الاثنين، 8 أكتوبر 2012

الموز والتغير المناخي



تناول الفواكه الطازجة لم يعد أمراً غذائياً وصحياً بحتاً، وإنما أصبح موضوعاً ينعكس على الجانب البيئي بشكلٍ خاص، وبالتحديد المتعلق بقضية العصر، وهي التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض.

فالموز على سبيل المثال له فوائد متعددة، ويُعد من الفواكه الشعبية الرخيصة الثمن وفي متناول يد الجميع، فالموز من المصادر الهامة لفيتامين سي و بي 6، وغني بمعدني البوتاسيوم والمنجنيز والألياف الذائبة، كما إنه يخفض من نسبة الإصابة بالسرطان ويتحكم في ضغط الدم.

وفي الوقت نفسه، فإن زراعة الموز لا تنعكس سلبياً على المناخ العالمي ولا تؤثر على درجة حرارة الأرض ولا تؤدي إلى إحداث التغير المناخي، فنسبة الملوثات التي تنبعث من زراعة الموز والتي تؤثر على المناخ تعد منخفضة جداً مقارنة بالمصادر الأخرى كالصناعة وتوليد الكهرباء ووسائل النقل من سيارات وطائرات.

ويعزي هذا إلى الأسباب التالية:
أولاً: يُزرع الموز في المناطق والغابات الاستوائية الطبيعية التي تتميز بالحرارة المعتدلة طوال السنة والأمطار الموسمية الغزيرة، وهذه المناطق لا تحتاج إلى مصادر صناعية للطاقة وتوليد الكهرباء فأشعة الشمس الفطرية الساطعة في كل يوم تكفي لنمو الموز وبنوعيات تجارية ممتازة.

ثانياً: لا يحتاج نقل الموز وتسويقه في أغلب الأحيان إلى مواد التغليف التي عادة ما تكون من الورق أو البلاستيك، وهذه لها تأثيرات بيئية جمة من ناحية التغير المناخي ومن ناحية زيادة كمية المخلفات الصلبة التي تحتاج إلى نقلها والتخلص منها بطريقة سليمة من الناحيتين البيئية والصحية.

ثالثاً: في الكثير من الحالات، ينقل الموز من خلال السفن، وهي تعتبر أقل انبعاثاً للملوثات التي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض مقارنة بوسائل النقل الأخرى.

ولذلك عليكم بالموز، فهو صحة لأبداننا، وشفاء لأسقامنا، وحماية لبيئتنا، وترشيد لنفقاتنا.

الجمعة، 5 أكتوبر 2012

الحرب انتهت، ولكن مخلفاتها باقية


الحروب مهما طالت، كحرب داحس والغبراء التي دامت أربعين عاماً، فستنتهي بعد فترة من الزمن، ولكن المخلفات التي تنتج عن الحروب التي نشهدها اليوم تضرب أطنابها في بيئتنا، فتظل باقية مُخلدة أبد الدهر لتُذكر الإنسان دائماً بوَقع هذه الحروب على المجتمعات البشرية والبيئات الطبيعية وتدميرها لكل صغيرة وكبيرة، فلعل الإنسان يتعظ منها ويُجنب نفسه ويلات هذه الحروب، والخسائر البشرية والمادية والبيئية التي تصاحبها.  

فالحرب العالمية التي دمرت الكثير من دول العالم وذهب ضحيتها الملايين من البشر، انتهت في نهاية المطاف وطوتها صفحات التاريخ، ولكن بين الحين والآخر، وبالرغم من مرور أكثر من 67 عاماً على انتهاء هذه الحرب الضروس، تنكشف بعض المخلفات القاتلة من هذه الحروب فتحيي في الإنسان الذكريات المؤلمة والقاسية التي لم ير لها التاريخ مثيلاً.

فأثناء عملية الحفر في 29 أغسطس من العام الجاري بالقرب من مبنى المسافرين في المدرج سي من مطار شيفول(Schiphol) بمدينة أمستردام الهولندية، عَثَرَ عُمال الحفر على قنبلة تزن قرابة 250 كيلوجراماً، وتعتبر واحدة من عشرات الآلاف من القنابل التي ألقتها قوات الحلفاء وعلى رأسها أمريكا على هذا المطار الذي استخدمه الألمان كقاعدة جوية أثناء الحرب العالمية الثانية، وعلى الفور أُعلنت حالة الطوارئ في المطار الذي ينقل سنوياً أكثر من 48 مليون مسافر ويعد خامس أكبر مطار أوروبي، وتم إخلاء المطار برمته من المسافرين والعاملين به، واستدعاء خبراء المتفجرات للتعامل مع هذا النوع المميت من مخلفات الحروب.

وقبيل ساعات من اكتشاف هذه القنبلة، وبالتحديد في 28 أغسطس، اكتشفت قنبلة عملاقة تزن زهاء 550 كيلوجراماً في القلب النابض بالحياة في مدينة ميونيخ الألمانية وفي منطقة تجارية مزدحمة بالناس وتعرف بـ شاوبنج(Schwabing)، حيث تم على الفور إخلاء المنطقة التجارية من المتسوقين والعاملين والساكنين واستدعاء الفريق الخاص بالتعامل مع مثل هذه المخلفات التي قد تنفجر في أية لحظة وتهدد حياة الأبرياء بالخطر، حتى بعد 67 سنة من زوال الخطر الفعلي وانتهاء الحرب.

وفي الحقيقة لا يمر شهر وإلا يتم اكتشاف ما يرعب الناس ويجعلهم يعيشون في خطرٍ دائم ويحسون بعدم الأمان على حياتهم، فهناك الآلاف من مخلفات القنابل والألغام الأرضية والصواريخ في المدن الأوروبية في البر والبحر التي مازالت جاثمة هناك وبانتظار الصدف كي تكشفها وتزيل الغبار عن وجهها وتبث الفزع والخوف في قلوب الناس.

وفي المقابل هناك نوع آخر من المخلفات الحربية التي تعتبر أشد وطأة على المجتمع البشري برمته، فخطورتها تنزل على الكرة الأرضية برمتها، وهي المخلفات النووية المشعة التي نجمت عن صناعة القنابل الذرية والصواريخ ذات الرؤوس النووية والوقود المستنفد من المفاعلات النووية، وهذا النوع من المخلفات أُطْلقُ عليها بمخلفات الدمار الشامل.

ومعظم هذه المخلفات العسكرية والحربية يتواجد في الولايات المتحدة الأمريكية ومخزن في مواقع مؤقتة وغير مؤهلة لاستقبال وتخزين هذه المخلفات التي تعتبر حقيقةً قنابل نووية موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، فتدمر أمريكا أولاً ودول العالم من بعدها، وقد قَدَّرت وزارة الطاقة الأمريكية كمية هذه المخلفات الخطرة والمشعة المكدسة في أراضيها بنحو 75 ألف طن متري موجودة في 122 موقعاً في 39 ولاية. 

كذلك هناك تهديد آخر لصحة البيئة والناس يغفل عنه الكثير من الحكومات، أو يتجاهلون حله لصعوبة وارتفاع تكاليف علاجه، وهو الأراضي والمناطق الملوثة التي تنجم عن القواعد العسكرية البرية والجوية، ومصانع إنتاج القنابل الكيميائية والبيولوجية، إضافة إلى مخازن هذه الأسلحة النووية والتقليدية.  

وكل هذه التهديدات العامة الناجمة عن الحروب السابقة ستظل شبحاً مخيفاً وحلماً مزعجاً يلاحق الإنسان في كل يوم.


الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

التوقف الجماعي عن التدخين: دعوة لوزارة الصحة



سمعنا وقرأنا من قبل عن الزواج الجماعي في الكثير من دول العالم، ولكن لأول مرة أقرأ في وسائل الإعلام عن التوقف الجماعي عن التدخين، أو قطع التدخين جماعياً على المستوى القومي وعلى مستوى الدولة برمتها.

فقد أعلنت وزارة الصحة البريطانية عن تدشينها لحملة وطنية فريدة من نوعها يشترك فيها جميع المواطنين من المدخنين، مدتها 28 يوماً، وتبدأ من اليوم الأول من شهر أكتوبر القادم، وأَطلقتْ على هذه الحملة التوقف الجماعي عن التدخين في أكتوبر ( Stoptober)، بحيث يتوقف فيها المدخن كلياً عن التدخين لمدة شهرٍ واحد، ويعزف عن الاقتراب منه.

ولا شك بأن قيام وزارة الصحة بهذه الحملة القومية يدل بشكلٍ قطعي ومشهود على وجود مشكلة صحية خطرة قد ضربت أطنابها في أعماق جذور المجتمع، وأصبحت تهدد حياة أفراد المجتمع بوباء صحي مزمن، فهذه الحملة الإبداعية تؤكد على أن عادة التدخين أو الإدمان عليها لا يمكن السكوت عليها بعد اليوم، ولا بد من مواجهتها بشكلٍ حاسمٍ وفاعل، كما أن هذه الحملة تثبت للجميع بأن التدخين قد تحول إلى مشكلة اقتصادية تُرهق كاهل الدولة وتضعف ميزانيتها، إضافة إلى أنها في الوقت نفسه قضية صحية واجتماعية تعاني من الكثير من المجتمعات.

أما على الصعيد الاقتصادي، وهذا هو العامل الرئيس الذي عادةً ما يُحرك الحكومات ويجعلها تأخذ إجراءات صارمة، فإن تقارير وزارة الصحة البريطانية تفيد بأن المردودات السلبية للتدخين تُكلف وزارة الصحة نحو 2.7 بليون جنيه سنوياً، وهذا يعتبر مبلغاً كبيراً جداً، فلا بد إذن من تخفيض النفقات المتعلقة به بكل الوسائل الممكنة.

وأما على الصعيد الصحي، فالتدخين يعتبر أكبر سببٍ للموت المبكر للإنسان بصفةٍ عامة، وفي بريطانيا بصفةٍ خاصة، حيث يموت زهاء 100 ألف بريطاني سنوياً، إما بسبب التدخين المباشر والتعرض للسموم والملوثات التي تنبعث أثناء التدخين والتي تقدر بأكثر من 4000 مادة كيميائية خطرة ومسرطنة، أو بسبب الاختلاط مع المدخنين والجلوس معهم. كما تفيد التقارير الصحية أن هناك زهاء 1200 بريطاني يدخلون المستشفى يومياً بسبب الأمراض الناجمة عن التدخين، ومن أهمها سرطان الرئة، والحنجرة، والفم، والكبد، والبنكرياس، والكلية، والمثانة، والدم، وأمراض القلب، والجهاز التنفسي. أما على المستوى الدولي، فإن فالتدخين يقتل نحو 6 ملايين إنسان، منهم 5 ملايين من المدخنين، وأكثر من 600 ألف من غير المدخنين من التدخين السلبي والجلوس مع المدخنين، حسب تقارير منظمة الصحة العالمية. 

ولذلك كان لا بد من التصدي لهذه الظاهرة الصحية الخطرة والعادة المُهلكة من خلال حملةٍ قوية ومجدية تتناسب مع حجم المشكلة وانتشار المعاناة بين أفراد المجتمع من المدخنين وغير المدخنين، وكان واجباً على الجهات الصحية في بريطانيا إلى لفتِ أنظار أكثر من 8 ملايين مدخن إلى الحقائق الدامغة حول الانعكاسات السلبية للتدخين بشتى صوره، والأضرار الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية التي تنجم عنه قبل فوات الأوان.

ومن هذا المنطلق فإنني أدعو وزارة الصحة إلى دراسة إمكانية القيام بحملة مماثلة ومبادرة جماعية على الصعيد الوطني في البحرين، حفاظاً على صحتنا وصحة بيئتنا.




الجمعة، 21 سبتمبر 2012

بوتن وحماية الطيور المهاجرة


قبل أيام شاهدنا في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية قيام رئيس روسيا فليدامير بوتن وهو يلبس ملابس بيضاء تشبه لون ريش الطيور بحركة استعراضية بطولية جوية من خلال ركوب الطائرة الشراعية المتحركة، وذلك بهدف حماية نوعٍ من أنواع الطيور المهاجرة المهددة بالانقراض، والتي تعيش في منطقة سيبيريا الباردة، وهذا الطير المُقدس الأبيض اللون يُعرف بالكركي السيبيري.

وعند قيام بوتن بهذه العملية البهلوانية الجريئة، قام بتوجيه هذا السرب من الطيور النادرة أثناء هجرتها الشتوية لكي لا تضل طريقها، فتطير في مسارها الجوي الطبيعي حتى تصل بأمن وسلام إلى منزلها وملجئها الأخير. فهذه الطيور تم إكثارها وتنميتها وتربيتها في الأسر، أي تحت الإشراف المباشر للعلماء المختصين في محميات خاصة للطيور، ولذلك فهي لم تقم بعملية الهجرة السنوية من منطقة إلى أخرى من قبل، ولا بد عند إطلاقها لأول مرة في بيئتها الطبيعية من مساعدتها وإرشادها وتوجيهها نحو مسار الهجرة الفطري الصحيح.

ولكن الغريب في هذه العملية هو التوقيت، حيث إنه قام بهذا الاستعراض عشية استضافته لرؤساء الدول وكبار رجال الأعمال في القمة السنوية لمنظمة آبيك، أو ما تُعرف بمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، وكأنه تحول إلى شابٍ مراهق صغير السن، أو نجمٍ من نجوم الهوليود يريد بهذا الاستعراض جذب أنظار الزوار والرأي العام الروسي والدولي وإبهارهم، وإثارة إعجابهم بقوته الجسمية، وشجاعته، وحبه للبيئة والحياة الفطرية وحماية مواردها وثرواتها الحية وغير الحية. 

وهذا ليس هو العرض الوحيد الذي قام به بوتن أمام أعين وسائل الإعلام وكاميراتهم، فهو يريد أن يُصور نفسه كالبطل المغوار الذي لا يقهر، وأنه يتميز ويتفوق في كل شيء، ويستطيع القيام بأنواع مختلفة من المغامرات الشبابية الشجاعة، فتارة يلبس الحزام الأسود في الألعاب القتالية ويبارز الأبطال المعروفين في لعبة الجودو، وتارة أخرى تجده يركب على ظهر الحصان لمسافات طويلة في مناطق سيبيريا الشديدة البرودة، وأحياناً تراه يقوم بصيد النمور والدب القطبي، أو تجده يسبح في الأنهار الجليدية في القطب الشمالي.

وفي الحقيقة فإنني أؤيد الرئيس الروسي بوتن على هذه العملية التي قام بها وعلى إظهاره لحب الطيور والحفاظ عليها وتنميتها وحماية الكائنات الحية، فهذه الطيور المهاجرة لها أهمية كبيرة لاستدامة حياة الإنسان على وجه الأرض، فهي تقيس ضغط دم الكرة الأرضية، وأي خللٍ في توقيت هجرتها يعتبر مؤشراً قوياً على وجود خللٍ عام في البيئة، كما أن حماية الطيور المهاجرة تتفق مع مبادئ وقواعد حماية الحياة الفطرية من الطيور المهاجرة النادرة والمهددة بالانقراض، وتتماشى مع الاتفاقيات والمعاهدات الإقليمية والدولية الخاصة بحماية ورعاية الكائنات الحية المهاجرة، سواء أكانت الطيور في أعالي السماء، أو الكائنات البحرية كالسلاحف وأسماك التونة والدلافين والحيتان في أعماق البحار، أو الكائنات البرية التي تنتقل وتهاجر من منطقة جغرافية إلى منطقة أخرى عبر الحدود الجغرافية المصطنعة بين دول العالم، وعلى رأس هذه المعاهدات الدولية التي تهتم بهذا الجانب هي اتفاقية حماية الأنواع المهاجرة، واتفاقية التنوع الإحيائي.

ولكن ما لا أستطيع أن أفهمه هو أن هذا الحب من بوتن للحياة الفطرية والطيور خاصة، والعمل على إكثارها وحمايتها لا يستقيم بتاتاً مع مواقفه السلبية من كفاح الشعب السوري، ودعمه اللامحدود للأسد، سواء الدعم السياسي في الاجتماعات الدولية، أو الأمني من خلال المد المستمر للأسد بكافة أنواع السلاح، وسكوته الأعمى على المجازر والمذابح التي ترتكب ضد الشعب منذ أكثر من سنة، حتى وصل عدد القتلى بسلاح روسيا إلى أكثر من 24 ألف وعدد الجرحى عشرات الآلاف.

فكيف يمكن تفهم عمل بوتن وعطفه على الطيور وحمايته لها، وفي المقابل التواطؤ المباشر على قتل الإنسان، وتهجيره من وطنه، وإهدار كرامته، فهل حياة الطيور وحمايتها عند بوتن أهم من حياة الإنسان؟

أم أن ما يقوم به هو مجرد جزءٍ من العلاقات العامة المحلية والدولية التي يَظهر فيها بوتن بين فترةٍ وأخرى لكسب الأصوات، ولفت الأنظار نحو شخصيته العظيمة؟