الأربعاء، 11 مايو 2022

جماعات تفوق العرق البيض: ظاهرة قومية أم دولية؟

الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي أُجريت في أبريل 2022 أفادت بأن النصرانية اليمينية المتطرفة ماريان لوبان قد حصلت على 41.5% من إجمالي الأصوات، أي 13297760 صوتاً فرنسياً، وهذه النتيجة أعلى وأفضل من نتيجة الانتخابات التي أُجريت في عام 2017، والتي حصلت فيها على نسبة أقل وهي 33.9%.

 

فهذه النتيجة في حد ذاتها تشير إلى بُروز ونمو عدة حالات ومظاهر في المجتمع الفرنسي، ومنها استفحال ظاهرة محددة بدأت معالمها وصورتها تتضح يوماً بعد يوم، وهي ظاهرة "القومية والشعبوية"، وتوجه المجتمع الفرنسي نحو التشدد والتطرف، وكُره الآخرين، والابتعاد عن مبدأ التسامح والحرية والتعددية الفكرية.

 

فهل هذه الحالة الفرنسية فريدة من نوعها ولا توجد مثلها في دول غربية أخرى، أم أنها ظاهرة عامة تفشت وتخطت الحدود الجغرافية لكل دولة؟

 

وهل الجماعات اليمينية المتطرفة والعنيفة في بعض الأحيان الموجودة في فرنسا تشترك مع جماعات وحركات أخرى في الأفكار والممارسات، والتي ظهرت في دول محددة مثل ألمانيا، والنرويج، والسويد، وفنلندا، والنرويج، والولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا وغيرها؟ وهل ترتبط مع بعض وتُنسق أنشطتها على المستوى الخارجي ولها علاقات تعاون وثيقة؟

 

في الواقع فإن هذه الجماعات قد تختلف في مسمياتها وعناوينها، ولكن تشترك مع بعض في وصفها، وأهدافها، وأفكارها، وممارساتها إلى حدٍ بعيد. فهناك الجماعات القومية والشعبوية، وهناك حركة النازيين الجدد، وهناك جماعات تفوق العرق الأبيض، وكلها من النصارى البيض، ومن أقصى اليمين المتشدد والذي يميل إلى العنف والقيام بأعمال إرهابية، وكلها تكره الجنس الآخر والأديان الأخرى، وكلها تقف ضد التجنيس، وفي بعض الحالات كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا تحارب الحكومة الاتحادية. 

 

وهناك الكثير من المقالات، والدراسات، والتقارير الحكومية وغير الحكومية التي تجيب عن هذه الأسئلة من خلال تحليل أفكار وتصريحات المسؤولين عن هذه الجماعات، وتقييم ودراسة العمليات الإرهابية التي قاموا بها في عدة دول(مثلاً في مدينة أوكلاهوما بولاية أوكلاهوما، ومدينة ألباسو في تكساس، وفي النرويج، وفي نيوزلندا)، وتمخضت عنها استنتاجات عامة تتلخص في ما يلي:

أولاً: هذه الجماعات النصرانية اليمينية المتشددة بدأت تظهر بشكلٍ علني وواضح في المجتمعات الغربية في السنوات القليلة الماضية، وهذه الحركات كشفت عن هويتها الحقيقية المتطرفة الآن بدون خوف، أو حياء، وتمارس أفكارها المظلمة تحت ستار الأحزاب الرسمية، وتحت غطاء سياسي معترف به من الحكومات بحجة حرية الرأي والتعبير، والتعددية الفكرية.

ثانياً: هذه الجماعات تشترك في الكثير من أهدافها وأفكارها المتمثلة في تفوق العرق الأبيض، وكره الأجانب، والتعصب الديني، وممارسة العنصرية، والميل في بعض الحالات نحو العنف والإرهاب.

ثالثاً: يوجد تنسيق بين هذه الحركات عبر القارات وعبر الحدود الجغرافية للدول، كما توجد روابط وعلاقات بينها في تنفيذ بعض البرامج، وبعض أفراد هذه الجماعات الذي قام بعمليات إرهابية معروفة قد تأثر بأفكار وممارسات شخصيات متطرفة موجودة في دول أخرى.

رابعاً: هناك شبه إجماع عند المفكرين وبعض السياسيين والعلماء في الغرب على تصنيف هذه الحركات اليمينية العنيفة المتطرفة على أنها "منظمات إرهابية أجنبية وخارجية"، على غرار تصنيف الجماعات الإسلامية، مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. 

 

ومن هذه المنشورات، المقال الذي كتبه ماكس روز عضو سابق في الكونجرس الأمريكي، وجاك روزن رئيس المؤتمر الأمريكي اليهودي، العضوان في "المجلس الاستشاري لمكافحة تفوق العرق الأبيض والإرهاب الداخلي"، في مجلة "النيوزويك" الأمريكية في الأول من مايو 2022 تحت عنوان: "تطرف تفوق العرق الأبيض لم يعد قضية داخلية. إنها قضية دولية"، حيث يفيد المقال بأن الإرهاب الداخلي الأمريكي من جماعات تفوق العرق الأبيض مرتبط بشبكة دولية من الأنشطة الإرهابية لهذه الجماعات، وتتعدى الحدود الجغرافية للولايات المتحدة الأمريكية لتصل إلى ألمانيا، وأستراليا، وكندا، وروسيا، وبريطانيا، ودولة جنوب أفريقيا. كما يشير المقال إلى أن هذه الشبكة الدولية هي نواة الأفكار المتطرفة العنيفة، وهي التي تغذي الآخرين بمثل هذه المبادئ المتشددة.

 

كذلك هناك الدراسة المنشورة من مركز سوفان(Soufan Center)، وهو منظمة مستقلة للأبحاث والسياسات حول قضايا الأمن الدولي، في 27 سبتمبر 2019، تحت عنوان: "تطرف تفوق العرق الأبيض: صعود حركة تفوق العرق الأبيض العنيفة عبر الحدود الجغرافية"، حيث خلصت الدراسة إلى أن جماعات تفوق العرق الأبيض "تُقوي شبكتها عبر الحدود القومية، حتى إنها تُقلد تكتيكات وأساليب مجموعات مثل القاعدة وتنظيم الدولة. فهذه الشبكات تشترك في أسلوب عملها وممارساتها من حيث تجنيد الأفراد الجدد، وفي وسائل التمويل، وطرق الدعاية التي تتبعها". فهذا التقرير من "مركز سوفان" يشير إلى أن أعمال هذه الجماعات اليمينية المتطرفة تتخطى حدود الدولة الواحدة، فهي ليست حركة قومية داخلية على مستوى الولايات المتحدة، ولكنها حركة عابرة لحدود الدول، ولها اتصالات وروابط مع شبكات لها نفس الهدف، وتتبنى السياسات نفسها، وتمارس أسلوباً مشابه في العمل، وتشترك في برامج موجهة لعامة الناس من أجل تجنيدهم وضمهم إلى هذه الحركة.

 

كما أصدر "مركز سوفان" في 12 أغسطس 2020 تقريراً خاصاً تحت عنوان: "شبكة أَتُومْوافِن: نشؤ تهديد تفوق العرق الأبيض"، وهذه الحركة الجديدة(Atomwaffen)، تعتبر شبكة للنازيين الجدد في ألمانيا، ولكن لها جذور في الولايات المتحدة الأمريكية وفي دول أخرى، وانكشفت هذه الجذور والعلاقة في المسيرة العنيفة التي نُظمت في مدينة شارلتسفيل(Charlottesville) في ولاية فيرجينيا في 12 أغسطس عام 2017، تحت شعار "وحدوا اليمين"، حيث وقعت صدامات عنيفة بين جماعات تفوق العرق الأبيض وجماعات أخرى معارضة، كما أثبت التقرير نفسه بأن هذه الحركة اليمينية الألمانية لها الآن ارتباطات واتصالات بمجموعات أخرى موجودة في السويد، وبريطانيا، وكندا، وأوكرانيا.

 

وعلاوة على ما سبق، هناك التقرير الخاص الصادر من مشروع بحثي قامت به إدارة "مراقبة تهديد الإرهاب الداخلي" أو "دِي تِي تي إِم"( Domestic Terrorism Threat Monitor) التابعة لـ "معهد الشرق الأوسط للأبحاث الإعلامية" أو "إم إي إم آر آي"(The Middle East Media Research Institute) في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي منظمة مستقلة غير ربحية، وغير حزبية في العاصمة الأمريكية. وهذه الدراسة المتخصصة المنشورة في 12 نوفمبر 2021 جاءت تحت عنوان: "التطرف في الجيش الأمريكي: دراسة لأنشطة النازيين الجدد وتفوق العرق الأبيض في الجيش عبر الإنترنت"، حيث أشار التقرير إلى هذا التهديد الداخلي المستور الذي كشفه حول تجذر العناصر المتطرفة والعنصرية في الجيش الأمريكي منذ سنوات، والذي برز إلى السطح مؤخراً، وبالتحديد أثناء حكم ترمب، حيث تنبه الرئيس الحالي بايدن إلى خطورة هذه الظاهرة وأمر بمراقبتها، ومكافحتها، واستئصالها من الجيش الأمريكي في كل فروعه.

 

كما نشرتْ هذه المنظمة "إم إي إم آر آي"، تقريراً يوصي فيه تصنيف المجموعات اليمينية المتطرفة والعنيفة في الولايات المتحدة وفي الدول الأخرى كمنظمات إرهابية أجنبية، وجاء التقرير تحت عنوان: "التوصية للتصنيف المستقبلي للمجموعات المتطرفة العنيفة كمنظمات إرهابية أجنبية حسب الأمر التنفيذي رقم 13224". فهذا الأمر التنفيذي (Executive Order 13224) الصادر من مكتب مكافحة الإرهاب ووقعه الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في 23 سبتمبر 2001 تحت عنوان: "تجميد ممتلكات وحظر التعامل مع الأشخاص الذين يرتكبون أعمال إرهابية أو يُهددون بارتكابها أو يدعمونها"، تَكون من عدة بنود، منها الإعلان عن حالة الطوارئ على المستوى الاتحادي للتعامل مع حادثة الحادي عشر من سبتمبر والإرهاب الخارجي الأجنبي بشكلٍ عام، ومنها البند المتعلق بـ "معايير تصنيف الجماعات الإرهابية الأجنبية". وهذا البند يعطي صلاحية التصنيف لوزارة الخارجية، بالتشاور مع وزارة المالية والنائب العام، كما يقدم تعريفاً لمصطلح "الإرهاب" بأنه "نشاط عنيف، أو عمل خطر يهدد حياة الإنسان، أو ممتلكاته، أو البنية التحتية، وهذا النشاط يهدف إلى إرهاب المدنيين، أو التأثير على سياسة الحكومة، أو التأثير على ممارسات الحكومة من خلال عمليات التدمير الشامل، أو القتل، أو الخطف، أو أخذ الرهائن". وفي الوقت نفسه يقدم البند المعايير الخاصة بتصنيف "منظمة الإرهاب الأجنبي"( Foreign Terrorist Organization)، وهي أن تكون المجموعة أجنبية، وتهدد الأمن القومي الأمريكي، أو الأمريكيين، وتشارك في أنشطة إرهابية، أو لها القدرة والنية لتنفيذ عمليات إرهابية".

 

وحسب هذا الأمر التنفيذي الرئاسي الأمريكي فإن هناك عدة جماعات موجودة في أمريكا وفي خارج أمريكا تحت مسميات مختلفة، وتنطبق عليها مواصفات ومعايير تصنيف "منظمة الإرهاب الأجنبي"، مثل حركة النازيون الجدد، وجماعات تفوق العرق الأبيض، وجماعة "الأولاد الفخورون"(Proud Boys)، و"القاعدة"( The Base).

 

فالسؤال المطروح الآن، وطرحه الكثير من الباحثين في دراساتهم وأبحاثهم: لماذا لا تُصنِّف الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى هذه الجماعات النصرانية الدولية اليمينية العنيفة كمنظمات إرهابية تهدد الأمن القومي الأمريكي الداخلي، أو أمن الدول الغربية الأخرى؟ أم أن هذا التصنيف خاص فقط للجماعات التي تدين بالإسلام؟ وهل هذا يقدم مثالاً صارخاً جديداً على ازدواجية المعايير الغربية والكيل بمكيالين؟

 

الاثنين، 9 مايو 2022

الأقمار الصناعية أهداف عسكرية

صدر منشور من البيت الأبيض في 18 أبريل 2022 تحت عنوان: "نائبة الرئيس هاريس تُقدم أعرافَ الأمن القومي في الفضاء"، حيث أعلنت كاملا هاريس من البيت الأبيض بصفتها رئيسة مجلس الفضاء القومي(National Space Council) عن إنهاء الولايات المتحدة الأمريكية للتجارب الخاصة بأسلحة تدمير الأقمار الصناعية في الفضاء، والتي تُعرف بتجارب صواريخ التدمير المباشر ضد الأقمار الصناعية( Destructive Direct-Ascent Anti-Satellite Missile Testing)، أو "أي إس أي تي(ASAT)، كما أكدت على تعهد الولايات المتحدة على التخلي عن مثل هذه التجارب الفضائية التي تُحوِّل الفضاء إلى ساحة وميدان للقتال ووقوع المعارك بين دول العالم، وتجعل من الأقمار الصناعية أهدافاً عسكرية مشروعة، كما تحول الفضاء إلى ساحة غير آمنة وغير مستدامة للأعمال التنموية المتزايدة كثيراً، والمتمثلة في تدشين الآلاف من الأقمار الصناعية والسفن الفضائية التي تخدم البشرية جمعاء في مجالات الاتصالات، والمناخ والطقس، والبيئة، والأمن، والموصلات.

 

كذلك أفادت نائبة الرئيس الأمريكي بأن الحكومة الأمريكية ستعمل مع الدول الأخرى على تأسيس شراكة فضائية، ووضع أعرافٍ وسلوكيات دولية مشتركة حول إدارة البيئة الفضائية، إضافة إلى الاتفاق على إجراءات محددة جماعية تمنع زيادة وتراكم مخلفات الفضاء في مدارات الأرض، والتي تنتج عن مثل هذه التجارب. وقد تجاوبت بعض دول العالم مع هذه الدعوة الأمريكية، منها اليابان التي أعلنت ترحيبها للانضمام إلى هذه المبادرة الأمريكية على لسان وزارة الخارجية من خلال البيان الصادر في 25 أبريل.

 

وقد جاءت هذه الدعوة الأمريكية كردة فعل على التجارب التي تجريها بعض دول العالم في صناعة صواريخ قادرة على تدمير الأقمار الصناعية في مدارات الأرض، أو زرع ألغامٍ فضائية في المدارات قادرة على تفجير الأقمار الصناعية، أو الاصطدام بها وتعطيلها، أو تشويش عملها وبرامجها. وكانت التجربة الأخيرة هي التي قامت بها روسيا في 15 نوفمبر 2021 عندما فجَّرت قمراً صناعية عاطلاً عن العمل في مدار الأرض باستخدام صاروخ باليستي بعيد المدى. والجدير بالذكر أن هذه ليست التجربة الأولى التي تقوم بها روسيا، حسب ما ورد في تقرير "مؤسسة العالم الآمن"(Secure World Foundation) في أبريل 2022 تحت عنوان: "سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بالتعهد بعدم إجراء تجارب تدمير للأقمار الصناعية، تحفز الآخرين بالانضمام"، فقد أجرت روسيا من قبل عشر تجارب منها في العشرين من أكتوبر 1968، و 23 أكتوبر 1970، والثالث من ديسمبر 1971. كذلك أجرت الولايات المتحدة منذ نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم، وبالتحديد عام 1958 عدة أبحاث وتجارب ميدانية فاشلة، ثم نجحت في آخر تجربتين، الأولى في 13 سبتمبر 1985 والثانية في الخامس من سبتمبر 1986، كما قامت الصين بتجربة مماثلة في 11 يناير 2007، والهند في 27 مارس 2019. 

 

وفي تقديري فإنني أشك في صدق نوايا دعوة الولايات المتحدة الأمريكية في منع تجارب الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية وحث دول العالم على الانضمام لها، بالرغم من أنها دعوى ضرورية وحتمية لحماية الأقمار الصناعية التي تخدم البشرية في كل شبرٍ من كوكبنا بعيداً كان أم قريباً من الأنشطة البشرية التنموية. فالولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها، فهي تسعى دائماً لتحقيق هدفٍ واحد يتمثل في تحقيق واحتكار التفوق العسكري النوعي والعددي في جميع القطاعات الأمنية، في البر، البحر، والجو، فعندما انتهت من تجاربها الفضائية التي استمرت في سرية تامة وتحت جنح الظلام لعقود طويلة من الزمن، فانتهكت حرمات الفضاء وكأنها تملك هذا الفضاء لوحدها، وعاثت فيها فساداً وتدميراً وتلويثاً بالمخلفات منذ نهاية الخمسينيات حتى قبيل سنوات قليلة، وعندما تحقق لها الريادة والتفوق العسكري الفضائي، واستقرت وتفوقت أبحاثها وتجاربها على الدول الأخرى، وسيطرت على مجال الفضاء، عندها فقط تدعو إلى التوقف عن مثل هذه التجارب ومنع الآخرين من الولوج فيها وكسب الخبرات حولها من خلال اتفاقية دولية تلزم الآخرين إلى عدم القيام بها في المستقبل. فالولايات المتحدة نفسها هي أول دولة تنشئ جيشاً لغزو الفضاء والسيطرة عليه أمنياً، حيث خصص الرئيس الأسبق أوباما خمسة بلايين دولار لمدة خمس سنوات للإنفاق على تطوير القدرات الدفاعية والهجومية لبرنامج أمريكا العسكري الفضائي.

 

فهذا السيناريو الذي نشهده الآن مع استهداف وتدمير الأقمار الصناعية، يتطابق مع سيناريو التفجيرات النووية التي أجرتها الدول الصناعية المتقدمة في باطن الأرض، وفي المحيطات، وفي أعالي السماء لنيل التفوق والسبق في إنتاج القنبلة الذرية والأسلحة والذخائر الأخرى التي تستخدم الطاقة النووية الانشطارية والاندماجية، ولذلك عندما انتهت أمريكا من هذه المرحلة وتفوقت على العالم، بدأت تدعو إلى حظر أو خفض أعداد الأسلحة النووية في العالم، مثل المعاهدات الدولية أو الثنائية بين أمريكا وروسيا، كمعاهدة "خفض الأسلحة الاستراتيجية"(Strategic Arms Reduction Treaties).

 

ومهما كانت نوايا الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الانضمام إلى أية اتفاقية في هذا المجال لا بد منه لسببين رئيسين. أما الأول فهو ضمان استدامة الأنشطة والبرامج الفضائية بكافة أنواعها وأهدافها، وبخاصة التي تهدف إلى خير البشرية جمعاء من خلال تدشين الأقمار الصناعية لتحقيق أهدافٍ تنموية أو محطات الفضاء الدولية لمواصلة الأبحاث والدراسات الفضائية، فالفضاء ملكية عامة مشتركة ولا يجوز لأية دولة أن تلعب فيه كيفما تشاء، وتعبث فيه فساداً وتدميراً. وأما السبب الثاني فإن تحقيق أمن الفضاء لا يتحقق إلا بتوقف تجارب تدمير الأقمار الصناعية، ففي حالة تفجيرها، تُولد مخلفات فضائية تتناثر وتنتشر وتسبح في مدارات الأرض، وقد تصطدم بأقمار صناعية فتفجرها أو تعطل عملها، أو أنها تهدد حياة رواد الفضاء في المحطات الفضائية. فدول العالم أجرتْ حتى اليوم 16 تجربة لتفجير الأقمار الصناعية، وهذه التجارب نجمت عنها أكثر من 6300 قطعة من المخلفات التي لا تزيد أحجامها عن سنتيمترات بسيطة وتدور في سرعة عالية جداً في مدارات الأرض. ولذلك فإن هذه التجارب ستفاقم من مشكلة المخلفات الفضائية التي نعاني منها حالياً لوجود مصادر أخرى لها. فقد نشرت "ناسا" تقريراً في 26 مايو 2021 تحت عنوان: "مخلفات الفضاء والسفن الفضائية"، وجاء فيه بأن هناك نحو 27 ألف قطعة من المخلفات الكبيرة في المدارات الأرضية تم الكشف عنها، علاوة على 23 ألف قطعة أكبر من كرة التنس الصغيرة، أو حجمها نحو 10 سنتيمترات في مدارات حول الأرض، إضافة إلى نصف مليون قطعة حجمها نحو سنتيمتر واحد، أو أكبر بقليل، ونحو مائة مليون قطعة حجمها مليمتر واحد فقط.

 

فلا بد إذن من حماية هذه الملكية العامة من أي مصدر يضر بأمنها واستدامة عطائها لينتفع منها الجميع، ويستفيد منها كل سكان الأرض حالياً ومستقبلاً.

 

الخميس، 5 مايو 2022

تلوث الهواء يسبب النوبة القلبية


ظاهرة صحية غريبة انكشفت في بعض دول العالم أثناء نزول وباء كوفيد_19 على البشرية جمعاء، وهذه الحالة الصحية الفريدة تمثلت في انخفاض الإصابة بأمراض القلب بين الناس، وبالتحديد التعرض لحالة النوبة القلبية(Heart Attack)، أو مرض احتشاء عضلة القلب، أو موت عضلات القلب( ST‐Segment‒Elevation Myocardial Infarctions)  والمعروف بـ"ستيماي"( STEMI). وهذا النوع من أنواع النوبة القلبية يعتبر الأشد وطأة وتنكيلاً والأخطر بصحة الإنسان، حيث قد ينقله إلى مثواه الأخير سريعاً، بسبب انسداد شرايين القلب، ومنع تدفق وسريان الدم إلى القلب وباقي أعضاء خلايا الجسم.

 

وقد وثقَتْ عدة دراسات هذه الظاهرة في بعض الدول منها إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث نُشرت دراسة في مجلة "نيو إنجلند للطب"(New England Journal of Medicine) في 19 مايو 2020 تحت عنوان: "وباء كوفيد_19 وحالات النوبة القلبية الحادة"(Acute Myocardial Infarction)، وقد استنتجت هذه الدراسة بأن هناك انخفاضاً مشهوداً في الولايات المتحدة الأمريكية في أعداد الداخلين إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات الأمريكية بسبب التعرض للنوبة القلبية، وبلغت نسبة الانخفاض لهذه الحالة القلبية 48% أثناء انتشار مرض كورونا مقارنة بالسنوات قبل وباء كورونا.

 

ولكن هذه الدراسات والتقارير لم تُقدم تفسيراً علمياً منهجياً حول أسباب انخفاض أعداد المصابين بالسكتة القلبية خلال فترة الوباء بشكلٍ خاص، ولم تعط أسباب انكشاف هذه الظاهرة الصحية المتعلقة بسلامة القلب، فهي فقط نشرت الإحصائيات المتعلقة بهذه الظاهرة دون الولوج في تشخيصها بعمق، أو إجراء تحليلات منهجية علمية حول العوامل والأسباب التي أدت إلى بروزها.

 

فهذه الظاهرة اجتذبت اهتمام بعض العلماء لسبر غورها والتعرف عن كثب على تفاصيلها وأسبابها، حيث نُشرت دراسة تحليلية في 29 مارس 2022 في مجلة "جمعية القلب الأمريكية" تحت عنوان: "انخفاض التلوث بسبب الوباء وعلاقته بالسكتة القلبية"، وتهدف إلى معرفة العلاقة بين وباء كورونا وأسباب انخفاض التعرض للسكتة القلبية، والعوامل التي لها علاقة بانكشاف هذه الحالة الصحية العقيمة، وحاولت الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: هل هناك علاقة بين انخفاض هذه الحالة المرضية أثناء فترة وباء كورونا وتلوث الهواء الجوي؟

 

فقد استند البحث على قاعدة المعلومات الصحية من 47 ولاية(National Emergency Medical Services Information System) في الفترة من الأول من يناير 2019 إلى الثلاثين من أبريل 2020، حيث تم تسجيل 60722 حالة للتعرض للسكتة القلبية، ثم تمت مقارنة هذه الحالات مع جودة الهواء الجوي في تلك الفترة، وبالتحديد تركيز بعض الملوثات مثل الدخان، أو الجسيمات الدقيقة التي نصف قطرها 2.5 ميكرومتر. وبعد تحليل النتائج تبين أن هناك انخفاضاً بنسبة 6% لحالات السكتة القلبية لكل انخفاض 10 ميكروجرامات من الدخان في المتر المكعب من الهواء الجوي، أو ما يساوي 373.8 حالة أقل لكل 10 آلاف شخص_سنوياً.

 

فمن المعروف لدينا جميعاً بأنه خلال فترة الوباء تم فرض الحجر الصحي المنزلي وقام الكثير من الناس بأعمالهم في المنزل، كما انخفضت ساعات عمل المصانع وحركة المواصلات البرية والجوية والبحرية، وكل ذلك أدى إلى انخفاضٍ ملحوظ في نسبة التلوث في الهواء الجوي وتحسن مشهود في جودة الهواء في معظم مدن العالم، مما انعكس مباشرة على الصحة العامة، وبخاصة صحة القلب، فانخفضت بشكلٍ عام حالات الإصابة بأمراض القلب المختلفة، ومنها السكتة القلبية.

 

فهذه الدراسة إذن تؤكد الاستنتاجات التي توصلت إليها دراسات أخرى نُشرت من قبل، وهي كثيرة جداً، وأُقدم بعضها على سبيل المثال لا الحصر، وكل هذه الدراسات توصلت إلى نتيجة واحدة مهمة جداً هي وجود علاقة مباشرة وقوية بين تلوث الهواء وصحة الإنسان على المدى القريب والبعيد، والسقوط في شباك أمراض كثيرة، منها أمراض القلب، فالمعادلة التي يُجمع عليها الباحثون هي: كلما زاد تلوث الهواء، زادت الأمراض، وارتفعت أعداد المصابين بها.

 

فمنها دراسة شاملة منشورة في السادس من أكتوبر 2021 في مجلة "جمعية القلب الأمريكية" تحت عنوان: "التعرض طويل المدى لتلوث الهواء، وضوضاء الحركة المرورية وحالات فشل القلب: دراسة دنماركية"، حيث قيَّمت العلاقة بين حالات "فشل القلب"(heart failure (HF)) والتعرض لمدة ثلاث سنوات للملوثات الكيميائية المتمثلة في تلوث الهواء الجوي بالدخان وثاني أكسيد النيتروجين، إضافة إلى التعرض للملوثات الفيزيائية المتمثلة في ضوضاء السيارات والأصوات المرتفعة التي تصدر منها، وكانت عينة الدراسة مكونة من 22189 من  الممرضات في الدنمارك. وقد أشارت الدراسة إلى وجود علاقة بين نسبة الملوثات في الهواء الجوي وحالات الإصابة بفشل القلب، فكلما ارتفع تركيز هذه الملوثات زادت أعداد الحالات.

 

كذلك نُشر بحث في 4 مايو 2021 في مجلة "جمعية القلب الأمريكية" تحت عنوان: "التعرض للجسيمات الدقيقة ومخاطر الإصابة بمرض القلب الإقفاري وحالات السكتة"، حيث قام البحث بحصر وتحليل 69 من الدراسات المنشورة سابقاً حول علاقة التعرض لتلوث الهواء لفترات قصيرة أو طويلة من الزمن والسقوط في شباك أمراض القلب، حيث أشار إلى إن زيادة، أو ارتفاع بنسبة 10 ميكروجرامات من الدخان لكل متر مكعب من الهواء لفترة طويلة له علاقة بزيادة مخاطر مرض القلب الإقفاري بنسبة 23%، وزيادة 24% في الوفيات من أوعية المخ، و 8% من حالات النوبة القلبية.

 

وعلاوة على هذه الدراسات فقد نشرت هيئة التحرير لمجلة جمعية القلب الأمريكية في الرابع من مايو 2021 مقالاً افتتاحياً تحت عنوان: "مجلة الجمعية تُلقي الضوء على تلوث الهواء وأمراض الأوعية القلبية: نداء للتحرك العاجل"، وفي هذا العدد الخاص نُشرت عدة أبحاث حول هذه القضية الصحية البيئية، وجميعها تصب في وجود علاقة مباشرة بين تلوث الهواء وارتفاع الإصابة بأمراض القلب. كذلك نُشر بحث مشترك في مجلة سيركليشن(Circulation) في 28 يناير 2021 تحت عنوان "اتخاذ موقف ضد تلوث الهواء_التأثير على أمراض الأوعية القلبية"، حيث جاء فيه بأن لتلوث الهواء تداعيات كثيرة على صحة الإنسان، سواء تأثيراتها على الجهاز التنفسي أو القلب، ويُعد من أهم أسباب ارتفاع نسبة الوفيات في العالم. وعلاوة على ذلك أصدرت وكالة حماية البيئة الأمريكية منشوراً في الثلاثين من مارس تحت عنوان: "العلاقة بين تلوث الهواء وأمراض القلب".

 

فمن المفروض أنَّ هذا الإجماع الطبي العلمي يتحول عند حكومات دول العالم والأطباء إلى سياسات وإجراءات عملية تُنفذ في أرض الواقع، وهي كما يلي:

أولاً: على وزارات الصحة إدخال البعد البيئي، وبالتحديد تلوث الهواء ضمن العوامل التي تسبب الأمراض عام، وبالتالي عليها العمل مع الجهات الأخرى المعنية على منع وخفض نسبة الملوثات في البيئة من مصادرها، كسياسة وقائية لمنع انتشار الأمراض المتعلقة بالتلوث.

ثانياً: على الأطباء في دولنا عدم إهمال الجانب البيئي عند تشخيص المرض وعلاجه، إضافة إلى العوامل التقليدية المعروفة المسببة للأمراض كالتدخين والخمر والبدانة والتغذية، كعامل مؤثر وفاعل في إفساد صحة الإنسان، وبخاصة هذه المـُضْغة التي إذا صَلَحَتْ، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، وهي القلب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

 

الأحد، 1 مايو 2022

على التغير المناخي أن ينتظر، فالعالم مشغول الآن

بدأتُ أشعر منذ سنوات بأن هناك نمطاً دولياً واضحاً ومستمراً بالنسبة لمواقف وتصريحات الدول قبيل انعقاد اجتماعات الأمم المتحدة التي يشارك فيها كل دول العالم من أجل الوصول إلى اتفاقية دولية مشتركة وملزمة للجميع لمواجهة قضية التغير المناخي المعقدة والشائكة.

هذه الاجتماعات بدأت بوضع النواة الأولى للعمل الدولي المشترك في قضية التغير المناخي وارتفاع حرارة كوكبنا، حيث التقي رؤساء ورؤساء حكومات دول العالم في قمة تاريخية نادرة من نوعها لتناقش ولأول مرة قضية بيئية بحتة، وليست قضية أمنية، أو اقتصادية، أو سياسية. فهذا الاجتماع الأممي أو المعروف بقمة الأرض والذي عُقد في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية في عام 1992 ووافق فيه المجتمعون على "الاتفاقية الإطارية حول التغير المناخي" وضع حجر الأساس لمعاهدة دولية، ومهد الطريق أمام البدء في إجراء المفاوضات الدولية حول هذه القضية. فكان الاجتماع الأول للدول الأطراف في هذه الاتفاقية في عام 1995 في مدينة برلين الألمانية، والاجتماع الأخير رقم (26) في 2021 في مدينة جلاسجو البريطانية.

وكل هذه الاجتماعات السنوية المتكررة المستمرة منذ ثلاثين عاماً منذ قمة الأرض، لم يتمخض عنها الهدف الرئيس من عقد هذه الاجتماعات، وهو بلوغ معاهدة دولية مشتركة وملزمة للجميع، وتعتمد آليات دولية وأدوات للمراقبة ومُحاسبة ومعاقبة كل من يتخلف عن تعهداته لمواجهة هذه القضية الدولية وخفض انبعاثاته من الغازات المسؤولة عن وقوعها. ومن خلال متابعتي لمخرجات هذه الاجتماعات، فإنني أرى بأن الاجتماع الوحيد الذي تمكن من تحقيق جزء من هذا الهدف، هو الاجتماع الثالث الذي عقد في مدينة كيوتو اليابانية في عام 1997، حيث وافقت الدول على "بروتوكول كيوتو" للتغير المناخي. ولكن هذا البروتوكول لم يحقق الهدف الكلي المنشود، فقد جاء ناقصاً وغير شامل، حيث ألزم البروتوكول فقط الدول الصناعية المتقدمة الكبرى على وضع سقفٍ لانبعاثاتها من الغازات المتهمة بوقوع التغير المناخي، وفي مقدمتها غاز ثاني أكسيد الكربون، واستثنى البروتوكول الدول النامية غير المتقدمة من وضع حدودٍ تتعهد بها لخفض انبعاثاتها. ومن جانب آخر أيضاً، فإن الهدف الرئيس لم يتحقق أيضاً في أن البروتوكول فشل في وضع آلية أممية تراقب وتحاسب وتعاقب أية دولة لا تفي بالتزاماتها وتعهداتها التي قطعتها على نفسها لخفض انبعاث الملوثات المناخية.

وهذا البروتوكول في نهاية المطاف لم ير النور، ولم ينفذ في الواقع الميداني، وبخاصة بعد انسحاب أكبر دولة مسؤولة عن حدوث التغير المناخي وهي الولايات المتحدة الأمريكية، عندما وقع الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتن على البروتوكول ثم جاء جورج بوش الابن ورفض التصديق عليه، فانتهى البروتوكول وانتقل إلى مثواه الأخير.

ومنذ ذلك الوقت، فمواقف دول العالم بين مدٍ وجزر، وبين موافقٍ ومعارض، وبين ملتزم كلياً وملتزمٍ جزئياً وغير مبالٍ بالعملية برمتها، فكلما تَقدم العالم في أحد الاجتماعات خطوة إلى الأمام لمكافحة التغير المناخي وارتفاع حرارة كوكبنا، نجده يتأخر ويتراجع خطوتين إلى الخلف بعد فترةٍ وجيزة من الزمن.

وأصبحت معظم دول العالم طوال السنوات الماضية تهرول في سباق ماراثوني بطيء، وتحولت من آلة تنفيذ لتعهداتها إلى آلة مواقف سياسية، وتصريحات نارية خاوية، وتقوم قبيل كل اجتماع بخطواتٍ سريعة لتتمكن من مواكبة الحدث الدولي وملاحقة المتسابقين الآخرين، فتُدلي بتصريحات قوية، وتتبنى مواقف إيجابية من التغير المناخي حتى تتجنب انتقاد وسائل الإعلام، وتتفادى أسئلة المنظمات والجمعيات الأهلية الدولية والإقليمية المتعلقة بدورها في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ثم بعد أن تنطفىء شمعة الاجتماع، وتعود الوفود إلى دولها ومقر عملها، يختفي هذا الحماس الشديد، وتنسى الدول مواقفها هذه، وتعود الممارسات إلى ما كانت عليها قبيل انعقاد هذه الاجتماعات.

فعلى سبيل المثال، قبيل اجتماع جلاسجو، كما هو الحال بالنسبة للاجتماعات السابقة، معظم دول العالم بدأت بالمزاد العلني فصرحت عن تعهداتها في خفض الانبعاثات، فالولايات المتحدة الأمريكية على لسان الرئيس الجديد بايدن المتحمس لمواجهة التغير المناخي، أعلن بأنه سيخفض نسبة الانبعاث 50% بحلول عام 2030، والهند أعلن رئيس وزرائها بأنه سيحقق الانبعاث الصفري بحلول عام 2070، والمملكة العربية السعودية أعلنت خفض انبعاث الكربون إلى مستوى الصفر(الحياد الكربوني)بحلول عام 2060، ودولة الإمارات العربية المتحدة بحلول عام 2050، والبحرين بحلول عام 2060، والصين أعلنت الانبعاث الصفري بحلول 2060، وروسيا بحلول عام 2060، وبريطانيا بحلول 2030.  

فهناك عدة عوامل تجعل من مكافحة ظاهرة التغير المناخي أمراً شائكاً وصعباً، مما يجعل دول العالم في وضع صعب جداً لا يمكنها الالتزام بتعهداتها، أو تحديد سقف زمني قريب للوصول إلى خفض انبعاثاتها إلى المستويات الفاعلة والمجدية التي تجمِّد ارتفاع حرارة الأرض. فمن جهة هناك التغيرات السياسية في الدول الكبرى وتغير الحكومات والمسؤولين، فمنها حكومات تساند قضية التغير المناخي ومنها حكومات تقف حجر عثرة أمام أي تقدم في مواجهتها، كذلك هناك عامل التغير في أسعار أسواق النفط والفحم والغاز الطبيعي مقارنة بأسعار مصادر الوقود النظيفة والمتجددة، إضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي أيضاً عطَّلت جدول أعمال المناخ في بعض الدول، وعلى رأسها أكثر الدول انبعاثاً لملوثات المناخ وهما الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

أما الصين التي أعلنت عدة مرات في اجتماعات التغير المناخي بأنها ستتخلى عن الفحم، ولن تبني محطات جديدة لتوليد الكهرباء تشتغل بالفحم، قد غيَّرت موقفها ورجعت إلى عادتها القديمة في حرق الفحم والنفط من أجل مواصلة عملية التنمية، حسب الخبر المنشور 21 أبريل 2022 في "البلومبيرج" تحت عنوان: "الصين تؤكد بناء قدرات إضافية لاستخراج الفحم هذا العام"، حيث جاء في الخبر بأن الحكومة الصينية ستزيد من الإنتاج المحلي من الفحم لتوليد الكهرباء عن طريق استخراج الفحم بنحو 300 مليون طن إضافية هذا العام، علماً بأن الفحم من المصادر الرئيسة لملوثات المناخ، والصين مسؤولة عن أكثر من 27% من مجموع الانبعاثات على المستوى الدولي. وهذا الحالة تنطبق أيضاً على دول أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا وغيرهما بسبب النقص في إمدادات الطاقة الناجم عن الحرب، حسب المقال المنشور في البلومبيرج في 25 أبريل 2022 تحت عنوان: "الحرب الروسية تعيد العالم إلى الإدمان على الفحم".

 كذلك فإن الولايات المتحدة، المسؤولة الأولى تاريخياً عن وقوع التغير المناخي، فنتيجة لفرض حظر على النفط الروسي خلال الحرب الحالية، وبهدف منع ارتفاع أسعار النفط والوقود داخلياً، وجهت بأمر تنفيذي من الرئيس بايدن بسحب 180 مليون برميل من المخزون الاستراتيجي(Strategic Petroleum Reserve)الذي يستخدم لحالات الطوارئ، كما فتحت الأراضي الاتحادية لشركات التنقيب لاستخراج النفط، وهذا الأمر لا يتوافق مع التوجهات الدولية في التخلص من الوقود الأحفوري، كما يعني حرق المزيد من النفط وتلويث البيئة وتفاقم مشكلة التغير المناخي. فبايدن بالرغم من خطته الطموحة لمكافحة التغير المناخي، إلا أن ظروف الحرب، وتأخر الكونجرس في الموافقة على خطته، أبطأت من خطوات التنفيذ، وربما ستُجمد هذه الخطة برمتها إلى أجل غير مسمى.

وهذا التذبذب والتضارب في السياسات والمواقف تجاه مواجهة ظاهرة التغير المناخي ينطبق على باقي دول العالم، فجميعها مشغولة بهمومها ومشكلاتها الداخلية القومية، وجميعها مشغولة في تحقيق أمن الطاقة بأرخص مصدر وأقل كلفة، وجميعها تتأثر بالتجاذبات في أسعار النفط، وجميعها يقع تحت وطأة الحرب الروسية الأوكرانية، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، ولذلك على جهود التغير المناخي أن تنتظر، وفي تقديري ستنتظر طويلاً.