الاثنين، 17 ديسمبر 2018

هل سيكون مصير الإستراتيجية الوطنية للمياه كمصير إستراتيجية البيئة؟


هل تعلمون بأن هناك وثيقة حكومية رسمية معتمدة من مجلس الوزراء منذ أكثر من 13 عاماً وعنوانها "الإستراتيجية الوطنية للبيئة"؟

 

وهل تعلمون بأن هذه الإستراتيجية وافق عليها مجلس الوزراء، وفْقَ قراره رقم(1902-02) الصادر في الجلسة رقم (1902) المنعقدة في الثامن من أكتوبر 2006؟

 

وهل سمعتم أو قرأتم بأن هذه الإستراتيجية الوطنية للبيئة قد تم إعدادها بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وساهمتُ شخصياً في الإشراف عليها وإعدادها مع فريقٍ مرموق متعدد التخصصات والخبرات من علماء البحرين، ومكون من 64 عضواً يمثلون كافة الوزارات والهيئات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص؟

 

وهل تعلمون بأن هناك تسعة فرق عمل منبثقة من فريق العمل الرئيس، قد تم تشكيلها لوضع الإستراتيجية الوطنية العامة والشاملة وتغطي كافة المجالات والقطاعات، ومنها فريق متخصص في "المياه"، حيث أوردت الإستراتيجية أهم القضايا الرئيسة المتعلقة بإدارة الثروة المائية، والرؤية الإستراتيجية المستقبلية في إدارتها والتعامل معها على المدى القريب والبعيد.

 

والآن وبعد مضي 13 عاماً على الموافقة على الإستراتيجية ونشرها رسمياً،ما الذي أحيا ذاكرتها في نفسي بعد مرور أكثر من عقدٍ من الزمان؟

 

لقد تذكرتُ الإستراتيجية الوطنية للبيئة عندما أعلنتْ الصحف المحلية خبراً في 26 نوفمبر بأن مجلس الموارد المائية وافق على مشروع "الإستراتيجية الوطنية للمياه لمملكة البحرين  2030"، والذي كما جاء فيها، تهدف إلى رسم السياسات والاستراتيجيات المائية العامة التي تسعى إلى حماية وتنمية الموارد المائية بما يكفل حسن استغلال المياه لمختلف الأغراض، كما ورد فيها بأن رسالة هذه الإستراتيجية تكمن أساساً في ضمان الإدارة الفاعلة لقطاع المياه لدعم التنمية المستدامة، كذلك تتمثل رؤيتها في أن يكون لمملكة البحرين بحلول عام 2030 نظام إدارة مائي فاعل وآمن ويصب في تحقيق أهداف الرؤية الاقتصادية للبلاد.

 

فاليوم أخوف ما أخافه هو أن تَلْقى "الإستراتيجية الوطنية للمياه لمملكة البحرين 2030" مصير الإستراتيجية الوطنية للبيئة، فإستراتيجية البيئة قد غابت فعلياً عن الأنظار منذ أن وُلدت، ودخلت في غياهب الأدراج المظلمة دون أن ترى النور طويلاً، وذلك بالرغم من متابعاتي الشخصية الحثيثة والملحة للوزارات لكي تقوم كل وزارة أو هيئة حكومية بدورها في تنفيذ الجانب والجزء الذي يقع ضمن اختصاصها ومسؤولياتها المباشرة، وخاصة أن ممثلي كافة الوزارات ساهموا بجدية وإخلاص وقضوا الأيام الطويلة في وضع هذه الإستراتيجية ومناقشة كل بندٍ من بنودها وبما لا يتعارض مع اختصاصات وزاراتهم.

 

فهذا الجهد المشكور والكبير الذي بذله القائمون على إستراتيجية المياه الوطنية لا أريد أن يضيع ويُهدر، ولا أريد من هذه الإستراتيجية الحيوية الهامة التي تعالج قضية المياه التي لا حياة بدونها وخُلقنا من صلبها أن تذهب مع الريح هباءً منثورا، فلا بد من المسئولين عنها أن يضعوا مع هذه الإستراتيجية "مُلحقاً" يضمن فيه تنفيذ كل كلمة منها، ولا بد من تحديد الآليات والوسائل التي تؤكد رؤيتها للنور وعلى أرض الواقع، ولا بد أخيراً من وضع آلية للمراقبة الميدانية ومعاقبة ومحاسبة أية جهة حكومية لا تقوم بدورها المنوط بها في التطبيق الفعلي.

 

 

إن الاستراتيجيات عادة عندما توضع يكون الهدف منها تقديم رؤية مستقبلية واضحة المعالم بحيث إنها تكون عملية وواقعية قابلة للتنفيذ لقضية محددة، أو مشكلة عامة تعاني منها الدولة وتسعى إلى علاجها وإيجاد الحلول المستدامة لها، فتكون هذه الإستراتيجية بمثابة خارطة الطريق التي تسير على هَدْيها الدولة في السنوات القادمة، أو أية جهة تنفيذية معنية بالقضية، دون أن تنحرف عن المسار، أو تضل الطريق بحيث تقوم كل جهة معنية بدورها في تنفيذ هذه الإستراتيجية حسب اختصاصها ومسؤولياتها. فالمشكلة والمعضلة الأساسية والتحدي الكبير لا يكون في تقديري في مرحلة وضع الإستراتيجية، وإنما تكمن في شِق "التنفيذ" وتفعيل كل بندٍ صغيرٍ كان أم كبير من هذه الإستراتيجية، فعادة بعد أن تنتهي الجهة المعنية بالإعداد والتوثيق لهذه الإستراتيجية، لا يسأل أحد عن التنفيذ، ولا توجد جهة حكومية مركزية مختصة بمراقبة ومتابعة تنفيذ وتطبيق التشريعات والقوانين والاستراتيجيات الموضوعة من قبل الدولة، فمرحلة التنفيذ مُهْملة عندنا، ويتم عادة تجاهلها ونسيانها.

 

فلا فائدة من الاستراتيجيات إذا لم يتم تنفيذها، ولا جدوى من إنفاق الجهد والوقت والمال لإعدادها إذا لم نكن جادين وحريصين على تطبيقها وتفعيلها منذ البداية، ولذلك أتمنى من حكومتنا تكليف جهة محددة للرجوع إلى الوراء قليلاً إلى جميع الاستراتيجيات التي وضعتها الحكومة، ثم تحديثها وتطبيقها وبما يتناسب مع آخر المستجدات على المستويين القومي والدولي.

 

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

قرار فرنسي غير مستدام وكيف نتعظ به البحرين


في يوم السبت، الأول من ديسمبر من العام الجاري ومع دخول موسم الأعياد واقتراب أيام الفرح والسرور والابتهاج، وقعت في باريس قلب فرنسا، وبالتحديد في منطقة قوس النصر، الرمز الفرنسي التاريخي المشهور عالمياً، معركة محتدمة دموية بين الشرطة ونحو 150 ألف متظاهر، ونشبت صدامات عنيفة مميتة بين الطرفين، إستعمل فيها الشرطة الغازات السامة المسيلة للدموع، فكانت المحصلة النهائية التي تكبدتها فرنسا من الخسائر البشرية والمادية في هذه المعركة، تتلخص في سقوط ثلاث ضحايا بشرية لقوا حتفهم ونقلوا إلى مثواهم الأخير وجرح أكثر من 600، واعتقال المئات، وحرق السيارات، وتكسير نوافذ وأبواب المحلات التجارية، وتحطيم التماثيل التاريخية الأثرية ذات الطابع الرمزي الثقافي في قوس النصر، إضافة إلى الخسائر الاقتصادية التي تم تقديرها بأكثر من 1.5 مليون يورو.

 

وهذه الحالة من الاحتجاجات الشعبية والمصادمات العنيفة بين الشعب الفرنسي والحكومة الفرنسية لم تكن وليدة ذلك اليوم فقط، وإنما اندلعت شرارتها الأولى واستمرت منذ ثلاثة أسابيع، وبالتحديد في 17 نوفمبر في المظاهرة التي شارك فيه قرابة 300 ألف في كل أنحاء فرنسا.  

 

فلماذا هذه الاحتجاجات الشعبية؟ ولماذا هذا الاحتقان الجماهيري ضد الحكومة الفرنسية؟

 

هذه المظاهرات لها عدة أسباب اجتماعية واقتصادية، ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير، كانت في القرارات الحكومية المتتالية المتعلقة بزيادة ورفع الضرائب على عدة مستلزمات حيوية يومية لا يمكن لأي شعب أن يستغني عنها ومن بينها رفع أسعار الوقود، وبخاصة الديزل، وزيادة الضرائب على الغاز والكهرباء. فهذه القرارات اضطرت الناس إلى الدفاع عن لقمة العيش الزهيدة التي يعيشون عليها، وأجبرتهم إلى حماية نوعية ومستوى الحياة البسيطة التي هم أصلاً يعانون منها، فقامت مجموعة بسيطة غير مسيسة من الفرنسيين العاديين الذين لا ينتمون إلى أحزاب سياسية في التواصل مع بعض عبر وسائل الاتصال الاجتماعي الجماعي ونشروا احتجاجاتهم هذا من خلال عريضة يوقع عليها الناس لإبداء رأيهم وتعبيرهم عن غضبهم من هذه الضرائب الجديدة التي ترهق كاهلهم وتضعف ميزانية أُسرهم وتجعلهم غير قادرين على تحمل تكاليف الحياة المتزايدة يوماً بعد يوم، وأخذت هذه العريضة في الإنتشار وزاد الموقعون عليها يوماً بعد يوم، فنمت الحركة شيئاً فشيئا، ثم انتقلت الاحتجاجات "الورقية" إلى مرحلة تصعيدية ثانية تمثلت في المظاهرات السلمية، وأخيراً بعد أن نفد صبر الناس من عدم تجاوب الحكومة لمطالبهم، ارتفعت وتيرة الاحتجاجات إلى صدامات عنيفة وقاتلة.

 

وجاءت بعد هذا المأساة التي وقعت في القلب النابض لفرنسا، قرارات سريعة واستجابات فورية لمطالب الناس، حيث قدم رئيس وزراء فرنسا، إدوارد فيليب، يوم الأحد الثاني من ديسمبر مبادرة حسن نية وأطلق دعوة حكومية للمصالحة الوطنية، وقال بأن الحكومة ستعلق وتجمد كافة الإجراءات الضريبية المتعلقة بتنفيذ الزيادة في الضرائب لمدة ستة أشهر، سواء الإجراءات الخاصة برفع أسعر الوقود، وبخاصة الديزل أو غيرها من الضرائب، كما أكد على البدء في حوار وطني يشمل جميع المواطنين، وكل المنظمات والهيئات وفسح المجال للتشاور مع كافة المواطنين في الرابع من ديسمبر، ثم يوم الأربعاء الخامس من ديسمبر غيَّر رئيس الوزراء الفرنسي قراره الذي اتخذه قبل يومين 180 درجة، فقرر إلغاء الرسوم والضرائب على الوقود والكهرباء كلياً وحذف هذا البند من ميزانية عام 2019.

 

والآن تحليلي لهذه الحوادث المؤلمة التي وقعت في فرنسا خلال الأسابيع الماضية يتمثل في عدم إتباع الحكومة الفرنسية لسياسة التنمية المستدامة عند اتخاذ قرار الضرائب، ولذلك كان القرار غير مستدامٍ ولم ير النور فسقط سريعاً على الأرض وألغي قبل تنفيذه. فقرار رفع الأسعار وفرض الضرائب لم تتم دراسته بشكلٍ معمق يشمل أحوال كافة فئات المجتمع الفرنسي، كما إنه لم يأخذ في الاعتبار الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية للناس في فرنسا الواسعة جغرافياً والمختلفة نوعاً ما في المدن والأرياف، حيث الاختلافات في البعدين الاجتماعي والاقتصادي. فعلى سبيل المثال، المواطن الفرنسي في المدن الصغيرة يستخدم يومياً وفي كل ساعة سيارته لقضاء حوائجه اليومية، في حين أن المدن الرئيسة تتمتع بشبكة واسعة وسريعة ومختلفة من وسائل النقل الجماعي، ولذلك فالزيادة في أسعار وقود السيارات تنعكس بشكلٍ أكبر وأشد وطأة على سكان الأرياف والمدن البعيدة والصغيرة.

 

وخلاصة لا أريد في البحرين أن تمر علينا مثل هذه الحوادث الكارثية، فعلينا أن نتعلم منها ونتعظ بها ونستفيد منها الدروس، كما يلي:

أولاً: تطبيق سياسة التنمية المستدامة يعني دراسة أي قرار في الدولة من جميع النواحي، وليس من الناحية الاقتصادية الإيجابية فقط التي تثري ميزانية الدولة على المدى القريب، فيجب دراسة الأبعاد الاجتماعية والأمنية والسياسية لأي قرار، كما يجب النظر بعمق أكثر إلى مردودات القرار على الفئات المستضعفة والفقيرة.

ثانياً: عدم التهاون في امتعاض الشعوب واحتقانهم تجاه أية قضية، فيجب احتواؤها قبل أن تستفحل وتتحول إلى أعمال عنف، ومما يؤسف له فإن الكثير من الحكومات لا تنتبه إلى نبض الشارع إلا بعد أن يخرج إلى الشارع.

ثالثاً: تخصيص جهة حكومية غير أمنية لمتابعة قضايا الناس وهواجسهم وانتقاداتهم من خلال وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي، ثم دراستها والتعرف على مدى مصداقيتها وانتشارها في المجتمع، ثم محاولة علاجها وتفاديها قبل أن تتفاقم وتستفحل.

 

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

لماذا يهرب الناس من المدن؟


عادة ما نسمع أو نقرأ عن زحف الناس وهجرتهم من القرى والأرياف إلى المدن بحثاً عن العمل والوظيفة المناسبة ذي الراتب العالي والمغري، أو الانتقال هروباً من حياة الأرياف البسيطة والنائية وغير المتطورة إلى حياة المدن العصرية الراقية والمرفهة والتي وتوجد بها كافة الوسائل الحديثة التي يحتاج إليها الإنسان.

 

ولكن اليوم وفي بعض المدن الحضرية العريقة قد انعكست الآية، وانقلبت ظاهرة هجرة الناس إلى المدن، فأصبحت هناك ردة فعل مغايرة جديدة عند الكثير من سكان المدن، فوقعت الهجرة المعاكسة من المدن الصاخبة والمزدحمة إلى الضواحي والأرياف والقرى البعيدة الهادئة والمريحة.

 

فهناك عدة أسباب أدت إلى انتشار هذه الحالة العصرية الحديثة، ومن أهمها الآن استفحال أزمة التلوث في المدن الحضرية الكبيرة، وتجذر وتعمق الملوثات في كافة عناصر بيئة المدن من مياه الشرب والمسطحات المائية والتربة والهواء الجوي، فتدهورت جودة الهواء إلى درجة أصبحت لا يمكن تحملها من قبل الإنسان، بحيث تحولت من هواءٍ نظيفٍ عليل يقي صحة الإنسان ويحسن أمنه الصحي ويحميه من شر الأمراض المستعصية إلى هواءٍ سقيم مشبع بشتى أنواع الملوثات السامة والمسرطنة التي لا تعد ولا تحصى.

 

فهذا الوضع المأساوي الخطير للمدن المزدحمة بكافة مصادر التلوث، وبخاصة تلوث الهواء والضوضاء والأصوات المرتفعة الناجمة عنها كالسيارات والقطارات ومحطات توليد الكهرباء والمصانع الكثيرة والمترامية في كل مكان، أجبر من يستطيع من سكان هذه المدن ولديه القدرة والإمكانات المالية إلى الذهاب بأطفاله والهروب بباقي أفراد أسرته بعيداً كلما أمكن عن مركز المدينة ومصادر تلوثها وفساد هوائها، والانتقال إلى القرى والأرياف والمناطق غير الملوثة.

 

والتقارير والدراسات العلمية الميدانية، إضافة إلى الحوادث البيئية التي تقع في بعض المدن الشديدة التلوث تؤكد وتبين حجم التلوث الرهيب الذي يعاني منه سكان المدينة وأمراض التلوث التي يقعون ضحية سهلة لها.

 

فقد نشرت مجلة اللانست الطبية بحثاً في 18 نوفمبر من العام الجاري يثبت وجود هذه الظاهرة في واقعنا الحالي في المدن نتيجة لتلوث الهواء الجوي، حيث أشارت الدراسة إلى أن أطفال مدينة لندن يفقدون نحو 5% من فاعلية الرئة وقدرتها ووظيفتها بسبب تلوث الهواء، وبخاصة من سيارات الديزل حيث الجسيمات الدقيقة المتناهية في الصغر التي تزحف إلى الرئة فتستقر في أعماقها وبالتحديد في الحويصلات الهوائية، مما يؤدي إلى تلف رئة الطفل منذ الصغر حتى يكبر، أي من المهد إلى اللحد. فهذا التأثير المستدام لتلوث الهواء على فلذات أكبادنا، أجبر العوائل واضطرهم إلى حماية صحة أطفالهم ووقايتهم من الأمراض والعلل المتعلقة بتلوث الهواء عن طريق إبعادهم عن التعرض لهواء المدينة الملوث والانتقال رغماً عن إرادتهم ورغبتهم إلى مناطق أكثر أمناً وسلاماً من ناحية جودة الهواء ومن الناحية الصحية.

 

وقد أكدت منظمة الصحة العالمية على هذه الحقيقة المتعلقة بتدهور نوعية الهواء في معظم مدن العالم، حيث أكدت في تقريرها المخيف والمنشور في 29 أكتوبر من العام الجاري تحت عنوان: "تلوث الهواء وصحة الطفل "أن 93% من أطفالنا وفلذات أكبادنا حول العالم يستنشقون هواءً ملوثاً ويتجرعون مواداً كيميائية سامة وخطرة كل ثانية من حياتهم، وأن أكثر من 1.8بليون طفل دون سن الـ 15 عاماً يعانون من أمراضٍ مزمنة نتيجة لتعرضهم كل ساعة للهواء الملوث في داخل المنزل وخارجه، كما أفاد هذا التقرير الصادم والمرعب بأن قرابة 600 ألف طفل قضوا نحبهم في عام 2017بسبب أمراض الجهاز التنفسي الناجمة عن تلوث وتدهور نوعية الهواء الجوي.

 

فكل هذه الحقائق العلمية الصاعقة لا شك بأنها كافية ومقنعة لتجبر الأسر حول العالم إلى وقاية أطفالهم من كَرْبْ التلوث، والحفاظ على أمنهم الصحي، وجعله الأولوية في اتخاذ القرار المتعلق بمكان السكن، أو موقع المدرسة التي يذهب إليها الأطفال كل يوم، أو الجامعة التي يلتحقون بها.

 

ولحسن الحظ أن المدن الكبيرة حول العالم تتكون من مركز المدينة حيث نسبة التلوث المرتفعة ثم الضواحي والأرياف والقرى البعيدة نسبياً عن الازدحام والاكتظاظ المروري ومصادر التلوث الأخرى، ولذلك بالإمكان الهروب من بؤرة التلوث إلى مناطق أكثر أمناً وراحة نفسية وجسدية، ولكننا في البحرين لا نمتلك هذه الميزة، فبيئة الأرياف والبساتين الجميلة الوادعة والهادئة والممتعة قد انقرضت وتحولت إلى كتلٍ خرسانية وأعمدة حديدة جوفاء وصماء لا روح لها ولا متعة من رؤيتها أو السكن بالقرب منها.

 

فالبحرين الآن في تقديري واستناداً إلى الدراسات التي أجريتها منذ أكثير من ثلاثين عاماً، قد تحولت كلها إلى "مدينة حضرية" كبيرة، شديدة الازدحام بالسيارات، وكثيفة الاكتظاظ بالمركبات، بحيث إن المصانع أصبحت الآن في قلب هذه المدينة الكبيرة التي تتوسع كل يوم على حساب البيئات العذراء البكر والوادعة، فتأكل كل يوم شبراً بشبر من جسد البر والبحر معاً، فأين الفرار إذن من آفة التلوث؟ 

الاثنين، 3 ديسمبر 2018

تقرير الكونجرس حول التغير المناخي والواقع في البحرين


في حين أن الرئيس الأمريكي ترمب مازال مشككاً في وقوع التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية ومستبعداً لدور أنشطة الإنسان التنموية في حدوث هذه الظاهرة، تأتي الجهات الحكومية الأمريكية الرسمية نفسها فتعلن تقريراً تؤكد فيه بأن التغير المناخي واقع مشهود، وتثبت بأن أيدي الإنسان لها دور في إفساد الأرض وتعريضها للوعكة الصحية المناخية وما يصحبها من تهديدات عصيبة على الولايات المتحدة الأمريكية خاصة والكرة الأرضية عامة.

 

فقد كلَّف الكونجرس الأمريكي في عام 1990 الإدارة القومية للمحيطات والغلاف الجوي(نُوا) التابعة لوزارة التجارة إجراء تقييمٍ للمناخ كل أربع سنوات على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، وتقديم آخر المستجدات والتطورات حول التغيرات المناخية وتداعياتها على المستوى القومي، حيث نُشر آخر تقرير في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في عام 2014، واليوم، وبالتحديد في 23 نوفمبر نشر المجلد الثاني للتقرير الرابع والذي يتكون من 1656 صفحة ويحتوي على 16 فصلاً حول قضايا الماء والمحيطات والطاقة وصحة الإنسان، إضافة إلى 12 فصلاً حول القضايا المجتمعية المتعلقة، علماً بأن هذا التقرير أعده فريق مكون من 13 وكالة اتحادية، وشارك فيه 300 عالم أمريكي معظمهم من خارج السلك الحكومي.

 

وقد قدَّم التقرير صورة قاتمة مظلمة حول مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمن القومي، وأكد بأن أمريكا ستواجه تحديات مستقبلية جمة وعصيبة ناجمة عن انعكاسات التغير المناخي، وستتعرض لتهديدات حقيقية واقعية مخيفة نتيجة لارتفاع درجة حرارة الأرض ومردوداتها الرهيبة على البيئة والمجتمع الأمريكي برمته.

 

وقد اطلعتُ على ملخص التقرير وأهم الاستنتاجات التي تمخضت عنها، وأُقدم لكم فحوى هذه النتائج. فمن الناحية الاقتصادية، أفاد التقرير بأن تداعيات التغير المناخي ستؤدي إلى انكماش الاقتصاد الأمريكي، وستكبده خسائر مادية فادحة تقدر بالمليارات سنوياً، أو أكثر من 10% من الـ جي دي بي، أو الناتج المحلي الإجمالي مع نهاية القرن الجاري. فمن تداعيات التغيرات المناخية هو سخونة الأرض وارتفاع درجة حرارتها، وهذا الارتفاع في درجة حرارة الجو سيؤدي إلى موت الكثير من الناس وخفض إنتاجيتهم في العمل وفقدان وظائفهم، وسيكلف الخزينة الأمريكية نحو 141 بليون دولار، في حين أن ارتفاع مستوى سطح البحر الناجم عن ارتفاع الحرارة سيدمر البنية التحتية الساحلية من قواعد عسكرية، وجسور والشوارع، ومباني وعمارات سكنية وتجارية، ومنشآت سياحية ساحلية، وقد قدَّم التقرير تقديراً لهذا الدمار بنحو 32 بليون دولار.

 

كذلك هناك خسائر اقتصادية تتمثل في تدهور المحاصيل الزراعية من الناحيتين النوعية والكمية، فستنخفض جودة المحاصيل بشكلٍ جذري وسيتأثر المحصول الزراعي بشكلٍ عام بسبب سخونة الأرض والفيضانات التي ستقع في المناطق الساحلية، إضافة إلى التأثير المباشر على إنتاج الألبان، مما يكلف القطاع الزراعي مبالغ باهضة يصعب تقديرها. وعلاوة على ذلك فإن بعض الملوثات التي تنتج عن الأنشطة التنموية للإنسان، وبخاصة غاز ثاني أكسيد الكربون يزيد من حموضة البحار والمحيطات، مما يؤثر سلباً على الصيد السمكي، وسيكبد هذا القطاع خسائر فادحة، ناهيك عن التأثير المباشر على الأمن الغذائي.

 

والآن وبعد هذه الحقائق الدامغة والأدلة الشافية حول انعكاسات التغير المناخي وسخونة الأرض على بيئة أمريكا واقتصادها وأمنها القومي، ماذا سيكون موقف ترامب؟ وكيف سيواجه هذه الحقائق؟

 

فمن المعروف أن لترامب مواقف مُعادية مُنكرة لظاهرة التغير المناخي وكان يثير الشكوك حول واقعيتها، فهو لا يعترف بدور الإنسان وبرامجه وأنشطته التنموية المتمثلة في حرق الوقود في السيارات والطائرات ومحطات توليد الكهرباء والمصانع في وقوع هذه الظاهرة ورفع درجة حرارة الأرض، ففي السنوات الماضية أعلن ترمب بأن التغير المناخي "خدعة"، وأن الصينيين ابتدعوا هذه الفكرة للتأثير على الاقتصاد الأمريكي، كما قام خلافاً على الإجماع الدولي في الانسحاب من اتفاقية باريس المتعلقة بالتغير المناخي، كما ألغى خطة الرئيس السابق أوباما المتعلقة بالإنتاج النظيف للطاقة والتخلص التدريجي من الفحم كمصدر لتوليد الكهرباء ومصدر رئيس للملوثات المسؤولة عن حدوث التغير المناخي وسخونة الأرض.

 

ففي تقديري ومن خلال مراقبتي لتصرفات ترمب في مجالات كثيرة وقضايا أخرى متعددة، فإنه سيدفن هذا التقرير الفيدرالي الحكومي في "الرف" وفي مدافن الأرشيف الخاص بالتقارير في البيت الأبيض، ولن يغير هذا التقرير من سياساته السابقة والحالية تجاه أزمة التغير المناخي على المستويين القومي والدولي، وخاصة أنه صرح قائلاً وبكل وضوح في 26 نوفمبر: "أنا لا أُصدق ما ورد في التقرير"!

 

والآن بعد أن عرفنا حقيقة الأضرار الكارثية التي تنجم عن التغير المناخي في كافة القطاعات، وعلى دولة قوية ومستقرة ذي إمكانات هائلة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فماذا سيكون تأثيرها على جزيرة صغيرة في مستوى سطح البحر مثل بلادنا البحرين؟

 

فعل نحن نأخذ هذه الظاهرة على محمل الجد ونتخذ التدابير والإجراءات اللازمة لمواجهتها من الآن قبل أن تستفحل؟ أم أننا ننتظر أن تقع الطامة الكبرى، ثم نتحرك بدون جدوى؟

 

 

الخميس، 29 نوفمبر 2018

إلى تجار السيارات


نشرتْ عدة صحف غربية خبراً يجب أن نقف عنده حكومة وشعباً ورجال أعمال، فلا ندع مثل هذا الخبر الهام يمر علينا مرور الكرام، فعلينا أن نُحلل هذا الخبر من جميع جوانبه وأبعاده، ونفهم مقاصده وأهدافه، ثم نرسم سياساتنا المستقبلية ونبني عليه استراتيجيات واضحة في مجال النقل عموماً والسيارات بشكلٍ خاص، وبخاصة أننا في البحرين نعاني من أزمة خانقة متعلقة بالازدياد المطرد في أعداد السيارات والازدحام المروي المتعاظم وتدهور نوعية الهواء الناجم عن عوادمها وتداعياتها المزمنة على الصحة العامة، وهذه الأزمة العصيبة تتفاقم بشكل ملحوظ ومشهود لكل مواطن ومُقيم ساعة بعد ساعة كل يوم.

فقد نشرتْ "البلومبرج" المختصة في أخبار الاقتصاد على كافة المستويات، ومجلة والْ ستريت جُورنل خبراً في 16 نوفمبر من العام الجاري تحت عنوان: "الفولكس واجن تُنفق 50 بليون دولار على السيارات الكهربائية"، حيث جاءت تفاصيل الخبر في أن الفولكس واجن، وهي تعد من أكبر الشركات المصنعة للسيارات على المستوى العالمي قد وضعت خطة خمسية للتحول من سيارات الاحتراق الداخلي التي تعمل بوقود الجازولين أو الديزل إلى سيارات حديثة تعمل بالطاقة الكهربائية، بحيث إن تنفيذ هذه الخطة يكتمل بحلول عام 2025. فهذا المبلغ الضخم الذي هو أكبر من ميزانية بعض الدول لم يخصص عشوائياً واعتباطاً وبدون دراسة مستقبلية معمقة أو بدون استشراف لاحتياجات السوق في السنوات القادمة، وإنما تم تحديد هذا المبلغ اقتناعاً من المعنيين في الشركة بأن المستقبل سيكون للسيارات الكهربائية، وأن سيارات الديزل والجازولين وغيرهما من الوقود الأحفوري ستحال قريباً إلى التقاعد، وسيكون مكانها في المتاحف المتخصصة في السيارات القديمة ووسائل النقل.

وفي السياق نفسه نشرتْ صحيفة التليجراف البريطانية مقالاً في 18 نوفمبر حول قيام مستثمرين بريطانيين بوضع مبلغ 50 مليون دولار للاستثمار في وسائل النقل الكهربائية في شركة سويدية متخصصة في صناعة الدراجات الكهربائية.

أما الصين فهي تسابق الزمن وتتنافس بشدة مع الشركات الغربية العملاقة متعددة الجنسيات من أجل الاستحواذ على سوق السيارات وأخذ الريادة في هذا القطاع الحيوي الهام، حيث نشرتْ صحيفة جنوب الصين الصباحية(South China Morning Post) التي تصدر في هونج كونج مقالاً في 19 نوفمبر من العام الجاري حول مستقبل السيارات الكهربائية، وأفاد المقال بأن الصين تضخ مليارات الدولارات للاستثمار في هذه السيارات الجديدة وتقديم التسهيلات والمحفزات الاقتصادية وغير الاقتصادية والدعم اللازم بكل أنواعه للشركات المصنعة لها، وتعمل جاهدة ليلاً ونهاراً على إنتاج جيل جديد من السيارات الكهربائية التي تتميز بتقنيتها العالية المتطورة، والجودة الراقية والممتازة، والمواصفات الرفيعة وذلك بهدف منافسة الشركات العالمية الأخرى في المجال نفسه، وصناعة أول سيارة كهربائية فريدة من نوعها تتحدي السيارات الغربية واليابانية بشكلٍ خاص.

كل هذه المقالات والأخبار من المفروض أن تفتح عيون المستثمرين في قطاع النقل عامة وتجارة واستيراد سيارات الركاب الشخصية بصفةٍ خاصة، حيث إن عليهم قبل أن يفوتهم القطار أن يلحقوا به ويكونوا من ركابه الأوائل من الآن، فيقوموا بالخفض التدريجي في الاعتماد على استيراد سيارات الجازولين والديزل والتوجه مباشرة نحو سيارات الكهرباء، مما يعني أن عليهم البدء في دراسة تفصيلية معمقة لكل ما هو متعلق بالسيارات الكهربائية، سواء من ناحية حجم السيارة ونوعيتها وسعرها، أو من ناحية البنية التحتية والعمالة اللازمة لهذا النوع الجديد من السيارات، كخدمات الصيانة، ومحطات التزود بالوقود الكهربائي، وغيرها من القضايا ذات العلاقة.

ولكي أَكونَ مُنْصفاً للتجار المستثمرين في قطاع السيارات، فإن على الحكومة توفير "الغطاء السياسي" لهذا النوع الجديد من السيارات من خلال تبني سياسات واضحة تؤكد توجهها في المستقبل القريب نحو الاعتماد على سيارات الكهربائية، وأن تعمل الحكومة على اتخاذ قرارات تنفيذية تصب في هذه السياسة العامة، فمثل هذا الغطاء السياسي الحكومي سيكون نقطة انطلاق قوية للتجار وأصحاب رؤوس الأموال، وسيعد دافعاً قوياً لهم جميعاً، وسيشجعهم ويحفزهم على وضع أموالهم في هذا القطاع الجديد.

فالتوجه العالمي الذي نشهده الآن في كل دول العالم للزحف بسرعة نحو السيارات الكهربائية جاء بعد تبني دول الغرب والشرق لسياسات واستراتيجيات حكومية رسمية قوية وواضحة، ومن خلال إرسال رسائل مباشرة للمستثمرين وشركات السيارات في الولوج بقوة نحو هذا القطاع الحيوي. فعلى سبيل المثال، أطلقتْ القارة الأوروبية في يوليو من عام 2017 رؤيتها المستقبلية واستشرافها لمصير السيارات التي نستعملها اليوم، وبالتحديد في مجال نوعية الوقود الذي يشغل السيارات، حيث تمثلت سياستها ورؤيتها في حظر بيع واستخدام السيارات التي تعمل بالديزل والجازولين بحلول عام 2040، والتحول كلياً إلى السيارات الكهربائية كبديل صديق للبيئة، وعلاج لوباء تلوث الهواء القاتل للبشر والنبات والحجر.

ولذلك أتمنى من مجلس الوزراء الموقر الاهتمام أكثر بقضية السيارات بشكلٍ عام ووضعها في أعلى سلم الأولويات لما لها من أبعادٍ خطيرة على المجتمع البحريني برمته في القطاع المروري والصحي والبيئي والاقتصادي، والشروع في تبني سياسات واضحة متعلقة بقطاع النقل والسيارات، وبشكلٍ خاص في تشجيع استيراد السيارات الكهربائية ودعمها وتقديم التسهيلات اللازمة لها لكي تكون مؤشراً إيجابياً للتجار والمستوردين وأصحاب المال للدخول في هذا المجال الجديد.

الاثنين، 26 نوفمبر 2018

ترقبوا الفيلم القادم لهوليود


عندما زرتُ اليابان في التسعينيات من القرن المنصرم لم أكن أبحث عن المرافق السياحية التقليدية التي يبحث عنها عامة الناس ويزورها أغلب السيّاح من متنزهات وحدائق الألعاب والمواقع التراثية والمجمعات والأسواق، ولكن بوصلتي كانت متجهة إلى موقعٍ غريب جداً لا يفكر فيه الكثير من السياح ولا يلقون له بالاً، بل هو موقع فريد من نوعه وحديثْ على المجتمع الدولي برمته، فقد كان اهتمامي منصباً وبشوقٍ شديد نحو التعرف عن كثب وعن قرب على هذا المرفق الذي دخل التاريخ الياباني خاصة وصفحات التاريخ الدولي عامة، ومازالت ذكراه خالدة وحية أمام الناس، وتداعياته قائمة في المجتمع الياباني، حتى إنه تحول إلى جرحٍ عميق مفتوح لا يمكن أن يلتئم مع الزمن وينتقل من جيلٍ إلى آخر.

 

هذا الموقع الذي قُمتم بزيارته يُطلق عليه "المتحف البلدي لمرض ميناماتا"حيث شَهدتْ المدينة كارثة بيئية صحية عصيبة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ أن نزل على المجتمع الياباني، وبالتحديد في خليج ميناماتا في مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم، فمازالت آلامها ومعاناتها ماثلة أمام الكثير من الناس، ومازالت هناك أعداد من اليابانيين الذين يقاسون من ويلاتها بعد مرور أكثر من سبعين عاماً على ظهور أول مشهدٍ لها.

 

فقد غُرست بذرة خبيثة في سواحل خليج ميناماتا تمثلت في ممارسة بسيطةٍ جداً وبريئة عندما بدأ أحد المصانع بصرف مخلفاته السائلة في المناطق الساحلية، ولكن هذه المخلفات كانت تحتوي على هذه البذرة الخبيثة التي إسمها "الزئبق"، وهو عنصر ثابت ومستقر وله القدرة على التراكم والتضخم عند دخوله إلى البيئة المائية، فتحول مع الزمن إلى شجرة خبيثة ضخمة ومتعددة الفروع، فآتت أكلها ثمراً خبيثاً وساماً وقاتلاً، فانتقل مع الزمن هذا الثمر الحنظل المرْ إلى النباتات البحرية العالقة ثم إلى الكائنات الحيوانية الصغيرة، ومع مرور الأيام والسنون أخذ في الانتشار والتحرك إلى أعلى سلم الهرم الغذائي من أسماك كبيرة وطيور مائية تقتات على الأسماك، وأخيراً إنتهى المطاف بهذا السم المهلك للحرث والنسل بالإنسان، وعندها وقعت الطامة الكبرى ونزل الكَرْب العظيم فجأة ودون سابق إنذار، وبدأ سكان مدينة ميناماتا الواقعة على خليج ميناماتا يشهدون مظاهر مرعبة وغريبة لم يشهدوها من قبل في مدينتهم المستقرة الآمنة، فقِططْ الحي والحيوانات الأخرى التي تأكل الأسماك أخذت في القيام بحركات "هستيرية" والسقوط صرعى ميتة أمام الناس دون سببٍ معروف، ثم انتقل هذا المشهد العقيم إلى الناس، فأصاب سكان المدينة بوعكات حادة شديدة وآلام في المفاصل، وتدمير شامل للجهاز العصبي، وشلل في الأيدي والأطراف، وعدم القدرة على التحكم في أعضاء الجسم، وفقدان البصر، ثم الموت المفاجئ، فوقف الناس مكتوفي الأيدي حائرين لا يعلمون ما سيفعلون أمام هذه الظاهرة التي يرونها أمامهم، وكأن قول ربنا ينطبق عليهم: "يوم تَرونها تذهل كل مُرضعة عما أرضعتْ وتضع كل ذات حَمْل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى".

 

فهذا المشهد الغريب والرهيب الذي رأوه يقع على سكان مدينتهم جعلهم كالسُكارى من شدة هول المنظر، بل وإن أخبار هذه المدينة انتقلت إلى باقي مدن اليابان وبلغت دول أخرى، حتى أن وسائل الإعلام من كل أنحاء العالم شدت الرحال وبدأوا يتوافدون لنقل ونشر ما وقع لهذه المدينة.

 

واليوم وبعد مرور عقودٍ طويلة من الزمن، وبعد أن اتضحت كل خيوط هذا اللغز الغريب والكارثة العامة التي أصابت الجميع جسدياً ونفسياً وعقلياً وخلَّفتْ الآلاف من الضحايا البشرية حتى يومنا هذا، وبعد أن تعرف المجتمع الدولي عن كثب على عمق التأثيرات العظيمة التي تركت وحفرت بصماتها عميقة طوال هذه السنوات على الشعب الياباني وشعوب العالم عامة، قرر مصنع الأفلام في هوليود إنتاج فيلمٍ عن هذا الواقعة الكبيرة أسمه "ميناماتا"، ويشارك فيه كبار الممثلين وعلى رأسهم الممثل الأمريكي المشهور جوني دِب، حسب ما نُشر في مجلة هوليود ريبورتر(Hollywood Reporter) في العدد الصادر في23 أكتوبر من العام الجاري.

 

وسيلعب جوني دب دور المصور الفوتوغرافي الراحل يوجين(Eugene Smith) سميث والمتخصص في تصوير الحروب، حيث قام هذا المصور لسنواتٍ طويلة بنقل معاناة البشر الذين سقطوا ضحايا لجرائم ارتكبتها أيضاً أيدي البشر أنفسهم، وأخذ هذا المصور على عاتقه مهمة توثيق ونشر آلام المصابين والأوجاع التي أصابتهم هُمْ وأسرهم من خلال عدسات جهازه اليدوي إلى كافة أرجاء المعمورة، وأستمر على هذا الحال حتى اشتهرت لقطاته الفوتغرافية الفنية وتوزعت وإنتشرت عند الناس في كل دول العالم، ونجح هذا المصور في تعزيز وعي الحكومات والشعوب بأهمية الاهتمام بمكونات البيئة وعناصرها الحية وغير الحية وحمايتها من فساد الملوثات التي يطلقها الإنسان، وبخاصة بالنسبة للزئبق، وتجسد هذا النجاح في موافقة دول العالم بالإجماع على اتفاقية خاصة تحت مظلة الأمم المتحدة للتعامل مع هذا العنصر الخبيث، وأُطلق عليها باتفاقية ميناماتا. 

               

وختاماً إذا كان هذا الملوث البسيط وهو الزئبق قد دوخ اليابان ودول العالم أجمع لأكثر من ثمانين عاماً، وأنزل على الإنسان كوارث خطيرة أودت بحياة عشرات الآلاف، فماذا عن آلاف الملوثات السامة والخطرة والمشعة التي تدخل بيئتنا في كل ثانية منذ أكثر من قرن؟