الاثنين، 7 أغسطس 2017

التلوث وأمراض القلب


لو سألتَ طبيباً مختصاً في أمراض القلب عن أسباب وقوع الإنسان في الأسقام والعلل المتعلقة بالقلب، فسيُقدم لك قائمة تقليدية معروفة منذ سنوات عند الأطباء بشكلٍ عام، وهذا القائمة هي التدخين بأنواعه المتعددة والمختلفة كسجائر التبغ، والشيشة، والسجائر الإلكترونية، وشرب الخمر، أم الخبائث، والإدمان في تناول مشروبات الكافيين بأنواعها المتعددة، والتعرض بشكلٍ مستمر للإرهاق والتوتر والشد العصبي والنفسي، وعدم التقيد بالنظام الغذائي المتوازن والمعتدل وتناول الملح الزائد، إضافة إلى السُمنة المفرطة وقلة النشاط العضلي أو التمارين الرياضية.

 

فهذه السلة من الأسباب التي تجعل الإنسان يسقط في شباك أمراض القلب تحتاج إلى تحديثٍ وتطوير وإضافة مصادر وأسباب جديدة ظهرت في العقود الماضية وفي البداية باستحياء وعدم وضوح في الرؤية، ثم تحولت مع الوقت إلى واقعٍ مشهود تؤيده الأبحاث والدراسات المتواترة التي نشرت في السنوات القليلة الماضية، ومازالت تُنشر حتى يومنا هذا، وفي كل دراسة وبحث نكتشف بعداً خطيراً لهذه الأسباب والمصادر وتهديدها لأغلى ما يملكه الإنسان وهو القلب، والذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.

 

وهذا العامل الجديد الذي يُكشر عن أنيابه كل يوم، فيُسقط الناس جرحى بسبب التعرض له، أو صرعى ينقلون إلى مثواهم الأخير هو التلوث بأشكاله وأنواعه التي لا تعد ولا تحصى، فمنها عشرات الآلاف من الملوثات الكيميائية والجسيمات الدقيقة التي تدخل في بيئتنا كل ثانية ومن مصادر كثيرة متعددة، ومنها التلوث الفيزيائي والطبيعي من الأصوات المزعجة والضوضاء العالية.

 

وقد تجاهل الأطباء هذا العامل لسنواتٍ طويلة لعدم اقتناعهم بدوره الفاعل في الإصابة بالأمراض عامة، وأمراض القلب خاصة، فغضوا الطرف عنه ولم يدخلوه ضمن قائمة الأسباب التي تؤثر على وظيفة القلب وأدائه، ولكن مع استمرار التلوث في بيئتنا، وتعاظم أعداد وتركيز الملوثات، وتزايد مصادر هذا التلوث، إضافة إلى الأعداد الكبيرة من الأبحاث والدراسات الميدانية التي تسبر غور هذا العامل عن كثب، اضطر الأطباء إلى الاهتمام بهذا العامل الجديد ووضعه نُصب أعينهم وإضافته إلى قائمتهم الذهبية لأمراض القلب.

 

ومن المفيد هناك تقديم بعض الأمثلة لآخر الدراسات والأبحاث التي تؤكد العلاقة الحميمية والقوية التي تربط بين أمراض القلب والتعرض للتلوث، ولو كان هذا التلوث نسبٍ منخفضة، حتى أن العلماء يطلقون على التلوث "القاتل الصامت". فهناك دراسة منشورة في 17 يوليو من العام الجاري في مجلة جمعية الأطباء الأمريكيين(الطب الباطني) حول علاقة تلوث الهواء بأحد الملوثات الذي يتعرض له كل إنسان ولا يستطيع تجنب التعرض له مهما فعل، وهو غاز الأوزون السام وصحة القلب بين شباب الصين، حيث استنتجت الدراسة إلى أن استنشاق هذا الغاز الموجود في الهواء الجوي في كل مدن العالم بدون استثناء يسبب أمراضاً مرتبطة بأداء القلب والأوعية الدموية القلبية كالذبحة القلبية وارتفاع ضغط الدم. ودراسة ثانية نُشرت في مجلة متخصصة في أمراض القلب(Arteriosclerosis, Thrombosis, and Vascular Biology) في 13 أبريل من العام الجاري وشملت 6500 مواطن أمريكي يتعرضون لدخان السيارات، حيث أشارت إلى أن استنشاق الجسيمات الدقيقة يخفض من تركيز الكولسترول الحميد الذي يحمي القلب ويرفع من ضغط الدم، ويؤدي مع الوقت إلى تصلب الشرايين والإصابة بأمراض القلب الوعائية والذبحة الصدرية. 

 

وعلاوة على التلوث الكيميائي، هناك التلوث الضوضائي والأصوات المرتفعة والمزعجة التي تنبعث من السيارات وغيرها ولها تأثيرات ضارة على أداء القلب ووظيفته، حيث نُشرت دراسة في 25 يونيو 2017 في مجلة (journal Information Fusion) وأفادت على أن التعرض للضوضاء يؤثر على دقات القلب وضغط الدم، مما يؤدي مع الوقت إلى مردودات سلبية على سلامة القلب.

 

ولذلك وبعد كل هذه الحقائق الدامغة لا بد من أطباء القلب خاصة والأطباء عامة النظر بجدية إلى قضية التلوث وعدم تجاهل فاعليته في الإضرار بالقلب ووضعه ضمن قائمة أسباب التعرض لأمراض القلب. 

الأبقار مصدر للكهرباء في السعودية


مُخَلفاتُنا التي تنتج عن وجودنا وأنشطتنا ونراها أمامنا يومياً وتشكل لنا عبئاً ثقيلاً في التعامل معها والتخلص منها، تُعد في الكثير من الدول ثروة قومية حيوية، ومورداً وطنياً للطاقة والمنتجات اليومية التي نستعملها، فتَرْفع هذه المخلفات من معدل النمو الاقتصادي، وتحسن من معيشة الأفراد ومستوى الدخل، وتخلق وظائف جديدة تخفض من مستوى البطالة في هذه الدول، وعلاوة على ذلك كله فهي تزيل عن كاهل البيئة حِمْل التخلص منها وتلويث عناصرها ومكوناتها الطبيعية كالهواء والماء والتربة. 

 

ولذلك لا غرابة إذا سمعنا وقرأنا عن دولٍ غربية صناعية متطورة تقوم باستيراد المخلفات من دولٍ أخرى، وعلى رأسها القمامة المنزلية والمخلفات البلدية الصلبة الأخرى إلى دولها لتقوم عليها الصناعات الضرورية، وتُولِّد منها الطاقة الكهربائية التي هي في أَمسِّ الحاجة إليها، وتُعجل من عملية التنمية.

 

وأسعدني كثيراً الخبر الذي قرأته من المملكة العربية السعودية في هذا السياق، حيث أعلنت نَادِك(الشركة الوطنية للتطوير الزراعي) في 26 يوليو من العام الجاري عن عزمها بناء محطةٍ لتوليد الكهرباء تعمل باستخدام مخلفات الأبقار الصلبة وشبه الصلبة، أي أن المادة الخام التي تحرك هذا المصنع والوقود الذي يعتمد عليه في إنتاج الكهرباء هو مخلفات الأبقار المتجددة، أو ما يُطلق عليه الآن بالوقود الحيوي، أو البيوجاز(biogas)، أو الوقود العضوي(biomass).

 

فمخلفات الأبقار العضوية قابلة للتحلل بشكلٍ طبيعي، أي أن هناك بكتيريا موجودة معنا ولها القدرة على هضم هذه المخلفات والعيش عليها والنمو في هذه البيئة، فيمكن من خلال الاستفادة من أنواع البكتيريا اللاهوائية العمل على تحلل مخلفات الأبقار وتحويلها إلى غاز الميثان الذي يعتبر المكون الرئيس للغاز الطبيعي الذي نستخدمه حالياً في بلادنا لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع.

 

وهذا التوجه الجديد لهذه الشركة العملاقة التي لديها أكثر من 80 ألف بقرة، يصب مباشرة في توجهات دول العالم عامة والقوانين التي وافقت عليها الأمم المتحدة، ويخدم في الوقت نفسه استراتيجية المملكة العربية السعودية خاصة. فتنويع مصادر الطاقة من أهم أسس هذه الاستراتيجية، من حيث الخفض التدريجي في الاعتماد على مصادر الطاقة اللأحفورية غير المتجددة والملوثة للبيئة، من بترول وغيره، والتحول إلى مصادر الطاقة وتوليد الكهرباء المتجددة والنظيفة والمنخفضة الانبعاث للملوثات الضارة بالإنسان وبيئته والمستنفدة للثروات والموارد الطبيعية، كطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وطاقة المخلفات العضوية.

 

كما إن هذا التوجه الجديد يخدم أهداف تحقيق التنمية المستدامة التي وافقت على تطبيقها وتنفيذها كل دول العالم بدون استثناء في قمة الأرض التي عقدت عام 1992 في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، والتي تعتمد على تحقيق التنمية في المجالات الثلاثة، وهي التنمية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع التنمية الاجتماعية والبيئية.

                                                                                                                                                                                                                                          

 

السبت، 5 أغسطس 2017

إعلان حالة الطوارئ حول المخدرات في أمريكا


هيئةٌ رئاسية عُليا في البيت الأبيض تحثُ الرئيس الأمريكي ترمب نفسه وتدعوه فوراً إلى السرعة في إعلان "حالة الطوارئ على المستوى القومي" حول إدمان الشعب الأمريكي على المخدرات، وبالتحديد الأفيون.

 

وجاءت هذه الدعوة عبر التقرير الأوْلي المنشور في 31 يوليو من العام الجاري من الهيئة الرئاسية لمكافحة الإدمان على المخدرات وأزمة الأفيون والتي شكلها الرئيس ترمب في مارس من العام الجاري بأمرٍ تنفيذي، حيث ورد في مقدمة التقرير بأن التوصية الأولى والأكثر أولوية التي تمخضت عن التقرير هي ضرورة "إعلان الرئيس لحالة الطوارئ في البلاد تحت قانون الصحة العامة"، كما أكد التقرير على خطورة هذه الآفة وتهديدها المباشر للصحة العامة، عندما قال: "مُواطِنونا يموتون ويجب أن نتخذ خطوات فاعلة لإيقافه".

 

وهذه التوصية العاجلة التي لا تتحمل أي تأجيل أو تأخير في التنفيذ تنطلق من إدمان الشعب الأمريكي على المخدرات عامة والأفيون خاصة، وتستند إلى الإحصائيات الرسمية المرعبة والمنشورة حول هذا الوباء غير المسبوق في التاريخ الأمريكي، والذي يجري في المجتمع الأمريكي كجريان الدم في جسم الإنسان، ومنها أن 142 أمريكياً يقضون نحبهم يومياً وينقلون إلى مثواهم الأخير بسبب المخدرات، حيث نَصَّتْ مقدمة التقرير على جملة مخيفة جداً ومرعبة للمجتمع الأمريكي هي أن "أمريكا تُعاني من الموت من المخدرات يساوي معاناتها من حادثة الحادي عشر من سبتمبر كل ثلاثة أسابيع".

 

ومن الإحصاءات أيضاً ما صَدرَ عن مركز التحكم ومنع الأمراض في عام 2015 بأن أعداد الضحايا الذين يسقطون بسبب الهيروين يَفُوق الموتى من جرائم القتل بالسلاح، فقد مات أكثر من 33 ألف أمريكي نتيجة لتعاطيهم جرعات زائدة من الأفيون، إضافة إلى سقوط أكثر من 20 ألف صرعى من تعاطي أنواع أخرى من المخدرات، وهذه الأرقام الكارثية في ازديادٍ مطرد وتشمل الصغير والكبير في كل ولايات أمريكا.

 

ويهدف الإعلان المرتقب للرئيس لحالة الطوارئ الصحية العامة إلى تحقيق عدة أمور منها الضغط على الكونجرس لتخصيص ميزانية كبيرة تتناسب مع حجم هذه القضية العصيبة والفتاكة بالمجتمع الأمريكي، بحيث تكون فاعلة ومؤثرة في الجهود الرامية إلى مكافحة الإدمان على المستوى القومي، إضافة إلى إيقاظ كل أمريكي من سُباته العميق، وتحذيره وتنبيهه إلى حقيقةٍ بسيطة جداً هي أن هذا "الوباء إذا لم يُصبك أنت، أو أحد أفراد عائلتك حتى الآن، فإنه سينزل عليك عاجلاً حتماً وتُصاب به، إذا لم تتخذ الحكومة الإجراءات الصارمة لمكافحته"، كما أن إعلان حالة الطوارئ على المستوى القومي يسمح للحكومة باتخاذ خطوات عملية فورية لمواجهة هذه الآفة التي تفتك بالمجتمع الأمريكي برمته.

 

واخْتَتم هذا التقرير الأولي بنداءٍ عاطفي، يُلهب الإحساس، ويوقظ الضمير، ويحيي المشاعر، وتم توجيه هذا الالتماس مباشرة إلى الرئيس الأمريكي حيث جاء فيه:" سيدي الرئيس، بلادنا بحاجةٍ إليك...نحن نعلم باهتمامك الكبير بهذه القضية، كما إننا نعلم بأنك ستستخدم سلطاتك وصلاحياتك للتعامل مع مشكلة أُمتِنا".

 

ونظراً لهول القضية وتغلغلها في شرايين المجتمع الأمريكي وتدميرها لشباب أمتهم، فقد جاء رد البيت الأبيض سريعاً وايجابياً، حيث صرح مسئول في البيت الأبيض قائلاً: "أزمة الأفيون كارثة تضر منذ زمن بالمجتمعات الأمريكية، ونحن نقدر الجهد الكبير الذي قامت به الهيئة لإصدار هذا التقرير الأولي الهام، وسنقوم فوراً بمراجعة التوصيات التي وردت فيه، ونتطلع إلى صدور التقرير النهائي". 

 

وهذا التقرير الأخير يؤكد ما كَتَبتُه في مقالات سابقة حول واقعية إدمان الشعب الأمريكي على المخدرات بصفةٍ عامة والأفيون بصفةٍ خاصة، وانتشار هذه الظاهرة بدرجةٍ واسعة بحيث تحولت إلى آفة تنخر في جسد المجتمع الأمريكي ووباء عام يفسد الصحة العامة للناس وخطر كبير يهدد الأمن الاجتماعي الأمريكي.

الأحد، 30 يوليو 2017

الدول المتقدمة وتوفير مياه الشرب


قبل أن تَفْرُض البيئة وهمومها نفسها على الساحة الدولية كورقة قوية وفاعلة لا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها أو الاستهانة بها، كان العامل الاقتصادي هو سيد الموقف أولاً وأخيراً، وهو المحدد والموجه لأي قرارٍ دولي أو إقليمي أو على المستوى القومي، وكان البعد الاقتصادي وحده هو المسيطر كلياً على مجريات الأمور في الدول، وهو الذي يؤخذ في الاعتبار دون الرجوع إلى أية جوانب أخرى، كما كان العامل الاقتصادي البحت ونمو الدولة اقتصادياً هو الذي يَضع أية دولة ضمن قائمة الدول المتقدمة وفي مصاف الدول العظمى المتطورة.

 

فمنظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي اعتمدت كلياً على المؤشرات الاقتصادية لتُقدم تعريفها للدول المتطورة والمتقدمة، فالبنك الدولي على سبيل المثال يعتمد في تصنيفه للدول المتقدمة والمتطورة على أساس الدخل القومي الإجمالي للفرد ويعتبر هذا المعيار هو الذي يفرق ويميز بين الدولة المتقدمة والدولة النامية والفقيرة، وصندوق النقد الدولي يعتمد على نصيب الفرد من الدخل القومي، إضافة إلى درجة التنوع في الصادرات ومستوى الاندماج في النظام المالي الدولي.

 

ولذلك اعتماداً على هذا التعريف، إذا أرَادتْ أية دولة أن تدخل في قائمة "النخبة"، وهي قائمة الدول الراقية والمتطورة، فكل ما عليها القيام به هو النمو الاقتصادي السريع والتركيز على مؤشرات النمو الاقتصادية البحتة، كرفع الناتج المحلي الإجمالي وإجمالي الناتج القومي ورفع المستوى المعيشي المادي للأفراد.

 

فبناءً على هذه الأسس لتصنيف تقدم الدول، لا حرج في أن تكون الدولة متأخرة في جوانب أخرى، وفي تقديري هي أهم من الجانب الاقتصادي المادي البحت، وهو الجانب المتعلق بحماية الموارد البيئية وصيانة ثرواتها الطبيعية من ماءٍ وهواءٍ وتربة، وحمايتها جميعها من التدهور النوعي والكمي، أي في نهاية المطاف حماية صحة الإنسان.

 

فالدولة ستظل متطورة ومتقدمة حسب تعريف المجتمع الدولي للتقدم، حتى ولو فشلت في توفير ماء الشرب العذب الزلال الصافي لكل مواطن وفي جميع مدن وقرى هذه الدولة، فلا حرج في أي يشرب المواطن ماءً ملحاً أجاج،أو ماءً آسِن يُضعف جسده، ويصيبه بالأمراض والأسقام بدلاً من أن يكون هذا الماء عوناً له على تقوية بدنه وصحة أعضاء جسمه.

 

واستناداً إلى هذا التعريف ستستمر الدولة متطورة ومتقدمة حتى ولو سقطت في امتحان توفير الهواء النظيف النقي للمواطن، فلا عيب ولا ينتقص من قوة الدولة وتصنيفها إذا استنشق المواطن في كل ثانية هواءً مشبعاً بشتى أنواع السموم والمواد المسرطنة، فيتحول الهواء عندئذٍ من عامل بناءٍ وقوة للبدن إلى عامل فسادٍ وضعف وأسقامٍ وعلل. 

 

واعتماداً على هذا التعريف لا حرج على هذه الدول المتقدمة أن تهمل صحة ثرواتها المائية الطبيعية، من بحارٍ وأنهارٍ وبحيراتٍ ومياه جوفية، فلا عَيبَ في أن تسمح للملوثات من أن تسرح وتمرح في جسدها فتؤذي الناس وتؤدي إلى هلاك صحتهم.

 

ودعوني أضرب لكم مثالاً واحداً فقط من بين أمثلة كثيرة لا يمكن حصرها هنا، ومن أعظم دولة متقدمة على وجه الأرض، وبالنسبة لقضيةٍ بيئية واحدة فقط وهي مدى نجاح هذه الدولة المتطورة في توفير مياه الشرب النظيفة والصحية للمواطنين في جميع أنحاء الولايات. فقد نشرت مجلة التايم تحقيقاً في التاسع من يونيو من العام الجاري تحت عنوان: "تقرير يفيد بأن مياه الشرب لـ 15 مليون أمريكي ملوثة بمادة كيميائية سامة"، حيث أشارت المجلة إلى أن نحو 15 مليون أمريكي في 27 ولاية يشربون مياهاً غير آمنة وملوثة بمادة كيميائية عضوية متعددة الفلور تُستخدم في المئات من الأدوات المنزلية ولها انعكاسات صحية على الإنسان.كما نشر مجلس دفاع الموارد الطبيعية(Natural Resources Defense Council تقريراً في 28 يونيو 2016 أكد فيه بأن أكثر من 18 مليون مواطن أمريكي يشربون مياهاً لا تتوافق مع المواصفات الخاصة بمياه الشرب، وتتجاوز الحدود الآمنة لمستويات الرصاص والنحاس. وعلاوة على هذا، فقد نَشرت صحيفة "أمريكا اليوم"، أو "يو إس إيه توداي" في 16 مارس 2016 تحقيقاً شاملاً وموسعاً غطى فترة زمنية من عام 2012 حتى 2015 حول انتشار ظاهرة ارتفاع تركيز الرصاص في مياه الشرب على مستوى مدن أمريكا، حيث كشف التحقيق أن هناك نحو 75 مليون وحدة سكنية في أمريكا تم بناؤها قبل عام 1980 ومعظم هذه الوحدات تحتوي على أنابيب قديمة مصنوعة من الرصاص، وهذا يعني تعرض المواطن الأمريكي لمياه مشبعة بالرصاص بدرجاتٍ متفاوتة، وهذا بدوره ينعكس على دم الإنسان الأمريكي وغذائه ويتراكم الرصاص في نهاية المطاف في الدم أو في العظام، ويسبب أزمات صحية مزمنة، وبخاصة بالنسبة للأطفال. وجدير بالذكر أن هذا الرصاص الموجود في مياه الشرب ينعكس على غذاء الإنسان، حيث نشر صندوق الدفاع البيئي تقريراً في 15 يونيو من العام الجاري أكد فيه أن 20% من عينات غذاء الأطفال كانت مسمومة بالرصاص.

 

والآن هل يمكن أن أُصنِّف دولة ما بأنها متقدمة ومتطورة وراقية إذا لم تنجح في تقديم أبسط الخدمات للناس وهي مياه الشرب الصحية والآمنة الخالية من الأسقام؟ وماذا يفيد هذا التقدم للناس إذا أُصيبوا بأمراض مستعصية لا يمكن علاجها مهما كان هؤلاء الناس أغنياء ولديهم ثروات طائلة؟

المثوى الأخير للبلاستيك الذي تَتَخلصُ منه


هل فكرتَ يوماً ما في مصير المخلفات البلاستيكية التي ترميها في البر أو البحر، وهل جاءك الفضول لتعرف أين تذهب مخلفاتك البلاستيكية وكيف تنتقل بعد أن تخلصت منها، وأين سيكون مثواها الأخير؟

 

الإجابة عن هذا السؤال ستجعلك مندهشاً حائراً ومستغرباً من وصول مخلفاتك إلى مناطق لا تخطر على بالك أبداً، وتقع خارج نطاق تفكيرك.

 

فهناك مجموعة كبيرة من الدراسات التي تَابعتْ وراقبت عن كثب حركة وتنقلات المخلفات البلاستيكية بعد أن نرميها في البحر، منها على سبيل المثال دراسة تابعت وراقبت عن قرب تحرك وانتقال زجاجة بلاستيكية رُميت في سواحل شنجهاي في الصين، حيث حملتها يوماً بعد يوم تيارات المحيط الهادئ الشمالي لآلاف الكيلومترات حتى حَطتْ رِحالها أخيراً بالقرب من السواحل الشرقية الأمريكية، ودراسة أخرى مشت خطوة بخطوة مع زجاجة ألقيت على سواحل مدينة كورنوال البريطانية إلى أن وصلت إلى محطتها النهائية في مقبرةٍ جماعية في غرب المحيط الأطلسي الشمالي، ودراسة ثالثة أكدت بأن المخلفات البلاستيكية التي تلقى في مدينة مومباي الهندية ستكون مثواها الأخير في مقبرة المحيط الهندي.

 

فهناك الآن في محيطات العالم وبحارها ست مقابر جماعية تتجمع وتتراكم فيها المخلفات منذ أن دخل البلاستيك إلى أسواقنا، من أشهرها وأكبرها المقبرة الجماعية الهائلة الموجودة في قلب المحيط الهادئ، ويُطلق عليها بقعة المخلفات العظيمة(Great Pacific Garbage Patch)، وهذه المخلفات ومنذ عقودٍ طويلة من الزمن تسرح وتمرح في هذه المقابر وتحوم حول نفسها وتدور في سجنٍ كبير مغلق الأبواب ولا يمكن الخروج منه، ودائرة هذا السجن تتسع ساعة بعد ساعة إلى درجة أن التقارير المنشورة من الأمم المتحدة تفيد بأن كمية البلاستيك في المحيطات والبحار ستكون في المستقبل القريب المنظور أعلى من كمية الأسماك!

 

وفي المقابل هناك المقبرة الجماعية التي بدأت تتكون مؤخراً في القطبين الشمالي والجنوبي، حيث أكدت دراسة نُشرت في 19 يونيو من العام الجاري في مجلة علوم البيئة الكلية(Science of the Total Environment) على انكشاف ظاهرةٍ خطيرة جداً تتمثل في أن كمية المخلفات البلاستيكية الصغيرة الحجم(الميكروبلاستيك) الموجودة في هذه المناطق النائية والمنعزلة والبعيدة عن أعين وأيدي البشر أعلى بخمسة أضعاف من مناطق الأنشطة البشرية، مما يؤكد لنا جميعاً أن المخلفات التي نرميها ولا نُلقي لها بالاً تصل إلى أكثر البيئات بُعداً عن توقعاتنا، فلا تؤثر علينا نحن فحسب وإنما ستؤثر على أحفادنا والأجيال المتلاحقة من بعدنا، ونكون قد ورثْناهم مخلفات هُم في غِنى عنها. 

                                                                                                              

 

الثلاثاء، 25 يوليو 2017

الشعب الأمريكي مُخدَّر


لفتت انتباهي واستغرابي صورة نُشرت في معظم الصحف الأمريكية، وهذه الصورة تُشاهد فيها منظراً عجيباً غريباً ليس علي شخصياً فحسب وإنما ربما على المجتمع الغربي عامة، فتُشاهد الطابور الطويل من الشعب الأمريكي الواقف بلهفةٍ شديدة لساعاتٍ طويلة أمام أحد المحلات، وهذا المحل ليس لشراء الحاجيات الحياتية الأساسية التي لا يعيش بدونها الإنسان ولا يستغني عنها يوماً واحداً كرغيف الخبز أو الحليب، وإنما أَرهق هذا الإنسان نفسه واقفاً ومنتظراً وصابراً من أجل حاجةٍ أخرى أدمن عليها واعتمد عليها كلياً، فلا تستقيم حياته اليومية بدون اقتنائها وتناولها.

 

فما أن أُعلنَ عن بيع الحشيش أو الماريوانا رسمياً في ولاية نيفادا لأغراض الترويح عن النفس والتسلية في الأول من يوليو من العام الجاري حتى هَبَّ الناس سراعاً على شكل سيولٍ بشرية، وهجموا في ساعات الصباح الباكر للاصطفاف في طوابير عريضة وطويلة امتدت لمسافات أمام مراكز ومحلات بيع الحشيش، واستمر الحال على هذا الحال البائس لعدة أيام فقط حتى أن رفوف الحشيش أصبحت فارغة في هذه المحلات وبسرعةٍ شديدة، ونفد الحشيش كلياً من جميع مراكز ومحلات البيع.       

 

ولمواجهة احتياجات الناس من "الحشيش"، ونظراً لشدة الطلب المتزايد على هذا المخدر، اضطرت ولاية نيفادا وبعد أسبوعين فقط من السماح ببيع الماريوانا لأغراض الترويح عن النفس والتسلية، وبالتحديد في 13 يوليو ممثلة في "هيئة ضرائب نيفادا" إلى الموافقة على "إجراء طارئ" لسد هذا النقص والعجز في مخزون الحشيش وتسهيل انتقاله إلى محلات البيع.

 

وربما يقول البعض بأن هذا المنظر يمثل حالة واحدة فريدة قد وقعت في هذه الولاية، وليس نمطاً ومشهداً سائداً في المجتمع الأمريكي وفي ولاياتها الخمسين.

 

وللإجابة عن هذا السؤال أُقدم لكم بعض الحقائق حول واقعية استخدام الحشيش في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث إن هناك حالياً وحتى كتابة هذه السطور 28 ولاية إضافة إلى العاصمة مقاطعة واشنطن تسمح باستعمال الحشيش لأغراض طبية ولعلاج المرضى، وهناك حتى الآن تسع ولايات قد سمحت باستخدام الحشيش للاستعمال الشخصي ولأغراض الترويح والتسلية، وأعداد الولايات في ازدياد مطرد كل سنة، وعلاوة على هذا فإن أعداد الأمريكيين الذين يوافقون على السماح لاستخدام الحشيش لأغراض طبية أو للترويح عن النفس في ازدياد مستمر كل سنة. وفي الإحصاء المنشور في العشرين من أبريل من العام الجاري في صحيفة الواشنطن تايمس، أكد 71% من الأمريكيين موافقتهم على السماح لاستخدام الحشيش بشكلٍ عام، و 83% منهم وافق على استخدامه لأغراض طبية في حين أن 49% وافق لأغراض شخصية وللترويح عن النفس. والآن في الولايات التي تسمح لاستخدام الحشيش لأغراض شخصية، تشاهد فيها أجهزة الصراف الآلي للحشيش منتشرة في الشوارع، كما ترى بشكلٍ ملحوظ محلات لبيع الحشيش دون أن تخرج من سياراتك، كما تشتري الهامبيرجر!

 

وفي المقابل هناك في الولايات المتحدة الأمريكية إدمان على نوعٍ آخر من المخدرات وصل إلى درجة "الوباء"، كالأفيون والهيروين، والعلماء والأطباء والمختصون يصرخون ويحذرون من استفحال هذا الوباء في المجتمع الأمريكي كانتشار النار في الهشيم. فقد جاء في مقالين في صحيفة النيويورك تايمس التحذير من هذا الوباء، حيث نُشر المقال الأول في السادس من يناير من العام الجاري تحت عنوان: "نظرة من الداخل لوباء المخدرات: مشهد من أزمة إدمان أمريكا على الأفيون"، والثاني في الثامن من يناير من العام الجاري وعنوانه: "مد الأفيون من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي"، كما نُشر أيضاً مقال في 22 يونيو من العام الجاري حول الأفيون القاتل الجماعي للشعوب، وفي هذه المقالات تم التأكيد على عدة حقائق منها أن هناك ارتفاعاً مشهوداً ومتزايداً كل سنة في عدد الموتى من الشعب الأمريكي بسبب تعاطي الأفيون أو الهيروين، وبخاصة الذين تقل أعمارهم عن الخمسين عاماً، ففي عام 2015،وباء الأفيون قضى على 33 ألف أمريكي، وارتفع عدد الموتى في عام 2016 إلى 59 ألف بسبب الجرعة الزائدة، علماً بأن إحصاءات المركز القومي حول استخدام المخدرات والصحة يفيد بأن هناك 1.35 مليون أمريكي من الفقراء ذوي الدخل المحدود يعانون من وباء الأفيون. وفي الأول من يوليو من العام الجاري نشرت صحيفة النيويورك تايمس خبراً حول تخصيص الحكومة لمبلغ وقدره 45 بليون لمحاربة الإدمان في المجتمع الأمريكي على المخدرات، وبخاصة الأفيون، ومعالجة ضحايا هذا الوباء، كما نشرت الصحيفة نفسها تحقيقاً في 13 يوليو من العام الجاري حول ظاهرة جديدة بدأت تتفشى وهي ولادة أطفال مدمنين على المخدرات، وبالتحديد الأفيون، وعنوانه:" مدٌ كبير من الأطفال المولودين حديثاً والمدمنين على المخدرات"، حيث أكد على أنه في الفترة من 2003 إلى 2012 ارتفع عدد الأطفال المولودين وهم يعانون من الإدمان خمسة أضعاف، ففي ولاية كنتكي، على سبيل المثال، 15 طفلاً من بين ألف طفل يعانون من هذه الحالة، وهناك الآن نحو 2.5  مليون طفل تحت العناية الخاصة لعلاج ظاهرة الإدمان منذ الولادة.

 

والآن وبعد هذه الإحصاءات الرسمية والحقائق الدامغة يشك أي إنسان بأن الشعب الأمريكي يعاني من وباء المخدرات بشكلٍ عام، وأنه شعب مخدر؟

الثلاثاء، 18 يوليو 2017

التحدي الحقيقي للحكومات


لا تدري ماذا تفعل الصين لتواجه التحدي العصيب الذي يقف أمام استدامة تنميتها، ولا تعلم كيف تتعامل مع هذه الأزمة الصحية البيئية العقيمة التي تعاني منها منذ أكثر من عقدٍ من الزمان وتقاسي من تداعياتها الكبيرة على المجتمع الصيني برمته، ففي حين أنها نجحت في الماضي في تحقيق المعجزة الاقتصادية المشهودة أمام الجميع وأبهرت العالم بهذا الإنجاز، فشلت حتى الآن في امتحان التحدي الجديد المتمثل في تحقيق الأمان الصحي البيئي لملايين المواطنين الذين يعيشون في المدن الحضرية الكبرى، مثل العاصمة بكين وشنغهاي وغيرهما، كما سقطت في إبداع الحلول الجذرية والمستدامة للقضاء كلياً عليها.

 

فالصين أيقنت اليوم وبعد هذه التجربة المريرة القاسية والخبرة الطويلة أن التحدي الحقيقي للدول لا يكمن في بلوغ النمو الاقتصادي الكبير والسريع فقط، وإنما في كيفية تحقيق هذا النمو الاقتصادي دون تدميرٍ أو إفسادٍ لجوانب أخرى حيوية وهامة جداً، كما يتمثل التحدي في كيفية إحداث التوازن الدقيق بين النمو الاقتصادي المنشود وبين النمو في الجوانب الأخرى في الوقت نفسه، وتجنب إلحاق الضرر والدمار بها، وبالتحديد الجانبين الاجتماعي والبيئي الصحي.

 

فالعمليات التنموية إذا ركزت فقط على الجانب الاقتصادي وأهملت الجوانب الأخرى فإنها ستنقلب حتماً ولو بعد حين إلى دمارٍ وفسادٍ كبيرين، وتصبح وبالاً ونقمة بدلاً من أن تكون ثراءً ونعمة، وتتحول من أداةٍ للخير والبناء إلى أداة للشر والخراب، ومن أداةٍ للرقي والتطور إلى عامل هدمٍ وتأخر.

 

فها هي الصين تجني الثمار الخبيثة للبذور الفاسدة التي زرعتها في الأرض ورعتها وروتها بمياهٍ آسنة أُجاج، فأقامت بشكلٍ عاجلٍ عشوائي وغير مدروس الملايين من المصانع بمختلف أحجامها وأنواعها في معظم بقاع الصين،وأنشأت الآلاف من محطات توليد الكهرباء العملاقة، وأدخلت كافة أنواع وسائل المواصلات في شوارعها وطرقاتها بدرجةٍ لم يسبق لها مثيلاً، وفي الوقت نفسه سمحت لملايين الأطنان من شتى أنواع الملوثات من جميع هذه المصادر من الدخول في كافة الأوساط البيئية، في الهواء والمياه السطحية والجوفية والتربة، دون حسيبٍ أو رقيب،أو نظامٍ رشيد يُقنن دخولها في البيئة.

 

وكانت النتيجة الحتمية والطبيعية لهذا النمط العشوائي للنمو هي التدمير الشامل لكافة الموارد والثروات البيئة وإفساد عام للأمن الصحي للناس. وجاءت مظاهر وصور هذا التدمير في ما يلي:

أولاً: تلوث شديد للهواء الجوي في بعض المدن الكبرى لدرجة أن هذا الهواء تحول من صحةٍ وعافية للناس إلى وباءٍ ومرض، واعترف عُمدة العاصمة الصينية وانج أنشن بهذا الوضع الكارثي للهواء الجوي عندما قال في 28 يناير من 2015 أن:"هواء بكين غير قابل للحياة"، أو بعبارة أخرى هواء العاصمة الصينية لا يمكن العيش فيه بالنسبة للإنسان.

ثانياً: اعترفت التقارير الحكومية الرسمية عن وجود أكثر من500 قرية سرطانية في الصين، أي قرى ترتفع فيها مستويات الإصابة بالسرطان نتيجة لتدهور الهواء، والمياه السطحية والجوفية وتسمم التربة.

ثالثاً: أكدت التقارير الحكومية بأن 19.4% من الأراضي الزراعية، أي نحو 3.33 مليون هكتار، مسمومة بملوثات خطرة تهدد صحة الإنسان والكائنات الفطرية النباتية والحيوانية ، وانعكس هذا التلوث على نوعية المحاصيل وجودتها وصلاحيتها لاستهلاك الإنسان، فزهاء 12 مليون طنٍ من الحبوب والرز التي تم إنتاجها كانت مسمومة بهذه الملوثات، إضافة إلى أن نحو 60% من المياه الجوفية مسمومة وغير صالحة للشرب والاستهلاك الآدمي أو الحيواني أو النباتي، و 85% من أنهار الصين غير صالحة للشرب.

رابعاً: هذا التدمير الشامل انقلب سلباً على النمو الاقتصادي حسب الدراسة المنشورة في مجلة علوم وتقنيات البيئة في أبريل من العام الجاري، تحت عنوان: "التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الانعكاسات الصحية من الجسيمات الدقيقة وتأثيرها على الناتج المحلي الإجمالي".

ونظراً لواقعية هذه الحالة واشتداد معاناة المجتمع الصيني بيئياً وصحياً واجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، قال الرئيس الصيني في عام 2014: أنَّ علينَا أن نتعامل مع البيئة بالطريقة نفسها التي نحافظ فيها على حياتنا، وأن البيئة يجب أن لا تعاني من أجل النمو الاقتصادي". ثم جاءت التصريحات التاريخية لرئيس الوزراء الصيني التي أعلن فيها الحرب على التلوث قائلاً: "التلوث مشكلة رئيسة، والحكومة ستعلن الحرب على الضباب الملوث للهواء في المدن من خلال التخلص من السيارات الملوثة للبيئة وإغلاق الأفران التي تعمل بالفحم"، وأضاف قائلاً أن: "التلوث هو التحذير والضوء الأحمر للطبيعة بسبب النمو غير الفاعل والأعمى في بلادنا، ولذلك فإن تبني سياسة النمو البيئي المعقول ضروري وهام لحياة الناس ومستقبل أمتنا".

ولذلك فالصين بعد أن حققت النمو الاقتصادي تواجه اليوم هذا التحدي الحقيقي الذي قد يقضي على نموها في السنوات الماضية، وفي كل يوم نقرأ عن إجراءات جديدة لمكافحة هذا الكرب العظيم، وآخرها في العاشر من يوليو من العام الجاري عندما أعلنت الصين عن إنشاء "مدن الغابات"، والتي تعتمد أساساً على زراعة غابات كثيفة من الأشجار في المباني والمنازل والشوارع وكافة مرافق المدينة بهدف امتصاص الملوثات الموجودة في الهواء الجوي وتحسين نوعية الهواء، إضافة إلى الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة التي لا تنبعث عنها السموم، وبعبارة أخرى فالصين تسعى الآن لتحقيق النمو الاقتصادي ولكن ليس على حساب البيئة ومواردها الحية وغير الحية.

 

فهل تنجح الصين في مواجهة هذا التحدي العظيم وفي حربها ضد التلوث بعد أن استفحل وانتشر الفساد البيئي والصحي في مُدنها وقراها؟