدقونني؟

 

فهذا الجانب الصحي البيئي الذي تفوقنا فيه على الولايات المتحدة الأمريكية هو المتعلق بالأنابيب المدفونة في مقابر قديمة تحت الأرض، والتي تقوم بنقل وتوصيل مياه الشرب إلى الملايين من البشر، حيث إن بعض المدن في الولايات المتحدة الأمريكية مازالت تستخدم أنابيب الرصاص البالية التي أكل عليها الدهر وشرب منذ أكثر من خمسين عاماً، وأصبحت هذه الأنابيب جزءاً من التراث التاريخي البيئي الصحي، لما كان لها من تداعيات بيئية وصحية خطيرة، تُهلك جسم الإنسان، وبخاصة الأطفال، وتضر بهم عضوياً، وعقلياً، ونفسياً.

 

ففي البحرين تجاوزنا هذه المشكلة البيئية الصحية الملازمة للإنسان منذ قرون طويلة من الزمن، وتخلصنا كلياً من أنابيب الرصاص السامة لتوزيع مياه الشرب إلى المواطنين في كل أنحاء البلاد، فنحن في البحرين عادة ما نستخدم نوعين رئيسين من الأنابيب المعدنية الحديدية لتوزيع ونقل المياه الأقل ضرراً على الصحة العامة، وهما الكربون الفولاذي، أو الحديدي(carbon steelوالنوع الثاني هو الحديد المطاوع(ductile iron)، وهذان النوعان يتكونان من الحديد بشكلٍ رئيس، إضافة إلى العناصر الأخرى التي تضاف إليهما لإعطائهما الخصائص والمميزات المطلوبة، مثل الكربون، والمغنيسيوم، والمنغنيز، والكروميوم، والنيكل، والكوبالت، وغيرها من العناصر الأخرى. كما إن هذه الأنابيب يتم صباغتها وتغطيتها من الداخل بدهان خاص يعرف بدهانِ "الإِيْبُوكْسي" من أجل حمايتها أولاً من الصدأ والتآكل، وثانياً منع نمو الكائنات الحية عليها الفطرية من الداخل، أي منع نوعين من التلوث هما التلوث الكيميائي والحيوي من الوصول والدخول في مياه الشرب التي تصل إلى منازلنا.

 

ولكن في المقابل، الولايات المتحدة الأمريكية والكثير من دول العالم الصناعية المتقدمة والمتطورة مازالت تعاني من الرصاص في مياه الشرب، ومازال الناس في جميع أنحاء العالم يعانون صحياً من هذه الأزمة الخانقة المستعصية على العلاج، والتي تتمثل في أنابيب الرصاص المدفونة تحت الأرض منذ مئات السنين لنقل وتوزيع مياه الشرب إلى المنازل والمجمعات السكنية وغير السكنية، حسب الدراسة المنشورة في مجلة علوم وتقنيات البيئة في 22 ديسمبر 2020 حول استدامة وجود الرصاص في منازل الشعب الأمريكي بسبب أصباغ الرصاص التي كانت تستخدم لطلاء الجدران، إضافة إلى الرصاص من أنابيب نقل وتوزيع مياه الشرب.

فهذه الحالة الصحية البيئية المهددة للصحة العامة والمتجذرة في الكثير من المدن الحضرية العريقة حول العالم، ألزمتْ الحكومة الأمريكية تحت قيادة الرئيس السابق ترمب، والمتمثلة في وكالة حماية البيئة، إلى تحديث نظامٍ قديم تحت مسمى "نظام الرصاص والخارصين"(Lead and Copper Ruleوالذي تم إصداره في السابع من يونيو عام 1991، حيث نَشرت الوكالة في 22 ديسمبر من العام المنصرم هذا النظام المعدل لحماية صحة الأطفال في المدارس ومراكز رعاية الأطفال من خلال إزالة الرصاص من مياه الشرب.

 

ولكن هذا النظام المعدل مازال ناقصاً، فلم يعالج كلياً وبشكلٍ جذري لا رجعة فيه مصدر وسبب الأزمة المستدامة لنوعية مياه الشرب التي تصل إلى منازل المواطنيين الأمريكيين، وهو ملايين الأنابيب البالية والمتآكلة المصنوعة من الرصاص السام والمدفونة منذ القرن التاسع عشر في المدن الأمريكية القديمة، ولا يعلم عن موقعها أحد بالتحديد، مثل مدينة شيكاغو العريقة التي تحتها نحو 400 ألف خط أنابيب من الرصاص المتهالك الذي يترشح إلى المياه التي يشربها الملايين من الأمريكيين.

 

وهناك الكثير من الكوارث التي نزلت على مدن أمريكا، إضافة إلى الآلاف من الأبحاث والتقارير المنشورة التي تؤكد وتكشف حجم هذه المشكلة العصيبة التي تعاني منها أكبر وأعظم دولة على وجه الأرض وأكثرها تقدماً وتطوراً. فمن الكوارث الحديثة هي أزمة تلوث مياه الشرب التي شهدها سكان العاصمة واشنطن دِي سِي في الفترة من 2001 إلى 2004، والطامة الكبرى التي ألمتْ بالمواطنين الأمريكيين في مدينة فلنت بالقرب من عاصمة صناعة السيارات في مدينة ديترويت بولاية ميشيجن، حيث بدأ المشهد الأول من هذه المأساة الصحية البيئية في 25 أبريل من عام 2014، والتي تسببت في وقوع أزمة صحية وبيئية حادة، إضافة إلى أزمة جنائية وسياسية تَدخَل فيها الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما نفسه، وأعلن حالة الطوارئ الاتحادية عندما زار المدينة المنكوبة، وخصص 450 مليون دولار كمساعدات اتحادية عاجلة لتحسين جودة مياه الشرب التي تصل منازل الناس، كما أن حاكم الولاية السابق ومجموعة من الإداريين أُصدرت ضدهم تهم جنائية في 14 يناير من العام الجاري تتلخص في الإهمال في أداء الواجب.

أما بالنسبة للدراسات والأبحاث والتحقيقات الإعلامية المتعلقة بتلوث مياه الشرب بالرصاص والمردودات الصحية الناجمة عنها، فأذكر منها البحث المنشور في مجلة اللانست الطبية المشهورة في 12 مارس 2018 والذي أفاد بأن عدد الوفيات من الأمراض التي يسببها الرصاص في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ قرابة 412 ألف سنوياً، إضافة إلى البحث المنشور في مجلة "وقائع الأكاديمية الأمريكية للعلوم" في 22 سبتمبر 2020 تحت عنوان: "التهديد المستمر للرصاص في مياه الشرب".

 

كذلك فإن وسائل الإعلام غطت هذه الأزمة الصحية البيئية بشكلٍ واسع وكبير، ومنذ سنواتٍ طويلة، كان آخرها التقرير في مجلة (APM reports) في الخامس من مايو 2020 تحت عنوان: "الرصاص المدفون"، والتحقيق المنشور في مجلة الإيكونومست في الثالث من ديسمبر 2020 تحت عنوان: "ملايين الأمريكيين يحصلون على مياه الشرب من أنابيب الرصاص". ولذلك نجد أنه بالرغم من أن القانون الأمريكي قد منع استخدام أنابيب الرصاص في 19 يونيو عام 1986 ضمن تعديلات قانون "مياه الشرب الآمنة"، إلا أن هناك الكثير من المدن الأمريكية التي تقع تحت مقبرة واسعة من هذه الأنابيب التي مازالت تنقل وتوزع مياه الشرب المسمومة إلى الملايين من الأمريكيين. ويكمن السبب الرئيس في عدم تنفيذ القانون كلياً حتى الآن هو الكلفة العالية جداً لاستبدال الملايين من أنابيب الرصاص، ولذلك على فئة كبيرة من الشعب الأمريكي أن تتجرع لعقود طويلة قادمة من الزمن كأس مياه الشرب المسمومة بالرصاص، حتى تقوم أقوى وأغنى دولة في العالم باستبدالها وتغيير البنية التحتية المتهالكة المعنية بنقل مياه الشرب.

فالمشكلة إذن، كما هو الحال في الكثير من الدول، ليست في سن التشريعات وإنما في تنفيذها وتفعيلها.

الجمعة، 15 يناير 2021

اقتحام مبنى الكونجرس وتوفير الغطاء السياسي


يوم الأربعاء السادس من يناير من العام الجاري، وبالتحديد من بعد الساعة الثانية بعد الظهر، لم يكن يوماً عادياً طبيعياً مرَّ على الشعب الأمريكي، وبخاصة في مدينة واشنطن دِي سِي العاصمة الأمريكية، ولم يكن يوماً روتينياً لجلسة الكونجرس المشتركة لمجلسي النواب والشيوخ والمخصصة للتصديق على فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية.

 

فقد كانت سويعات عصيبة ومؤلمة لن ينساها الشعب الأمريكي أبداً في هذا الجيل والأجيال اللاحقة، وقد كانت دقائق طويلة جداً عانى منها أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، فحفرت بصماتها خالدة مخلدة ليست في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل وتاريخ الديمقراطية على المستوى الدولي، فأثناء هذه الدقائق توجهت أبصار العالم كلها نحو الولايات المتحدة الأمريكية لترى أمام أعينها هذا الحدث التاريخي غير المسبوق، وبخاصة نحو مبنى الكونجرس(Capitol Hill)، الرمز الشامخ والعريق للديمقراطية الأمريكية، وأثناء هذه الدقائق انصبت أسماع وسائل الإعلام في كل أنحاء العالم لتنقل وتوثق كل ثانية من هذه الواقعة العظيمة والطامة الكبرى التي نزلت على أمريكا عامة، وبخاصة على الديمقراطية الأمريكية العريقة التي تتفاخر وتعتز بها منذ نحو قرنين من الزمان.

 

فقد وقع هجوم سريع  كاسح كالريح الصرصر العاتية في عقر دار الديمقراطية الأمريكية، وهو مبنى الكابيتل، أو مبنى الكونجرس، حيث تحرك تيار بشري من عشرات الآلاف من الأمريكيين الغاضبين المحتشدين أمام البيت الأبيض بعد سماعهم لخطاب الرئيس ترمب، واتجهوا جميعاً سائرين على أقدامهم نحو مبنى الكونجرس التاريخي، وغير مكترثين بما يصادفهم أمامهم من الحواجز الأمنية، أو رجال الشرطة الحارسين لهذا المبنى الأثري، فاشتبكوا مع الشرطة، واقتحموا أسوار المبنى بالقوة، وتدافعوا بعنف وبأعدادٍ كبيرة أمام بوابة المبنى، فكسروا النوافذ والأبواب، واحتلوا المبنى خلال سويعات قليلة جداً استمرت تقريباً من الساعة الثانية إلى السابعة مساءً، فعاثوا فيها فساداً وسرقة ونهب وتخريب، حتى جاءت الشرطة المختصة وتصادمت معهم وطردتهم من المبنى كلياً، فكانت الحصيلة النهائية الإجمالية حتى الآن موت إحدى المتظاهرات، وقتل رجل أمن وثلاثة آخرين، وجرح نحو 14 واعتقال مائة من المتمردين، كما أكدت تقارير الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي(إِف بِي آي) بأن الذين اقتحموا المبنى ويقفون وراء هذا التمرد العنيف هم من جماعات اليمين المسيحي المتشدد، وجماعات تفوق العرق الأبيض، وجماعة "الأولاد الفخورون"(Proud Boys)، إضافة إلى جماعة "النازيون الجدد"، وبعض الجماعات والميليشات المسلحة مثل(Three Percenters)، علماً بأن الغالبية العظمى من المقتحمين كانوا من الرجال البيض، وكان بعضهم يحمل أسلحة يدوية، وعصي، ورذاذات كيميائية، ويلبس الدروع، إضافة إلى اكتشاف قنابل أنبوبية خارج المبنى، وكان الذين هاجموا المبنى يهتفون قائلين: "نحن نريد أن نُري هؤلاء السياسيين بأننا نحن المسيطرون وليسوا هم"، و "نحن لدينا القوة"، و "أقتلوا الإعلام"، وكانوا يُطلقون على الشرطة كلمة "خنازير".

 

ولكن هل وقعت هذه الواقعة فجأة ودون سابق إنذار، وبشكلٍ عفوي وعشوائي غير منظم وغير مدروس، أم أنها كانت تسخن على نارٍ هادئة لفترة طويلة من الزمن، وكان مِن ورائها من يزودها بالوقود لتشتعل وتبقى ساخنة طوال هذه المدة الزمنية، فيوفر لها الغطاء الشرعي والسياسي والأمني اللازم لاستمراريتها دون أن تنطفىء؟  

 

في الحقيقة فإنني أُتابع تصريحات الرئيس الأمريكي ترمب نفسه منذ ولوجه في البيت الأبيض، وأراقب وأقارن في الوقت نفسه تحركات ومواقف اليمين المسيحي المتطرف العنيف أصحاب نظريات المؤامرة، وبالتحديد نظرية مؤامرة كيو أنون التي تؤمن بأن ترمب أرسله الله لإنقاذ أمريكا والبشرية من الدولة العميقة ومن الفاسدين والمنحلين خُلقياً الذين يحكمون هذه الدول، وأن ترمب سيقوم بالتخلص منهم يوم "العاصفة" وزجهم جميعاً في السجون. ولذلك فإنني كُنتُ على يقين بأن مسلسل الأحداث خلال الأربع سنوات الماضية والتصريحات والمواقف التي يتبناها ترمب، تُشير كلها إلى ساعة الصفر التي شهدها العالم أجمع، وأُلخص هذه المؤشرات في النقاط التالية:

أولاً: ترمب يصف كل قضية لا تتوافق مع أهوائه ومصالحه الشخصية أو الحزبية بأنها خدعة(hoax)، وأنها مؤامرة من دولة أجنبية، أو من الحزب الديمقراطي ومن الدول العميقة، مثل قضية التغير المناخي، ووباء فيروس كورونا، والانتخابات الرئاسية التي خسر فيها خسارة مذلة وساحقة، إضافة إلى انتخابات ولاية جورجيا التي سمحت للحزب الديمقراطي من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ وكافة مفاصل الحكم، وأخيراً حُذف حسابه كلياً من وسائل الاتصال الاجتماعي، سواء من الفيس بوك، والإنستجرام، أو من التويتر، فكل هذه مؤمرات ضده. وفي كل هذه الحالات كان ترمب يفتري ويكذب ويثير الشكوك قائلاً بأن دول العالم تعادي الولايات المتحدة الأمريكية، وأن النظام الانتخابي متحيز وغير سليم ويسود فيه التزوير والفساد. وكان دائماً يشحن الشعب الأمريكي، وبخاصة قاعدته الانتخابية من اليمين المسيحي المتطرف بالتصريحات المتشددة والتي فيها تحد للنظام الديمقراطي، حيث قال مرة بأنه "يرفض النتائج إذا خسر في الانتخابات"، كما قال بأن لديه "شكوك حول الانتخابات والنظام الانتخابي".

ثانياً: تصريحات ترمب دائماً كانت عدوانية تثير الشعب الأمريكي، وتقف دائماً مع الجماعات اليمينية المتطرفة، وجماعات تفوق العرق الأبيض، وتحثهم على التصدي للفساد والدولة العميقة، وتحرضهم على تحويل الأقوال إلى أعمال، كما إنه في الوقت نفسه كان دائماً يرفض انتقاد وإدانة أعمال العنف والإرهاب التي تقوم بها هذه الجماعات، بل ويوفر لهم الغطاء السياسي والأمني والتشريعي لممارساتهم العنيفة المتكررة، مثل اقتحام مبنى عاصمة ولاية ميشيجن من قبل يمينيين مسلحين احتجاجاً على إجراءات الإغلاق بسبب كورونا في العام المنصرم، حيث قال لهم ترمب "حرروا ميشيجن"، والمحاولة الانقلابية التي كشف عنها مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي في أكتوبر من العام المنصرم في ولاية ميشيجن، علاوة على العملية الإرهابية التي كشف عنها المكتب في 22 ديسمبر 2020 حول تخطيط هذه الجماعات لعمليات إرهابية كبيرة، منها مهاجمة محطات توليد الكهرباء. فمثل هذه المواقف والسياسات الداعمة لهذه الجماعات والتي امتدت أربع سنوات، كانت بمثابة الضوء الأخضر لمواصلة أنشطتهم العنيفة وممارساتهم التخريبية.

ثالثاً: بعد أن تأكد ترمب بأنه انهزم في الانتخابات، وبعد أن خسر أكثر من ستين دعوى قضائية رفعها حول نزاهة العملية الانتخابية، قام بطرح ورقته الأخيرة القاضية، وهي دعوة أنصاره للاحتشاد أمام البيت الأبيض ظهر يوم السادس من يناير، قبيل بدء جلسة مجلسي النواب والشيوخ. وهناك خَطَب في الحشد المشحون كراهية وبُغض على النظام الديمقراطي والحكم الفيدرالي لمدة قرابة 70 دقيقة، وكأنه القائد العسكري الميداني الذي يحمِّس جنوده قبل خوض المعركة فيدفعهم للقتال والتضحية من أجل الوطن، ويقوي شوكتهم للقاء العدو، حيث حرضهم على السير قائلاً:"سنمشي معاً وأنا سأكون معكم"، ولكنه ذهب أدراجه إلى البيت الأبيض وترك الحشود تسير وحيدة، ومن أكثر أقواله المحرضة للعنف أثناء هذا الخطاب ما يلي:"أنتُم لن تسترجعوا بلادنا بإبداء الضعف، يجب أن تُبْدوا القوة ويجب أن تكونوا أقوياء... وأن لا تقبلوا بالهزيمة"، "قاتلوا بشراسة"، "انتهى وقت الكلام".

 

وبعد هذه الكارثة التاريخية، لم يقم فوراً وبشكل مباشر بإدانة أعمال العنف والإرهاب، ولم يأمر أتباعه بالتوقف، بل غرَّد قائلاً بأن عليكم أن تبقوا على السلمية، وبارك وجودهم في المبنى، ولكن بعد ضغوط من الجمهوريين، سجل فيديو عبر التويتر فبرر أعمالهم، ودافع عنهم قائلاً:" هذه الأشياء والأحداث تقع عندما يتم تجريد الوطنيين العظماء من الانتخابات التي تم الفوز الساحق فيها، والذين يتم التعامل معهم منذ سنوات بشكلٍ غير عادل وسيء"، كما قال: "أَعْرف ألمكم، أعرف بأنكم مجروحون، "وأعرف كيف تشعرون"، وأضاف قائلاً: "إنها فترة عصيبة...لقد أُخذت منا جميعاً، أخذت مني، ومنكم، ومن بلدنا، نحن نحبكم وأنتم أناس مميزون...ولن يتم اسكاتنا".

 

فجميع هذه المؤشرات القوية كانت أمام الجهاز الأمني الأمريكي، ولكن لم يستبق الأحداث فيقوي من وجوده في الميدان، وكل هذا التقاعس والاتكالية كان بسبب الغطاء والدعم السياسي الكثيف والقوي الذي زود به ترمب هذه الجماعات طوال فترة حكمه، وهذه الظاهرة بدأت تنتشر في دول أوروبية منها ألمانيا، وهولندا، وفرنسا، وبريطانيا، مما يجعلني أدعو إلى التعامل مع هذه الجماعات اليمينية المسيحية العنيفة بالطريقة نفسها التي يتعامل فيها المجتمع الدولي مع الجماعات الإسلامية المتطرفة.

 

الأحد، 10 يناير 2021

تهديدات اليمين المسيحي المتطرف

أكد مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي(إِفْ بِي آي) في 22 ديسمبر 2020 بأن جماعات اليمين المسيحي المتطرف التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض كانت تخطط للقيام بعملية عسكرية كبرى، تتمثل في الهجوم على شبكات توزيع الكهرباء ومحطات توليد الطاقة في ولايات جنوب شرق أمريكا، وذلك في حالة خسارة ترمب في الانتخابات الرئاسية. وجاء هذا التأكيد من مكتب الإفْ بِي آي استناداً إلى أقوال شاب مراهق لم يتجاوز من العمر 17 عاماً وإثنين من زملائه من ولاية أوهايو، كما ورد في الاعترافات بأن هذه المجموعة المتشددة العنيفة كانت تخطط لشراء مزرعة للقيام بالتدريبات العسكرية اللازمة لتنفيذ مثل هذا المخطط. كذلك قال بعض أفراد المجموعة بأنهم "مستعدون للموت من أجل معتقداتهم"، وكانوا يخططون لإنشاء شبكة قومية ممتدة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي عبارة عن "خلايا نازية عسكرية" تُكلَّف بالقيام بمهمات تخريبية، وأطْلقتْ المجموعة على هذه العملية "انطفاء النور"(lights out) من خلال التخطيط لقطع الكهرباء في صيف عام 2021.

 

وهذه المجموعة من جماعات تفوق العرق الأبيض واليمين المسيحي العنيف المتطرف لا تعمل لوحدها بشكلٍ منفرد بمعزل عن المجموعات الأخرى الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في بعض الدول الأوروبية، أو الدول الأخرى. فهذا المخطط الإرهابي الذي كانت هذه المجموعة تريد تنفيذه، ذكَّرني بمخطط هجومي آخر واسع النطاق كاد أن يُنفذ في ولاية ميشيجن الأمريكية، وكشف مكتب التحقيقات الفيدرالية النقاب عنه في أكتوبر من العام المنصرم. فقد تم التخطيط لهذه العملية لأشهر طويلة من قبل عدة أفراد وجماعات يمينية متطرفة، منها ميليشيا محلية مدججة بالسلاح تُطلق على نفسها "ولفرين واتشمن" ( Wolverine Watchmen)، فكانت بمثابة انقلابٍ عسكري على حكومة ولاية ميشيجن. وكان المخططون ينون القيام بعدة عمليات إرهابية عنيفة، حيث قاموا بتنظيم مخيمات عسكرية سرية للتدريب على المهمات والعمليات التي سيقومون بها في مناطق نائية من الولاية، ومن هذه العمليات خطف الحاكمة الديمقراطية للولاية، جريتشن وايتمر(Gretchen Whitmer)، وحاكم ولاية فيرجينيا رالف نورثأم(Ralph Northam)، إضافة إلى قتل بعض "الطغاة" من المسؤولين الحكوميين، حسب وصفهم، وزرع متفجرات تحت بعض الجسور، ثم إشعال نار فتنة الحرب الأهلية في البلاد، والقيام بتجنيد 200 من المسلحين لإتمام كل هذه العمليات.

 

وبعد الإعلان رسمياً عن التخطيط لهذا الهجوم، قامت الجهات الأمنية المختصة ومنها مكتب التحقيقات الفيدرالية بتوجيه التهم إلى 14 فرداً من اليمين المتطرف، علماً بأن بعض هؤلاء المتطرفين هم أنفسهم اقتحموا بأسلحتهم النارية في الثلاثين من أبريل من العام المنصرم مبنى عاصمة الولاية في مدينة لانسينج احتجاجاً على إجراءات الولاية المتعلقة بمواجهة فيروس كورونا، ولكن لم يعتقلهم أحد، أو يوجه لهم أية تهمة!

 

وهناك ثلاثة أسباب تدعوني إلى التحذير من تهديدات هذه الجماعات المنتشرة في ولايات أمريكية ودول أخرى منها أوروبية كفرنسا، وهولندا، وبريطانيا، ومنها غير أوروبية كأستراليا. أما السبب الأول فيتمثل في معتقداتهم المتطرفة مثل كُره الأجانب، وتحقير وازدراء الأقليات والأديان الأخرى، ومحاربة المهاجرين والتجنيس، ومحاربة حكوماتهم الاتحادية، إضافة إلى تبني وسائل وأدوات إرهابية عنيفة لتنفيذ هذه المعتقدات. والأمثلة التي يمكن تقديمها لبيان هذا التوجه كثيرة، منها قيام عضو من اليمين المسيحي المتطرف بتفجير مبنى اتحادي في أوكلاهوما بأمريكا في عام 1995 وقتل 168 وإصابة أكثر من 700، ومنها قتل 77 في النرويج في 2011، وقتل 51 في مسجدين في نيوزلندا في 2019، وقتل أكثر من 11 في مدينة ألباسو بولاية تكساس في 2019 في مجمع وال مارت، وقتل مجموعة في معبد لليهود في 2018، إضافة إلى قتل أعداد من المصلين في كنيسة للسود في مدينة تشارلستن في 2015.

 

وأما السبب الثاني الخطير فهو وجود الغطاء السياسي الرسمي لهذه المعتقدات المتشددة والعنيفة، فهناك أحزاب حكومية معتمدة في بعض الدول وتُدعم مثل هذه المعتقدات والسياسات اليمينية، وتدافع عن أفرادها عند القيام بأية عمليات عنف وشغب، كما هو الحال بالنسبة للرئيس الأمريكي ترمب الذي كان يدافع عن هؤلاء اليمينيين المتطرفين وجماعات تفوق العرق الأبيض، مثل جماعة "الأولاد الفخورون"(Proud Boys)، الذين كانوا يخرجون في مظاهرات وهم مدججين بالسلاح ويرتدون ملابس واقية ضد الرصاص وكأنهم سيخوضون معركة عسكرية محتدمة، كما إنه كان يتردد دائماً في انتقادهم وتوجيه اللوم لهم عند قيامهم بأعمال عنف وإرهاب مهما بلغت درجتها.

 

وأما السبب الثالث فهو تغلغل اليمين المتطرف في أجهزة أمن الدول، سواء أكانت الشرطة أو الجيش، وهناك الكثير من التقارير التي أثبتت هذه الظاهرة المتعمقة في بعض الدول مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، نُشر مقال في المجلة الأمريكية "شؤون خارجية" في 15 ديسمبر 2020، تحت عنوان:"عندما يتغلغل اليمين المتشدد في أجهزة منفذي القانون"، كما نُشر كتاب في 27 أكتوبر 2020 عنوانه:" كراهية في أرض الوطن: اليمين المتطرف الدولي الجديد". فهذا الكتاب يفتح الأعين غير المبصرة، والآذان التي لا تسمع، والقلوب التي ران عليها غشاوة كثيفة فلا تعي ولا تدرك الواقع من حولها، فيؤكد على حقيقة أن نمو جماعات اليمين المسيحي المتطرف ليست محلية في بعض دول العالم، وإنما تحول إلى ظاهرة عالمية متفاقمة وسرطان خبيث يجري في شريان بعض المجتمعات، نشهدها في الكثير من الدول، ولها أذرعاً سياسية توفر لها الغطاء الشرعي اللازم، وتدافع عنها، وتبرر أعمالها ومواقفها، كما أن لها أجنحة عسكرية تقوم بحمايتها وهي متغلغلة في صفوف رجال الشرطة وأجهزة الأمن الأخرى، ومتعمقة في مراتب الجيش العليا. كذلك يُحذر الكتاب من تفاقم قدرات وقوة وأعداد أعضاء هذه الجماعات، وقيامها بشكلٍ منهجي بتجنيد الشباب في الجامعات والأندية الرياضية ومن خلال وسائل الاتصال الاجتماعي، وتوجيههم نحو الكراهية والعنف وتنفيذ أجنداتهم المتطرفة وحركتهم العنيفة.

 

وهذا الكتاب القيِّم يحتوي على 223 صفحة ويقع في ستة فصول، منها الفصل الأول حول جماعات اليمين المتطرف من حيث وجودها الجغرافي وهيمنتها وقوتها على الساحتين السياسية والأمنية، ومنها الفصل الثاني الذي يتحدث حول تحول هذه الجماعات من مجموعات مهمشة في المجتمع إلى أحزاب رئيسة وقوية لها وجود مشهود في البرلمانات الشعبية، وتمثيل في الحكومات، كما تتناول الفصول الأخرى بالتفصيل تجنيد الشباب وغسل أفكارهم وتغيير مواقفهم، إضافة إلى الوسائل والأدوات المستخدمة لتحقيق أهدافهم.

 

فمثل هذه التقارير العلمية والكتب الاستقصائية من المفروض أن نقف عندها كثيراً لنتعرف عن قرب عن هذه الجماعات المسيحية المتطرفة والعنيفة التي أصبحت تهديداً إرهابياً حقيقياً وواقعياً ليس للدول التي توجد فيها هذه الجماعات والأحزاب التي تمثلها، وإنما لدولنا إلى حدٍ سواء.

 

وربما ما يثبت أكثر واقعية هذه الدعوة التي أدعو لها هي تحقيق اللجنة المختصة في نيوزلندا في الثامن من ديسمبر 2020 حول العملية الإرهابية التي قام بها مسيحي يميني متطرف، حيث أكد التحقيق على أن الحكومة النيوزلندية كانت تركز في عملها على "التطرف الإسلامي"، وتجاهلت تطرف اليمين المسيحي المتطرف، ولذلك هذه كانت النتيجة.

 

الأربعاء، 6 يناير 2021

تحفيز الاقتصاد الأمريكي وتحفيز التغير المناخي

ما يعرفه الجميع الآن هو أن الرئيس الأمريكي ترمب قد وقَّع مضطراً في 27 ديسمبر من العام المنصرم على مجموعة من التشريعات التحفيزية المالية بعد أيام من التردد والعناد للحزبين الجمهوري والديمقراطي والكونجرس على حدٍ سواء، وبعد وصفه للتشريعات بأنها "وصمة عار"، وبعد هجوم الجميع على موقفه وإبداء الاستياء والغضب من التأخير المتعمد للقانون. فجاءت هذه الحزمة من التشريعات الإغاثية الفورية التي بلغت 900 بليون دولار، ومن أهمها قانون "الإنقاذ من كوفيد_19 "(COVID-19 Relief Bill)، وقانون "الإنفاق الحكومي" من أجل إنعاش الاقتصاد الأمريكي، وإعطائه دفعه مالية قوية لتحريك المياه الآسنة والراكدة، وبث الروح فيه من جديد بعد أن هبَّت عليه ريح فيروس كورونا الصرصر العاتية التي أهلكت البشر والحرث والنسل، فجعلت الاقتصاد الأمريكي والعالمي يعيشان في فترة مريرة حالكة ومظلمة من الركود والضعف والكساد العظيم.

 

ولكن ما لا يعرفه الكثير من الناس، وما لم يغطه الإعلام التغطية التي تستحق، أن مع هذه التشريعات التحفيزية الداعمة للاقتصاد، والمعونات النقدية المباشرة التي قُدِّمت للشعب المتضرر بكل فئاته وطبقاته وأعماله، كانت هناك قوانين وبنود في بعض هذه التشريعات تصب في مصلحة حماية الكرة الأرضية من وباء السخونة الذي تعاني منه منذ عقود من الزمن دون أن يتوصل المجتمع الدولي إلى حلٍ جذري مشترك وملزم للجميع. فبعض التشريعات التي وافق عليها الكونجرس وصدَّق عليها الرئيس ترمب، ولا أعلم كيف فاتت عليه لحساسيته المفرطة ضد التغير المناخي، كانت ولأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمن تعطي في الوقت نفسه تحفيزاً لشؤون وهموم أزمة التغير المناخي العقيمة، وتُقدم دفعة للأمام لمحاربة وباء التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض ورفع مستوى سطح البحر، إضافة إلى التداعيات الأخرى البيئية، والأمنية، والصحية، والاقتصادية التي تنجم عنه. 

 

فمن ضمن هذه الحزمة العظيمة من التشريعات غير المسبوقة في التاريخ الأمريكي، تشريعات ومواد قانونية تعتمد خفض استهلاك المواد الكيميائية التي صنعها الإنسان بيديه، وهي مجموعة من الغازات العضوية التي تحتوي على عنصر الفلور والكلور، وتقع جميعها تحت مسمى المركبات الكربونية المحتوية على الفلور، أو الهيدروفلوروكربون(hydrofluorocarbons (HFCs)). وهذه المجموعة من المركبات كانت عند إنتاجها نعمة على بني البشر، فهي مركبات كيميائية غير سامة، ومستقرة وثابتة لا تتحلل، ولا تشتعل، ولا تؤذي البشر أو الكائنات الحية الأخرى، ولها استخدامات لا تُعد ولا تحصى، منها في الثلاجات، والبرادات، والمكيفات، وأجهزة إطفاء الحريق، والبخاخات، وعوازل المباني والمنازل، وفي الأثاث المنزلي والمكتبي، وغيرها من التطبيقات التي لا يمكن الاستغناء عنها. ولكن بعد عقودٍ من الاستخدام في كل أنحاء العالم بدون استثناء، تحولت النعمة إلى نقمة عقيمة للبشر، وتحول الخير إلى فساد وتدمير شامل غطى كل شبر صغير أو كبير من كوكب الأرض. فهذه الغازات نظراً لثباتها في طبقات الجو السفلى، أو طبقة التروبسفير، تحركت إلى أعلى وانتقلت يوماً بعد يوم وبسرية تامة لا يعلمها أحد إلى طبقات الجو العليا، وبالتحديد طبقة الأوزون التي هي جزء من طبقة الأستراتسفير، فتتحلل هناك في أعالي السماء، ونتج عن هذا التحلل غاز الكلور الذي يحول غاز الأوزون الموجود في تلك الطبقة والذي يعمل كمظلة واقية من شر الإشعاعات الكونية فوق البنفسجية الضارة لكل كائن حي والتالفة للمواد، إلى غاز الأكسجين الذي ليس له القدرة على امتصاص الأشعة الضارة، مما يعني بأن هذه الأشعة القاتلة تصل إلى سطح الأرض فتهلك كل من عليها من الكائنات. 

 

ولذلك تحرك المجتمع البشري بشكل جماعي مشترك للتخلص من هذه المركبات وحماية طبقة الأوزون ، وأثمر هذا التحرك في صياغة معاهدة دولية تحت مظلة الأمم المتحدة للتخلص تدريجياً من هذه المواد المستنفدة لطبقة الأوزون تحت مسمى "بروتوكول مونتريال" لعام 1987. وهذه المركبات الهيدروفلوركربونيه لها تأثير مزدوج على البيئة وصحة الناس، فعلاوة على إتلاف طبقة الأوزون فإنها ترفع من درجة حرارة الأرض وتحدث ظاهرة التغير المناخي، ولذلك فأية مبادرات ومعاهدات تحظر استخدام وإنتاج هذه المواد تفيد البشرية جمعاء من ناحية صيانة غاز الأوزون في طبقة الأوزن، وفي الوقت نفسه منع سخونة الأرض وارتفاع حرارتها. ثم بعد بروتوكول مونتريال صدرت عدة تعديلات وتحديثات للمعاهدة الدولية كان منها "تعديل كيجالي"(Kigali Agreement) في روندا في أكتوبر عام 2016، حيث وقع الرئيس السابق أوباما عليها في الساعات الأخيرة من حكمه مع 197 دولة بهدف التخلص كلياً من المركبات الهيدروفلوروكربونيه، والعمل على إنتاج البدائل غير المستنفدة لطبقة الأوزون، والتي هي أقل وطأة وتأثيراً على إحداث التغير المناخي لكوكبنا،  فجاء ترمب وألغى كل هذه الجهود الدولية المضنية ورفض التصديق عليها، بل وقام بالعكس كلياً حيث أوقف الأنظمة والمواصفات الاتحادية الخاصة بحظر استخدام هذه المواد.

 

واليوم وبعد الهزيمة الشديدة التي مُني بها، اضطر إلى الموافقة على هذه المعاهدة الدولية من خلال التصديق على الحزمة الاقتصادية لمحاربة كورونا، والتي تضمنت المنع التدريجي لهذه المواد المؤثرة على الأوزون وعلى التغير المناخي على حدٍ سواء. كما أن ترمب في الوقت نفسه أرجع عقارب الساعة إلى الوراء، وبالتحديد إلى عهد أوباما حيث صادق ترمب من حيث يدري أو لا يدري على معظم البرامج التي أحدثها أوباما أثناء ولايته، ولها علاقة مباشرة بمكافحة التغير المناخي ومواجهة تداعياتها من خلال منع وخفض انبعاث الملوثات المتهمة بسخونة الأرض. فعلى سبيل المثال، صادق ترمب على برنامج أوباما الخاص بالطاقة المتجددة والنظيفة، والبرنامج المتعلق بتقنيات تخزين الطاقة، كالبطاريات الخاصة بطاقة الرياح والطاقة الشمسية، إضافة إلى برنامج تطوير وتحديث تقنيات الطاقة الشمسية والنووية، وتقنيات إزالة وتخزين ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث من محطات توليد الكهرباء ومن المصانع ومنعها من الدخول في الهواء الجوي. كذلك أعادت حزمة التشريعات الجديدة تمويل البرنامج الخاص بتغيير وتأهيل محركات سيارات الديزل القديمة بأخرى جديدة، ووضع أجهزة حديثة على المصانع التي تعمل بالغاز الطبيعي لاكتشاف التسربات من غاز الميثان، أحد المسؤولين عن إحداث التغير المناخي، إضافة إلى منع انبعاثه إلى الهواء الجوي.

 

ولذلك من خلال متابعاتي لدور أمريكا في محاربة قضية التغير المناخي على المستويين الاتحادي والدولي، أرى بأنها تدور في حلقة مغلقة مفرغة لا إنجاز كبير وجذري فيها، ففي قمة الأرض وافق جورج بوش الأب على الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، ثم وقع كلينتون على بروتوكول كيوتو، فجاء جورج بوش الابن ورفض التصديق عليه، ثم دخل أوباما البيت الأبيض ووقع على اتفاقية باريس للتغير المناخي، وعند صعود ترمب إلى الحكم انسحب منها كلياً، واليوم نحن أمام عهدٍ رئاسي جديد بزعامة بايدن الذي قدَّم وعوداً كثيرة لمواجهة تداعيات التغير المناخي وبداية ناجحة وموفقة، ولكن ستُرينا الأيام القادمة مدى مصداقيته في الالتزام بها وتنفيذها كلها على أرض الواقع.