الأربعاء، 12 فبراير 2025

آخر إعلان للمسؤول الأول عن الصحة العامة في أمريكا؟

 

المسؤول الأول عن صحة الشعب الأمريكي والذي يُطلق عليه اسم "الجراح العام"(Surgeon General)، أو المستشار الصحي الأول للحكومة الفيدرالية التابع مباشرة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية يهتم بدرجة أساسية بكل ما يؤثر على صحة المواطن الأمريكي، ويضر بأمنه الصحي العام، سواء أكانت الصحية الجسدية، أو العقلية، أو النفسية. ولذلك من واجبات هذا المسؤول هو استشراف وتقييم الأوضاع الصحية للشعب على المدى القريب أو البعيد، والتعرف على كل العوامل المستجدة التي تؤثر عليه. أي واجبه التحذير المبكر والاستباقي والوقائي من أية تحديات وتهديدات تفسد الأمن الصحي للناس، وتُلقيهم في شبح الإصابة بالأمراض والعلل الحادة والمزمنة، ثم نشرها في وثيقة علمية عامة على صورة بيان عام للأمة تحت عنوان: "استشارة الجراح العام للولايات المتحدة". وفي هذا البيان العام يقوم بتشخيص القضية الصحية، وتقديم آخر الأبحاث والدراسات المنشورة حولها، ويبن خطورتها على المجتمع الأمريكي، ثم أخيراً يقدم التوصيات اللازمة لمعالجة هذه الظاهرة الصحية، ومواجهتها والتصدي لها، وتعميق ورفع مستوى وعي واتجاه الشعب والحكومة الأمريكية بكيفية تجنبها والتخلص منها.

 

وآخر التحذيرات التي أعلن عنها هذا المسؤول الاتحادي نُشرت في الثالث من يناير 2025 في وثيقته الرسمية الدورية تحت عنوان: "الكحول ومخاطر السرطان"، أي بعبارة أخرى علاقة شرب الخمر بمخاطر الإصابة بأمراض السرطان. وهذا البيان يتمحور حول عدة نقاط، منها أولاً: شرب الخمر يعتبر من الأسباب الرئيسة للسرطان والتي يمكن منعها وتجنبها والتخلص منها كلياً، وثانياً: العلاقة السببية بين شرب الخمر والتعرض للسرطان والأدلة التي تثبت هذه العلاقة، والمحور الثالث فهو آلية وكيفية إصابة شارب الخمر بالسرطان، ورابعاً: التوصيات بكيفية تجنب هذا المرض الناجم عن السرطان، وخامساً وأخيراً هو تحديث التحذيرات الصحية القديمة المكتوبة على زجاجات وعلب الخمر.

 

فالخمر الآن يمر بالمراحل التاريخية نفسها التي مرَّ فيها تدخين السجائر، حيث إن تدخين السجائر كان في الماضي ممارسة طبيعية جداً بين الرجال والنساء، بل وكان المدخن يفتخر والسيجارة بيده، حتى تحول التدخين إلى موضة أمريكية غربية، وسلوك عصري منتشر بين كافة فئات المجتمع ومن نمط الحياة الغربي. ولكن في 12 يونيو 1957 جاء الإعلان التاريخي الأول للجراح العام الأمريكي والذي أفاد فيه بأن الأدلة تشير إلى وجود علاقة سببية بين التدخين وسرطان الرئة، ثم تبعه الإعلان الحاسم والقوي تحت عنوان: "التدخين والصحة" في 11 يناير 1964، حيث أكد فيه الجراح العام ولأول مرة بأن هناك علاقة وثيقة بين التدخين والإصابة بسرطان الرئة، أي بعبارة أخرى تدخين السجائر يسبب السرطان، علماً بأن الإعلان نُشر يوم السبت حتى يقلل هذه الصدمة القوية على تقلبات سوق الأسهم وتقع خسائر لا تحمد عواقبها، مما يؤكد بأن الحكومة الأمريكية تأخذ دائماً الجانب الاقتصادي كأولوية في كل أعمالها وقراراتها لمنع أي تأثير سلبي على اقتصاد أمريكا وازدهار شركاتها المتنفذة على القرار في الحكومة والكونجرس معاً. ثم تحولت هذه القضية الصحية إلى قضية سياسية تدخل فيها الكونجرس، فسن قانوناً في عام 1965 يلزم شركات التبغ على وضع علامات تحذيرية على علب السجائر، وصيغة هذه التحذيرات تغيرت مع الوقت ومع ثبوت الأدلة العلمية المتعلقة بأضرار التدخين، فأصبحت العلامات الموجودة اليوم تؤكد وتجزم بأن التدخين قاتل ويسبب أنواعاً كثيرة من السرطان، وأمراض القلب، والجهاز التنفسي.

 

أما بالنسبة للخمر ففي عام 1988 سن الكونجرس تشريعاً تحت عنوان: "وضع العلامات على المشروبات الكحولية"، والمتعلق بالموافقة على وضع علامات تحذيرية على زجاجات وعبوات الخمر، حيث جاء في هذه الملصقات والعلامات: "تحذير حكومي: (1) بناءً على اعلان الجراح العام، على المرأة أن لا تشرب المشروبات الكحولية أثناء الحمل لأنه يزيد من مخاطر التشوهات في المولود. (2) شرب المشروبات الكحولية يؤثر على قدرتك في قيادة السيارة أو تشغيل الآليات، وقد يسبب لك مشكلات صحية". فهذا الإعلان كان خجولاً جداً ومخفياً عن الأنظار في عبوات الخمر، فصياغته ضعيفة جداً ولا تنفر الناس من شرب الخمر، كما إنها مكتوبة بخطٍ صغير جداً قد لا يرى بالعين المجردة، ولذلك لم يف بالهدف من وضعه، ولم يجعل الأمريكيين يتجنبون، أو يقللون من شرب الخمر.

 

ونتيجة لهذا الإعلان غير الفاعل وغير المؤثر، ونظراً لانكشاف أدلة طبية كثيرة موثقة تثبت أضرار الخمر على الصحة العامة خاصة، والمجتمع الأمريكي عامة، كان لا بد من تحديث الملصق القديم، وكان لا بد من تحذير الناس، ورفع وعيهم وتغيير اتجاهاتهم وسلوكياتهم بالنسبة لشرب الخمر.

 

ومن البراهين العلمية الميدانية التي بدأت تتراكم مع الزمن أن شرب الخمر يسبب قرابة 100 ألف حالة سرطان سنوياً في الولايات المتحدة الأمريكية، ويؤدي إلى موت 20 ألف كل سنة، كما يعتبر شرب الخمر السبب الثالث الذي يمكن منعه وتجنبه للإصابة بالسرطان، بعد التدخين، والبدانة والوزن الزائد. وهذا يعني بأن أمراض السرطان الناجمة عن الخمر يمكن منعها كلياً وبكل بساطة، وبدون بذل أي مجهود على المستويين الحكومي والفردي، ودون إنفاق المال على الدواء والعلاج، وهو العزوف عن شرب الخمر كلياً ومنع بيعه في الأسواق. كما أكدت الأبحاث الطبية وأثبتت وجود علاقة مباشرة بين شرب الخمر والسرطان، وتم الكشف عنها أولاً في مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، ومع الزمن تم الوصول إلى اجماع الأطباء والعلماء على واقعية هذه العلاقة، كما تم إثبات أن شرب الخمر يؤدي إلى الوقوع في شباك ما لا يقل عن سبعة أنواع مختلفة من السرطان، وهي سرطان الثدي، والقولون والمستقيم، والحنجرة، والكبد، والفم، والمريء، والبلعوم. كما أكد العلماء بأن المخاطر تزيد مع ارتفاع نسبة شرب الخمر، كما إنه لا يوجد حد آمن لشرب الخمر، فكل كأس تشربه يؤدي بك في نهاية المطاف إلى الوقوع في نوعٍ من أنواع السرطان.

 

وعلاوة على ما سبق فقد قامت منظمة الصحة العالمية ممثلة في الذراع العلمي المختص بالسرطان وهو "الوكالة الدولية للأبحاث حول السرطان"، بتصنيف الخمر ضمن المجموعة الأولى من المواد المسرطنة للإنسان، مثل التدخين، والأسبستوس، والفورمالدهيد.

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الدليل العلمي والطبي وحده يكفي لمنع مادة قاتلة للشعوب وتسبب لهم السرطان والأمراض المزمنة الأخرى مثل الخمر والتدخين، سواء في دولة مثل أمريكا، أو في أية دولة أخرى؟

 

مع الأسف أن الحقائق والثوابت العلمية التي يُجمع عليها العلماء في أية قضية تهم الناس صحياً أو بيئياً أو غذائياً لا تكفي وحدها لاتخاذ القرار السليم والمستدام الذي يحمي صحة الإنسان وبيئته. فالعامل الاقتصادي دائماً يدخل على الخط وعلى مسار اتخاذ القرار، وجماعات الضغط، أو "اللوبي" يلعبون دوراً رئيساً في هذه العملية. ولذلك بالنسبة لوباء شرب الخمر، فإن هناك اجماعاً على افساده لصحة الشعب والمجتمع، ولكن هذا لا يكفي لمنع بيعه، فشركات صناعة الخمر ذات النفوذ الواسع والكبير والهيمنة على السلطتين التنفيذية والتشريعية تتدخل في رفض منعه حتى لا تقل أرباحهم السنوية، حيث إنها تنفق سنوياً قرابة 30 مليون دولار على أعضاء الكونجرس الأمريكي، أي على السلطة التشريعية لنيل رضاهم، وكسب تأييدهم وأصواتهم وموافقتهم على الاستمرار في بيع الخمر. فقد أصدر مجلس أمريكي معني بالخمر هو(Distilled Spirits Council of the United States) ويمثل المنتجين والمسوقين للخمر بياناً يرفض إعلان الجراح العام المتعلق بوضع علامة جديدة على زجاجات الخمر تُحذر من أن الخمر يسبب السرطان، وجاء فيه بأن: "العديد من خيارات أنماط الحياة تحمل مخاطر محتملة"، كما أضاف البيان بأن العلامات الحالية التي توضع على زجاجات الخمر تقدم معلومات للمستهلك عن المخاطر المحتملة لشرب الخمر".

 

فالدول الغربية، وتتبعها دول العالم الأخرى أولويتهم هي الازدهار والنمو الاقتصادي للشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تسيطر على حكومات الدول ونواب الشعب، ولو كان ذلك على حساب الصحة العامة للشعوب، أو على حساب مكونات وعناصر بيئتنا.

الأربعاء، 5 فبراير 2025

القمر ضمن المواقع المهددة بالخطر!

 

عبثتْ أيدي الإنسان الفاسدة بكوكب الأرض برمته منذ أكثر من قرنين من الزمان، فامتدت آثار الملوثات التي كان يُطلقها وتجذرت أضرارها في الهواء، والمسطحات المائية، والمياه الجوفية، والتربة، وفي كل شبرٍ من هذه المكونات البيئية أينما كانت، قريبة في المدن والقرى، أم بعيدة في المناطق النائية الخالية من أي وجود أو نشاط بشري. بل وفي العقود القليلة الماضية بلغت هذه السموم التي سمح الإنسان لها بدخول بيئتنا إلى أعالي السماء السفلى في طبقة الأوزون وفي الغلاف الجوي بشكلٍ عام، ثم انتقلت إلى أعالي السماء العليا في الفضاء الواسع الشاسع العظيم.

 

واليوم بعد أن ارتكب الإنسان عمله الشنيع بتلويث كوكب الأرض، والتعدي على حرماته، واستباحة صحة وسلامة عناصره الحية وغير الحية، هل جاء دور الأجرام السماوية الأخرى في الفضاء والسماء العليا ليعيث أيضاً فيها فساداً وتدميراً، ويتعدى على فطرتها الأصلية السليمة كما خلقها الله سبحانه وتعالى؟

 

والإجابة عن السؤال تأتي من منظمة دولية يُطلق عليها "صندوق الآثار العالمي"، أو الصندوق العالمي للآثار والتراث والمعالم الدولية. فطبيعية عمل هذه المنظمة هي إلقاء الضوء على معالم التراث التاريخي الأثري الدولي، وتهتم بلفت أنظار العالم إلى المواقع الأثرية المهددة والموجود على سطح الأرض. وهناك عدة أسباب تَذْكرها المنظمة لهذا التدهور في سلامة المواقع التراثية والثقافية الأثرية. أما السبب الأول فهو نزول ظاهرة التغير المناخي المعروفة لدى الجميع على الكرة الأرضية برمتها، ولهذه الظاهرة الدولية تداعيات تتمثل في سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، إضافة إلى ارتفاع مستوى سطح البحر وما ينجم عنه من كوارث مناخية عقيمة، وفيضانات مدمرة، وأعاصير مهلكة للبشر والشجر والحجر. وكل هذه الكوارث تضر بصحة وسلامة واستمرارية وجود المعالم الأثرية الموجودة على البيئات الساحلية. والسبب الثاني هو السياحة المفرطة، حيث أن وجود أعدادٍ كثيفة مزدحمة من السواح في موقع أثري واحد، واستمرار ذلك طوال العالم يضر بأمن هذه المواقع من ناحية سلوكيات وتصرفات الكثير من السواح. وأما السبب الثالث فهو الأزمات السياسية والنزاعات البشرية المسلحة، سواء بداخل الدولة الواحدة وبين الطوائف المختلفة، أو بين أكثر من دولة واحدة، كما حصل في غزة عندما هدم الجيش الصهيوني الكثير من المعالم الأثرية، والمرافق التاريخية التراثية، من كنائس، ومساجد، ومقابر، وارتكب إبادة جماعية شاملة للبنية التحتية الأثرية والتراثية والخدمية والتعليمية والسياحية في غزة. ثم يأتي السبب الرابع المؤثر على سلامة المباني التراثية وهو الزحف العمراني والسكاني والصناعي على هذه المواقع التراثية، إضافة إلى شح الموارد المالية والبشرية في الدولة لحمايتها والحفاظ عليها.

 

ولكن هذا العام انتقل اهتمام صندوق الآثار العالمي من المرافق والمواقع التراثية على وجه الأرض، وركز بوصلته على مواقع خارج حدود كوكبنا، فتوسع الاهتمام وامتد إلى ما وراء حدود كوكبنا بمسافات طويلة جداً لم تخطر على بال أحد، ولم يتوقعها أي إنسان، فالتفت الأنظار إلى الأجسام والكويكبات التي تحوم في فضائنا الواسع الفسيح.

 

 وهذه السنة توسع اهتمام ورؤية هذه المنظمة لتخرج من أروقة كوكبنا الصغير، ومن حدود أرضنا الضيقة إلى ما وراء ذلك بكثير، وبمسافات بعيدة جداً وإلى الفضاء الرحب الشاسع العظيم، وبالتحديد القمر. فتقرير المنظمة لعام 2025 يشتمل على مواقع مهددة بالخطر من 29 دولة حول العالم، منها بريطانيا، والهند، والصين، ولكن ولأول مرة أحد هذه المواقع التاريخية المهددة من قبل الإنسان يكون خارج حدود كوكبنا براً وبحراً وجواً، وإلى القمر في الفضاء الفسيح، والذي يعتبر من المواقع التراثية الطبيعية الفطرية للبشرية جمعاء، ويشترك الجميع في ملكيته وحق التصرف فيه.

 

وهناك عدة أسباب ومبررات جعلت هذه المنظمة تخرج من حدود كوكبنا، فتنظر إلى القمر الذي يبعد قرابة 384400 كيلومتر عن الأرض، كمعلم تاريخي تراثي مهدد بوقوع تغييرات على هويته، وطبيعته، وفطرته التي فطره الله عليه. أما السبب الأول فهو أن أيدي الإنسان العبثية الفاسدة، وأنشطته اللامتناهية قد انتقلت من كوكبنا إلى عنان السماء وفي أعالي الفضاء، وتوسعت برامجه الطموحة إلى أبعد الحدود وإلى مواقع لم تخطر من قبل على بال أحد، مثل القمر، والمريخ وغيرهما. فبدأ اهتمام الإنسان يتزايد باستكشاف القمر، والتعرف على أسراره وخفاياه منذ الخمسينيات من القرن المنصرم، وهذا الاهتمام كان من أجل استراتيجيات وخطط طويلة الأمد، كاستغلال الموارد والثروات الطبيعية المخزنة على سطح القمر ولاتي يحتاج إليها الإنسان لأنشطته الصناعية المستقبلية. كذلك اعتبار القمر قاعدة أولية، وبناء مستعمرات بشرية عليه، أو اعتباره منطقة عبور وتنقل "ترانزيت"، وموقع للانطلاق نحو الأجسام البعيدة جداً في كوننا الفسيح والعميق.

 

فأول رحلة إلى القمر بدون أي إنسان في المركبة الفضائية، كانت في 12 سبتمبر 1959(لونا 2) من الاتحاد السوفيتي، واعتبرت أول رحلة ميدانية يتم فيها التحام والتماس مادة من الأرض مع جسم كوكب في الفضاء، حيث حطَّت السفينة الفضائية على سطح القمر. ثم في 3 فبراير 1966(لونا 9) نجح السوفييت بالنزول بأمان على القمر. وفي 30 مايو 1966(سيرفيور 1)(Surveyor 1)، أنزلت الولايات المتحدة أول سفينة على القمر، وجاءت بعد ذلك المهمة التاريخية "أبولو 11" في 20 يوليو 1969، حيث وطأة قدما أول إنسان على سطح القمر. وبعد هذه الرحلة الناجحة، توقفت الرحلات عقوداً من الزمن حتى تمكنت الصين في 4 ديسمبر 2013(Change-3) ودخلت تاريخ الفضاء في النزول على سطح القمر، كما نجحت الصين في 3 مايو 202 (6Change-) ولأول في أخذ عينة من التربة من الجزء البعيد من القمر. وبعدها جاءت الهند في المهمة الفضائية(Chandrayaan-3)في 23 أغسطس 2023، فأصبحت الدولة الرابعة في الهبوط بسلام على القمر، ولأول مرة عالمياً في الهبوط في القطب الجنوبي البعيد من القمر، حيث يوجد الماء على هيئة الجليد.

 

وأما السبب الثاني فهو دخول القطاع الخاص على خط الاستكشافات الفضائية، وبالتحديد الرحلات إلى القمر. ففي السابق جميع المهمات والاستكشافات الفضائية البحثية كانت تحت إشراف الحكومات بشكل مباشر، والتمويل أيضاً من ميزانية هذه الحكومات. ولكن الخطورة في تقديري هو سياسة القطاع الخاص الذي أولويته الرئيسة ليست في الاستكشاف والبحث العلمي فحسب، وإنما في الاستثمار وجني الأرباح والأموال من هذه الرحلات الفضائية، واعتبارها فرصاً للازدهار والنمو الاقتصادي، وعلى حساب كل شيء آخر، سواء أكان صحة الناس، أو صحة البيئة على سطح كوكبنا، أو صحة وسلامة الفضاء والأجسام الموجودة في الفضاء. فمن ضمن مهمة وكالة الفضاء الأمريكية تحت مسمى "أرتيميس"(Artemis)، شاركت ولأول مرة الشركات الخاصة، وأسهمت مالياً مع ناسا في 22 فبراير 2024 في هبوط المركبة "أوديسيس"(Odysseus) على سطح القمر. كما أن شركة (STAR VISION) الصينية أعلنت في 26 يناير 2025 عن برامجها الطموحة بالتعاون مع الحكومة الصينية ممثلة في الإدارة القومية الصينية للفضاء وباستخدام الإنسان الآلي بتقنية الذكاء الاصطناعي لاستكشاف البيئة القمرية. كما أن القطاع الخاص دخل في مجال فضائي جديد هو السياحة الفضائية بمختلف أنواعها، فالنوع الأول هو فقط الرحلة الفضائية والمكوث في الفضاء، وربما في السنوات القادمة ستكون الرحلات متجهة نحو القمر والهبوط على سطحه.

 

فكل هذه المهمات والرحلات الاستكشافية على سطح القمر تركت وراءها مخلفات صلبة من صنع الإنسان من أنواع كثيرة مختلفة، كالأجهزة والمعدات الصغيرة والكبيرة، ولا يعلم أحد تأثيراتها المستقبلية على هوية سطح القمر، كما أنها في الوقت نفسه هددت نوعية التربة، وأثرت على استقرارها وثباتها.

 

فالإنسان فشل في حماية مكونات الأرض الحية وغير الحية التي بين يديه وأمام عينيه، وأثر عليها نوعياً وكمياً، فتسبب في انكشاف ظواهر ومشكلات بيئية مزمنة كثيرة انعكست على صحة وسلامة كوكبنا برمته. فهل سيتعلم الإنسان من هذا الدرس العقيم فينجح في حماية القمر والأجسام الفضائية الأخرى وبيئة الفضاء بشكلٍ عام من فساد الإنسان؟