الأربعاء، 16 أبريل 2025

قرارات اجتماعات المناخ لا تساوي الحبر الذي كتبت به

 

مشهد عقيم وممل يتكرر كل عام منذ 29 عاماً في اجتماعات الدول الأطراف في الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، وهذا المشهد بالتحديد هو الجلسة الختامية للاجتماع وفي الوقت الإضافي من الدقائق الأخيرة قبل إغلاق باب الاجتماع ومغادرة آلاف الوفود من قرابة 190 دولة قاعة الاجتماع متجهين إلى دولهم.

 

فالاجتماع الذي عادة ما يستغرق 12 يوماً أو أسبوعين في بعض السنوات، تُتخذ فيه القرارات وبعجالة شديدة، وحفظاً لماء الوجه، وقبل أن يعلن عن فشل الاجتماع وسقوطه، ومن أجل انقاذ الاجتماع من الغرق نحو الأعماق، حيث تَقُوم الدول بالموافقة الطوعية وغير الملزمة لأي قرار توافقي معتدل، ووسطي، ومتوازن، ومائع، مهما كانت فاعليته وأهميته وإمكانية تنفيذه في الميدان، ثم يقوم رئيس المؤتمر باستخدام المطرقة الرئاسية للإعلان عن انتهاء الاجتماع، وإلقاء كلمة رنانة عن تحقيق نجاحٍ باهر، وإنجاز عظيم، وبعد هذه الخطبة يقف الجميع أمام منصة الرئاسة فرحين ويصفقون لأنفسهم تصفيقاً حاراً، ويهللون ويكبرون على هذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق. 

 

وفي الحقيقة فإنني لستُ بغريب أو بعيد عن هذه الاجتماعات، فأنا أُتابع وأراقبُ سير هذه الاجتماعات وقراراتها وانجازاتها المزعومة ومدى تحقيقها لأهدافها منذ قرابة ثلاثة عقود. فقد كنتُ أتابع عن كثب من خلال مشاركاتي في الاجتماعات كرئيس لوفد مملكة البحرين لعدة سنوات، ثم عن بُعد من خلال الاطلاع على ما تمخض عنها من قرارات جماعية توافقية مشتركة، والتي تكون معظم محتواها عبارة عن "نسخ" و "لصق" لمحاضر الاجتماعات السابقة، أو إنها تكرار، وقرارات مخففة لأخرى تم اتخاذها في اجتماعات سابقة ولم تر النور.

 

فعلى سبيل المثال، في الاجتماع المناخي رقم (29) الذي عُقد في مدينة باكو في أذربيجان، كان البند الرئيس والأهم للتفاوض عليه من قبل الدول يتمحور كلياً حول الجانب المالي، وبخاصة الجانب المتعلق بتحديد المبلغ الذي على الدول الثرية والمتقدمة التعهد بدفعه للدول النامية الفقيرة التي تضررت كثيراً من تداعيات التغير المناخي، والتي تعاني منذ أكثر من قرنين بسبب انبعاث الملوثات المتهمة بوقوع التغير المناخي وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينتج من حرق الفحم، أو النفط، أو الغاز الطبيعي في المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، ووسائل النقل. فالحجم الأعظم من هذه الانبعاثات التي تسببت في وقوع الكوارث المناخية صدرت ولأكثر من 200 عام منذ الثورة الصناعية الأولى من الدول الصناعية الغنية والمتقدمة التي كانت تسير بخطى واسعة وكبيرة وسريعة جداً في تنمية وتطوير ورقي بلادها، وتحسين الوضع المعيشي لشعوبها، بينما كانت الدول النامية غارقة في الجهل والفقر، وتعاني من التخلف بكل أنواعه. فهذه الدول تاريخياً تتحمل مسؤولية حدوث التغير المناخي، والتداعيات الكثيرة والمتنوعة التي نجمت عنها، كارتفاع حرارة الأرض، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة حموضة مياه المحيطات، وما نتج عن كل هذه التداعيات من كوارث مناخية، كالأعاصير، والفيضانات، والدمار الذي وقع على المرافق الساحلية، وبخاصة في الدول الفقيرة التي لا تمتلك الإمكانات المالية والتقنية للدفاع عن نفسها ومرافقها من هذه الكوارث.

 

وهذا يعني بأن الدول التي تسببت في الكوارث عليها دفع المبالغ المالية للدول التي تضررت وعانت منها. ولذلك فموضوع تعويض الدول الفقيرة مالياً مطروح منذ زمنٍ بعيد في مثل هذه الاجتماعات، وليس وليد هذا الاجتماع فحسب، وهو يعتبر من البنود المعلقة دائماً في جدول أعمال اجتماعات التغير المناخي. فمن الاجتماعات التي تطرقت إلى القضية المالية وتفاوضت عليها هي اجتماع رقم (15) في ديسمبر 2009 في كوبنهاجن في الدنمارك، حيث تعهدت الدول الغنية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والاتحاد الأوروبي، واليابان وغيرها على دفع مبلغ مالي وقدره 100 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2020، إضافة إلى انشاء صندوق المناخ الأخضر. ولكن هذا الالتزام كان في مجمله حبراً على ورق، فقرار دفع الدول الصناعية المتقدمة للمبلغ المالي "طوعي" في نهاية المطاف، وغير ملزم، ولا توجد أية قوة في الأرض لها النفوذ والصلاحيات لمحاسبة هذه الدول ذات الهيمنة والسيطرة المشهودة على كافة آلية قرارات المنظمات الدولية إذا لم تلتزم بالوعود التي قطعتها على نفسها أثناء الاجتماع. ولذلك فهذه المبالغ التي تمت الموافقة عليها في كوبنهاجن لم تصل كلها إلى مستحقيها من الدول الفقيرة والنامية لرفع قدرتها على مواجهة مردودات التغير المناخي، وإصلاح الفساد والضرر الناجم عن هذه التداعيات.

 

ولذلك كان لا بد من طرح القضية المالية مرة ثانية ومن جديد، والتأكيد على وضعها كنقطة أساسية في جدول أعمال اجتماعات المناخ، فكان اجتماع أذربيجان، علماً بأن هناك لجنة من الخبراء المستقلين الذين قاموا بإجراء دراسة شاملة على المبلغ المالي الذي تحتاج إليه الدول الفقيرة لمساعدتها في التصدي لتداعيات الكوارث المناخية واتخاذ الإجراءات اللازمة لخفض انبعاثاتها بوسائل وطرق متعددة، حيث توصلت اللجنة إلى مبلغ وقدره 1.3 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2035، فكان هذا المبلغ هو أساس مطالبات الدول النامية، والنقطة الأولى التي بدأت منها المفاوضات.

 

ولذلك ومن اجتماع أذربيجان المناخي بدأت المعركة المالية المحتدمة والتفاوض على مبلغ الدفع بين الدول الصناعية المتقدمة والغنية والدول الفقيرة والنامية. ومن هناك بدأ المزاد العلني في حجم المبلغ، حيث حدَّدت الدول الغنية في مطلع الاجتماع مبلغاً وقدره 200 مليار دولار سنوياً فقط، مما أدى إلى احتجاج الدول الفقيرة والساحلية خاصة الشديدة التضرر من الكوارث المناخية، فقامت الدول الداعمة بزيادة المبلغ إلى 250 مليار دولار كحد أقصى يمكن دفعه. وهذا المبلغ البسيط مقارنة بالمطلوب لدفع الخسائر والتعويضات أدى إلى انسحاب وفود أكثر من 80 دولة يمثلون "ائتلاف الدول الجزرية الصغيرة" (Alliance of Small Island States) والدول "الفقيرة الأقل نمواً" (Least Developed Countries)، حيث خرجوا من الجلسة احتجاجاً وممارسة للضغط على الدول الغنية. ففي الدقائق الأخيرة من عمر الاجتماع، رفعت الدول المتقدمة المبلغ وزادت إلى 300 مليار دولار سنوياً كعرض أخير لا تفاوض عليه، وبهذا المبلغ انتهت المزايدة المالية وأُغلق الاجتماع.

 

ولكن هذا المبلغ مجرد "رقم" يُقدم لإسكات وإقناع الدول الفقيرة والضعيفة التي تحتاج إلى أي مبلغ مالي من ناحية، ومن أجل منع فشل الاجتماع الدولي، فيخرج بعد قرابة أسبوعين من المفاوضات العبثية خاوي اليدين دون أي قرار يتباهى فيه أمام الشعوب المغلوبة على أمرها وأمام وسائل الإعلام.

 

وفي تقديري فإن هناك عراقيل كثيرة تقف حجر عثرة أمام تنفيذ هذا القرار، منها أن هذا القرار غير الملزم قانونياً لم يُجب على عدة أسئلة كالدول المعنية بالدفع ومساهمة كل دولة، إضافة إلى أن هذا المبلغ هل سيكون بصفة المنحة أو الدين، مما يزيد من الطين بلة للدول الفقيرة، كذلك آلية وبنود الدفع. ومن العوائق أيضاً أن حكومات الدول الغربية تتغير عبر الانتخابات، فقد يُنتخب أشخاص لا يؤمنون بأولوية التغير المناخي وتداعيته الكارثية، ولا يعتقدون بأهمية مساعدة الدول النامية، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية. كذلك مساهمة الدول تعتمد على الوضع الاقتصادي لتلك الدولة، ففي حالة تدهور الاقتصاد لن يكون هناك أي التزام بالدعم المالي والمساعدة.

 

ولذلك فإن القرار الرئيس المفيد للدول الفقيرة الذي اتخذ في اجتماع المناخ سيكون في مهب الريح، وعُرضة للسقوط والفشل اعتماداً على متغيرات السياسة والاقتصاد، وآخرها انسحاب ترمب من تفاهمات باريس للمرة الثانية ووقف الدعم المالي كلياً لصندوق المناخ.

 

 

الجمعة، 11 أبريل 2025

حماية الفضاء هدف جديد لتحقيق التنمية المستدامة


15 مارس 2025 يُعد يوماً تاريخياً في مملكة البحرين عندما أُطلق القمر الصناعي الوطني الأول "المنذر"، وهذا القمر الصناعي البحريني سينضم إلى قائمة عظيمة طويلة تحتوي على أكثر من 20 ألف قمر صناعي على المستوى الدولي لأغراض مدنية أو عسكرية، وعشرات السفن والمحطات الفضائية وغيرها من الأجسام الصناعية البشرية التي أطلقها الإنسان منذ بداية غزو واستكشاف الفضاء في 4 أكتوبر 1957.

 

وكل هذه العشرات الآلاف من الأقمار الصناعية وغيرها تحوم وتدور حول مدارات الأرض المختلفة في الارتفاع، فتشكل اكتظاظاً مرورياً وازدحاماً شديداً غير مسبوق في شوارع الفضاء فوق رؤوسنا، وفي في المدارات العلوية المختلفة فوق الأرض، وبخاصة المدار الأرضي المنخفض.

 

فالمهمة تنتهي عند البعض بإطلاق القمر الصناعي ودخوله واستقراره في المدار المعتمد والمخصص له، ولكن تبدأ مهمة أخرى عقيمة ومعقدة وشاقة عند علماء آخرين، وتتمثل في متابعة هذه العشرات الآلاف من الأقمار الصناعية، ومراقبتها مع الزمن، ومعرفة مصيرها بعد توقف تشغيلها وانتهاء عمرها الافتراضي، إضافة إلى كيفية التعامل معها لتخفيف شدة الازدحام في المدارات.

 

فهذه الأعداد المهولة من الأقمار الصناعية وغيرها تُمثل الآن هماً وقلقاً شديدين لعلماء الفضاء لأسباب كثيرة من أهمها سلامة وأمن هذه الأقمار والمحطات الفضائية، والرحلات الفضائية الاستكشافية بين الأرض والقمر والمريخ وفي الفضاء السحيق، إضافة إلى تهديدها لسلامة رواد الفضاء أنفسهم. فاكتظاظ المدارات الأرضية المنخفضة ترفع من إمكانية واحتمال اصطدام هذه الأجسام الصناعية بعضها ببعض عدة مرات متتالية، مما يؤثر على الشارع الفضائي والمدار الأرضي حتى يكون غير صالح لاستقرار أي قمر صناعي جديد فيه، ويهدد التنمية الفضائية بشكل عام.

 

فقد نبه أحد علماء ناسا وهو " دونالد كيسلر" في الورقة العلمية التي نشرها عام 1978 من القرن المنصرم إلى ظاهرة حوادث الاصطدام الفضائية، فأفاد بأنه بعد اصطدام الأجسام الصناعية مع بعض في الفضاء، تنجم عنها مخلفات وجسيمات أصغر، وهذه الجسيمات الأصغر قد تصطدم مع بعض فتولد جسيمات أخرى أصغر من سابقاتها، وهكذا يستمر الحال في الفضاء، حيث أُطلق عليها(Kessler syndrome).

 

ونظراً لواقعية هذه الظاهرة وتفاقمها في السنوات الماضية، فقد نشرت وكالة الفضاء الأوروبية ومكتب المخلفات الفضائية الأوروبي وناسا عدة تقارير وأفلام وثائقية، منها الفيلم الوثائقي من وكالة الفضاء الأوروبية تحت عنوان: "مخلفات الفضاء: هل هي أزمة"، والذي عُرض في المؤتمر الأوروبي التاسع حول مخلفات الفضاء في أبريل 2025، إضافة إلى التقرير المعنون: "تقرير بيئة الفضاء 2024"، والمنشور في الأول من أبريل 2025.

 

وقد خلصت هذه التقارير إلى عدة استنتاجات وحقائق فضائية مهمة:

الأول: كما أن موارد الأرض من ماء وهواء وتربة وحياة فطرية نباتية وحيوانية تعتبر متناهية ومحدودة في كميتها نوعيتها، فهذا ينطبق أيضاً على بيئة الفضاء، فمداراتها محدودة أيضاً من الناحيتين الكمية والنوعية ولذلك على الإنسان التعامل معها بطريقة مستدامة.

ثانياً: أكبر عدد من الأقمار الصناعية التي تم اطلاقها وتدشينها كان في عام 2023 مقارنة بالأعوام الأخرى، وعدد الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض يرتفع بدرجة مطردة، ومعظمها يبقى هناك إلى الأبد بعد أن انتهت فترة صلاحيتها.

ثالثاً: كمية المخلفات التي تحوم في الفضاء في المدارات الأرضية حالياً تُقدر بنحو 54 ألف جسيم وقطعة صناعية أكبر من 10 سنتيمترات، وهناك في المقابل قرابة 1.2 مليون قطعة حجمها يتراوح بين 1 سنتيمتر وأقل من 10، إضافة إلى قرابة 130 مليون قطعة تتراوح أحجامها من 1 مليمتر إلى 1 سنتيمتر.

 

وللتصدي لظاهرة المخلفات في البيئة الفضائية كان لا بد من بذل جهود دولية مشتركة تتحد فيها كل دول العالم، حيث تم تشكيل لجنة تنسيقية بين الوكالات الفضائية الدولية تحت مسمى: "اللجنة التنسيقية بين الوكالات حول المخلفات الفضائية" (Interagency Space Debris Coordination Committee)، إضافة إلى لجنة "الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي" تحت مظلة الأمم المتحدة، وبرنامج أمن الفضاء الذي يعمل تحت سلطة وكالة الفضاء الأوروبية. وتهدف كل هذه الجهود إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة ليس على وجه الأرض، وإنما في الفضاء ووضع هدف خاص لهذه البيئة الفضائية، بحيث يسعى هذا الهدف على حماية الفضاء كثروة بيئية عامة ومشتركة، ومنع تدهوره من ناحية عدد الأقمار الصناعية، وكمية وأحجام المخلفات التي تنجم عنها، إضافة على تأمين سلامة جميع البرامج والأنشطة الفضائية.

 

فهناك الآن ومن أجل تحقيق التنمية المستدامة في بيئة الفضاء دعوة أممية لوضع "ميثاق المخلفات الصفرية"، كالميثاق الموجود على سطح الأرض لمنع وخفض إنتاج المخلفات الغازية والسائلة والصلبة.

 

ولكن في تقديري ومن خلال خبراتي وتجاربي حول جهود الإنسان في تحقيق أهداف التنمية المستدامة على وجه الأرض، حيث المشكلات والقضايا نراها أمام أعيننا، وتحت أسماعنا، وبين أيدينا، فإنني أشك كثيراً في فاعلية وجدية مثل هذه اللجان والبرامج الدولية المشتركة التي تهدف لحماية الموارد والثروات الفضائية. فنحن لم ننجح كلياً في تحقيق الإدارة المستدامة على سطح الأرض، ولم نفلح في حماية الثروات والموارد الفطرية الأرضية الحية وغير الحية، فكيف سننجح في حماية الفضاء العميق الشاسع الذي لا يعرف أحد مداه واتساعه إلا الله، وبخاصة أن هناك الكثير من البرامج العسكرية السرية التي تعيث في فضائنا فساداً وتدميراً في جنح الليل وبعيداً عن أعين المراقبين، كما فعلت من قبل في بيئة الأرض عندما قامت بآلاف التفجيرات النووية فوق وتحت الأرض، وفي أعماق البحار، فلوثت الكرة الأرضية برمتها بالإشعاع؟ وكيف سننجح في تحقيق الإدارة المستدامة لملايين المخلفات الصلبة الصغيرة والكبيرة المتزايدة سنة بعد سنة والتي تدور في مدارات على ارتفاعات شاهقة تزيد عن 500 كيلومتر فوق سطح الأرض بعيدة عن أنظارنا وأسماعنا؟

الثلاثاء، 8 أبريل 2025

جزيرة جرينلاند تتصدر الواجهة السياسية والبيئية

 

جزيرة عظيمة في مساحتها قليلة في سكانها، نائية وبعيدة عن أعين الناس واهتمام العالم وتغطيات وسائل الإعلام، ويعيش فيها مئات الآلاف من البشر حياة طبيعية بسيطة آمنة ووادعة، خالية من المفاجآت والمشكلات والهموم الدولية المتضاربة والمعقدة.

 

هذه هي جزيرة جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم في القطب الشمالي، والتي جذبت الآن نحوها اهتمام دول العالم ووسائل الإعلام ووكالات الأنباء منذ أكثر من خمسة أشهر، فأصبحت هذه الجزيرة غير المعروفة من قبل، تحظى بتغطيات وسائل الإعلام، فتتصدر اليوم الصفحات الأولى من الصحف والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي.     

 

وهذا الاهتمام غير المسبوق في تاريخ هذه الجزيرة جاء قبل أن يضع ترمب رجله في البيت الأبيض، وقبل موعد تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلن في السابع من يناير 2025 في المؤتمر الصحفي عن خططه للانقضاض على الدول بجميع الوسائل، وضمها إلى إمبراطورتيه الواسعة بحجج بالية ووهمية منها ضروريات الأمن القومي الأمريكي، وتعميم السلام والأمن على سطح الأرض، وحماية العالم الحر، ومن بينها جزيرة جرينلاند، وقناة باناما، إضافة إلى ضم كندا لتُصبح الولاية رقم (51) للولايات المتحدة الأمريكية. ثم أكد على نيته غزو هذه الجزيرة الوادعة في زيارة نجله أولاً، ثم نائبه عندما زار الجزيرة في 28 مارس وأكد على جدية ترمب في احتلالها بجميع الوسائل، مبرراً ذلك بنوايا روسيا والصين للاستيلاء عليها.

 

ومنذ ذلك الوقت، فلا يمضي يوم واحد وإلا نسمع اسم الجزيرة من ضم أولويات وافتتاحية النشرات الإخبارية.

 

ولكن هناك حدثاً جديداً آخر برز في الأيام القليلة الماضية وشغل بال سكان هذه الجزيرة، غير أطماع ترمب التوسعية، وجذب أنظار العالم إليها، وتتمثل في المخلفات النووية المشعة المخزنة في أرض الجزيرة والتي بدأت تتراكم منذ سنوات، وتزيد أحجامها يوماً بعد يوم، فتهدد الأمن العام وسلامة السكان، وقد تتحول يوماً ما إلى قنبلة دمار شامل تنفجر في وجوههم، فتدمر بلادهم وتقضي على الأخضر واليابس.

 

فقد نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تحقيقاً في 5 مارس 2025 تحت عنوان: "جرينلاند تُنهي استخراجها لليورانيوم خوفاً من المخلفات المشعة". وجاء في التحقيق بأن جزيرة جرينلاند أعطتْ ترخيصاً لشركة أسترالية مختصة في التعدين والتنقيب عن اليورانيوم منذ عام 2017، ولكن الحكومة الحالية في الجزيرة أوقفت عمليات الشركة وحظرت استخراج اليورانيوم في المنجم فوق جبال نارزاك(Narsaq)، الذي يحتوي على العناصر الأرضية النادرة مثل تربيم(Terbium) ونيوديميم(Neodymium) والتي تدخل في صناعة مكونات وأجزاء مصادر الطاقة النظيفة كإنتاج المواد المغنطيسية الدائمة في السيارات الكهربائية وتوربينات طاقة الرياح. هذا الحظر أضطر الشركة إلى رفع دعوى قضائية ضد قرار حكومة جرينلاند بقيمة 11.5 بليون دولار للتعويض عن الأضرار والخسائر المالية التي ستلحق بها.    

 

فماذا حدث حتى غيَّرت الجزيرة رأيها بالنسبة لهذه العملية التنموية التي تدَّر عليها بالمال الوفير، والخير العميم، وتُحقق النمو الاقتصادي للسكان وترفع وتحسن من مستوى معيشتهم؟

 

هذه الجزيرة قرَّرت ألا تُكرر أخطاء الماضي، فلا تريد أن تقع في هفوات وزلات العقود الماضية، فقد تعلمت منها دروساً قاسية، وعبراً نافعة، فلا يُلدغ الإنسان العاقل والحكيم من جُحر مرتين. ففي العقود الماضية كانت العمليات التنموية تُركز كلياً على الجانب الاقتصادي البحت فقط، دون إعطاء أي اعتبار للجانبين البيئي والصحي، أي كانت تنمية اقتصادية أحادية الجانب، وأهملت كلياً وغفلت عن تحقيق التنمية البيئية، فلم تنجح بهذه السياسية المعوقة تحقيق الهدف الأسمى وهو التنمية المستدامة. فأعمال التنقيب عن المعادن الثقيلة، كالرصاص والخارصين واليورانيوم ولَّدت ملوثات خطيرة ومشعة انطلقت إلى الهواء والماء والتربة، فدمرت الإنسان والحياة الفطرية ومكونات البيئة برمتها. فالملوثات المشعة والسامة دخلت الهواء الجوي، ومنها انتقلت إلى أجسام البشر والحياة الفطرية البرية، كما صُرفت في المياه السطحية فتشبعت أجسام الكائنات البحرية بها فانتقلت في نهاية المطاف إلى أجسام سكان الجزيرة. كما لوثت مياه الشرب التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية. كذلك نجمت عن عمليات التنقيب مخلفات مشعة غازية، وشبه صلبة، وصلبة فسممت التربة، وعرَّضت حياة السكان للأمراض المستعصية. وهذه الملوثات المشعة تبقى بعضها آلاف السنين وهي تنبعث عنها اشعاعات مسرطنة تفسد صحة الناس وتجعلهم يقعون فريسة سهلة للأسقام والعلل المزمنة التي لا يرجى شفاؤها. والأدهى من ذلك والأمر هو المخلفات المشعة الصلبة الناجمة عن استخراج اليورانيوم، وهذه المخلفات مخزنة منذ عقود طويلة في مواقع هذه المناجم، وتعتبر قنابل دمار شامل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة.

 

ولذلك واجه سكان الجزيرة تحدياً صعباً ومعقداً، ووقفوا أمام معادلة شائكة تحتاج إلى توازن دقيق بين كل الاعتبارات والجوانب التنموية. فقد صوَّت سكان الجزيرة في الانتخابات العامة التي أُجريت عام 2021 على نوعية الحياة التي يريدون أن يعيشونها. فقد صوتوا للصحة بدلاً من المرض، وللحياة الآمنة السليمة بدلاً من حياة الأسقام والأحزان، وصوتوا من أجل بقاء الحياة الفطرية بكر عذراء صافية بدلاً من حياة فطرية امتلأت أعضاؤها بالملوثات المشعة والمسرطنة، كما صوت سكان الجزيرة على تحقيق التنمية المستدامة بدلاً من التنمية الاقتصادية فقط على حساب التنمية البيئية والصحية والاجتماعية.

 

فهذه الحالة التي واجهها سكان جزيرة جرينلاند ليست جديدة وليست وليدة اليوم، وليست حالة تعاني منها هذه الجزيرة لوحدها. فالإنسان منذ بدء الثورة الصناعية الأولى وبعد أكثر من 200 عام وهو في صراع عقيم دائم حتى يومنا هذا في كل دول العالم، ويتمثل في إحداث التوازن الدقيق بين التنمية الاقتصادية المستدامة وتحقيق الازدهار المالي للحكومات والشعوب، وبين تحقيق التنمية البيئية المستدامة، أي الوصول إلى معادلة متوازنة هي تنمية بدون تدمير، وإعمار بدون إفساد، وصحة بدون مرض.