الخميس، 1 أكتوبر 2015

فضيحة فولكس واجن: خطيئةٌ لا تُغتفر



يقول إبن القيم رحمه الله في قصيدته المشهورة:
إن كُنتَ لا تدري فتِلك مصيبة       وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وهذا البيت من الشعر ينطبق على الفضيحة النكراء والجريمة السوداء التي ارتكبتها عمداً مع سبق الإصرار والترصد أيدي شركة فولكس واجن الألمانية للسيارات، والتي تم كشفها وفضحها أمام الملأ عن طريق الصدفة في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر سبتمبر من العام الجاري، ثم جَرَّتْ وراءها جميع دول العالم.

فمنذ عام 2009 وهي تغش العالمين، وتُضلل الشعوب، وتوهم المسؤولين ووكلاء السيارات في كل دول العالم بأنها تبيعهم سيارات الديزل النظيفة والصديقة للبيئة وصحة الإنسان، والتي تنبعث عنها نسب منخفضة جداً من الملوثات التي تتطابق مع معايير انبعاث الملوثات من عواد السيارات وتتوافق مع أنظمة وقوانين الدول البيئية.

فالطامة الكبرى، والمصيبة العظمى تكمن في أن التحقيقات الأولية أكدت بأن هذه الشركة تعمدت القيام بهذا التزوير والغش، وخططت لتضليل الناس والدول، وكانت منذ زرع بذور الجريمة على علمٍ تام بكافة التفاصيل والدقائق من حيث الزمن ومسرح هذه الجريمة، فهي التي صممت وكتبت برنامجاً للحاسب الآلي يوضع في سيارات الديزل، وهدفه الأول والرئيس هو "التحايل" وتقديم قراءات خاطئة ومشوهة عن تركيز الملوثات التي تنطلق من عادم السيارة، فعندما تقوم الجهات المعنية في دول العالم بفحص وتحليل نسبة الملوثات من هذه السيارات، يقوم هذا البرنامج بتحوير الأرقام الصحيحة الخاصة بمستوى الملوثات، وتقديم أرقامٍ أخرى خاطئة تتوافق مع مواصفات الدول، وبالتالي توصي هذه الجهات المسؤولة بشراء هذه السيارات والموافقة على تسويقها في الدولة، حتى أن عدد السيارات المغشوشة التي تم بيعها في كافة أنحاء المعمورة بلغ قرابة 11 مليون.

ونظراً لعِظم هذه الفضيحة وفداحتها، فقد تدخلت الحكومة الألمانية في هذه القضية وفتحت الباب على مصراعيه في البدء في تحقيقٍ "جنائي" لمعرفة ملابسات الفضيحة وكشف المسؤولين عن ارتكابها، فهذه القضية سيكون لها وقع كبير ليس على شركة فولكس واجن فحسب المتهمة في الغش والكذب والتحايل، أو شركات السيارات الأخرى التي قد قامت بالفضية نفسها، وإنما الاقتصاد الألماني وسمعة ومصداقية ألمانيا وشركاتها سيكون مهدداً وفي خطر محتوم وكبير، حيث أكد على هذا وكيل وزارة المالية الألماني عندما صرح قائلاً: "هذه الفضيحة قد تكون لها تأثيرات كبيرة على الاقتصاد الألماني".

وفي هذا السياق أيضاً فستنهال القضايا على فولكس واجن يوماً بعد يوم، فقد فتحت الولايات المتحدة مئات التحقيقات الجنائية وغير الجنائية على مستوى الحكومة الاتحادية مثل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالية ووكالة حماية البيئة، وعلى مستوى الولايات والمؤسسات والأفراد، كما قامت الكثير من دول العالم في التحقيق الجنائي في القضية، مثل بريطانيا، كوريا الجنوبية، الهند، البرازيل، أستراليا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، دولة جنوب أفريقيا، النرويج، وإنني على يقين بأن هناك دولاً أخرى ستتبع هذه الدول في إجراء تحقيقاتها المستقلة.

ولم تَمعنا قليلاً في هذه القضية الدولية ذات الأبعاد الأخلاقية، والبيئية، والصحية لوجدنا أن أسبابها تتلخص في أخلاقيات وثقافة الشركات الكبرى التي تتمحور حول الجشع الزائد، والشَرَه المميت، والجري وراء هوى جمع وكسب المال من حلالٍ أو حرام، وتنفيذ أي إجراءٍ أو عمل مهما كان نوعه يؤدي إلى زيادة الأرباح والسيطرة على سوق المبيعات، وهذه الثقافة نفسها قد تنجح لبعض الوقت، وقد تحقق الأرباح الوفيرة لفترة وجيزة من الزمن، ولكن لن تكتب لها الاستدامة ولا ضمان لاستمراريتها وعطائها. فشركة فولكس واجن نجحت بالفعل لسنواتٍ معدودات في تحقيق أرباحٍ خيالية، وتمكنت من الهيمنة الكاملة على سوق سيارات الديزل، ولكن بسبب الكذب والغش والتحايل سقطت فجأةً في شر أعمالها وفساد نواياها، فهوت إلى قاع الفشل والخزي والندامة، وخسرت كل انجازاتها المالية ومكاسبها الاجتماعية والمعنوية، وفقدت سمعتها في سوق السيارات، ودمرت مصداقيتها، فهي الآن تقف بائسة ووحيدة في قفص الاتهام ذليلة ومكسورة الجناح في كل محاكم دول العالم.

ولذلك نصيحتي إلى جميع التجار وأصحاب الأعمال هي توخي الصدق والأمانة والشفافية التامة في الأعمال، والسعي نحو الربح والثروة بأساليب شرعية لا تخالف تعاليم ديننا الحنيف ولا تتنافى مع القيم الأخلاقية الإنسانية، فالتاجر الصدوق الأمين سيحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.  

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

الغش البيئي: فضيحةُ شركةٍ كُبرى


البيئة عند بعض الشركات العملاقة ومتعددة الجنسيات تحولت إلى أداة فاعلة وناجحة لكسب المال الوفير، وتحقيق الثروات الطائلة، وأصبحت ورقة رابحة تستغلها هذه الشركات لمصالحها وترويج بضائعها وتسويقها عالمياً.

 

فعندما تدَّعي شركة ما بأنها صنعت مُنتجاً بيئياً يحافظ على الثروات الفطرية الطبيعية ويحمي مكونات البيئة من هواءٍ وماءٍ وتربة ويصون صحة الإنسان، فإن هذا المنتج سيكون محل اهتمام الحكومات والأفراد على حدٍ سواء، وسيحصل حتماً على صفقاتٍ كبيرة لشراء هذا المنتج الصديق للبيئة والصحة العامة.

 

وهذا بالضبط ما قامت به أكبر شركة مصنعة للسيارات في العالم وهي شركة فولكس واجن(Volkswagen) الألمانية للسيارات، حيث ادعت بأنها صنعت سيارات تعمل بالديزل وتنبعث منها ملوثات قليلة تتطابق مع مواصفات ومعايير الانبعاث، وقد نجحت بالفعل في الفترة من 2007 إلى سبتمبر 2009 من بيع ملايين السيارات، منها فقط نصف مليون سيارة في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فقد وَضَعتْ هذه الشركة أجهزة مُضللة وركَّبتْ برنامجاً خاصاً في كمبيوتر السيارة يُعطي عَمْداً قراءات خاطئة ومزيفة لمستوى التلوث المنبعث من عوادم السيارات، بحيث إن هذه القراءات التي تراها الأجهزة الحكومية أمامها تشير إلى فاعلية جهاز التحكم الموجود في السيارات وانخفاض نسبة الملوثات المنطلقة من عوادمها.

 

ولكن كما يقول المثل الشعبي "حَبْلْ الكذب قَصير"، فقد كشفت الصُدف زيف وكذب إدعاءات هذه الشركة العملاقة وتمكنت مختبرات وأجهزة أمريكا بعد سنوات من إثبات هذا الغش التجاري وإرغام الشركة على الاعتراف، حيث اضطر الرئيس التنفيذي للشركة نتيجة لهذا الاكتشاف إلى أن يُبدي أسفه، ويعتذر أمام الملأ في 21 سبتمبر من العام الجاري، ويعترف ضمناً بهذه الجريمة الأخلاقية التي ارتكبتها أيديهم ضد حرمات البيئة وصحة الإنسان، وهذا الاعتذار أدى فوراً إلى خسائر مادية فادحة تمثلت في فقدان الشركة لـ 17.1% من قيمتها في السوق، وتحطم مباشر لقيمة سهم الشركة، وتوقف بيعها في الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم الأخرى، إضافة إلى الغرامات المالية التي ستُفرض عليها وتقدر بنحو18 بليون دولار.

 

وفي المقابل أمر الرئيس أوباما والكونجرس الأمريكي إلى إجراء تحقيقٍ جنائي ضد هذه الشركة بسبب هذه الجريمة النكراء.

 

وانطلاقاً من هذه الحادثة الواقعية، أود أن أُقدم النقاط التالية كردة فعل شخصية لها، وهي: أولاً: هل نعلم في البحرين عن هذه الفضيحة الكبرى فنكشف عن هذه السيارات التي تم بيعها خلال تلك الفترة، أم أننا كما يقول المثل "خَبَرْ خَير"!

ثانياً: إذا نجحت هذه الشركة في أن تضلل وتغش وتزيف المعلومات في أكبر دولة متطورة ومتقدمة في العالم، فما يمنعها هي وغيرها من الشركات التحايل علينا وتضليلنا في قضايا أخرى؟

ثالثاً: كما أكدت في مقالات سابقة فإن ثقافة هذه الشركات هي الكذب والتضليل، ولذلك يجب عدم الاعتماد على التقارير والمعلومات والادعاءات التي تصدر عن الشركات نفسها، سواء في مجال البيئة، أو التغذية، أو الأدوية، أو ألعاب الأطفال والمنتجات الأخرى، فلا بد من قيامنا ببعض التجارب للتأكد من صحة المعلومات.

 

الأحد، 27 سبتمبر 2015

11 مليون سيارة مغشوشة، فهل منها السيارات في البحرين!



شركةٌ عملاقة مثل فولكس واجن التي تعتبر من أكبر شركات السيارات في العالم ومبيعاتها بلغت دول الشرق والغرب وكل شبرٍ من الأرض، وأرباحها تناطح عنان السماء، فلماذا تلجأ هذه الشركة الناجحة والمهيمنة على سوق السيارات إلى أسلوب التزوير، والتضليل، والغش؟

فهذه الشركات متعددة الجنسيات ثقافتها المتجذرة في تاريخها المظلم، والمتأصلة في سياساتها وممارساتها المشينة عبر العقود تتلخص في الربح الكبير والسريع على حساب كل شيء وملء البطون بالحلال والحرام، وباتخاذ كافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية، الأخلاقية وغير الأخلاقية من غشٍ وخداعٍ وتحايل، وينطبق عليها قول رسولنا الكريم: "لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، لَتَمَنَّى ثَانَيًا، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ".

والفضيحة النكراء التي يقف أمامها المجتمع الدولي اليوم وتُعد في تقديري أكبر حادثة غش بيئي وصحي في تاريخ البشرية وأُطلق عليها "واترجيت السيارات"، ما هي إلا مثال واحد من بين أمثلة وحالات كثيرة ذكرتها وشدَّدتُ عليها في مقالات سابقة، فشركة فولكس واجن ارتكبت في حق البيئة والبشرية ذنباً لا يُغتفر، واقترفت إثماً عظيماً لا يمكن السكوت عنه وتجاهله، وخانت الأمانة والمسؤولية، وقامت مع سبق الإصرار والترصد منذ سنوات بغش الإنسانية والتضليل المتعمد للمعلومات والكذب الفاضح على الناس، حيث باعت ومنذ عام 2009 أكثر من 11 مليون سيارة مغشوشة على كل دول العالم دون أن يكون لها أدنى إحساس بالذنب، أو أي شعور بالإثم تجاه حُرمات البيئة التي قامت عمداً بتلويثها والإضرار بمكوناتها، أو صحة الإنسان التي قامت عمداً بتدميرها وإلحاق الأمراض المزمنة بها.

لقد ركَّبَتْ هذه الشركة الآثمة على هذه الملايين من السيارات برنامجاً في الحاسب الآلي للسيارة(software) وأُطلق عليه(defeat device)، وحَوَّرت هذا البرنامج وتلاعبت فيه ليكذب على المستهلك، ويُقدم معلومات كاذبة ومزورة عن نسبة الملوثات التي تنبعث من عوادم السيارات التي تعمل بالديزل، بحيث كيَّفت هذا البرنامج ليُقدم أرقاماً وقراءات خاطئة تفيد بأن التلوث الناجم عن هذه السيارات منخفض جداً ويتوافق مع معايير الانبعاث التي وضعتها دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ونجحت بهذا الغش التجاري البيئي لعدة سنوات وتمكنت من اكتساح سوق السيارات وإقناع الدول على شراء هذه السيارات الخضراء "الصديقة للبيئة" التي يلهث العالم لشرائها حفاظاً على صحة البيئة وصيانة لأرواح الناس!

وحققت بذلك أرباحاً خيالية لفترة وجيزة من الزمن، ولكن علَّمتنا حوادث التاريخ بأنه مهما طال الزمن وبَعُد، فإن الكذب سينكشف، والخديعة ستظهر، والغش يزول، وستكون النتيجة النهائية الوبال والخزي والعار على كل من قام بهذه الجرائم، وستكون تداعياتها وانعكاساتها أكبر وأشد من الأرباح الآنية التي حصلوا عليها، ودعوني أُلخص لكم حتى كتابة هذه السطور البعض من هذه التداعيات المباشرة لأثبت لكم أن الكذب والغش والخداع وبال عظيم ونقمة مستدامة على صاحبه.

أولاً: التداعيات الاقتصادية وتمثلت فوراً وبشكل مباشر في هبوط سعر السهم بنسبة 23%، وانخفاض القيمة السوقية للشركة، كما انعكست هذه الفضيحة على باقي السيارات الألمانية، فانخفضت أسعار أسهمها. كذلك فإن هناك غرامات مالية عظيمة تنتظرها في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وتُقدر بنحو 18 بليون دولار، إضافة إلى الغرامات التي ستفرض على الشركة في دول أخرى في الأيام القادمة.
ثانياً: الانعكاسات القانونية ومنها دعوة أوباما والكونجرس إلى التحقيق في الفضيحة، إضافة إلى قيام وزارة العدل الأمريكية بفتح قضية "جنائية" ضد الشركة، وستتبعها في دول أخرى قضايا مماثلة سترفع ضد الشركة، بل وإن بعض الدول استدعت المسئولين عن الشركة للتحقيق معهم، وأتمنى من البحرين أن تتخذ إجراءات مماثلة لهذه الدول.
ثالثاً: التداعيات الاجتماعية وتتمثل في تشويه سمعة الشركة وفقدان مصداقيتها وتحطم علامتها التجارية، وهذه أيضاً تعدت إلى شركات السيارات الألمانية الأخرى فأصبحت الآن جميعها في قفص الاتهام.
رابعاً: توقف بيع السيارات في دول العالم واسترجاع السيارات التي تم بيعها من أجل تصليحها وإعادة تأهيلها. 

والأيام القادمة ستكشف لنا المزيد من هذه التداعيات التي ستقصم ظهرها، فابقوا معي وتابعوني لأخبركم بالخبر اليقين.
  

الخميس، 24 سبتمبر 2015

ولاية أمريكية ترفع دعوى ضد حكومتها الاتحادية!



هل سَمِعتم عن وزارة، أو أية جهة حكومية تشتكي على الحكومة نفسها، أو ترفع دعوى قضائية ضدها في المحاكم؟
فهل مثل هذه الممارسات مقبولة ومعمول بها في الدولة الواحدة؟

أما في دول العالم النامي أو "الثالث" فهذه التصرفات غير مقبولة وغير واقعية، وإن وجدت فإنها غير مُفَعلة وغير مجدية، فالجهاز الحكومي أو الهيئة الحكومية لا ترفع شكوى على الحكومة نفسها، بل ونجد أن الأجهزة الرقابية الحكومية وغير الحكومية عادةً ما لا تحاسب الوزارات والهيئات والمجالس الحكومية الأخرى، فليس بقدرتها عملياً وواقعياً رَفْع مخالفات وتجاوزات هذه الجهات إلى القضاء للمحاسبة والعقاب.

ولكن في الدول الصناعية المتطورة نرى أمثلة واقعية ونشاهدها أمامنا، ونقرأ عنها في وسائل الإعلام المختلفة، وكلها تؤكد أن آلية رفع الشكوى، والمراقبة، والمحاسبة موجودة قانوناً ومُفعلة في الحياة اليومية بين الأجهزة الحكومية نفسها. 

وسأضرب لكم مثالاً واحداً فقط لقضية بيئية مزمنة يعاني منها سكان ولاية واشنطن الأمريكية لأكثر من سبعين عاماً، وبالتحديد سكان مدينة هانفورد والمدن الأخرى الواقعة بالقرب منها، مما اضطر حكومة هذه الولاية بعد الصبر والمصابرة لهذه السنوات العِجاف إلى رفع دعوى قضائية، وتوجيه التُهم ضد حكومتهم الأمريكية الاتحادية، وبالتحديد وزارة الطاقة المعنية مباشرة عن معاناة المواطنين في هذه الولاية طوال العقود الطويلة الماضية.

وتَرجع قصة هذه الدعوى إلى مطلع الأربعينيات من القرن المنصرم، وبالتحديد عام 1943، عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية صناعة قنبلة دمارٍ شامل فريدة من نوعها لم يشهدها العالم من قبل، فتاكة ومدمرة للحرث والنسل والأخضر واليابس لكي تكسب بها الحرب، فبدأت ببرنامجٍ سري أُطلق عليه "مشروع منهاتن" في موقع في غاية السرية بعيدٍ جداً عن المدن الحضرية والمناطق المأهولة للسكان، وسُمي بموقع هانفورد النووي(Hanford Nuclear Reservation) الواقع على نهر كولومبيا، ومساحته 1517 كيلومتراً مربعاً، أي نحو ضعف مساحة البحرين، حيث هدف المشروع إلى إنتاج البلوتونيوم لصناعة أول قنبلة ذرية أُلقيت بعد ذلك على هيروشيما وناجازاكي في اليابان، فكانت نهاية الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من ذلك فإن المشروع لم يتوقف واستمر حتى عام 1987 مع استمرار الحرب الباردة. وفي هذه الأثناء، ومع انشغال أمريكا بصناعة جميع أشكال وأنواع الأسلحة والقنابل والصواريخ النووية لتدمير البشر والحجر والتركيز على التفوق العسكري، أَهملت تماماً مكونات البيئة الطبيعية، وتجاهلت كلياً عناصر البيئة من أنهار سطحية وجوفية، وهواء، وتربة، فسياسة أمريكا ونظرتها في تلك المرحلة التاريخية كانت "أمنية" بحتة، واتجهت كلياً نحو صناعة الأسلحة مهما كلف الثمن وعلى حساب كل شيء، فصحة الإنسان والبيئة وحماية الثروات والموارد كانت في تلك الحقبة قضايا هامشية وجانبية لا تجذب اهتمام رجال السياسة وقادة الجيش، ولذلك نجد أن برامج صناعة الأسلحة وَلَّدتْ مع الوقت أحجاماً ضخمة من المخلفات المشعة شديدة الخطورة على البشر والبيئة، فتفاجأت أمريكا بعد عقود أنها تقف مكتوفة الأيدي وحائرة أمام ملايين الأطنان من "مخلفات الدمار الشامل" المتراكمة في عقر دارها، والتي تمثلت في قرابة 25 مليون قدم مكعب من المخلفات المشعة الصلبة، ونحو 56 مليون جالون من المخلفات الخطرة المشعة شبه الصلبة والسائلة والتي تم وضعها في 177 خزاناً تحت الأرض، إضافة إلى 520 كيلومتراً مربعاً من المياه الجوفية المشعة تحت سطح الموقع نتيجة لتسرب المواد المشعة من الصهاريج والخزانات وانتقالها إلى الأنهار الجوفية. وعلاوة على هذه المخلفات، فقد تسربت مواد مشعة إلى الهواء الجوي مع الوقت وأدت إلى إصابة العمال والسكان في الموقع بأمراض مزمنة وخطيرة منها السرطان وغيرها.

وبالرغم من معرفة الحكومة الأمريكية الاتحادية بهذا الوضع البيئي والصحي المأساوي، إلا أن وزارة الطاقة المسئولة عن إدارة المخلفات في الموقع لم تحرك ساكناً على مدى أكثر من سبعين عاماً، ولم تُقدم حلولاً جذرية للتخلص من هذه الأطنان من "قنابل الدمار الشامل" الموجودة تحت الأرض وفوقها والتي تهدد حياة الناس للخطر والموت المحتوم، مما أدى إلى نفود صبر المعنيين في ولاية واشنطن وفقدان ثقتهم بوعود وزارة الطاقة المتكررة منذ عقود، فتوجهوا إلى القضاء لحل قضيتهم الأزلية.

واستخدام هذه الآلية المتمثلة في قُدرة جهة حكومية على محاسبة ورفع دعوى قضائية ضد جهة أخرى تُعد من محاسن النظام الأمريكي، وآمل الاقتداء بها في مثل هذه الممارسات الصِحِيَّة والبناءة للوطن والمواطن.         

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

مُمثل أمريكي مشهور يسرق الماء!



هل يحتاج ممثلٌ قديم ومشهور يعرفه الجميع في هوليود ويمتلك الملايين من الدولارات لارتكاب جريمة بسيطة وتافهة بالنسبة له وتتمثل في سرقة الماء؟

فهذا الممثل وهو توم سيلك(Tom Selleck) ذلك الاسم اللامع والكبير في عالم السينما والتلفزيون المتهم بسرقة الماء وهو وزوجته، قَدَّم الكثير من الأفلام السينمائية إضافة إلى المسلسلات التلفزيونية التي استمرت سنوات طويلة من الزمن وشاهدتها أجيال من الأمريكيين وغير الأمريكيين، ، ويواجه الآن هذه التهمة المحرجة والغريبة في الوقت نفسه من قبل قطاع شؤون الماء في مقاطعة فينشوري(Ventura County) بولاية كاليفورنيا، ورُفعت ضده وزوجته قضية في محاكم هذه المدينة وتناولتها كافة وسائل الإعلام في الكثير من دول العالم. 

وفي الواقع عندما تَعَمقتُ أكثر في ملابسات وتفاصيل "قضية سرقة الماء" تأكدت بأن هذه السرقة لم يكن هدفها توفير المال، فمثل هذه الشخصية الثرية والمعروفة ليست بحاجة إلى المال أو توفير دولارات بسيطة معدودة لا تساوي شيئاً بالنسبة لثروته العظيمة، ولكن الأزمة الخانقة المتمثلة في شح الماء وعدم توافره في المدينة بشكلٍ خاص وفي ولاية كاليفورنيا بشكلٍ عام هي التي اضطرته إلى السرقة بأساليب ملتوية، وأَخوف ما أخاف منه هو أن يأتي علينا جميعاً زمان، وقد يكون هذا الزمان قريباً جداً، أن يكون لدَينا فيه المال الوفير والكثير، ولكن بالرغم من ذلك لا نتمكن من الحصول على الماء السليم والصحي، كما حصل بالفعل لعائلة هذا الممثل ولولاية كاليفورنيا.

فالقحط المائي المزمن الذي ضرب عدة مدن في ولاية كاليفورنيا منذ أكثر أربع سنوات غَيَّر بشكلٍ جذري مشهود أنماط حياة الناس، وبدَّل أسلوب إدارتهم وتعاملهم مع الثروة المائية بشكلٍ يومي، فقد اتجه الناس نحو ترشيد استهلاك الماء وتقنين استخدامه، حيث أكدت دراسة نُشرت في 14 سبتمبر من العام الجاري في مجلة "طبيعة التغير المناخي" أن نزول الثلج الذي هو المصدر الرئيس للماء العذب لولاية كاليفورنيا في منطقة سيارا نيفادا(Sierra Nevada) كان الأقل منذ 500 عام!

ولذلك فإنما يحدث الآن في كاليفورنيا يدق ناقوس الخطر المائي ويُقدم مثالاً صارخاً وملموساً لم تواجهه من قبل دول العالم قاطبة بالنسبة للفقر المائي المزمن، فمنها ما يعاني من نقصٍ حادٍ في كميته وحجمه، ومنها ما يواجه تدهوراً مزمناً في نوعية المياه بالرغم من وفرتها وكثرتها ووجود الأنهار التي تجري من تحتهم والبحيرات التي تملأ مدنهم، فهذه المياه تكون عادةً غير صالحه للاستعمال بسبب تلوثها وفسادها بالمركبات الكيميائية الضارة والخطرة والمهددة لصحة الإنسان والحياة الفطرية.

فالثروة المائية العذبة مهددة بالانقراض في كل دول العالم والتقارير والدراسات العلمية التي تُنشر في هذا الصدد تؤكد هذه الحقيقة، حتى أن منظمات الأمم المتحدة المعنية، قد تقتدي بالتعاليم الإسلامية وتدعو دول العالم في يوم الماء العالمي إلى القيام بصلاة الاستسقاء!

فعلى سبيل المثال، نَشَر معهد الموارد الدولي(World Resources Institute) في 27  أغسطس من العام الجاري دراسة شاملة غطت كل دول العالم حول الحالة المائية التي تعاني منها الدول، حيث أكد على واقعية وجود أزمةٍ مائية وفقرٍ مائي شديد في دول الشرق الأوسط في المستقبل المنظور وبحلول عام 2040، وبالأخص دول مجلس التعاون التي صُنفَتْ بأنها الأشد تأثراً وتضرراً من هذا الوضع المائي الذي يهدد الأمن القومي لدولنا من جهة، ويشكل ضغطاً مشهوداً على استدامة الأنشطة التنموية من جهةٍ أخرى. وعلاوة على ذلك كله فإن النقص في الماء بين دول الخليج ودول الشرق الأوسط قد يولد حروباً على موارد ومصادر المياه العذبة.

وأتمنى استناداً إلى هذه الدراسات المخيفة والواقعية أن لا يأتي علينا يوم نضطر فيه إلى سرقة الماء كما حصل للممثل الأمريكي توم سيلك.