الخميس، 23 مارس 2023

المرض الذي أصاب الجنود الأمريكيين في العراق

تداعيات الغزو الأمريكي للعراق لن تنتهي أبداً، وستبقى معنا سنوات طويلة قادمة، بالرغم من انتهاء الحرب قبل عشرين عاماً. وهذه الانعكاسات التي نجمت عن الحرب العدوانية منذ بدء القصف الجوي في الثالث من مارس 2003، وبالتحديد أتحدثُ هنا عن الانعكاسات من الناحية البيئة الصحية، لم تنزل فقط على الشعب العراقي وأطفال العراق، وإنما نزلت أيضاً على الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في الغزو وأمضوا سنوات يحاربون الشعب العراقي.

 

أما بالنسبة للتأثيرات البيئية الصحية للغزو الأمريكي ودول الحلفاء للعراق على المواطنين العراقيين فقد كتبتُ عنها عدة مقالات، منها المقال المنشور في 12 أغسطس 2011 في صحيفة أخبار الخليج تحت عنوان:  "غزو فيتنام والعراق والتداعيات البيئية والصحية"، والثاني في 29 أكتوبر 2012 تحت عنوان: "التشوه الخَلْقي للأطفال في العراق"، حيث تناولت فيهما الانعكاسات الصحية والبيئية لمعركة الفلوجة الدامية في العراق عامي 2003 و 2004، والتي تعرضت للقصف الأمريكي والبريطاني بمختلف أنواع القنابل غير المسموح بها دولياً، كقنابل اليورانيوم المنضب أو المستنفد(depleted uranium)، والقنابل الفسفورية البيضاء الحارقة، وانعكاس انبعاث الملوثات المشعة والسامة من هذه القنابل على جسم العراقيين وانكشافها على هيئة مظاهر صحية غريبة، وأمراض مزمنة مستعصية على العلاج، مثل ازدياد أعداد المصابين بالسرطان، وارتفاع ولادة الأطفال المشوهين خَلْقياً والمصابين بإعاقات جسدية منذ الولادة، كتشوهات في القلب، وإعاقات في المخ وخلل في وظائف أجزاء المخ، وتشوهات في الأعضاء والأطراف، إضافة إلى ارتفاع تركيز الملوثات في مكونات البيئة المختلفة، مثل اليورانيوم، والزئبق، والرصاص. وأما المقال الثالث فقد نُشر في  10من نوفمبر 2012 تحت عنوان: "اعتراف أمريكي بالجرائم البيئية في العراق"، ثم نشرتُ المقال في الرابع من ديسمبر 2020 وعنوانه: "تداعيات غزو الفلوجة باقية".

 

وأما الفئة الثانية التي تضررت وتدهورت صحتها لسنوات طويلة عجاف فكانت فئة الجنود الأمريكيين ومن تحالف معهم على حدٍ سواء، وهذه الأسقام والحالات والأعراض الغامضة التي نزلت عليهم بُعيد انتهاء الحرب مازالوا يعانون منها حتى كتابة هذه السطور. فكما أن الحرب أثرت بيئياً وصحياً على الشعب العراقي فقد دمرت في الوقت نفسه الحالة الصحية الجسدية والعقلية والنفسية لآلاف من الجنود الأمريكيين.

 

وفي بدايات ظهور هذه الحالات المرضية الغريبة على الآلاف من الجنود الأمريكيين، أنكرت الحكومة الأمريكية كعادتها واقعية هذه الأعراض، كما فعلت بالنسبة لتعرض الجنود الأمريكيين للعميل البرتقالي في فيتنام وهو مبيد حشري استخدم لتدمير الغابات والأحراش في فيتنام، إضافة إلى تعرض الجنود الذين حاربوا في عملية درع الصحراء أثناء الاحتلال العراقي لدولة الكويت في يناير 1991، حيث أُصيب الآلاف منهم بمرضٍ جديد وغريب لم يعرفه الطب من قبل، وأُطلق عليه "بمرض أو ظاهرة حرب الخليج"(Gulf War Syndrome)، وهذا المرض مازال يحير عقول أطباء أمريكا، فلم يحددوا حتى يومنا هذا أسباب تعرض الجنود لهذا المرض العصيب الغامض.

 

ولذلك لمدة سنوات لم تعترف الحكومة الأمريكية بإصابة هؤلاء الجنود للمرض المزمن الناجم عن التعرض لخليط من الملوثات الكيميائية، والحيوية، والمشعة، فأُجريت العديد من التحقيقات والدراسات العلمية لإثبات أنه مرض خاص أصاب الجنود الذين حاربوا في العراق وأفغانستان. فقد نَشرتْ مجلة "ميليتري تايمس"(Military Times) تحقيقاً معمقاً في الثامن من نوفمبر 2008 تحت عنوان: "عديم الضرر أم خطر؟ يقول الجنود بأن حرق المواد الكيميائية والمخلفات الطبية جعلتهم يعانون من المرض، ولكن المسؤولين ينكرون". فهذا التحقيق أوجد علاقة بين "حُفر الحرق" (burn pits) التي كانت موجودة في العراء في أكبر قاعدة عسكرية في العراق (Joint Base Balad)، والتي كان الجيش الأمريكي يقوم فيها في العراق وأفغانستان بحرق كل ما لديه من مخلفات طبية وبيولوجية وأعضاء بشرية تم بترها، ومخلفات خطرة وسامة، إضافة إلى القمامة التي كانت تحتوي على عبوات المياه البلاستيكية في هذه الحفر المفتوحة البدائية بدون اتخاذ أية إجراءات وقائية تحمي الجنود من جميع أنواع الملوثات التي كانت تنبعث منها مباشرة دون أية معالجة، ونتيجة لتعرض عدد كبير من الجنود لهذا الخليط المعقد والسام والمسرطن من الملوثات والدخان الأسود فقد أُصيبوا بأعراض مرضية نادرة تتمثل في الصداع المزمن، وحساسية وحرقة في العينين والجهاز التنفسي، ومشكلات مزمنة في الجيوب الأنفية، والتهابات وجروح في الرئتين، إضافة إلى نوع نادر من سرطان الرئة.

 

كما أُجريت عدة دراسات علمية منهجية لإثبات مصدر وأسباب المرض، إضافة إلى إيجاد علاقة بين خدمة الجنود في العراق وأفغانستان والإصابة بهذا المرض التنفسي. فعلى سبيل المثال هناك دراسة تحت عنوان:" انكشاف جديد لمرض الربو بين الجنود الذين خدموا في العراق وأفغانستان" والمنشورة في سبتمبر 2010 في مجلة "وقائع حساسية الربو (Allergy Asthma Proceeding)، إضافة إلى الدراسة تحت عنوان:" أعراض الجهاز التنفسي التي تستلزم قياس التنفس بين الجنود المصابين في الرئة في العراق وأفغانستان"، والمنشورة في سبتمبر 2011 في مجلة "الطب المهني والبيئي"(Occupational and Environmental Medicine). وهذه الدراسات أكدت العلاقة بين هذه الأعراض المرضية التنفسية، أو حالات الربو الجديدة التي بدأت تنكشف منذ عام 2004، والتعرض للملوثات التي انطلقت من عملية حرق المخلفات الخطرة وغير الخطرة مع بعض في حفرة واحدة معرضة مباشرة للهواء الجوي.

 

وبعد سنوات طويلة وثقيلة، ومعاناة قاسية من الجنود وأسرهم استمرت أكثر من 13 عاماً، نالوا الاعتراف السياسي والرعاية الطبية والمالية الكاملة استناداً إلى"قانون الميثاق" (Pact Act) الذي وافق عليه الكونجرس ووقع عليه بايدن في العاشر من أغسطس 2022. ويهدف هذا القانون إلى مساعدة قدامي المحاربين والجنود الأمريكيين الذين حاربوا في العراق وأفغانستان وعددهم قرابة 200 ألف، وتعرضوا للملوثات أثناء الحرب، وبالتحديد الذين استنشقوا سموماً قاتلة انبعثت عند حرق المواد الكيميائية والبيولوجية والمشعة في الحفر المخصصة لجمع هذه المواد، حيث قال بايدن عند التوقيع على التشريع:" هذا القانون هو الأهم لأمتنا لمساعدة الملايين من المحاربين القدماء الذين تعرضوا لمواد سامة خلال خدماتهم في الجيش".

 

وجدير بالذكر فإن ما أصاب الأمريكيين من فساد صحي مزمن لأسباب كثيرة منها الملوثات التي انبعثت من حرق المخلفات في حُفر الحرق، قد أصاب أيضاً العراقيين الذين كانوا يعملون في القاعدة الأمريكية، أو الذين يسكنون بالقرب من القاعدة. وأجرتْ صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية تحقيقاً مفصلاً نُشر في 18 مارس 2023 تحت عنوان:" العدالة للمحاربين القدماء الأمريكيين للتعرض للحرق في الحفر المفتوحة. العراقيون تم نسيانهم"، حيث قامت بإجراء مقابلات شخصية مع المئات من العرقيين الذي أصابهم مرض الجنود الأمريكيين، سواء أثناء ممارسة أعمالهم اليومية في القاعدة، أو تعرضهم مباشرة للهواء الملوث من حرق المخلفات في الحفر في قراهم ومساكنهم لعدة سنوات.

 

والآن وبعد أن حصل الجنود الأمريكيين على الاهتمام من حكومتهم، ولو بعد أكثر من عقد من المعاناة والألم الشديدين، فمتى سينال المواطن العراقي هذا الاهتمام من حكومته، أو من الحكومة الأمريكية التي تسببت في مرضهم؟

 

 

 

الاثنين، 20 مارس 2023

البحرين الرابعة عالمياً في تلوث الهواء

كثر الحديث في وسائل الإعلام وفي وسائل التواصل الاجتماعي الجماعي حول التقرير المنشور في 14 مارس 2023 والمتعلق بجودة الهواء في مدن ودول العالم أجمع، إضافة إلى القائمة التي وردت في التقرير عن الدول الأشد تلوثاً للهواء الجوي، والأكثر تدهوراً من ناحية جودة الهواء. وقد أشار التقرير إلى أن البحرين تحتل المرتبة الرابعة في قائمة المدن، أو الدول الأسوأ من ناحية جودة الهواء الجوي الذي يستنشقه الإنسان ويتعرض له في كل ثانية من حياته.

 

وكان لا بد لي أن أقف أمام هذه المعلومات الخطيرة التي في مضمونها التهديد العميق والمستمر لصحة المواطن البحريني، والتي تنعكس مباشرة على نوعية الأمراض التي سنقع فيها حالياً وفي المستقبل، والتي لا شك بأن أعداد المرضى ستكون كبيرة جداً ومتفاقمة كل عام نتيجة لهذا التلوث.

 

فبداية أقف أمام مصدر التقرير وكيفية الوصول إلى المعلومات والأرقام التي جاءت فيه. فهذا التقرير السنوي عن تلوث الهواء في مدن ودول العالم يصدر من شركة سويسرية اسمها "أي كيو أير (IQAir)، وهي تعمل في مجال تقنيات جودة الهواء، ومتخصصة في الحماية من ملوثات الهواء الجوي، وبدأت منذ خمس سنوات في نشر تقارير سنوية حول جودة الهواء في مدن العالم، والتقرير الذي نتحدث عنه اليوم هو الخامس ويقع تحت عنوان "التقرير الدولي لعام 2022 حول جودة الهواء"(IQAir World Air Quality Report 2022).

 

فهذا التقرير الأخير المنشور في 14 مارس 2023 يُقدم تركيز الدخان، أو المعروف علمياً بالجسيمات الدقيقة التي قطرها أقل من 2.5 ميكروميتر(2.5 um)من مصادرها التي لا تعد ولا تحصى، وهذه الجسيمات الدقيقة تُصنَّف الآن بأنها تسبب السرطان إلى الإنسان، علاوة على أمراض القلب والجهاز التنفسي التي تجعل الإنسان يلقى نحبه في سنٍ مبكرة. وقد تم اعتماد 7323 موقعاً في المدن من 131 دولة حول العالم لعام 2022، حيث استخلصتْ وحُللت المعلومات من عدة مصادر منها 30 ألف محطة تقيس مباشرة ملوثات الهواء الجوي، إضافة إلى تقدير تركيز هذه الجسيمات الدقيقة من قراءات الأقمار الصناعية. كما قامت بتبني توصيات منظمة الصحة العالمية التي وضعتها في سبتمبر 2021، والمتعلقة بالمعدل السنوي الآمن لتركيز الجسيمات الدقيقة في الهواء الجوي، وهو 5 ميكروجرامات للجسيمات الدقيقة في المتر المكعب من الهواء، علماً بأن المواصفة السابقة كانت 10.

 

وتوصل التقرير بعد مقارنة نتائج تركيز الجسيمات الدقيقة في دول العالم بتوصيات منظمة الصحة العالمية كمرجعية علمية في هذا المجال إلى ما يلي:

أولاً: هناك 13 دولة فقط من بين 131 دولة تتمتع بهواء صحي ونقي بالنسبة لتركيز الدخان في الهواء الجوي، منها على سبيل المثال أستراليا، وأوستوانيا، وفنلندا، وجرينلاند، وآيسلندا، ونيوزلندا، أي أن هناك 118 دولة، أو نحو 90% من دول العالم يعاني الناس فيها من هواء ملوث يفوق ويتجاوز توصيات منظمة الصحة العالمية. وهذه النتيجة تتوافق مع استنتاجات الدراسة الشاملة المنشورة  في مارس 2023 في المجلة المرموقة "اللانست، صحة الكوكب"(The LANCET Planetary Health)، تحت عنوان: "الدراسة الدولية الأولى حول تلوث الهواء يومياً تُبين بأنه لا يوجد مكان آمن على الأرض"، حيث أكدت على أن نسبة صغيرة جداً من البشر، وهي قرابة 0.001% فقط يستنشقون هواءً عليلاً نقياً خالياً من الملوثات ويتوافق مع مواصفات منظمة الصحة العالمية حول الحدود الآمنة لجودة الهواء بالنسبة للجسيمات الدقيقة. وبعبارة أخرى فإن 99.99% من البشر الذين يعيشون على سطح الأرض يستنشقون هواءً فاسداً مشبعاً بالملوثات، وبخاصة الجسيمات الدقيقة. كما أن نتائج الدراسة أفادت أيضاً بأن 0.18% من مساحة الكرة الأرضية فقط هي التي نستطيع أن نقول بأنها مازالت عذراء بكر لم تبلغها هذه الملوثات. وبعبارة أخرى فإن هذه النتيجة تشير إلى أن 98.8% من مساحة كوكبنا، بما في ذلك البحرين، قد بلغها داء التلوث بالدخان الدقيق.

 

ثانياً: قدَّم التقرير قائمة بأشد الدول تلوثاً بالنسبة للجسيمات الدقيقة في الهواء لعام 2022، حيث جاءت دولة تشاد في المرتبة الأولى من سلم الدول الأسوأ من ناحية جودة الهواء، وبلغ المعدل السنوي لتركيز الدخان 89.7 ميكروجرام لكل متر مكعب، وهذا المعدل أعلى 17 مرة من معيار منظمة الصحة العالمية، ثم كانت العراق في المرتبة الثانية بتركيز 80.1، وثالثاً جاءت باكستان، ثم في المرتبة الرابعة جاءت البحرين بمعدل تركيز سنوي نحو 66.6 ميكروجرام لكل متر مكعب من الهواء الجوي، وهذا أعلى 13 مرة من توصيات منظمة الصحة، وبعد البحرين كانت  بنجلادش، وبوركينا فاسو، والكويت، والهند، حيث تجاوز معدل التركيز 50.

 

ثالثاً: لو قُمنا بمراجعة التقارير السابقة من عام 2017 إلى 2021 لوجدنا تغيراً في ترتيب الدول الأسوأ من ناحية جودة الهواء، فالأولى هي مدينة لاهور في باكستان، ثم في المرتبة (13) جاءت العاصمة العراقية بغداد، وفي المرتبة (47) عالمياً كانت البحرين، فالمعدل بالنسبة للجسيمات الدقيقة في البحرين بلغ في عام 2017(62.5)، وفي 2018(59.8)، وفي 2019(46.8)، وفي 2020(39.7)، وأخيراً في عام 2021 بلغ معدل التركيز السنوي 49.8 ميكروجرام لكل متر مكعب.

 

رابعاً: اطلعتُ على تقارير دولية أخرى حول جودة الهواء في دول العالم، ولم أجد إجماعاً على الترتيب لاختلافها في مصدر المعلومات، ومنهجية الدراسة، ومرجعية المواصفات الخاصة بالجسيمات الدقيقة، ومنها التقارير الدورية تحت عنوان: "حالة الهواء على المستوى الدولي"(State of the Global Air) لعام 2020، والذي يشمل 196 دولة والمنشور من (Washington Institute for Health Metrics and Evaluation)، إضافة إلى تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2020 لعدد 109 دولة تحت عنوان: "الدول الأكثر تلوثاً عالمياً لعام 2020". وفي هذه التقارير لا توجد البحرين ضمن قائمة الدول الأشد تلوثاً، علماً بأن هناك تقارير دولية أخرى لا تتناول الملوثات الأولية المعروفة كالدخان، وإنما غاز ثاني أكسيد الكربون، وفي هذه التقارير نجد بأن دول الخليج تقع بشكلٍ عام في المراتب الأولى، حيث إن هذا الغاز لا علاقة له مباشرة بجودة الهواء وإنما بظاهرة التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض.

 

خامساً: هناك مصدران للدخان أو الجسيمات الدقيقة في الهواء الجوي، الأول طبيعي، أي يخرج عن سيطرة الإنسان كالعواصف الترابية والرياح المحملة بالغبار، والثاني صناعي أي ينبعث من المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، والسيارات، إضافة إلى حرق الغاز الطبيعي وعمليات استخراج النفط. وهناك انطباع سائد في دولنا بأننا لا نتحمل مسؤولية ارتفاع الجسيمات الدقيقة في الهواء، فلا نلوم أنفسنا لهذا التلوث بسبب العواصف الترابية المستمرة، ولكن الدراسة المنشورة في مجلة "اتصالات الأرض والبيئة"( Communications Earth & Environment) تحت عنوان: "تلوث الغلاف الجوي الشديد في الشرق الأوسط مصدر بشري"، تفيد بنتائج جديدة ومثيرة. فقد استنتجت الدراسة أولاً بأن الغبار والأتربة تعتبر المصدر الرئيس لتدهور جودة الهواء في منطقة الشرق والأوسط ورفع مستوى التلوث فيها، وثانياً، وهو المهم، فإن نسبة الجسيمات الدقيقة من المصادر الصناعية البشرية تمثل أكثر 90% من مجموع الجسيمات، وهي أكثر خطورة وأشد وطأة وتنكيلاً بالصحة العامة لأنها دقيقة جداً ومجهرية وتحمل في بطنها المئات من الملوثات السامة والمسرطنة، مقارنة بالأتربة الطبيعية التي جسيماتها تعد كبيرة نسبياً وقد لا تخترق أعماق الجهاز التنفسي فتصل إلى الرئتين ومجرى الدم، ثم إلى كل خلية من خلايا جسم الإنسان. وجدير بالذكر فإن أنشطتنا التنموية تسببت أيضاً في زيادة العواصف التي تحمل الغبار والأتربة من الصحاري بسبب تدهور الغطاء النباتي في الصحراء، وانكماش مساحة الأراضي المزروعة التي تثبِّت التربة وتمنع تحرك الأتربة.

سادساً: لا توجد معلومات تنشرها دولنا حول جودة الهواء الجوي بالنسبة للملوثات الأولية والثانوية، والتي تشتمل على الجسيمات الدقيقة، ولذلك نعتمد دائماً على المصادر الأجنبية التي تقوم في بعض الحالات إلى "تقدير" نسبة الملوثات في دولنا لندرة المعلومات الصحيحة.

وختاماً إذا أردنا أن نصل إلى الحقيقة بالنسبة لجودة الهواء في البحرين، علينا وبكل بساطة نشر المعلومات المتوافرة من أجهزة رصد ومراقبة ملوثات الهواء في جميع محافظات البحرين، وبالتحديد معدل التركيز اليومي، والشهري، والسنوي لجميع الملوثات، فمن حقوق المواطن الأساسية التعرف على الهواء الذي يستنشقه، وأن يتمتع بالعيش في بيئة نظيفة وصحية.

 

الخميس، 16 مارس 2023

ظهر الفساد البيئي في البر والبحر والجو


يقول سبحانه وتعالى: "ظَهرَ الفسادُ في البر والبحر بما كَسبَتْ أيدي الناس"، والفساد المقصود حسب مفهوم غالبية الناس هو الفساد الأخلاقي والاجتماعي والديني، ولكنني أَضفتُ نوعاً آخر، وجانباً جديداً من الفساد، حسب نتائج دراسة الماجستير لأحد طلابي في فبراير 1994 تحت عنوان: "دور الإسلام في حماية البيئة"، إضافة إلى كتابي المنشور في 1994 تحت عنوان: "حماية الحياة الفطرية في الإسلام"، وهذا الفساد الجديد هو الفساد البيئي الشامل بسبب أيدينا الآثمة التي استباحت حرمات بيئتنا، فتدهورت جميع مكونات وعناصر البيئة الحية وغير الحية، في البر، والبحر، والهواء السفلى والهواء العليا، حتى أنه لم يبق شبر من الأرض، قريباً كان أم بعيداً، إلا وأصابه داء الفساد البيئي من التلوث الكيميائي بالمخلفات الغازية، والسائلة، والصلبة، إضافة إلى التلوث الضوضائي من الأصوات المزعجة والعالية على سطح الأرض وفي أعماق البحر، والتلوث الضوئي الذي حول الليل نهاراً في الكثير من مدن العالم، والتلوث من الأشعة الكهرومغناطيسية التي من كثرتها لا يمكن حصر مصادرها.

 

وفي السنوات القليلة الماضية نُشرت الكثير من الدراسات حول تركيز الملوثات، ومنها الدخان، أو الجسيمات الدقيقة في الهواء الجوي، ولكن معظمها تركز على نطاق جغرافي ضيق، كمستوى الدخان في المدن، أو الدولة الواحدة، ولذلك فالدراسات التي شملت الكرة الأرضية برمتها شحيحة، ومعظمها تناولت تركيز الجسيمات الدقيقة لفترة قصيرة، أي لمدة سنة واحدة. وهذه الدراسات الميدانية أجمعت وأكدت بأن الفساد البيئي وتلوث عناصر البيئة فعلاً قد تفاقم وانتشر وتفشي في كل بيئتنا، سواء أكانت البيئة الخارجية أو البيئة الداخلية في منازلنا ومكاتبنا.

 

ولكن الدراسة التي نحن بصددِ تناولها وتقديمها هي تعتبر الأولى من نوعها والتي شملت كل منطقة جغرافية على كوكبنا، وركزت على معدل تركيز الدخان الذي يتعرض له البشر في كل يوم في كل دول العالم، كما راقبت الدراسة أنماط التغيرات المكانية والزمانية لهذا الملوث الخطير. وقد نُشرت تفاصيل هذه الدراسة في مارس 2023 في مجلة "اللانست، صحة الكوكب"(The LANCET Planetary Health)، تحت عنوان: "الدراسة الدولية الأولى حول تلوث الهواء يومياً تُبين بأنه لا يوجد مكان آمن على الأرض". فهذا البحث المعمق والشامل قام بإجراء تحليلٍ يومي لعشرين عاماً لتركيز أحد الملوثات المسببة للسرطان وهو الدخان، أو الجسيمات الدقيقة التي يتعرض لها البشر في كل أنحاء العالم.

 

فهذه الدراسة أجراها علماء من أستراليا ومن دول أخرى حول العالم، وتُقدم خارطة دولية للتغير في مستويات تلوث الهواء بالنسبة للجسيمات الدقيقة التي قطرها أقل من 2.5 ميكروميتر(PM2.5) في مدن العالم، والتغيرات التي حصلت على تركيزها خلال العقدين الماضيين، وبالتحديد من الأول من يناير 2000 إلى 31 ديسمبر 2019. وقد اعتمد الباحثون في الحصول على النتائج وقياسات تركيز الدخان من عدة مصادر وأجهزة علمية، منها محطات قياس تلوث الهواء الثابتة والمتحركة في مختلف مدن العالم، والتي بلغ عددها 5446 محطة من 65 دولة، إضافة إلى القياسات التي تُقدمها الأقمار الصناعية البيئية المصممة لهذا الغرض لعدد 175 دولة.

 

وقد توصل هذا البحث الجامع إلى نتائج مقلقة جداً تكتئب لها نفوس البشر عند سماعها، وترفع من تدهور حالتهم النفسية والعقلية، إضافة إلى أن هذه النتائج تشير واقعياً إلى الزيادة المطردة التي نلمسها الآن في أعداد وأنواع الأمراض العضوية المستعصية التي يسقط فيها البشر نتيجة لهذا الفساد البيئي الذي عمَّ الكرة الأرضية برمتها.

 

فالنتائج المخيفة والمقلقة تؤكد بأن نسبة صغيرة جداً جداً من البشر، وهي قرابة 0.001% فقط يستنشقون هواءً عليلاً نقياً خالياً من الملوثات ويتوافق مع مواصفات وتوصيات منظمة الصحة العالمية حول الحدود الآمنة لجودة الهواء بالنسبة للجسيمات الدقيقة. وبعبارة أخرى فإن 99.99% من البشر الذين يعيشون على سطح الأرض يستنشقون هواءً فاسداً مشبعاً بالملوثات، وبخاصة الجسيمات الدقيقة التي تهدد حياة الإنسان إما بخطر الوقوع في الأمراض، وإما أن يلقى نحبه في سنٍ مبكرة. 

 

 كما أن النتائج أفادت أيضاً بأن 0.18% من مساحة الكرة الأرضية فقط هي التي نستطيع أن نقول بأنها مازالت عذراء بكر لم تبلغها هذه الملوثات. وبعبارة أخرى فإن هذه النتيجة تشير إلى أن 98.8% من مساحة كوكبنا بلغها داء التلوث بالدخان الدقيق. فهاتان النتيجتان تفيدان بأن التلوث اقتحم وغزا كل شرايين بيئتنا وأجسامنا، وأنه عملياً لا تستطيع الهروب من تلوث الهواء أينما تكون، ولو كُنتَ في أعالي السماء في بروجٍ محكمة مشيدة. فسواء أكنت تعيش في المدينة، أو في القرية، بالقرب من المناطق الصناعية والحضرية، أو في الأرياف والقرى الصغيرة، فالهواء جُله فاسد وملوث، حتى لو ذهبت إلى أعالي الجبال النائية والبعيدة، فالسموم موجودة في الهواء وتلاحقك في كل بقعة من الأرض، كما هي تكون في صُحبتك حتى في أبعد المواقع في الأرض كالقطبين الشمالي والجنوبي، فالهواء لا يزال يعاني من فقرٍ شديد في نوعيته وكميته.

 

كما قّدَّرت الدراسة المعدل السنوي لتركيز الجسيمات الدقيقة في 175 دولة خلال العشرين عاماً الماضية بنحو 32.8 ميكروجرام من الجسيمات الدقيقة في المتر المكعب من الهواء الجوي، وهذا التركيز أعلى بكثير من التركيز الآمن حسب توصيات منظمة الصحة العالمية التي تم اعتمادها في عام 2021، وهي 5 ميكروجرامات في المتر المكعب.

 

وهذه التقديرات المتعلقة بتركيز الدخان في الهواء الجوي تختلف من مدينة إلى أخرى، كما إنها تختلف من فصل إلى آخر، إضافة إلى نوعية الوقود المستخدم في كل دولة. فمصادر الدخان والجسيمات الدقيقة يمكن تصنيفها إلى نوعين، المصدر الأول هو طبيعي، أي أن يد الإنسان لا دخل لها في انبعاثها إلى الهواء الجوي، مثل الرياح والعواصف الترابية والغبارية، وحرائق الغابات، وأما المصدر الثاني فهو صناعي، أي من صُنع أيدينا، ونحن الذين نسمح بانطلاقها طواعية إلى بيئتنا، مثل وسائل المواصلات من سيارات وحافلات وطائرات وقطارات، ثم محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالوقود الأحفوري، إضافة إلى حرق الوقود الأحفوري في المصانع وعند استخراج ومعالجة النفط والغاز الطبيعي والفحم.

 

فهذه الدراسة ومثيلاتها من الدراسات المتعلقة بتلوث الهواء عامة أَجمعتْ على عدة استنتاجات عامة، منها أن تلوث الهواء غطى الكرة الأرضية برمتها، ومنها أن تلوث الهواء يُعد من أكثر المصادر هلاكاً للبشر، سواء بتعريضهم للأمراض المزمنة، أو نقلهم إلى مثواهم الأخير في سنٍ مبكرة، ولذلك توصلت منظمة الصحة العالمية إلى القول بأن الهواء الجوي الذي يستنشقه البشر يعد من أسباب إصابة الإنسان بالسرطان والأمراض المزمنة الأخرى، كما أن المنظمة صنَّفت الهواء الجوي العادي بأنه "مسرطن"، كما أَطلقت على تلوث الهواء بالقاتل الصامت.

 

فهل هناك خطر يهدد الصحة العامة للبشر أشد وأكثر من تلوث الهواء؟

الاثنين، 13 مارس 2023

مرض بلاستيكي جديد يصيب الطيور، فهل سيصيب الإنسان أيضاً؟


بعض الأمراض الناجمة عن تلوث البيئة بالمخلفات الصلبة أو الغازية أو السائلة لا تنكشف مباشرة على الإنسان، وإنما تكون الحياة الفطرية الحيوانية هي البوابة الأولى التي تلج منها، وتتراكم فيها مع الوقت، ومن ثم تنتقل إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية عندما يتغذى الإنسان على هذه الكائنات التي تحتوي على سموم المخلفات. فهذه الكائنات الحية تُعد المؤشر الحيوي الأول، وتعمل كجهاز إنذارٍ مبكر يكشف ظهور المرض في المستقبل، وهي بذلك تُحذر البشر من وقوع كارثة صحية ووباء ينتشر في كل مكان.

 

ففي الخمسينيات من القرن المنصرم، وبالتحديد في مدينة مِينَمَاتَا اليابانية الواقعة على خليج مينماتا، ظهرت فجأة أعراض غريبة لا تفسير لها على القطط في تلك المدينة، فقد شاهد الناس هذه القطط وهي ترقص وتتحرك سريعاً في محيط دائري حول نفسها، ثم ما تلبث أن تلقى حتفها وتسقط صريعة على الأرض. وهذه المشاهد المرعبة ملأت قلوب سكان المدينة بالفزع والخوف الشديدين، وألقت في نفوسهم القلق العصيب، وجعلتهم في حيرة عميقة من أمرهم، وثارت في صدورهم التساؤلات المريبة لتفسير هذه المشاهد التي نزلت على القطط في مدينتهم.

 

فهذه الصور الحية التي رآها الناس أمامهم كانت هي المشهد الأول من أكبر كارثة شهدتها اليابان، بل والعالم أجمع، والتي تداعياتها مازالت يعاني منها الشعب الياباني، وشعوب العالم على حدٍ سواء، حتى أن دول العالم برعاية من الأمم المتحدة اجتمعتْ مرات كثيرة لمناقشة هذه الكارثة، ومواجهة أسبابها ومصادرها، وكان آخرها الموافقة على معاهدة دولية تحت مسمى "معاهدة مينماتا". فهذه القطط التي لقت نحبها في منظر غريب ومهيب لم يشهده الإنسان من قبل، كانت تعاني من تشبع عنصر الزئبق الشديد السمية في جسمها بسبب أكلها للأسماك التي كانت ملوثة بالزئبق، وهذا الزئبق دخل مياه الخليج وتراكم يوماً بعد يوم في الكائنات النباتية فالحيوانية، ثم الأسماك نتيجة لصرف أحد المصانع لمخلفاته السائلة الملوثة بالزئبق في البحيرة. وهذه الأسماك نفسها المسمومة كان قد تغذى عليها الآلاف من سكان المدينة، فنزل عليهم كلهم بعد فترة قليلة من مشهد القطط، مرض عضال فريد من نوعه أُطلق عليه "مرض مينماتا"، فكانت القطط هي المؤشر الحيوي الأول لهذه الكارثة البيئية الصحية، وأعطت إنذاراً مبكراً على وجود مرضٍ في مجتمع الإنسان. 

 

وبعدها بسنوات قليلة، وبالتحديد في السبعينيات من القرن المنصرم، وبعد أن أفرط الإنسان في كل بقاع العالم في استخدام المبيد الحشري المشهور "دي دي تي"، بدأت الطيور المائية والجارحة بوضع بيضٍ هشٍ ينكسر بسهولة قبل أن يفقس، مما قد يؤدي على المدى البعيد إلى انقراض هذا النوع من الطيور. وكان السبب هو انتشار وتراكم المبيد الحشري في كل شرايين البيئة، ثم انتقاله إلى الحياة الفطرية بجميع أنواعها، وانعكس تفشي هذا المبيد السام على الطيور كمؤشر حيوي أولي وإنذار مبكر يفيد بوجود مرض ما في البيئة، ثم ظهر رويداً رويداً على الإنسان من خلال تفشي المبيد في كل عضو، بل وفي كل خلية من خلايا الإنسان، حتى وصل إلى حليب الأم، فنزلت على الإنسان أمراض مستعصية، كمرض السرطان.

 

واليوم نقف أمام مؤشر حيوي آخر يكشف عن احتمال وجود مرض جديد في بيئتنا، ويتمثل في إصابة بعض أنواع الطيور المائية(flesh-footed shearwaters) الموجودة في جزيرة "لورد هوي" الأسترالية(Lord Howe Island) من نوع ( Ardenna carneipes) بمرضٍ جديد يكتشفه العلماء لأول مرة، ويسبب تليفاً في مسالك ومجرى الجهاز الهضمي لهذه الطيور نتيجة لأكلها مواد غذائية تحتوي على مخلفات البلاستيك المتناهية في الصغر، ولذلك أُطلق على هذا المرض "بلاستيك أوْسِيسْ" (plasticosis)، أو مرض التليف البلاستيكي للطيور.

 

وهذا الاسم يُطلق على مجموعة من أمراض التليف(fibrotic diseases) التي تصيب أعضاء جسم الإنسان، سواء أكان التليف لأنسجة الجهاز التنفسي، أو  الجهاز الهضمي أو غيرهما. ومن أمثلة أمراض التليف التي تصيب البشر، والمعروفة منذ عقود طويلة من الزمن هي داء الأسْبِسْتُوسِسْ(asbestosis )، أو سرطان الرئة، وهو مرضْ تليفْ رئوي مزمن يحدث بسبب استنشاق ألياف الأسبستوس المعدنية الموجودة في الطبيعية، وقد يصيب هذا المرض أيضاً بتليف أنسجة المعدة والحنجرة. كذلك هناك السِلِيكُوسِسْ (Silicosis)، وهو أيضاً يصيب الرئتين بالتندب والتليف عند استنشاق غبار السليكا البلورية(الرمل الدقيق جداً) حيث يتجمع في مسالك ومجرى الجهاز التنفسي ويصل أخيراً إلى الرئتين، فيصيب الإنسان بسرطان نادر من نوعه في الرئة.

 

فالمرض الجديد الذي نسلط عليه الضوء اليوم ناجم عن التعرض للمخلفات الميكروبلاستيكية، أو النانوبلاستيكية المجهرية الحجم، واكتشفه العلماء من متحف التاريخ الطبيعي في بريطانيا، ونشروا نتائج الدراسة الميدانية في 15 مايو 2023 في مجلة "المواد الخطرة" (Journal of Hazardous Materials) تحت عنوان: "بلاستيك أُوسِيسْ: تشخيص المخلفات الميكروبلاستيكية الصغيرة والكبيرة التي لها علاقة بتليف أنسجة الطيور المائية".

 

وفي هذه الدراسة قام العلماء بجمع 21 من الطيور الميتة من الجزيرة الأسترالية في الفترة من 28 أبريل إلى 8 مايو 2021، وتم الكشف عن المخلفات البلاستيكية في أجزاء مختلفة من الجهاز الهضمي، والتعرف عن التندب الذي ظهر في الأنسجة والالتهابات الناجمة عنه، والتي أدت إلى تليف الأنسجة والخلايا بسبب وجود المخلفات البلاستيكية. وهذا التليف يضعف من فاعلية وقدرة الجهاز الهضمي في أداء وظيفته، ويجعله أكثر عرضة للعدوى من الطفيليات وغيرها، مما يؤدي إلى موتها. وجدير بالذكر أن العلماء أفادوا بأن هذه الطيور التي خضعت للدراسة والتحليل كانت ظاهرياً وسطحياً تبدوا سليمة وفي صحة جيدة، كالذي يصاب بالورم السرطاني لفترة من الزمن، ولا يعلم عن وجوده داخل جسمه، إلا بعد أن يستفحل وينتشر في جميع الأعضاء. 

 

فهذا المرض البلاستيكي الذي انكشف على الطيور ما هو إلا النذير الأول، ويعتبر أول مشهدٍ عقيم لمرضٍ قادم لا محالة لباقي أنواع الكائنات الفطرية، والذي سينتقل حتماً إلى الإنسان.

 

فهل سنأخذ هذا المؤشر الأولي بجدية فسنستعد من الآن للتخطيط لمواجهة هذا الوباء القادم من المخلفات البلاستيكية والوقاية منه قبل أن يتفاقم ويتعاظم في أجسادنا؟

الاثنين، 6 مارس 2023

هل تم فك لغز المرض الأمريكي الغامض؟

منذ أن برز مرض هافانا الغامض على السطح، وبالتحديد منذ أغسطس 2016 في السفارة الأمريكية في العاصمة الكوبية هافانا، وأنا أُتابع وأراقب كافة التفاصيل المتعلقة بهذه المرض الغريب الذي أصاب الدبلوماسيين الأمريكيين، وأكتبُ عن التطورات التي تُستجد حول مصدر وأسباب هذه الظاهرة الصحية الجديدة والأعراض المرضية المتباينة والفريدة من نوعها، فأول مقال كتبتُه لسبر غور هذه الظاهرة المرضية كان في 29 أكتوبر 2017 تحت عنوان: "ماذا حدث لموظفي السفارة الأمريكية في كوبا".

 

ومنذ ذلك الوقت، أي منذ أكثر من سبع سنوات والقصة مازالت غامضة كما ظهرت منذ أول يوم، والتفسيرات حول انكشافها مازالت غير نهائية ولا يمكن علمياً الوثوق بها، ومصادر وأسباب الأعراض المرضية العقيمة التي تعرض لها أكثر من 1500 دبلوماسي وعميل أمريكي يعملون في هافانا بكوبا، أو في شنغهاي في الصين، أو في النمسا، أو كولومبيا مازالت تحت التحقيق والدراسة، ولم تنجح في فك رموز وشفرات هذه الحالات الصحية الغريبة( anomalous health incidents). 

 

فالدراسات والتحقيقات لإيجاد الأجوبة الصحيحة والوصول إلى الحقيقة وحل اللغز المحير لم تتوقف، وآخرها وردتْ في النشرة الإعلامية التي صدرت في الأول من مارس 2023، تحت عنوان: "بيان مدير الاستخبارات القومية حول تقييم مجتمع الاستخبارات عن الحالات المرضية الغريبة". فهذا التحقيق والتقييم الجديد شمل أكثر من 1500 حالة مرضية لموظفين أمريكيين يعملون خارج أمريكا في 96 دولة، واستغرق هذا التحقيق الذي أجرته سبع وكالات استخباراتية ست سنوات، وشمل دراسة شاملة ودقيقة لجميع الحالات التي وقعتْ بين عامين من 2016 إلى 2018، حيث وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية(سي أي إيه)( Central Intelligence Agency) بيل بارنز(Bill Burns) هذا التقرير قائلاً: "إنه التحقيق الأكبر والأكثر شمولية في تاريخ الوكالة، وهو يعكس أكثر من عامين من جمع المعلومات والأعمال الاستقصائية وتحليل هذه المعلومات من مجتمع الاستخبارات لكل ما يحيط بالحادثة قبل وأثناء وبعد وقوعها".

 

وهذا التقرير الأخير لمجتمع المخابرات عن الحالات المرضية الشاذة تم تصنيفه بأنه "سري"، حيث قُدم ملخص الاستنتاجات في البيان الصحافي الذي صرحت به مديرة الاستخبارات القومية، أفريل هاينز (Avril Haines) قائلة: "نحن اليوم نُشارككم جهود التحقيقات والاستنتاجات التي توصل إليها تقييم مجتمع الاستخبارات حول الحالات الصحية الغريبة"، كما ورد في النشرة: "معظم وكالات مجتمع الاستخبارات استنتج الآن بأنه من المستبعد بأن هناك جهة أجنبية تتحمل مسؤولية الحالات المرضية الغريبة التي تعرض لها بعض الدبلوماسيين..... ومازالت هناك ثغرات قائمة بسبب التحديات المحيطة بجمع المعلومات من الجهات الأجنبية". كذلك استنتج التقرير حسب ما ورد في البيان بأن: "الأعراض التي انكشفت على الدبلوماسيين من المحتمل أن تكون لعوامل لا علاقة لها بجهات أجنبية عدائية، مثل الحالات المرضية التي كانوا يعانون منها سابقاً، أو أمراض معروفة مسبقاً، أو عوامل بيئية".

 

فهذا التحقيق الشامل استبعد إحدى النظريات والتفسيرات التي كانت مطروحة بقوة من قبل، والتي تتمثل في وجود سلاحٍ أجنبي خارجي وعدائي تعرض له الموظفون، مثل "السلاح الصوتي"، أو "سلاح الأشعة الكهرومغناطيسية"(pulsed electromagnetic energy) الذي تنبعث منه طاقة وموجات في مجال الميكروويف، أو ترددات الراديو(radio-frequency energy). ففي 30  أغسطس 2018 نُشرت دراسة في مجلة "الكهرومغناطيسية الحيوية"(Bio Electro Magnetics) وخلصت إلى أن التعرض لأشعة الميكروويف الموجودة في أفران الميكروويف التي نستخدمها لتسخين الطعام وفي الهواتف النقالة قد يُفسر هذه الأعراض المرضية الغريبة التي أُصيب بها الوفد الأمريكي في كوبا والصين، فعندما يتعرض الإنسان لأشعة الميكروويف المُركزة والشديدة فإنه سيحس بالضوضاء العالية والأصوات المرتفعة، وينعكس هذا على الأمن الصحي من حيث الشعور بالصداع والإغماء والإرهاق ثم تلف وارتجاج في المخ، حسب الدراسة المنشورة في 20 مارس 2018 في مجلة جمعية الأطباء الأمريكيين حول "بيانات عصبية للمسؤولين الحكوميين الذين أفادوا لتعرضهم لظواهر صوتية وحسية في كوبا"، حيث تم فحص وتقييم 21 دبلوماسياً أمريكياً كانوا يعملون في كوبا، وأشارت الدراسة إلى أن شكوى هؤلاء العاملين في السفارة الأمريكية في كوبا تفيد بتعرض هؤلاء الأفراد لخلل في شبكات المخ، وأفادت بأن هذه الأعراض تُشبه من تعرض لحادثة ارتجاج في المخ جراء حادثة سيارة، أو السقوط من مكان مرتفع، أو حدوث انفجار، ولكن الدراسة لم تحدد مصدر وأسباب هذه الحالة المرضية.

 

كما أن البحث المنشور في أكتوبر 2018 في مجلة الحسابات العصبية (Neural Computation) يُقدم الإثباتات والدلائل العلمية التي تؤشر إلى أن "الهجوم بأشعة الميكروويف" هو السبب وراء مرض الأمريكيين.

 

كذلك نُشر تقرير في السادس من ديسمبر 2020 من "الأكاديميات القومية للعلوم والهندسة والطب"(National Academies of Sciences, Engineering, and Medicine) بعنوان: "تقييم مرض موظفي الحكومة الأمريكية وعائلاتهم في السفارات الخارجية". وهذا التقرير قام به فريق مكون من 19 خبيراً من تخصصات متعددة منها علم الأعصاب والإشعاع وغيرهما، وتكون التقرير من 64 صفحة، وجاءت الاستنتاجات الختامية حسب ما ورد في التقرير بأن: "الأعراض التي تم كشفها على أول حالة في السفارة الأمريكية في مدينة هافانا بكوبا كانت تتمثل في الاستيقاظ من النوم والشعور بآلام شديدة وضغط شديد في الوجه، والاحساس بوجود صوتٍ حاد ومرتفع جداً في أحد الأذنين، ثم فقدان التوازن والإغماء. وبعد أيام انكشفت أعراض أخرى تتمثل في مشكلات واضطرابات في الرؤية، وصعوبات ذهنية وعقلية، وفقدان في السمع، وصداع مزمن، والشعور بالتعب والإرهاق، وفقدان الذاكرة"، كما جاء في التقرير بأن: "لجنة الخبراء تَشعر بأن الأعراض التي أصابت الدبلوماسيين تتوافق مع التأثيرات للتعرض المباشر للأشعة الكهرومغناطيسية في مجال طاقة وترددات الراديو والميكروويف. كما جاء أيضاً في التقرير: "يبدو أن ذبذبات ترددات الراديو الموجهة هي الآلية الأكثر قبولاً لتفسير هذه الحالات المرضية التي تمت دراستها من قبل اللجنة، إضافة إلى تأثيرات الحالات النفسية لهؤلاء الموظفين".

 

ولذلك وبعد مضي أكثر من سبع سنوات على هذه الحالات الصحية الغريبة، وبعد الكثير من الدراسات والتحقيقات التي لم تنته بعد، ولم تُنشر نتائجها حتى الآن، إلا أن الغموض مازال يحوم حول هذه الظاهرة الغريبة. والخلاصة التي أستطيع أن أُقدمها لكم هي أن الوقائع المرضية صحيحة، والحكومة الأمريكية جادة في فك شفراتها وتؤكد على ذلك من خلال عدة مؤشرات منها تعويض المتضررين مادياً، ومنها موافقة مجلس النواب بالإجماع في 21 سبتمبر 2021، وهذه من الحالات النادرة أن يكون هناك إجماع في المجلس وموافقة من الحزبين، على قانون هافانا(Helping American Victims Afflicted by Neurological Attacks Act)، حيث وقَّع بايدن على القانون في 8 أكتوبر 2021 وقال متعهداً بإيجاد حل لهذه الحالات: "أنا سعيد بالتوقيع على قانون هافانا من أجل ضمان بأننا نقوم كل ما في وسعنا لمساعدة أفراد الحكومة الأمريكية الذين يعانون من الحالات الصحية الغريبة"، كما أضاف: "مواجهة هذه الحالات هي من الأولويات الرئيسة لإدارتي". 

 

والأيام القادمة قد تكون كفيلة بإزالة النقاب عن اللغز المحير الذي يحيط بهذا المرض الغامض.

 

السبت، 4 مارس 2023

هل اكتشف العلماء منبع فيروس كورونا؟

بعد أن خَفتْ الأضواء قليلاً عن فيروس كورونا الذي شلَّ الحركة في الكرة الأرضية برمتها لأكثر من عامين طويلين، فجَّرت صحيفة "الوال ستريت جورنل" الأمريكية قنبلة جديدة في 26 فبراير، وألقتْ مرة ثانية بالأضواء والاهتمام على هذا المرض العقيم، وبالتحديد بالنسبة لمنبع هذا الفيروس الغريب ومصدره ومسقط رأسه، وأين كانت نقطة البداية، أو نقطة الصفر وانطلاق المرض وانتشاره.

 

كما أن هذا التفجير المعلوماتي الجديد أيقظ مرة ثانية المعركة الدبلوماسية التي كانت نائمة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وأشعل من جديد الحرب الكلامية بين الطرفين وتوجيه الاتهامات فيما بينهما. وفي الوقت نفسه أحيا هذا التفجير الإعلامي الحوارات المحتدمة التي كانت تدور بين العلماء والمختصين ورجال السياسة حول منبع الفيروس ومصدر المرض من جهة، ومكان انتشاره من جهة أخرى.

 

فهذا الصراع العلمي السياسي نشب اليوم عندما نَشرت أولاً جريدة "الوال ستريت جورنل"(Wall Street Journal) ثم النيويورك تايمس وصحف أخرى خبراً نَقلاً عن تقييمٍ سري وتقرير جديد لوزارة الطاقة، التي تقع تحت إشرافها شبكة من المختبرات الاتحادية السرية وغير السرية، والذي تم تقديمه إلى البيت الأبيض وبعض أعضاء الكونجرس. وأهم النقاط الجديدة التي وردت في التقرير هي تغيير رأي وموقف وزارة الطاقة وبعض الأجهزة الاستخباراتية الأخرى حول مصدر فيروس كورونا(SARS-CoV-2) الذي أصاب عشرات الملايين من البشر بمرض كوفيد_19 (COVID-19).

 

فالنظرية الجديدة التي طُرحتْ "بثقة ضعيفة"، أو "ثقة منخفضة" من قبل وزارة الطاقة هي أنه على الأرجح بأن مصدر الفيروس هو التسرب الذي حَدَثَ عرضياً وعن طريق الخطأ من المختبر في معهد ووهان لعلم الفيروسات في مدينة ووهان الصينين، وقد ساند هذا الرأي عدة أجهزة أمنية واستخباراتية، وليس كلها، وفي مقدمتها "مكتب التحقيقات الفيدرالي"(إف بي أي)، حيث استنتج وبثقة "معتدلة"(moderate confidence) بأن المصدر الأرجح لمسقط رأس الفيروس هو المختبر الصيني، وأنه انتقل إلى جسم الإنسان عن طريق تسرب عرضي. وقد أكد على هذا الاستنتاج مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كريستوفر راي (Christopher Wray) في 28 فبراير عندما قال بأنه من الأرجح أن المرض بدأ من مختبر واهان، وأنه بسبب تسرب غير متعمد عن طريق الخطأ، علماً بأن المكتب نفسه وصل إلى النتيجة ذاتها وبدرجة ضعيفة من الثقة في عام 2021.

 

فالتطور الجديد الآن هو التحول في رأي بعض الوزارات والأجهزة الاستخباراتية الأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتغير نظريتهم من الرأي السابق والسائد بأن فيروس كورونا انتقل طبيعياً من سوق ووهان للحيوانات البرية التي كانت مكدسة في أقفاص صغيرة وضيقة إلى الإنسان، ثم انتقلت العدوى إلى معظم سكان الأرض أينما يقطنون.

 

وبالرغم من هذه المستجدات إلا أن البيت الأبيض مازال محافظاً في تصريحاته، وغير واضحٍ وصريح في إعلاناته. فقد أعلن "جيك سوليفان"(Jake Sullivan) مستشار الأمن القومي في 27 فبراير مباشرة بعد تسريب الصحيفة للخبر الجديد في 26 فبراير بأن إدارة بايدن لم تتوصل إلى إجماع حول مصادر الفيروس المسبب لمرض كوفيد_19، وهناك العديد من الآراء المختلفة حول مصدر الفيروس، حيث قال: "حالياً، لا يوجد جواب نهائي صادر عن مجتمع الاستخبارات حول هذا السؤال"، فمجتمع الاستخبارات مازال منقسماً ومختلفاً حول نظرية مصدر الفيروس. وفي السياق نفسه، قال "جون كيربي" (John Kirby) المتحدث باسم "مجلس الأمن القومي" ( National Security Councl)في 27 فبراير :"ما يريده الرئيس هو الحقائق"، كما أضاف قائلاً بأن: "مجتمع الاستخبارات وباقي وكالات الحكومة مازالوا يبحثون في هذه القضية، فلا يوجد استنتاج نهائي".

 

وفي المقابل كانت هناك ردة فعل قوية وحازمة من الجانب الصيني على هذه الاتهامات الأمريكية الجديدة الخاصة بتسرب الفيروس من مختبر في الصين، وبشكل عام فإن الصين دائماً تعارض فكرة تسرب الفيروس من مختبراتها ولا تعطي أي مجال للبحث فيها والتحقيق حولها، وتقول إن كل هذه الادعاءات لها دوافع سياسية. ففي 28 فبراير جاء الرد الصيني على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية "ماو ننج"، حيث قال بأن: "على أمريكا التوقف عن إثارة الجدل حول التسربات المخبرية، والتوقف عن تشويه سمعة الصين، والتوقف عن تسيس قضية مصدر الفيروس".

 

ومع هذه الاتهامات المتبادلة بين الصين وأمريكا خاصة حول النظريات المتعلقة بمصدر الفيروس ومكان بدء المرض وانتشاره، يقف الإنسان حائراً لا يعلم أين الحقيقة، ولا يعلم أين يكمن مصدر الحقيقة، وما هي الجهة الموضوعية والمستقلة التي يمكن الاعتماد عليها والرجوع إليها للحصول على المعلومات الموثوقة والصادقة غير الملوثة بسياسات الدول ودوافعهم المختلفة غير العلمية وغير الموضوعية.

 

فمن الجهات التي من المفروض "نظرياً" أن تكون غير متحيزة، ولها مصداقية وثقة عالية بعض الشيء هي منظمات الأمم المتحدة ذات العلاقة، وبخاصة منظمة الصحة العالمية. فهذه المنظمة قدَّمت استنتاجات التقرير الختامي لآخر فريق تحقيق دولي تابع لها في 30 مارس 2021، وهذه الاستنتاجات جاءت متوافقة مع الرأي السائد حول الفيروس، وهو رأي الصين والكثير من علماء العالم، ولكن في الوقت نفسه دون إغلاق الباب كلياً أمام نظرية احتمال تسرب الفيروس من المختبر في الصين، ودون إهمال هذه النظرية وتجاهلها تماماً، حيث قدَّم التقرير إشارة إليها، فجاء فيه بأن نظرية التسرب هي الأقل ترجيحاً، وأنها "جداً غير محتملة"(extremely unlikely). كما جاءت إشارة أقوى، وأكثر وضوحاً حول نظرية تسرب الفيروس من مختبر ووهان من المدير العام للمنظمة عندما قال بأنه بالرغم من أن التسرب في المختبر هو السبب الأقل احتمالاً، إلا أن هناك حاجة لمزيد من البحث المكثف، ومن التحقيق الدقيق لاستبعاده، كما أضاف بأنه: "فيما يتعلق بمنظمة الصحة العالمية فإن جميع الفرضيات مطروحة على الطاولة".

 

ولذلك مع هذه التعقيدات والصعوبات السياسية والعلمية، وعدم تعاون وسوء نية الدول المعنية مباشرة بالقضية، إضافة إلى دخول الدوافع الانتهازية والنظريات غير الموضوعية والمستقلة، فإن حل لغز مصدر الفيروس الذي أعاق حركة البشرية جمعاء سيكون صعباً جداً، وربما مستحيلاً.

 

الخميس، 2 مارس 2023

كيف تحول فرن الغاز المنزلي إلى قضية سياسية؟


امتلأت الصحف والمجلات الغربية العريقة والمعروفة الواسعة الانتشار، وبخاصة الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية بالمقالات والتحقيقات العلمية، والسياسية، والثقافية، والقانونية حول الفرن المنزلي، وكأن الفرن المنزلي جهاز جديد، وآلة حديثة دخلت لتوها في الأسواق وإلى منازلنا. فماذا حدث فجأة حتى يجذب الفرن المنزلي الذي يعمل بالغاز الطبيعي والمستخدم منذ الثلاثينيات من القرن المنصرم هذا الاهتمام الواسع غير الطبيعي من رجال العلم، والسياسة، والقانون، والاجتماع ووسائل الإعلام المختلفة؟

 

في الحقيقة فإن الفرن المنزلي بشكلٍ عام، وبالتحديد الفرن الذي يعمل بالغاز الطبيعي يُعتبر عند العلماء منذ عقود من الزمن أحد مصادر تدهور جودة الهواء في البيئة المنزلية، وأحد مصادر الملوثات في المطبخ بشكلٍ خاص. ولكن في السنوات القليلة الماضية بدأت تنكشف دراسات ميدانية حول مصادر التلوث في البيئات الداخلية بشكل عام، والمنزل بشكل خاص، وعلاقة هذه المصادر للملوثات بصحة الساكنين في هذه البيئات، وبخاصة صحة الأطفال. ومن مجالات البحث التي ولج فيها العلماء هو احتراق الغاز الطبيعي في الفرن المنزلي في المطبخ، ونوعية وكمية الملوثات التي تنبعث منها وتأثيرها وأضرارها على سكان المنزل. وهذا الجانب الصحي هو الذي أثار اهتمام الناس بمختلف تخصصاتهم واهتماماتهم، وآخرها الدراسة التي أشارت إلى وجود علاقة بين الفرن المنزلي الذي يعمل بالغاز واحتمال الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، وبالتحديد الربو عند الأطفال. فقد نُشرت هذه الدراسة في المجلة العالمية لأبحاث البيئة والصحة العامة(International Journal of Environmental Research and Public Health) في 21 ديسمبر 2022 تحت عنوان:" فرن الغاز ونسبة الإصابة بالربو عند الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية"، وهذه الدراسة توصلت إلى نتيجة ملخصها بأن استخدام فرن الغاز المنزلي يزيد من مخاطر الإصابة بالربو عند الأطفال، حيث إن 12.7% من حالات الربو في الولايات المتحدة الأمريكية مرتبطة باستخدام فرن الغاز المنزلي، وهذه النسبة نفسها التي يصاب بها الأطفال عند تعرضهم للتدخين القسري(secondhand smoke) في المنزل.

 

فمثل هذه الدراسات اضطرت الجهات الاتحادية المعنية بحماية المستهلك مثل الهيئة الأمريكية المعنية بسلامة المنتجات الاستهلاكية(US Consumer Product Safety Commission) إلى الإعلان عن عزمها تنظيم استخدام الفرن المنزلي، ووضع معايير لتركيز الملوثات المنبعثة عند احتراق الغاز في الفرن، وربما منعه في المستقبل، كما قال رئيس الهيئة ريشارد ترومكا(Richard Trumka)بأن الفرن المنزلي "خطر مخفي"، حسب ما هو منشور في "البلومبيرج" في 16 يناير 2023، كما أضاف بأن الحكومة تُشجع وتدعم التحول من الفرن الذي يعمل بالغاز إلى الفرن الكهربائي.

 

فهذا الإعلان، وهذه التصريحات من حماية المستهلك، أشعلت معركة سياسية وثقافية في أمريكا وتوسعت دائرتها في زمن قصير، فأثارت رجال السياسية أولاً قبل رجال القانون والعلماء، وبخاصة السياسيون الذين ينتمون إلى الحزب الجمهوري واليمين المتشدد، وانتهزوها فرصة للهجوم على الحزب الديمقراطي الحاكم، فقد كتب بعضهم بأسلوب غاضب وساخر في التويتر، منهم روني جاكسون عضو الكونجرس الجمهوري عن ولاية تكساس الذي قال: "لن أتخلى عن فرن الغاز"، ومنهم عضوة الكونجرس الجمهورية عن ولاية جورجيا مارجوريا جرين(Marjorie Taylor Greene)المعروفة بتشددها وتطرفها، حيث كتبت رداً على احتمال منع هذا الجهاز: "بالطبع لا، من الواضح أنهم لا يطبخون". كذلك كتب عضو مجلس الشيوخ الجمهوري من ولاية أركنساس: "الديمقراطيون قادمون إلى أجهزتك المطبخية، ويرغبون في التحكم في كل جانب من حياتك". وعلاوة على ذلك، فقد وصل الاحتدام السياسي في هذه القضية إلى أعلى مستوى الهرم التنفيذي لأمريكا، حيث ولج البيت الأبيض نفسه في هذه المعركة لتوضيح الصورة وبيان سياسة بايدن، فقالت الناطقة باسم البيت الأبيض في 18 يناير 2023 بأن "الرئيس لا يؤيد منع فرن الغاز، وهيئة سلامة منتجات المستهلك، وهي مستقلة، لا تمنع فرن الغاز".

 

وهذا الصراع الجديد الذي برز على السطح اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية، كان مجالاً لأبحاثي التي بدأتُها في الثمانينيات من القرن المنصرم تحت مظلة كبيرة هي "البيئة الداخلية"، وبالتحديد جودة الهواء في البيئة المنزلية. فهناك مصادر كثيرة تلوث الهواء الجوي في المنزل وتدهور نوعيته، ولها تداعيات صحية على سكان المنزل، ومن هذه المصادر الفرن المنزلي الذي يعمل بالغاز.

 

فعندما يحترق الغاز في الفرن، كأية عملية احتراق للوقود الأحفوري في السيارات، ومحطات توليد الكهرباء، والطائرات، تنبعث عنه عدة ملوثات، منها غاز ثاني أكسيد النيتروجين، وأول أكسيد الكربون، والجسيمات الدقيقة الصغيرة الحجم، وغاز الميثان، وثاني أكسيد الكربون. وهذه الملوثات إذا لم يتم التخلص منها من خلال التهوية الجيدة، سواء أكانت طبيعية أو ميكانيكية، فإنها تتراكم مع الوقت في بيئة المطبخ، حيث مصدر التلوث، ثم تنتقل إلى باقي الغرف في البيت، وتؤثر على صحة الساكنين على المدى البعيد، وفي مثل هذه الحالات فإن تركيز الملوثات في داخل المنزل، وبخاصة في المطبخ يكون أعلى من خارج المنزل. وقد أثبت هذه الحقيقة الآن في الدراسة التي نشرتُها في مجلة "البيئة العالمية"(Environment International) في عام 1992 تحت عنوان: تركيز غاز ثاني أكسيد النيتروجين في البيئة الداخلية المنزلية في البحرين"، حيث قمتُ بقياس تركيز الغاز في 32 منزلاً في البيئة الداخلية، في المطبخ، والصالة، وغرفة النوم وخارج المنزل مباشرة. وجاءت النتائج لتؤكد بأن معدل التركيز في المنزل كان أعلى من معدل التركيز في الخارج، وأعلى تركيز لغاز ثاني أكسيد النيتروجين كان في المطبخ، حيث فرن الغاز ومصدر التلوث بهذا الغاز، وبلغ التركيز في أحد المطابخ مستوى مرتفع جداً هو 141.2 ميكروجرام من ثاني أكسيد النيتروجين في المتر المكعب من هواء المطبخ.

 

وفي هذه القضية البيئية الصحية أود التنبيه إلى عدم نقاط لتجنب مردوداتها على صحتنا وجودة هواء منازلنا، كما يلي:

أولاً: التأكد من أن عملية احتراق الغاز في الفرن تعمل بطريقة صحيحة، حتى نُخفض من مستوى ونوعية الملوثات التي تنبعث من هذه العملية.

ثانياً: عمل تهوية جيدة في المطبخ بشكلٍ خاص، وفي باقي أرجاء البيت عامة، حتى تخرج الملوثات من بيئة المنزل ولا تسبب أي ضرر صحي للناس.

ثالثاً: في حالة أن المطبخ ضيق ولا توجد به تهوية مناسبة، فالفرن الكهربائي قد يكون بديلاً أفضل، ولكن في الوقت نفسه فإن هناك الملوثات التي تنتج عن عملية الطبخ نفسها، سواء أكان الفرن يعمل بالغاز أو الكهرباء، ولذلك فالتهوية ضرورية في جميع الأحوال.