الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

سوق الكربون: احتيال وتهرب من المسؤولية

 

أثار انتباهي كثيراً القرار السريع جداً الذي اتخذه الاجتماع رقم (29) للدول الأطراف في اتفاقية التغير المناخي، والذي عُقد في الفترة من 11 إلى 22 نوفمبر 2024 في باكو في أذربيجان.

 

فهذا القرار بالإجماع أُتخذ في اليوم الأول من الاجتماع المناخي، وفي الساعات الأولى من عقد الاجتماع، وبسرعة فائقة حطمت الرقم القياسي لزمن اتخاذ القرارات في مثل هذه الاجتماعات الأممية، وبدون عراقيل أو قيود، علماً بأن النمط العام والسائد لاتخاذ القرار في مثل هذه الاجتماعات يكون في معظم الحالات بطيئاً جداً وصعباً، ويحتاج إلى مفاوضات ماراثونية عقيمة وشاقة، ومخاض عسير وبطيء حتى تصل الوفود وفي الساعات الأخيرة ومن آخر يوم من الاجتماع إلى صيغة وسطية معتدلة تحظى بإجماع كافة ممثلي الدول، والذي يبلغ عددهم عادة زهاء 200 دولة.

 

فهذه العجالة غير المعهودة، وغير الطبيعية في اتخاذ هذا القرار في مثل هذه الاجتماعات التي تشارك فيها معظم دول العالم الغنية والفقيرة، المتقدمة والنامية، جعلتني أشكُ في الدول التي ستستفيد من هذا القرار، وانتابني شعور بأن هذا القرار لا شك وأنه سيصب في مصلحة الدول الصناعية الغنية الكبرى المتنفذة والمهيمنة على القرارات الأممية والتي تُسيِّر عجلة هذه الاجتماعات، وتحرك دفتها نحو مصالحها القومية، ومصالح شركاتها الاقتصادية بشكلٍ خاص.

 

فهذا القرار هو الموافقة على وضع أنظمة واشتراطات ومعايير ونظام عام لما يُطلق عليه بعدة مصطلحات منها "أرصدة المناخ"(climate credit)، أو ائتمان الكربون(carbon credits)، أو "الاتجار في أرصدة الكربون"، أو "سوق الكربون".

 

فهذا القرار يعطي الحرية المطلقة والمرونة المطلوبة للدول العظمى الصناعية، وشركاتها العملاقة متعددة الجنسيات في اتخاذ الإجراءات اللازمة والمناسبة لها ولمصالحها لخفض انبعاثاتها من الغازات المتهمة بالتغير المناخي ورفع سخونة الأرض، ولكن ليس بالضرورة أن تكون هذه الإجراءات في الدولة نفسها، أو في المصنع نفسه في تلك البلاد، وإنما قد تكون إجراءات الخفض في دولة أخرى من خلال شراء أرصدة الكربون من الدول التي تفي بالتزاماتها من نسبة الانبعاث التي تَصْدر منها. فمثل هذا القرار الأممي يرفع أية قيود قد تُوضع على هذه الشركات المتنفذة الملوثة للبيئة، فلا يُحملها ما لا تطيق، ولا يضيق الخناق عليها، كما أن مثل هذا القرار الأممي المناخي لا يقيد حركة ونمو شركات الدول المتقدمة، ولا يؤثر قيد أنملة على أعمالها التشغيلية اليومية ولا على أرباحها السنوية.

 

فهذا القرار يمهد الطريق للدول الغنية المتقدمة في خفض انبعاثاتها وتحقيق انجاز صوري وسطحي وبطرقٍ رخيصة وغير مكلفة، ولا تُحدث أي ضرر اقتصادي ملموس لها. فبدلاً من أن تقوم هذه المصانع الموجودة في الدول العظمى من إرهاق ميزانياتها من خلال وضع أجهزة ومعدات غالية الثمن للتحكم في الانبعاثات الملوثة للهواء والمسببة للتغير المناخي، تقوم بتخصيص مبلغٍ زهيد من المال للدول النامية والفقيرة لحماية غاباتها وصيانتها والحفاظ عليها من أعمال القطع والتجريف، فهذه الغابات تقوم بامتصاص الملوثات عامة، وبالتحديد غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري من الهواء الجوي. كما أن هذا القرار ييسر على مصانع الدول المتقدمة التقيد بخفض انبعاثاتها بأرخص الأثمان، فبدلاً من إنفاق مئات الملايين من الدولارات على احداث تغييرات كبيرة في العمليات الصناعية داخل المصنع، فإنها تتبنى برامج وأنشطة زهيدة الثمن في الدول الفقيرة، كالقيام بعمليات التشجير وزيادة وتوسعة الرقعة الخضراء التي تسهم في خفض مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وعلاوة على ذلك، فمثل هذا القرار في نهاية المطاف لا يشجع الدول والمصانع الكبيرة، سواء التي تولد الطاقة باستخدام أحد أنواع الوقود الأحفوري، أو التي تستخدم هذه الأنواع من الوقود لتشغيل مصانعها ووسائل المواصلات عندها من الانتقال سريعاً من هذا النوع من الوقود إلى الأنواع النظيفة والمتجددة التي لا تنبعث عنها الملوثات المتهمة برفع حرارة الأرض وارتفاع مستوى سطح البحر. فهذا القرار إذن يساعد الدول الصناعية الكبرى ومصانعها الملوثة على التحايل والالتفاف على مسؤولياتها التاريخية في خفض الانبعاث من مصادر الانبعاث ووضع حدود معينة تلتزم بها سنوياً، بل ويسمح لها هذا القرار بصفة قانونية دولية على تلويث الهواء الجوي بالملوثات المسببة للتغير المناخي، ودون أن يكون عندها الحافز والدافع القوي والضغوط الدولية لخفض الانبعاث من المصدر نفسه.

 

فمثل هذه العمليات والتداولات الكربونية المناخية يُطلق عليها بـ "سوق الكربون الدولي"، أو تجارة الكربون والذي سيعمل تحت اشراف الأمم المتحدة. فالهدف الرئيس من هذه السوق هو تبادل أرصدة الكربون بين الشركات والدول حول العالم، ومساعدة الدول التي تنبعث عنها ملوثات بأحجام ومستويات عالية جداً ولا تستطيع خفض انبعاثاتها، فتقوم بالتعاون مع الدول التي انبعاثاتها أقل بكثير من المسموح لها وتشتري جزءاً من هذا الرصيد الكربوني المناخي. وبعبارة أخرى فالدول التي انبعاثاتها مرتفعة جداً ولا تستطيع خفض انبعاثاتها بمستويات محددة لأي سبب من الأسباب فإنها تتمكن من شراء حصة الدول الأخرى التي مستويات الانبعاث فيها منخفضة ومقبولة دولياً، مما يجعلها تحقق أهدافها المناخية التي التزمت بها ضمن خطتها القومية.

 

وهذا المقترح ليس جديداً على المجتمع الدولي وعمره قرابة ثلاثين عاماً، فهو يقع ضمن المواضيع الموجودة في جدول أعمال الاجتماعات المناخية السابقة، ولكن لم تنجح الدول كالعادة في مثل هذه الاجتماعات إلى الوصول إلى صيغة جماعية مشتركة، وتصور دولي واحد يرضي معظم دول العالم. فهذه الفكرة تم التفاوض عليها في عام 1997 في اجتماع كيوتو في اليابان، حيث وردت في أحد بنود بروتوكول كيوتو تحت مسمى "آلية التنمية النظيفة"(Clean Development Mechanism).

 

وربما أحد أسباب فشل مثل هذه السوق الكربونية المناخية والتأخر في تفعيلها على المستوى الدولي هو أنها عُرضة للاستغلال غير المشروع من قبل بعض المحتالين للكسب الحرام السريع والوفير في التسويق لمشاريع وهمية لا وجود لها، أو تضخيم قدرة وإمكانات المشروع في نسبة خفض انبعاث الملوثات. وهذا بالفعل ما حدث لرجل الأعمال الأمريكي "كينيث نيوكومب"(Kenneth Newcombe) الذي أُدين في محاكم نيويورك في الولايات المتحدة بتهم الاحتيال والتلاعب في أرصدة الكربون في 4 أكتوبر 2024 في أفريقيا وآسيا، حسب المنشور من "وكالة بلومبيرج"، إضافة إلى المقال المنشور في صحيفة "يابان تايمس" اليابانية في 19 نوفمبر 2024، تحت عنوان: "هل ينجح اجتماع الدول الأطراف في اتفاقية التغير المناخي في ابعاد الشبهات عن فضائح تعويضات الكربون؟"، إضافة إلى البحث المنشور في مجلة(Nature Communications)في 14 نوفمبر 2024 تحت عنوان: "تقييم منهجي لإنجازات خفض الانبعاث من مشاريع أرصدة الكربون".

 

ولذلك فمن الواضح في تقديري أن سوق الكربون الدولي هي أداة احتيال غربية بحتة، وآلية تستخدمها الدول الغنية المتقدمة وشركاتها الملوثة للبيئة منذ أكثر 200 عاماً للالتفاف على مسؤولياتها التاريخية في خفض الانبعاث من الملوثات من مصادرها في دولهم، وبالتالي توفير مبالغ مالية كبيرة تسمح لهم بمواصلة النمو وتحقيق الازدهار الاقتصادي مثل العقود الماضية، وكأن شيئاً لم يتغير عليهم.

 

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2024

فوز ترمب والنظام العالمي الجديد للتغير المناخي

 

عندما نشرتُ مقالي في صحيفة أخبار الخليج في 28 أكتوبر 2024 حول الاجتماع رقم (29) المنعقد حالياً في أذربيجان للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، كنتُ متشائماً حول مخرجات هذا الاجتماع والقرارات التي ستتمخض عنها. ولكن الآن وبعد فوز ترمب لولاية ثانية في انتخابات الرئاسة الأمريكية فإن هذا التشاؤم تحول إلى واقع ملموس، وإلى إحباط شديد مشهود، وأصبح يقيناً لدي بأن ما ينتج عن هذا الاجتماع، ولو كان ايجابياً ويصب في صالح قضية التغير المناخي وفي صالح استدامة كوكبنا، فإنه لن يرى النور على المدى القريب والبعيد، ولن يكون قابلاً للتنفيذ، وبالتحديد من الولايات المتحدة الأمريكية المسؤول الأول تاريخياً عن وقوع ظاهرة التغير المناخي وارتفاع حرارة كوكبنا، والتي يجب أن تتحمل العب الأكبر دولياً في خفض انبعاثاتها من الغازات المتهمة بسخونة الأرض، وفي مقدمتها غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينجم عن حرق الوقود الأحفوري في محطات توليد الكهرباء، وفي السيارات والطائرات، والمصانع، وغيرها من المصادر التي لا تعد ولا تحصى.

فدخول ترمب إلى البيت الأبيض مرة ثانية في يناير 2025 سيكون العائق الأكبر أمام أية قرارات تهدف إلى خفض انبعاث غازات الدفيئة من الولايات المتحدة الأمريكية، وسيفرض ترمب سياسته الأحادية، وسيقر "النظام العالمي الجديد للتغير المناخي". فلنا مع ترمب شخصياً تجربة مرَّة في مجال تطبيق معاهدات الأمم المتحدة المتعلقة بالتغير المناخي، ولنا مع ترمب وحكومته وحزبه الجمهوري بشكلٍ عام خبرات سابقة قاسية وطويلة، قامت بإحباط قرارات وبرامج وسياسات الأمم المتحدة لإلزام دول العالم طواعية على وضع الحدود، كما انسحبت من معاهدتين دوليتين حول التغير المناخي.

أما التجربة الأولى فكانت مع الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن. فالولايات المتحدة الأمريكية وقعتْ على بروتوكول كيوتو في ديسمبر 1997 عندما كان بيل كلينتون الديمقراطي في البيت الأبيض وآل جور نائباً للرئيس، حيث كان بروتوكول كيوتو من الاتفاقيات الفاعلة والمؤثرة لأنها أولاً تبنت مبدأ مهماً جداً هو المسؤولية المشتركة لجميع دول العالم في خفض انبعاثاتها من الملوثات المعنية بالتغير المناخي، وفي الوقت نفسه المسؤولية المختلفة لدول العالم. فهذا المبدأ كان عادلاً في التعامل مع ملف التغير المناخي، فلم يساوي بين الدول الصناعية المتقدمة التي لوثت الهواء الجوي من خلال عملياتها التنموية وتسببت في سخونة كوكبنا منذ أكثر من قرنين من الزمان مع الدول النامية التي استيقظت من نومها العميق وبدأت رويداً رويداً في برامج وعمليات التنمية، أي أن انبعاثاتها منخفضة ولم تستمر سنوات طويلة. أما السبب الثاني لفاعلية بروتوكول فهو موافقة الدول الصناعية العريقة في التنمية على خفض انبعاثاتها الكلية للملوثات بنحو 5.2% مقارنة بعام 1990، كما وافقت الولايات المتحدة على خفض انبعاثاتها بنسبة 7%.

ولكن هذه الموافقة الأمريكية على بروتوكول كيوتو لم تدم طويلاً ولم تنفذ ميدانياً، فعند تربع جورج بوش الابن على البيت الأبيض في عام 2001، أعلن مباشرة عن رفضه لهذا البروتوكول، وتبعه في الرفض الكونجرس الأمريكي الذي لم يصادق عليه، فانسحب بوش استناداً على قرار الكونجرس من هذا البروتوكول. وعزا بوش السبب في الخروج من البروتوكول في أنه غير عادل فلم يلزم الدول النامية والمتسارعة في النمو مثل الصين والهند على خفض انبعاثاتها، كما صرح بوش بأن لتنفيذ هذا البروتوكول سلبيات تنعكس على الاقتصاد الأمريكي وتؤدي إلى خفض الوظائف، فتنفيذه مكلف مالياً جداً لأمريكا، حسب رأي بوش.

وأما التجربة الثانية فهي مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق دونالد ترمب، والرئيس المنتخب القادم بعد شهرين للبيت الأبيض. فالرئيس ترمب من الشخصيات التي لا تؤمن بواقعية التغير المناخي، كما إنه لا يعتقد بأن لأنشطة الإنسان دوراً فاعلاً واسهاماً رئيساً في وقوع ظاهرة المناخي وانعكاساتها من ارتفاع حرارة الأرض، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتفاقم الكوارث المناخية في معظم مدن العالم الساحلية. كذلك فإن ترمب في حملته الانتخابية الرئاسية طوال أكثر من ثلاث سنوات لم يلتفت مباشرة إلى قضية التغير المناخي، ولم يعط أي اهتمام يذكر لهذه القضية، بل وتجاهلها كلياً، وكأنها غير موجودة في حياتنا، وليس لها أي تأثير على المجتمع الأمريكي.

ولذلك بعد أن وقَّع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما على تفاهمات اجتماع باريس للتغير المناخي في ديسمبر 2015، والتي من بينها أن تقوم الدول طواعية بوضع حدود لانخفاض الملوثات بنسبة معينة، فسرعان ما انسحب منها ترمب عندما نزل البيت الأبيض لأول مرة، وبالتحديد اعتمد رسمياً قرار الانسحاب في الأول من يونيو 2017.

وهذه القناعة المتجذرة في ثقافة ترمب، والذي يعتبر التغير المناخي مجرد "خدعة" حتماً ستنعكس على قراراته المستقبلية المتعلقة بأية تفاهمات أو معاهدات دولية حول التغير المناخي، ومنها ما سيتمخض عن الاجتماع رقم (29) المنعقد حالياً في أذربيجان. أي أن أي قرار سيخرج من الاجتماع ولا يصب في المصلحة الشخصية لترمب أولاً، ثم المصلحة الحزبية الجمهورية سيكون مُعرضاً بسرعة لخطر الإجهاض من الرئيس ترمب، حتى ولو وَقَعتْ الولايات المتحدة عليه الآن في عهد بايدن المنتهية ولايته. 

فمن الواضح إذن أن سياسات ترمب المتعلقة بالبيت الأبيض تعتمد أساساً على الجانب الاقتصادي البحت المتمثل في عدم إرهاق شركات أمريكا العملاقة بأية إجراءات، أو أنظمة بيئية تضر بها، وتخفض من أرباحها السنوية، أو أن تُكلفها ما لا تطيق من خفض انبعاثاتها وتحمل الكلفة المالية لذلك. وعلاوة على ذلك فإن استراتيجيته المناخية، إن وجدت، فيجب أن لا تمس الوظائف في أمريكا، وأي تأثير سلبي على هذا الجانب فيكون مصيره الرفض والانسحاب.

وفي تقديري ومن خبرتي مع ترمب عندما كان رئيساً للولايات المتحدة، إضافة إلى الخبرة الطويلة والتجارب القاسية مع الحزب الجمهوري غير الصديق للبيئة عامة، والتغير المناخي خاصة، فإنني أتوقع أن يفرض ترمب "نظاماً عالمياً جديداً خاصاً بالتغير المناخي"، وسيضع هذا النظام الجديد مصالحه الشخصية ومصالح حزبه وأمريكا عامة كأساس وأولوية عند وضع هذه السياسة المناخية والنظام الجديد، وسيكون الجانب الاقتصاد وليس الجانب البيئي هو الحَكَم في تقرير أية سياسة، وله الأولوية عند اتخاذ أي قرار مستقبلي. وأما البرامج التي سيُنفذها ستكون أولاً الاستمرار في إنتاج واستخدام جميع أنواع الوقود الأحفوري بدلاً من تشجيع مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، ضارباً بذلك أرض الحائط بجميع قرارات اجتماعات التغير المناخي السابقة التي تدعو إلى التخلص من أنواع الوقود الأحفوري، وثانياً سيعمل على فك القيود المفروضة على الشركات العملاقة ومحطات توليد الكهرباء من ناحية الأنظمة البيئية التي تدعو إلى خفض الانبعاث والتحكم في الملوثات من أجل عدم التأثير عليها من الناحية الاقتصادية أو من ناحية تسريح الموظفين. 

فكل ما سبق يؤكد لي بأن أي قرار سيتخذه المجتمع الدولي، ممثلاً في اجتماعات التغير المناخي الأممي لن يمر دون أن يصب أولاً في مصلحة أمريكا، ولن تتم الموافقة عليه إلا إذا توافق مع المصالح الاقتصادية لأمريكا ومصالح ترمب والحزب الجمهوري.  

 

الأربعاء، 20 نوفمبر 2024

خبراء الأمم المتحدة ينتقدون اجتماعات المناخ الأممية

 

تزايدت التصريحات وارتفعت نبرتها وشدتها سنة بعد سنة حول عبثية اجتماعات الأمم المتحدة حول التغير المناخي المستمرة منذ نحو 32 عاماً، بدءاً بقمة الأرض في عام 1992 والتي تمخضت عنها الاتفاقية الاطارية حول التغير المناخي، وآخرها الاجتماع رقم (29) الذي عُقد في أذربيجان، وسيُعقد للمرة الثلاثين العام القادم في البرازيل.

 

فقد كانت التصريحات ونداءات الاستغاثة اليائسة تأتي أولاً من العلماء والباحثين في مجال المناخ وتأثير التغيرات المناخية وتداعياتها على كوكبنا وعلى المجتمع البشري، ثم انتقلت هذه التصريحات الشديدة إلى النشطاء والمهتمين بواقع التغير المناخ الميداني على الأجيال المتلاحقة، الحالية والمستقبلية، وبعدها تحولت إلى قادة دول العالم، وبخاصة الدول الجزرية الفقيرة والمستضعفة التي أصابها اليأٍس والإحباط من جدوى هذه الاجتماعات لأنها تكتوي يومياً وتتضرر واقعياً من مردودات وانعكاسات التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع مستوى سطح البحر، حتى أن بعض الدول مثل دولة "بابو غينيا الجديدة" قاطعت الاجتماع رقم (29) في باكو في نوفمبر 2024، وأصدرتْ بياناً من رئيس الوزراء ومن وزير الخارجية يقول فيه بأن هذه الاجتماعات مضيعة للوقت وتدور في دائرة مغلقة بدون اتخاذ قرارات مؤثرة وقوية تحمي كوكبنا من الانهيار كلياً وتدعم مالياً وتقنياً الدول الفقيرة الشديدة الضرر والمعاناة لمواجهة هذه التغير المناخي.

 

واليوم نقرأ خطاباً مفتوحاً من مجموعة من المسؤولين السابقين في الأمم المتحدة ومن بعض رؤساء الدول وعلماء المناخ، حيث نشرت هذه المجموعة الخطاب في 15 نوفمبر 2024 تزامناً مع انعقاد اجتماع المناخ رقم (29) في باكو في الفترة من 11 إلى 22 نوفمبر 2024. وقد تكونت المجموعة من عدة شخصيات عامة معروفة مثل الأمين العام السابق للأمم المتحدة "بان كي مون"، والرئيس الإيرلندي السابق "ماري روبينسون"، والرئيس الأممي السابق للمناخ.

 

وفي هذا الخطاب أبدتْ المجموعة امتعاضها وعدم رضاها كلياً من النتائج التي تتمخض عن هذه الاجتماعات السنوية التي وصلت إلى 29 اجتماعاً، وأشارت بأن هذه الاجتماعات أصبحت لا جدوى منها ولا فائدة كبيرة وملموسة ترجى من عقدها، فهي لم تحقق أياً من الأهداف الرئيسة التي وُضعت منذ أكثر من 32 عاماً في ريو دي جانيرو في البرازيل. فالنتائج البسيطة والسطحية التي تتمخض عنها لا تواكب الواقع الميداني للتغيرات المناخية، ولا تلاحق سرعة سخونة الأرض وارتفاع حرارتها طوال العقود الماضية، ولم تستطع مواجهة التحديات العظيمة التي نجمت عن التغير المناخي من ارتفاع درجة حرارة كوكبنا، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة حموضة مياه البحر، وما ينجم عن كل هذه التداعيات من زيادة واتساع رقعة الكوارث المناخية التي تضرب مناطق واسعة من كوكبنا. بل وفي تقديري فإن عقد هذه الاجتماعات في حد ذاتها يعد جزءاً من المشكلة وليس من الحل، فحركة عشرات الآلاف من الوفود المشاركة في الاجتماعات السنوية وانتقالهم من دولة إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى باستخدام الطائرات، والسيارات، والقطارات، تنبعث عنها أحجام كبيرة من الغازات المتهمة بوقوع التغير المناخي، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون من حرق الوقود الأحفوري. 

 

فقد أكدت المجموعة في خطابها: "إنه من الواضح الآن أن اجتماعات الدول الأطراف في اتفاقية التغير المناخي لم تعد صالحة للأهداف التي وُضعت لتحقيقها، فنحن نحتاج إلى التحول من التفاوض إلى التنفيذ". أي بعبارة أخرى مباشرة، وغير دبلوماسية، وغير لطيفة فإن هذه الاجتماعات أصبحت عبثية، ولا فائدة منها، ولا جدوى من تنظيمها سنوياً، فهي لا تحقق الأهداف التي تجتمع الدول من أجل تحقيقها. كذلك جاء في الخطاب بأن: "اجتماعات التغير المناخي يجب أن تُعقد في الدول التي تبدي دعماً لتنفيذ السياسات المناخية، ولها تشريعات صارمة حول استخدام الوقود الأحفوري، كما إننا نحتاج إلى وضع معايير صارمة لاستبعاد الدول التي لا تدعم التخلص أو التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري. فالدول المضيفة يجب أن تقدم ما يثبت عزمها في تحقيق أهداف اتفاقية باريس". كما أكد "ألجور" نائب الرئيس الأمريكي الأسبق على مضمون هذا الخطاب حيث قال بأن: "على المجتمع الدولي تنظيم طريقة أكثر فاعلية لهذه الاجتماعات".

 

وهناك عدة أسباب لهذا التشاؤم والإحباط من فاعلية هذه الاجتماعات المناخية الدولية السنوية، ومن أهمها فشل دول العالم في خفض انبعاثاتها من غازات الدفيئة، أو غازات الاحتباس الحراري المتهمة بالتغير المناخي وسخونة الأرض. فبدلاً من أن تنخفض انبعاثات الدول لهذه الغازات بشكلٍ سنوي، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون، فإن هذه الانبعاثات في ارتفاع مطرد بشكلٍ عام، أي أن الدول لم تلتزم ببنود الاتفاقيات والتفاهمات التي من بينها أن تضع كل دولة حدوداً معينة تتعهد بها لخفض نسبة الانبعاث بشكلٍ سنوي. فمستوى انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون على المستوى الدولي ضرب رقماً قياسياً جديداً في عام 2024، حسب التقرير المنشور في 15 نوفمبر 2024 من (Global Carbon Budget). وهذا التقرير قدَّر حجم غاز ثاني أكسيد الكربون الإجمالي المنطلق إلى الهواء الجوي بنحو 41.6 بليون طن في عام 2024، أي بزيادة قدرها قرابة 1% مقارنة بعام 2023، والذي قُدر بنحو 40.6 بليون طن. وهذا الارتفاع المشهود في انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون انعكس مباشرة على سخونة كوكبنا، وبالتالي تعارض مع تفاهمات باريس لعام 2015، والذي كان من أهم مخرجاتها وقراراتها التي صفق الجميع لها واعتبروها انجازاً غير مسبوق، هو أن تلتزم دول العالم وتتعهد بخفض انبعاثاتها بشكلٍ طوعي وبنسب محددة بهدف منع ارتفاع درجة حرارة الأرض أكثر من 1.5 درجة مئوية عن مستوى ما قبل الثورة الصناعية(1850 إلى 1900). فبناءً على الدراسة المنشورة في 11 نوفمبر 2024 في مجلة (Nature Geoscience) فإن حرارة الأرض في عام 2023 ارتفعت قرابة 1.49 درجة مئوية أعلى من مستويات ما قبل الثورة الصناعية، واليوم حتماً ستكون نسبة السخونة أعلى، مما يعني فشل آخر لتنفيذ ما توصل إليه المجتمعون أنفسهم في باريس وعدم الالتزام بالقرارات.

 

وانطلاقاً مما سبق لا بد من المجتمع الدولي، ممثلاً في منظمات الأمم المتحدة المعنية التفكير في آلية إبداعية جديدة ذات جدوى وفاعلية أشد، واقتراح أداة صارمة تضمن تنفيذ القرارات التي تُتخذ في هذه الاجتماعات ومحاسبة أية دولة لا تُفعِّل هذه القرارات، حتى لا تتحول هذه الاجتماعات إلى رحلات سياحية سنوية مجانية لوفود الدول المشاركة.