الأربعاء، 9 يونيو 2021

هل هناك حاجة لاتفاقية دولية حول البلاستيك؟

عندما تكون هناك قضية دولية تعجز دولة واحدة، مهما أُوتيتْ من قوة ونفوذ وموارد بشرية ومالية وتقنية من مواجهتها وحلها لوحدها، فإن دول العالم، ممثلة في منظمات الأم المتحدة المعنية، تلجأ إلى آلية المعاهدات، أو أداة الاتفاقيات الدولية التي تشترك كل دول العالم في المشاركة في التصدي لها.

 

فعلى سبيل المثال، هناك مشكلة تدهور غاز الأوزون في طبقة الأوزون، أو طبقة الاستراتسفير العليا فوق سطح الأرض، وهذه المعضلة تسبب في وقوعها كل إنسان يعيش على سطح الأرض، أي كل دولة تتحمل مسؤولية نزولها علينا. فكل إنسان غنياً كان أم فقيراً يستخدم البخاخات والإيروسولات، وكل إنسان يستخدم المكيفات، وكل إنسان يستخدم الثلاجات وأجهزة التبريد، وكل إنسان يستخدم جهاز إطفاء الحريق، وكل هذه المنتجات التي نستخدمها يومياً تحتوي على مجموعة من الغازات تسمى "الفريون"، أو المركبات العضوية البسيطة التي تتكون من غاز الفلورين والكلورين، وهذه الغازات الخاملة والمستقرة لا تتحلل في طبقات الجو السفلى، أو طبقة التروتسفير، وإنما تعرج إلى السماء العليا رويداً رويداً حتى تبلغ طبقة الأوزون على ارتفاع أكثر من 20 كيلومتراً فوق سطح الأرض، وهناك بواسطة الأشعة البنفسجية المنبعثة من الشمس تتحلل وتطلق غاز الكلورين الذي بدوره يحلل غاز الأوزون في طبقة الأوزون ويمنعه من امتصاص الأشعة البنفسجية القاتلة للبشر والحجر والشجر. ولذلك كان لا بد من استنفار جهود العالم أجمع لمحاربة هذه الظاهرة المهددة لاستدامة حياة الإنسان والكائنات الأخرى على سطح الأرض، فأثمرت الجهود الدولية وتمخض عنها بروتوكول مونتريال في عام 1987.

 

كما أن قضية التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض تخص كل إنسان، وكل دولة تتحمل عبء وقوعها علينا، فكل إنسان يستخدم السيارة، أو القطار، أو الباخرة، وكل دولة تولد الكهرباء، وكل دولة تزرع المحاصيل وترعى المواشي من أجل تحقيق الأمن الغذائي، ومع كل هذه الأنشطة البشرية ينطلق غاز ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وغيرهما من أنواع الملوثات التي تسببت في وقوع هذه الظاهرة الخطيرة التي هددت أمن وسلامة الكرة الأرضية برمتها، مما استدعى تحركاً دولياً جماعياً منذ عام 1992، عندما وافقت دول العالم في القمة التاريخية حول البيئة والتنمية في مدينة ريو دي جانيروا البرازيلية على الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، ومازال المجتمع الدولي يبحث عن الحلول الجماعية المشتركة الملزمة لكل الدول لمواجهة سخونة كوكبنا. 

 

ولذلك فإن هناك بناءً على تقديري ثلاثة عوامل رئيسة تُلزم دول العالم إلى المضي بجدية نحو اتفاقية دولية، الأول هو مساهمة كل دول العالم في وقوع هذه القضية، والثاني هو النطاق الجغرافي لهذه القضية من حيث تأثيرها على كل شبرٍ صغير وكبير من كوكب الأرض، وأما العامل الثالث فهو يتمثل في عدم قدرة أية دولة، أو مجموعة، أو تكتل من الدول في علاج القضية لوحدها بشكلٍ جذري مستدام دون مساهمة الدول الأخرى في الحل وتحمل المسؤولية.

 

والآن نحن أمام قضية جديدة تتمثل في "البلاستيك"، أو "المخلفات البلاستيكية"، فهل هذه العوامل الثلاثة التي ذكرتها تنطبق على هذه القضية، حتى يجوز لي أن أدعو إلى علاجها بآلية المعاهدات الدولية؟ بل وفي حالة البلاستيك أستطيع أن أُضيف عاملين جديدين إلى العوامل الثلاثة السابقة.

 

أما العامل الأول المحقق لمستلزمات عمل الاتفاقية الدولية فهو دور كل إنسان، وكل دولة في نشؤ ظاهرة البلاستيك والمخلفات التي تنجم عن استخدامها. فالمادة البلاستيكية قد دخلت الآن في كل المنتجات الاستهلاكية التي نستعملها جميعاً في منازلنا، ومكاتبنا، ومصانعنا، وأصبحت جزءاً مهماً في صناعة جميع هذه المنتوجات الصغيرة منها والكبيرة التي لا نستطيع الاستغناء عن الكثير منها حالياً، سواء في الدول النامية الفقيرة، أو الدول الصناعية المتقدمة الغنية.

 

والعامل الثاني فهو ولوج هذه المنتوجات بعد الاستغناء عنها، والتخلص منها إلى كل عناصر بيئتنا، في الهواء، والماء، والتربة، وفي كل شبرٍ صغيرٍ أو كبيرٍ من بيئتنا، سواء أكان قريباً من المدن الحضرية أو بعيداً في المواقع النائية من الكرة الأرضية كالقطبين الشمالي والجنوبي وفي الأدغال الموحشة والمظلمة، وفي أعماق المحيطات السحيقة وعلى عمق أكثر من عشرة كيلومترات تحت سطح البحر، بل وإن هذه المخلفات البلاستيكية دخلت في كل أعضاء أجسادنا، حسب التحاليل المخبرية التي أُجريت وأكدت على وجود البلاستيك في كل هذه البيئات، إضافة إلى جسم الإنسان. فالمخلفات البلاستيكية عندما تُرمى في البيئة تكون كبيرة الحجم(مَاكْرُو)، ثم مع وجودها في البيئة ومكوثها في المكونات البيئية وتعرضها للحرارة، وضوء الشمس، والرطوبة العالية، والرياح الشديدة، فإنها تتكسر مع الوقت إلى قطعٍ أصغر فأصغر حتى أن بعضها لا يرى بالعين المجردة(ميكروبلاستيك)، كذلك مع مرور الزمن تتفتت أكثر إلى جسيمات ميكروسكوبية(نانوبلاستيك)، أو مجهرية صغيرة جداً لها القدرة على غزو جسم الإنسان عن طريق الفم والأنف واحتلال الجهاز التنفسي، ثم الانتقال إلى الدم والتحرك بسهولة ويسر في الدورة الدموية، ومنها إلى كل خلية من خلايا أعضاء أجسادنا، ومنها أيضاً من الأم الحامل إلى جنينها. ويمكن الرجوع إلى التفاصيل في مجلة علوم وتقنية البيئة التي نَشرت مقالاً شاملاً في 11 مايو من العام الجاري تحت عنوان "تحلل البلاستيك كتهديد للكوكب، التعرض، والمصير، والخطورة"، أو الدراسة المنشورة في مجلة "علم السموم للجسيمات والألياف" في 24 أكتوبر 2020 حول انتقال الجسيمات البلاستيكية من مشيمة الأم إلى الجنين.

 

وأما العامل الثالث فيتمثل في ضعف إمكانية أية دولة مهما بلغت من قدرات وقوة في التصدي لهذه المخلفات البلاستيكية التي عبرت الحدود الجغرافية للدول وبلغت كل أرجاء الأرض وتقديم الحلول التنفيذية الناجعة والفاعلة للتخلص منها في بيئتنا وفي أجسامنا. والعامل الرابع الذي يضطر الدول إلى التحكيم لاتفاقية دولية للتعامل معها، فهو أن البلاستيك مع الاستعمال يتحول إلى ملايين الأطنان سنوياً من المخلفات البلاستيكية التي يتم نقلها عبر الحدود من بلدٍ إلى آخر لتدويرها وإعادة صناعتها، مما يحتم وجود آليات واضحة، وضوابط تنظم حركة النقل، كما هو الحال الآن بالنسبة لاتفاقية بازل حول التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود. وأما العامل الخامس والأخير فهو تفاقم قضية المخلفات البلاستيكية مع نزول وباء كورونا على البشرية منذ ديسمبر 2019، حيث إن كمية وأحجام المخلفات البلاستيكية زادت بشكلٍ مشهود وكبير وتمت مشاهدتها في كل بقعة من الأرض، مثل الكمامات التي توضع على الوجه والفم، والقفازات البلاستيكية، والملابس الواقية التي يرتديها الطاقم الطبي المختص بمعالجة كورونا، وكلها يتم استخدامها لمرة واحدة فقط ثم تُرمى.

وجدير بالذكر أن هذا الدعوة لاتفاقية تتعامل مع البلاستيك مازالت في مهدها ولم تلق إجماعاً دولياً، ففي الاجتماع الخامس للأمم المتحدة حول البيئة في الفترة من 22 إلى 23 فبراير 2021، دعمت 40 دولة فقط هذه الفكرة.

وفي الحقيقة فإنني في حيرةٍ من أمري عندما أدعو إلى اتفاقية جديدة تُضاف إلى الكم الهائل من الاتفاقيات الدولية، أو المتعددة الأطراف، أو الإقليمية، أو الثنائية، فشعورٌ ينتابني بأهمية اتفاقية البلاستيك، كما ذكرتُ سابقاً، وفي الوقت نفسه شعور آخر يراودني ويقول لي بعدم جدوى هذه الاتفاقيات لأنها تمثل مخزوناً متراكماً من الاتفاقيات التي لا تنفذ من قبل الدول حتى بعد الاتفاق عليها، إضافة إلى أن كل اتفاقية يجب أن تُخصَص لها ميزانية مستقلة، وكوادر بشرية فنية ومتخصصة لمتابعتها ومراقبة تنفيذها، وكل هذه المستلزمات المالية والبشرية ترهق كاهل ميزانيات الدول، وبخاصة في عهد كورونا، الذي زلزل الحالة الاقتصادية لدول العالم أجمع.

فهل هناك جدوى إذن لاتفاقية جديدة تُضاف عددياً إلى الاتفاقيات الكثيرة الأخرى التي لم يتم تفعيل العديد منها؟

الاثنين، 7 يونيو 2021

عملية قسطرة لخليج توبلي

نقلتْ وسائل الإعلام المحلية خبراً ساراً في الثلاثين من مايو يبعث نحو التفاؤل والأمل، حيث جاء فيه بأن وزارة شؤون الأشغال وشؤون البلديات والتخطيط العمراني بدأت بأعمال مشروع توسعة وتعميق قناة المعامير التي تقع جنوب خليج توبلي، والذي يندرج ضمن حزمة من المشاريع ضمن مشروع استراتيجي تعمل الوزارة على تنفيذه. كما أفاد الخبر بأن هذا المشروع يهدف إلى تحسين الوضع البيئي في خليج توبلي وتحسين تدفق المياه فيه، ويشمل توسعة قناة المعامير بطول 750 متراً، وبعرض 180متراً وحفر القناة ليبلغ عمقها مترين، مما يؤدي إلى تحسين حركة تدفق المياه من الجهة الجنوبية، إضافة إلى زيادة حركة وجريان المياه إلى الخليج بشكلٍ عام وتحسين جودة مياه البحر. كذلك يشتمل المشروع على زيادة طول القناة الحالية بطول 24 متراً من الشمال والجنوب ليصل الطول الكلي إلى 100 متر، وتوسعة المجرى المائي بإنشاء أنابيب موازية بطول 100 متر ليكون العرض الكلي للمجرى 70 متراً.

 

فهذه العملية التي ستُجرى على خليج توبلي، أنتظرها شخصياً منذ أكثر من أربعين عاماً، ودعوتُ مرات كثيرة إلى إجرائها وبسرعة شديدة، فهي بمثابة عملية القسطرة المؤجلة لقلب خليج توبلي، والذي تعرض خلال تلك العقود الطويلة الماضية لانسداد في العديد من الشرايين الرئيسة التي تغذي القلب، فتؤثر على أدائه ووظيفته، واستدامة حياته.

 

فكما يعلم الجميع فإن الفتحات المائية التي تغذي خليج توبلي معدودة وصغيرة وغير عميقة، ومحدودة الطول، ولذلك تجدد وتحرك المياه في بطن الخليج يكون بطيئاً وقليلاً، ولا يؤدي إلى استمرارية حماية الخليج والحفاظ على جودة مياهه واستدامة الحياة البحرية فيه. فوجود هذه الفتحات المائية تُشكل أحد الشرايين الذي يعطي الروح للخليج، ويزوده بالحياة، ويسهل من تدفق وضخ الدم في قلبه، ولذلك فمشروع توسعة وتعميق قناة المعامير هو بمثابة عملية القسطرة التي ستقوم بتشخيص المرض الذي يعاني منه القلب، وهو أهم عضو في جسم الإنسان، فيفتح الشرايين المسدودة التي تقف عائقاً أمام ضخ الدم للقلب وسلامة الجسد برمته.   

 

فعملية القسطرة الأولى هذه تحتاج إلى الاستمرارية، والقيام بعمليات أخرى كثيرة لإرجاع الروح إلى جسد الخليج المنهك منذ سنوات طويلة، ووقف التعديات كلها على حرماته، حتى يرجع الخليج إلى ما كان عليه قبل أكثر من ستين عاماً، أي قبل أن تبدأ أيدي الإنسان في العبث في كل عضو من جسده.

 

فالخليج حالياً يعاني من أمراض مزمنة، أضعفت جسده، وأثرت على إنتاجيته وعطائه، فيجب معالجتها جميعاً حتى يرجع إلى ما كان عليه. فهناك أولاً عمليات الدفان، التي من المفروض أنها قد توقفت كلياً، فهذه العمليات هي التي بدأت في قطع شرايين الحياة الدموية للخليج، وهي التي أكلت من جسد الخليج، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى أن هذا الجسد العليل فَقَدَ الكثير من أعضائه المنتجة والحيوية، حيث انكمشت المساحة من قرابة ثلاثين كيلومتراً مربعاً إلى قرابة 13 كيلومتراً مربعاً، ولذلك فخسارة أي شبرٍ آخر مستقبلاً سيُقلل من احتمال استمرارية الحياة للخليج، ويضعف قلبه، فيقل ضغط الدم فيه، ويموت موتاً بطيئاً رويداً رويداً.  

 

والجدير بالذكر فإن هناك تشريعات اتجهت نحو حماية الخليج من أية عمليات دفان جديدة، فهناك أولاً المرسوم بقانون رقم (53) لسنة 2006 باعتبار خليج توبلي منطقة محمية طبيعية، والصادر في الخامس من أغسطس 2006، حيث جاء في المادة الأولى أنه يعتبر خليج توبلي محمية طبيعية من الفئة الثانية، أو متنزه وطني، وجاء في مادة ثانية أن مساحة الخليج يجب أن لا تقل عن 13.5 كيلومتر مربع.

 

وهناك ثانياً القرار الوزاري الصادر من شئون البلديات والتخطيط العمراني رقم (70) لسنة 2011 بشأن تحديد خط الدفان في خليج توبلي والصادر بتاريخ 12 يونيو 2011، حيث حدد مساحة الخليج بـ 15.91 كيلومتر مربع، علماً بأن هذا القرار جاء متأخراً، أي أن هذا القرار ظهر إلى الوجود بعد أكثر من خمس سنوات من المرسوم أعلاه!

 

كذلك هناك التوجيهات المباشرة التي صدرت من مجلس الوزراء ومن اللجنة التنسيقية حول حماية هذا الخليج، منها أن اللجنة التنسيقية في اجتماعها الـ 286 المنعقد في السابع من نوفمبر 2019 قد اطلعتْ على مقترحات خليج توبلي والمحافظة على بيئته، ثم موافقة مجلس الوزراء في الاجتماع المنعقد في 11 نوفمبر 2019 على خطة شاملة لتطوير خليج توبلي تحافظ على طبيعية البيئة، وتجمل المنطقة المحيطة به، وتحسن دورات حركة المياه.

 

فكل هذه المراسيم، والتوجيهات المباشرة من مجلس الوزراء تثبت بأن الخليج لا يحتاج إلى المزيد من التشريعات والقوانين والأنظمة، أو توجيهات جديدة من جهات عليا، وإنما بحاجة ماسة إلى "مشاريع" تنفيذية واقعية نراها أمام أعيننا، كمشروع توسعة وتعميق قناة المعامير.

 

ومن هذا المنطلق فإنني أدعو الجهات المعنية إلى رسم "خارطة طريق" تنفيذية لإنقاذ ما تبقى من جسم الخليج، كما يلي:

أولاً: يجب أن تكون خارطة الطريق شاملة ومتكاملة، أي أنها تعالج تنفيذياً وجذرياً كل الأبعاد والعوامل والمصادر التي قد تؤثر سلباً على الخليج في المستقبل القريب والبعيد، سواء من ناحية جسد الخليج ومساحته وعمقه، أو من ناحية نوعية البيئة البحرية وسلامة الحياة الفطرية.

ثانياً: استناداً إلى المرسوم بقانون رقم (53) لسنة 2006 باعتبار خليج توبلي منطقة محمية طبيعية، فإن هناك متطلبات قومية ودولية لتحويل أية منطقة برية أو بحرية إلى محمية، ومن هذه المتطلبات إصدار شهادة مسح تبين مساحة وحدود المحمية، ثم إصدار "وثيقة أرض محمية خليج توبلي"، إضافة إلى وضع الأنظمة التي تحدد الأعمال والممارسات المسموح بها والمحظورة في المحمية، حتى تكون هناك مراقبة وحساب وعقاب لكل من يخالف هذه الأنظمة.

ثالثاً: معالجة التهديدات الأخرى للخليج والمتمثلة في مياه الصرف من محطة توبلي لمعالجة مياه المجاري، ومصانع غسيل الرمل، وإزالة حمأة مياه المجاري المتكدسة في السواحل وفي التربة القاعية أمام محطة معالجة مياه المجاري، إضافة إلى تنظيف الخليج من المخلفات الصلبة وشبه الصلبة.

رابعاً: ومن أهم النقاط هي تخصيص الموارد المالية المطلوبة لتنفيذ خارطة الطريق.

 

السبت، 5 يونيو 2021

هل هناك إجابة عن هذا السؤال؟

سؤال خطير وصعب يطرحه كل إنسان يعيش على سطح الأرض منذ ديسمبر 2019، وهو من أين جاء فيروس كورونا العصيب، وما هو مصدره؟

 

وصعوبة الإجابة عن هذا السؤال لا تأتي في أنه سؤال علمي وفني بحت ومعقد، وإنما يكمن السبب في أن لهذا السؤال تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية عظيمة تنعكس على الصين بشكلٍ خاص، وعلى العالم بشكلٍ عام.

 

فالإجابة عن هذا السؤال ستوجه أصابع الاتهام والمسؤولية إلى الدولة التي جاء منها هذا الوباء العقيم، والتي ترعرع فيها هذا الفيروس القاتل وانتشر منها إلى كل بقعةٍ صغيرة وكبيرة من كوكبنا، وإلى كل أسرة في العالم أجمع، فهذه الدولة ستُلقَى عليها مسؤولية  موت أكثر من 3.6 مليون إنسان حول الأرض، وإصابة قرابة 169 مليون بهذا المرض العضال، وهذه الدولة ستُحاسب من قبل المجتمع الدولي على تسببها في نزول هذا الكرب العظيم على البشرية جمعاء، وهذه الدولة ستتشوه سمعتها ومنزلتها ومكانتها بين الدول، وقد يُطلب منها تعويضات اقتصادية لجميع الدول التي تضررت من هذه الطامة الكبرى.

 

ولذلك فالإجابة لن تكون سهلة، وقد تكون في تقديري مستحيلة، فالدولة المعنية بالفيروس والمتهمة الوحيدة هي الصين، وهي دولة عظيمة وكبيرة، وذات نفوذ دولي سياسي واقتصادي يعرفه الجميع، وقد قامت منذ أن انتشرت رائحة هذا الفيروس رسمياً في نوفمبر 2019، بكسب الوقت وعمل كل ما يلزم لإخفاء أية أدلة، إن وجدت، حول مصدر الفيروس ومسقط رأسه، والتي قد تؤدي إلى توجيه أصابع الاتهام إليها، وهي في الوقت نفسه عطَّلت لأشهر طويلة السماح للجنة التحقيق الدولية الثانية التابعة لمنظمة الصحة العالمية من الدخول في الصين من أجل الترتيب لأوراقها الداخلية والتمهيد للزيارة. 

 

فمن خلال متابعاتي الحثيثة، واطلاعي على التقارير والأبحاث العلمية المتعلقة بهذا السؤال، فإن النظرية السائدة حتى يومنا هذا والتي يؤمن بها الكثير من العلماء، ولكن دون دليل وإجماع علمي دامغ، تتفق مع الرأي الصيني الرسمي الحكومي، وهي أن الفيروس نزل على البشر من مصادر طبيعية، أي من الخفاش، أو حيوان آخر وسيط وانتقل إلى الإنسان، وقد يكون مصدره الأول هو سوق ووهان للمأكولات البحرية والحيوانات البرية، أو من مزارع أخرى للحيوانات في الصين خارج مدينة ووهان، أو من لحوم مجمدة ملوثة حيوياً جاءت من مصادر غير معروفة. كما أن استنتاجات فرق التحقيق الدولية والتابعة لمنظمة الصحة العالمية، وبالتحديد فريق التحقيق الثاني، أكدت في مارس 2021 بأن الفيروس جاء بشكلٍ طبيعي، وأن احتمال تسربه من أحد المختبرات، وبالتحديد من مختبر ووهان للفيروسات(Wuhan Institute of Virology) "مستبعد جداً". علماً بأن منظمة الصحة العالمية نفسها في أبريل 2021، أشارت وباستحياء وبرفق شديدين إلى وجود استفسارات وأسئلة لم تتم الإجابة عنها، كما صرح بذلك مدير عامة المنظمة الذي أفاد بأن هناك حاجة للمزيد من الدراسة والتحقيق حول فرضية التسرب الفيروسي، حيث قال: "كل النظريات ستظل قائمة وتحتاج إلى دراسات أخرى".

 

ولكن هذه الفرضية الصينية الرسمية، وربما لأسباب سياسية، أو غير سياسية وموضوعية بحثاً عن الحقيقة، قد شكك البعض في مصداقيتها، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى وبعض الباحثين. فأول من رفضها كلياً وبصراحة هو الرئيس السابق ترمب، حيث أشار في الثلاثين من أبريل 2020 أثناء حديثه مع الصحفيين إلى احتمالية نظرية تسرب الفيروس من المختبر، وقال بأنها تبدو منطقية ومعقولة، ولكن لم يقدم بدون أية أدلة تثبت هذه النظرية. كذلك في الثالث من مايو 2020 أكد وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو في مقابلة مع الشبكة التلفزيونية الإخبارية أي بي سي بأن هناك أدلة كثيرة، ولكن أيضاً دون تقديم أي منها تفيد بفشل تشغيل المختبرات في الصين وتسرب الفيروس منها، حيث قال بأن: "لديه أدلة كثيرة تُثبت بأن الفيروس نتج في المختبر". وفي 15 يناير 2021 قبيل خروج ترمب من البيت الأبيض بخمسة أيام، نشرت وزارة الخارجية نشرة معلوماتية تفيد بأن الحكومة الأمريكية تعتقد بأن العديد من الباحثين في مختبر ووهان قد أصابهم المرض في خريف 2019، أي قبل نشر خبر انتشار المرض من الصين، كما أكد على هذه الادعاءات التقرير المنشور في مجلة "الوال ستريت" في 25 مايو 2021 حول إصابة بعض العلماء من مختبر ووهان بأعراض مرضية تشبه مرض كورونا، أو مرض الإنفلونزا الموسمي المعروف في نوفمبر 2019، أي قبل الإعلان الصيني الرسمي عن أول حالة لمرض كوفيد_19 في الثامن من ديسمبر 2019.

 

واليوم يأتي بايدن ليحيي هذه النظرية من جديد، ولكن دون توجيه الاتهام الرسمي ضد الصين، حيث إنه أمر في 26 مايو الأجهزة والوكالات الاستخباراتية التي يبلغ عددها 18 وكالة، قائلاً:"منذ اليوم، بَحَث مجتمع الاستخبارات الأمريكية في نظريتين، ولكن لم يصل إلى استنتاج دامغ حول هذا السؤال. لقد أمرتُ مجتمع الاستخبارات في مضاعفة الجهود لجمع وتحليل المعلومات التي تُقربنا إلى الوصول إلى استنتاج أكيد، وتقديم التقرير خلال 90 يوماً". وجدير بالذكر أن وكالات الاستخبارات الأمريكية لا تجتمع على رأي واحد ونظرية واحدة حول مصدر الفيروس، فمنها من يقول بأن الفيروس طبيعي وانتقل من الحيوان إلى الإنسان، ومنهم من يفيد باحتمالية التسرب عن طريق الخطأ من مختبر في الصين، ولذلك جاءت توجيهات بايدن للتعاون مع بعض وتنسيق الجهود للوصول إلى إجماع في الرؤية حول مصدر الفيروس.

 

كما أن فرضيات أمريكا ودعوتها لتحقيق دولي مستقل لاقت آذاناً صاغية من عدة جهات، فقد دعت جمعية الصحة العالمية(World Health Assembly) في اجتماعها السنوي في مايو من العام الجاري إلى النظر بجدية أكثر إلى هذه الادعاءات والتحقيق فيها، كما وجهت إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية ثالثة، كما ركب الموجة مجموعة من العلماء حول العالم ودعوا إلى التحقيق في نظرية التسرب المخبري بحجة تجنب وباء فيروسي آخر في المستقبل والتعرف عن كثب على كافة المعلومات الغامضة عن الفيروس ومصدره، حسب ما ورد في مجلة العلوم في مقال تحت عنوان: "التحقيق في أصل كوفيد_19. كذلك فإن صحيفة التايمس البريطانية  في الثلاثين من مايو نشرت خبراً تحت عنوان: "كوفيد: تَسَربْ مختبر ووهان محتمل، تقول المخابرات البريطانية"، حيث أفادت المخابرات البريطانية بأنه من الممكن أن الوباء مصدره تسرب الفيروس من مختبر للأبحاث في الصين.

 

والآن نبقى جميعاً في حيرةٍ من أمرنا، وفي قلقٍ ومعاناة شديدين، فلا أحد يعرف بالدليل العلمي المستقل والموضوعي القاطع مصدر هذا الفيروس، وفي تقديري ربما من المستحيل معرفة المصدر بدقة ومصداقية، فالسياسة الخبيثة دخلت على خط هذا السؤال المتعلق بالمصدر، وأجهزة الأمن والمخابرات لا يمكن الوثوق بها للإجابة عن هذا السؤال، والنتيجة إذن أن هذا السؤال سيبقى بدون إجابة.

 

الأربعاء، 2 يونيو 2021

استراتيجيتُنا لقطاع السيارات

لم تكن زيارة الرئيس الأمريكي بايدن في 18 مايو من العام الجاري لمجمع ومركز تاريخي لإنتاج وصناعة السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الترفيه والتسلية والاستعراض عند ركوب إحدى السيارات الكهربائية من نوع الشاحنات الصغيرة(بيك أب) من طراز ( F-150 Lightning) التي أنتجتها شركة فورد العريقة لصناعة السيارات.

 

فزيارة بايدن لمركز فورد روج للسيارات الكهربائية(Ford Rouge Electric Vehicle Center)في مدينة ديربورن(Dearborn) بالقرب من ديترويت، العاصمة التاريخية لصناعة السيارات الأمريكية، كانت بهدف تدشين وتسويق خطة كبيرة وطموحة وضعها قبيل دخوله البيت الأبيض تحت عنوان: "خطة وظائف أمريكا"(American Jobs Plan)، وهي برنامج عظيم يكلف قرابة 1.7 تريليون دولار، حسب التعديل الأخير المنشور في 22 مايو، وسيُنْفَق على تطوير وتحديث البنية التحتية في الولايات المتحدة برمتها، من حيث بناء الشوارع، والجسور، إضافة إلى تطوير ودعم الصناعات الخضراء المتعلقة بمكافحة التغير المناخي وخفض انبعاث أمريكا من الغازات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض، وبالتحديد غاز ثاني أكسيد الكربون.

واختيار هذا المركز القومي التاريخي العريق لصناعة السيارات جاء بسبب أن قطاع المواصلات هو المسؤول الأول عن انبعاث هذه الملوثات التي تحدث التغير المناخي وتؤدي إلى سخونة الأرض ومرضها. فقد انتهز بايدن فرصة وجوده في مصنع للسيارات للتركيز على دور هذا القطاع في خفض انبعاثات الغازات المتهمة بسخونة الأرض والمساهمة في مساعدة أمريكا في التعهد بالتزاماتها القومية والدولية في خفض الانبعاث.

 

فقد كانت مناسبة جيدة لرفع مستوى الوعي الشعبي وتشجيع وتحفيز الشعب الأمريكي وشعوب العالم أجمع، إضافة إلى شركات إنتاج السيارات إلى التوجه نحو صناعة السيارات الكهربائية وشرائها والتي لا تنبعث عنها أية ملوثات تدهور نوعية الهواء، أو ترفع من درجة حرارة الأرض فتؤدي إلى وقوع التغير المناخي.

 

فبهذه الزيارة الخاطفة رسم بايدن استراتيجية طويلة المدى، ووضع سياسة عامة ملخصها أن المستقبل سيكون للسيارات الكهربائية، حيث قال في الكلمة التي ألقاها أثناء الزيارة:"مستقبل صناعة السيارات هو الكهرباء، فليس هناك رجعة"، وأضاف قائلاً حول الإنتاج العالمي للسيارات الكهربائية: "الآن الصين تقود السباق... ولكنها لن تفوز بالسباق".

 

وكما أن الرئيس بايدن طرح سياساته القومية الاتحادية المتعلقة بقطاع السيارات، فعلينا في البحرين، وفي دول مجلس التعاون التفكير في استراتيجية حول السيارات الكهربائية ومستقبل سيارات الجازولين والديزل، والتعرف على تبعات وتداعيات مثل هذه الاستراتيجية على قطاع تكرير النفط وتوليد الكهرباء، وغيرهما من القطاعات التي من الممكن أن تتأثر وتتضرر بذلك.

 

ففي البحرين لا توجد حتى الآن سياسة حكومية عامة مدروسة ومعتمدة من مجلس الوزراء حول السيارات الكهربائية بشكلٍ عام، بحيث تكون هذه الاستراتيجية نافذة على كافة وزارات وهيئات الدولة، وتشكل الغطاء السياسي للشركات المستوردة للسيارات، وشركات بناء محطات التزود بالوقود، إضافة إلى شركات صيانة وتصليح وقطع غيار السيارات من أجل الاستثمار في بناء كافة المرافق الخاصة بالسيارات الكهربائية. وعلاوة على ذلك فإن هناك حاجة إلى توجيه المستهلك وتشجيعه وتحفيزه لشراء مثل هذه السيارات الكهربائية.

 

ففي الوقت الحالي هناك قرارات فردية ضيقة، واجتهادات شخصية تَصدر من بعض الأقسام في بعض الوزارات، وليست سياسات عامة على مستوى حكومة مملكة البحرين يطبقها الجميع ويسير على هداها. فعلى سبيل المثال، أعلنتْ وزارة التجارة في 12 يناير 2021 عن بدء استقبال طلبات استيراد السيارات الكهربائية عبر المنافذ الجمركية لمملكة البحرين للغرض التجاري، كما جاء في الخبر بأن الوزارة بصدد اصدار قرار وزاري لتنظيم استيراد وبيع وتداول السيارات الكهربائية وشواحنها في الأسواق المحلية لمملكة البحرين في النصف الأول من عام 2021. كذلك نُشر خبر في وسائل الإعلام المحلية عن افتتاح أول محطة لشحن بطارية السيارات الكهربائية في 26 أبريل 2021.

 

ومثل هذه الأخبار تُثير الكثير من التساؤلات لدى الشارع البحريني من مواطن عادي ومن المستثمرين، مثل: هل ستتجه البلاد نحو تبني السيارات الكهربائية وإحالة سيارات الجازولين بشكلٍ تدريجي إلى التقاعد؟ وهل ستقوم الحكومة أُسوة ببعض الحكومات الخليجية في دعم شراء السيارات الكهربائية من أجل تشجيع الناس إلى شرائها؟ وهل يستطيع المستثمر الدخول في مجال فتح محطات لتزويد السيارات بالكهرباء في كل أنحاء البلاد؟ وهل تبدأ شركات استيراد السيارات بالتركيز والاستثمار تدريجياً على استيراد السيارات الكهربائية، وتحويل مرافقها لاستيعاب والتعامل مع احتياجات السيارات الكهربائية من تصليح، وقطع غيار، وتأهيل الفنيين والتقنيين، وشراء الأجهزة والمعدات اللازمة للسيارات الكهربائية بشكلٍ خاص؟

 

ولذلك لا بد من مملكة البحرين خاصة، ودول مجلس التعاون عامة البدء في وضع استراتيجية وسياسىة عامة حول رؤيتهم المستقبلية للسيارات الكهربائية، وهذه سياسة لا بد من التفكير فيها من الآن، فهي سياسة واقعية، وهي مفروضة علينا دولياً من جهة، ومفروضة علينا من قبل الشركات المصنعة للسيارات من جهةٍ أخرى، شئنا أم أبينا. أما من الناحية الدولية فالولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والصين اتخذوا قراراً موحداً على التخلص من سيارات الديزل والجازولين واستبدالهما بالسيارات الكهربائية بحلول عام 2030. وأما من ناحية كبريات الشركات المصنعة للسيارات في هذه الدول، فهي قد اتخذت قراراً نهائياً حول تبني صناعة السيارات الكهربائية، ودخلت في سباقٍ محموم للفوز بالحصة الكبرى من سوق السيارات، فجميعها يهرول نحو إنتاج الأفضل من الناحية الفنية والتقنية ومن ناحية كلفة الشراء للسيارات الكهربائية، إضافة إلى تخلصها من سيارات الاحتراق الداخلي، أو سيارات الجازولين.