الجمعة، 18 ديسمبر 2020

ما مدلولات قرار الأمم المتحدة حول الحشيش؟


منذ سنوات وأنا أُتابع عن كثب وأراقب المتغيرات والتطورات التي تحدث لقوانين وأنظمة دول العالم والمجتمع الدولي، ممثلاً في منظمات ووكالات الأمم المتحدة المعنية بتحليل المخدرات أو تجريمها، وقد وجدتُ خلال هذه السنوات نمطاً ملحوظاً ومشهوداً حول المخدرات، ويتمثل بشكلٍ عام في تخفيف القيود عنها سنة بعد سنة، ومنع تجريم من يمتلكها ويجدونها بحوزته، إضافة إلى رفع الحرج عن مستخدميها ومن يتعاطونها بصفة شخصية، ومن باب الترفيه والترويح عن النفس.

 

وهذا النمط السائد دولياً لا يأت فجأة ومرة واحدة، وبين عشية أو ضحاها، وإنما يكون تحليل المخدرات تدريجياً وببطء مع الزمن، حيث تمر في تقديري العملية في ثلاثة مراحل رئيسة قد تستغرق عقود من الزمن.

 

فأما المرحلة الأولى التي تمر بها عملية السماح للمخدرات، والخطوة الأولية التي تتخذها الدول تتمثل عادة في إلغاء الأنظمة والقرارات الخاصة بتجريم من تُمسكه الشرطة ورجال الأمن المختصين بمكافحة المخدرات عند حيازته لبعض أنواع المخدرات، ثم تليها المرحلة الثانية وخطوة استخدام هذه المخدرات لأغراض طبية، وتحليل استعمالها تحت مبرر التطبيقات العلاجية كأدوية ومسكنات ومهدئات للألم، أو لعلاج بعض الأمراض مثل الصرع وغيره.

 

وأما المرحلة التالية والخطوة الثالثة والأخيرة فتكمن في جعل المخدرات حلالاً طيباً، يستعملها الجميع بهدف التمتع والاسترخاء، والعيش فترة من الزمن في هناءٍ وسعادة زائفة ومميتة على المدى القريب.

 

وفي كل سنة تزيد قناعاتي حول مصداقية نظريتي هذه، وفي كل سنة أرى أمامي من التجارب والأمثلة التي تؤكد لي بأن دول العالم تتجه تدريجياً نحو تحليل المخدرات، والسماح للشعوب لاستخدامها تحت مسميات ومبررات متعددة، تختلف حسب ثقافة وعادات وقناعات كل دولة.

 

فعلى سبيل المثال، وعلى المستوى الدولي، قررت الأمم المتحدة ممثلة في هيئة الأمم المتحدة حول الأدوية المخدرة(UN Commission on Narcotic Drugs)في فينا في 3 ديسمبر من العام الجاري وهي الجهة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلغاء وإزالة الحشيش، أو الماريوانا، أو نبات القنب من قائمة المواد الأشد خطورة، والأكثر تهديداً للصحة العامة، حيث صوتت 27 دولة مع الإلغاء ورفضت 25 دولة هذا القرار، علماً بأن هذا القرار جاء بناءً على توصية من منظمة الصحة العالمية في عام 2019 حول هذا الشأن المتعلق بإزالة الحشيش من "الجدول الرابع" المعني بالمواد الخطرة والمهددة للصحة العامة، والتي ليست لها فوائد طبية علاجية، وهذا الجدول يشمل مواد مخدرة قاتلة أخرى مثل الكوكايين، والفنتانيل(fentanyl)، والهيروين، والميثادون(methadone)، والمورفين، والأفيون، والأكسيكودون(oxycodone).

 

وجدير بالذكر فإن هذا الجدول الرابع الخاص بالمواد الشديدة الخطورة على صحة البشر، وأكثرها إدماناً، تمت الموافقة عليه في المعاهدة الدولية لعام 1961 حول الأدوية المخدرة(Single Convention on Narcotic Drugs). فهذا القرار الأممي الذي وافقت عليه 27 دولة، يؤكد صحة نظريتي ورؤيتي في أن العالم يتجه نحو تحليل الحشيش وغيره من المخدرات بشكلٍ تدريجي بطيء، يبدأ برفع الحشيش من قائمة المواد المهددة بالإدمان للإنسان، ثم محاولة تبرير هذا القرار بوجود فوائد صحية وعلاجية للحشيش ومنع تجريم حيازته بصفةٍ شخصية.

 

 وفي السياق نفسه، فهناك الولايات المتحدة الأمريكية التي أضربها دائماً كمثال حي يثبت نظريتي حول التحليل التدريجي، ليس للحشيش فحسب، وإنما لمخدرات أخرى ثقيلة على البشر ومعروفة بتدميرها للمجتمع الإنساني برمته مثل الهيروين.

 

ففي الولايات المتحدة الأمريكية تبدأ قصة تحليل الحشيش أولاً على مستوى الولايات، فكل ولاية تشرع ما يناسبها حول الحشيش والمخدرات الأخرى، ثم على المستوى الفيدرالي. أما على مستوى الولايات، فولاية أوريجن كانت دائماً سباقة في القرارات المتعلقة بالحشيش خاصة، والمخدرات عامة، فهي كانت أول ولاية لم تجرم حيازة الحشيش في عام 1973، ولا تجرم من يتعاطاه للتسلية والترويح عن نفسه، ولذلك وبهذا القرار فتحت أبواب جهنم على مصراعيه للولايات الأخرى وشجعتها على اتخاذ إجراءات وقرارات مماثلة بالنسبة لتحليل الحشيش، فإما قرار عدم تجريم حيازته كخطوة شيطانية أولى، أو السماح له للاستخدام الفردي والترويح عن النفس، وإما السماح لاستخدامه لأهداف طبية كدواء وعلاج لبعض المرضى. وفي عام 1996 اتخذت ولاية كاليفورنيا قراراً تاريخياً على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية تمثل في استخدام الحشيش للأغراض الطبية وعلاج المرضى، ثم جاءت ولاية كولورادوا ففتحت الباب على مصراعيه في عام 2012  لاستخدام الحشيش للترفيه والترويح عن النفس. ومنذ ذلك الوقت وحتى الاستفتاء الذي أجري في الخامس من نوفمبر من العام الجاري أثناء الانتخابات الرئاسية، هناك الآن 36 ولاية سمحت بالحشيش لأغراض طبية، و15 ولاية للترفيه والترويح عن النفس، وولاية واحدة هي أوريجن صوتت ولأول مرة في التاريخ الأمريكي خاصة وتاريخ المجتمعات البشرية عامة، على التوقف عن تجريم حيازة واستخدام الهيروين، والكوكايين، وميث أمفيتامين، وأوكسيكودون، وغيرها من المخدرات، وذلك بغرض الاستخدام الشخصي، ولأغراض الترفيه والترويح، وهذا يعني أنه في حالة الإمساك بك وأنت بحوزتك هذه المخدرات، فإنك لن تعاقب، ولا تدخل السجن، وكل ما عليك القيام به هو دفع غرامة رمزية بسيطة جداً.

 

وأما على المستوى الاتحادي، فقد تبنى مجلس النواب قراراً تاريخياً بالأغلبية في الرابع من ديسمبر على رفع إسم الحشيش من قائمة المواد المحظورة والشديدة الخطورة والتي تُعرف بالجدول الأول، حيث وافق 228 نائباً وعارض القرار 164، وهذا القرار يُعد أول تحرك رسمي تشريعي على المستوى الفيدرالي، والخطوة الأولى تجاه تحليل الحشيش مستقبلاً.

 

فالشواهد والدلائل على مستوى كل دولة على حدة، وعلى مستوى دول العالم ممثلة في هيئات الأمم المتحدة، كلها تؤكد بأن تحليل المخدرات بكل أنواعها وأشكالها قادم لا محالة، مما يحتم علينا في الدول العربية الإسلامية أن نكون يقظين لمواجهة مثل هذه القرارات المدمرة للأفراد، والأسر، والمجتمعات برمتها.

الجمعة، 11 ديسمبر 2020

هل يمكن الوثوق بأمريكا لقيادة سفينة قضية العصر؟


منذ أكثر من ثلاثة عقود وقضية العصر تراوح في مكانها، وتقف على أبواب نفقٍ طويل مظلم لا يمكن مشاهدة نهايته، فتارة تتقدم قليلاً إلى الأمام، وتارة أخرى تتأخر سنوات طويلة إلى الوراء، وكلما خطا المجتمع الدولي خطوة نحو معالجة القضية وأحرز نجاحاً لمكافحتها جاءت بعض الدول، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لتعيدها إلى نقطة الصفر، وكأنه لم يُنجز شيئاً بعد سنوات من المفاوضات والاجتماعات الدورية المكثفة والعصيبة.

 

فسياسة الولايات المتحدة الأمريكية نحو قضية العصر، قضية التغير المناخي، تتأرجح بين مدٍ وجزر، وبين تقدمٍ وتأخر، فتتغير السياسات المناخية حسب أهواء ومواقف الرئيس الأمريكي من جهة، ومصالح الحزب المهيمن الذي يتمتع بالأغلبية في الكونجرس، وبالتحديد في مجلس الشيوخ، أو السينت من جهة أخرى.

 

فالعالم يواجه أزمات متكررة وحالة من عدم الاستقرار في السياسات والاستراتيجيات المناخية على المستوى الدولي، إضافة إلى عدم القدرة على مواجهة هذه القضية الشائكة والمعقدة بسبب عدم الثبات في سياسات ومواقف الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الأولى المسؤولة عن التغير المناخي، منذ المؤتمر التاريخي البيئي حول البيئة والتنمية والمعروف بقمة الأرض، والذي حضره لأول مرة قادة ورؤساء حكومات دول العالم في ريو دي جانيرو في البرازيل في الفترة من 3 إلى 14 يونيو 1992، حيث كان من بين المشاركين الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب.

 

وفي هذه القمة وافقت الدول بالإجماع على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول التغير المناخي، وهذه الاتفاقية مهدت الطريق لمعاهدة دولية تُلزم كافة دول العالم على مواجهة تحديات التغير المناخي، وتتعهد بمنع انبعاث الملوثات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض، فكانت هذه القمة هي البدء في ولوج التغير المناخي في دوامة جدول أعمال المجتمع الدولي ونقطة دخوله.

 

وفي هذه القمة لعب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب دور القيادة والزعامة لهذه القضية الدولية المشتركة، حيث أكد بكل وضوح في المؤتمر الصحفي الذي عقد في 13 يونيو 1992 عن إيمانه بأهمية قضايا البيئة بشكلٍ عام، وقضية التغير المناخي بصفةٍ خاص، فتعهد بأن تلعب أمريكا دور الريادة والزعامة في حمايتها، حيث قال: "الولايات المتحدة الأمريكية تعتزم أن تقود العالم لحماية كوكبنا، فحماية البيئة تجعل النمو مستداماً"، كما دعا بوش الدول الصناعية على التوقيع على الاتفاقية والبدء في تنفيذها، وقال: "علينا جميعاً ترجمة الكلمات والأقوال إلى خطوات تنفيذية راسخة لحماية الكوكب"، وفي الوقت نفسه بدأ العمل في بيته أولاً، حيث رسم سياسة مناخية عامة لأمريكا، ووضع خطة أولية لمواجهة التغيرات المناخية، تتمثل في رفع فاعلية تشغيل الطاقة، وحماية الغابات، وإنتاج تقنيات حديثة وجديدة منخفضة الانبعاث للكربون، والمحافظة على نظافة الهواء الجوي من خلال التوقيع على اتفاقية الهواء النظيف لعام 1990.

 

فالبداية للولايات المتحدة الأمريكية حول قضية التغير المناخي كانت قوية وصادقة ونابعة من قناعات الرئيس نفسه، ومخالفاً بذلك سياسات حزبه الجمهوري المعادية تقليدياً لقضية التغير المناخي، وبخاصة لوبي شركات الفحم والنفط. وبالرغم من ذلك فقد نجح بوش في نيل مصادقة الكونجرس على الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، مما ساعد المجتمع الدولي على اتخاذ خطوات عملية جبارة في الاتجاه الصحيح، حيث بدأت المفاوضات الدولية الشاقة حول اتفاقية ملزمة للتغير المناخي في عام 1993، وانتهت بعد أربع سنوات عصيبة، وبالتحديد في ديسمبر 1997 في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في كيوتو باليابان، حيث وافقت دول العالم على معاهدة مشتركة ملزمة، تَعهدت فيها كل دولة على حِدة من الدول الصناعية على خفض انبعاثاتها من الغازات المعنية برفع درجة حرارة الأرض، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق من احتراق الوقود الأحفوري في السيارات، والطائرات، والمصانع، ومحطات توليد الطاقة.

 

فالولايات المتحدة الأمريكية وقعت على بروتوكول كيوتو في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، ثم عند دخول الجمهوري جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض أرجع عقارب الساعة إلى الوراء، فلم يوافق على البروتوكول، ورفض التصديق عليها، فأرجع المجتمع الدولي إلى المربع الأول والنقطة التي بدأ منها وهي عام 1992 مع قمة الأرض، حيث قام من جديد بمفاوضات ماراثونية دولية استغرقت عشرين عاماً، وبعد مخاضٍ عسيرٍ وشديد وضع مولوداً غير مكتمل النمو في ديسمبر 2015 في باريس.

 

وهنا أعاد التاريخ نفسه، فقد وقَّعت أمريكا عندما كان الديمقراطي أوباما يسكن في البيت الأبيض على هذه المعاهدة، ولكن بعد تربع ترمب الجمهوري دونالد ترمب على عرش البيت الأبيض، توعد أثناء حملاته الانتخابية الرأسية بالخروج من اتفاقية باريس، فكان دائماً معادياً لسياسيات التغير المناخي، ويعتبر القضية كلها "خدعة" ولا دور للإنسان في وقوعها، ولذلك أعلن ترمب في الأول من يونيو 2017 إعلانه المخيب لآمال الدول والشعوب عن انسحابه من اتفاقية باريس المتعلقة بمواجهة التغير المناخي وارتفاع سخونة الأرض، والتي تمخضت عن مفاوضات دولية كلفت الكثير من الجهد والمال والوقت، ووقعت عليها 195 دولة.

 

والآن مع بداية عهدٍ أمريكي جديد بزعامة جو بايدن، يترقب العالم كله من جديد مصير قضية العصر، فهل ستراوح في مكانها، أم أنها ستسير قدماً إلى الأمام؟

 

في الحقيقة فإنني أرى بأن التغير المناخي في زمن بايدن سيكون أوفر حظاً في المضي قدماً نحو الأمام ونحو اتخاذ خطوات عملية تتجه نحو خفض انبعاث الملوثات المتهمة برفع درجة حرارة الأرض لعدة أسباب منها:

أولاً: جو بايدن كان نائباً للرئيس في عهد أوباما الذي كان له اليد الطولى في هندسة اتفاقية باريس المناخية، ولذلك فسياساته المناخية لن تحيد كثيراً ولن تنحرف عن سياسات أوباما في قضية التغير المناخي.

ثانياً: منذ انتخابه رئيساً وضع قضية العصر في مقدمة أولوياته وفي الصفحة الأولى من جدول أعماله، حيث كلَّف جون كيري وزير الخارجية الأسبق في 24 نوفمبر بمتابعة ملف التغير المناخي، كما أنه وعد على أن يركب قطار باريس للتغير المناخي في أول يوم لتنصيبه رئيساً.

 

وبالرغم من ذلك فإن المشكلة في أمريكا لا تكمن فقط في سياسات ومواقف الرئيس الأمريكي نفسه، فالقرار ليس دائماً بيده، فهناك الكونجرس الذي يصادق في نهاية المطاف على الاتفاقيات الدولية، والحزبان الديمقراطي والجمهوري الذي لا ثالث لهما في السياسة الأمريكية هما اللذان يرفضان، أو يمنحان الثقة والموافقة على هذه الاتفاقيات، سواء أكانت متعلقة بالتغير المناخي أو غيرها، وحتى يومنا هذا لم تتضح الصورة بالنسبة للحزب الذي سيهيمن على الكونجرس.

 

وبناءً عليه لا يمكن الوثوق في أمريكا على المدى البعيد لقيادة دفة سفينة التغير المناخي، فتقلباتها السياسية كثيرة وغير متوقعة، ولدغ المجتمع الدولي مرتين منها.

الأربعاء، 9 ديسمبر 2020

بين سياسة ترمب وبايدن لمواجهة كورونا


لا شك بأن سياسة الرئيس المنتخب جو بايدن في مجال مكافحة وباء فيروس كورونا ستختلف جذرياً عن ترمب، الذي في واقع الأمر لم تكن لديه سياسة، أو استراتيجية واضحة المعالم على المدى القريب أو البعيد، وكان يفتقر إلى وجود خطة عملية مرسومة بدقة لمواجهة هذا الوباء الدولي العصيب والقاتل.

 

فالرئيس ترمب كان يدلي بتصريحات متناقضة ومختلفة في كل وقت ومبنية على آراء شخصية، ومواقف أهدافها سياسية بحتة، ففي البداية لم يعترف بوجود المرض كلياً، فاعتبر الوباء خدعة صينية، أو من إبداعات الحزب الديمقراطي، ثم بعد تفشي المرض في كل دول العالم ووصوله إلى عقر داره، قال في عدة مناسبات بأن هذا المرض بسيط، وأنه لا يختلف كثيراً عن مرض البرد العادي، أو الإنفلونزا الموسمية ويمكن السيطرة عليه والقضاء عليه كلياً، كما أدلى بتصريحات غير علمية ولا تستند إلى آراء العلماء والأطباء ولا تعتمد على أي دليل طبي من ناحية فاعلية وسلامة بعض الأدوية التي يمكن استخدامها لعلاج الوباء.

 

وفي الوقت نفسه فإن الرئيس ترمب لم يقرر اتخاذ أي إجراء على المستوى الاتحادي لخفض أعداد المصابين بالمرض، بل إنه كان يصر على عدم تعميم أخذ الفحوصات لمعرفة درجة العدوى في البلاد لتضليل الشعب بأن أعداد المصابين منخفضة، كما إنه لم يلزم الشعب الأمريكي على اتخاذ التدابير والإجراءات الشخصية الوقائية التي تبنتها كل دول العالم ونفذتها بصورة جماعية، مثل إغلاق المدن الأمريكية، أو لبس الكمامات الوقائية للفم والأنف، أو التباعد الاجتماعي وتجنب الاجتماعات واللقاءات الجماعية، بل كان يتحدى تنفيذ مثل هذه الإجراءات، فلا يرتدي كمامة إلا نادراً، ويتعمد إلى تنظيم اجتماعات وحملات انتخابية علنية وعامة دون أخذ أية احتياطات وقائية، سواء منه شخصياً أو من قبل الناس، كما كان في الوقت نفسه يهمش نتائج الدراسات العلمية، ويقلل من شأن ورأي العلم والعلماء، بل ويهاجمهم إذا اختلفوا معه في الرأي، وذلك حفاظاً على كرسيه في البيت الأبيض، وحماية للاقتصاد من التدهور.       

 

 ولذلك أجمع الكثير من العلماء على أن ترمب يهدد العلم والبحث العلمي، ويسبب عدم ثقة الشعب الأمريكي بالعلماء ونتائج دراساتهم العلمية، فاضطروا إلى الدعوة للتصويت لبايدن. فعلى سبيل المثال نشر 81 عالماً من الذين نالوا شرف جائزة نوبل خطاباً يدعون فيه إلى عدم ترشيح ترمب، كما أن مجلة "العلم"(Science) التي تصدر منذ عام 1880، أي عمرها 140 عاماً، إضافة إلى مجلة نيو إنجلند للطب(The New England Journal of Medicine) التي تُعتبر من أقدم وأعرق المجلات العلمية وأكثرها مصداقية في مجال الطب ولها وزنها الثقيل بين جميع علماء العالم، والتي بدأت في الإصدار في عام 1812، أي قبل 208 سنة، ومجلة "العلمي الأمريكي"( Scientific American)التي يبلغ عمر صدورها أكثر من قرن، كلها دعت إلى عدم التصويت لترمب.

 

أما الرئيس المنتخب بايدن، فأستطيع من خلال تحليل تصريحاته وخطبه أثناء حملته الانتخابية وبعد إنتخابه رئيساً، وقراءة مواقفه أن أؤكد بأنه اعتمد مدخلاً وسياسة مختلفة كلياً عن ترمب. فأما المدخل الأول فهو إعادة الثقة بالعلماء والخبراء والاستناد في قراره وسياساته على نتائج أبحاثهم، حيث تمثلت خطوته الأولى في الإعلان في التاسع من نوفمبر عن تشكيل مجلس استشاري يتألف من كبار العلماء والأطباء المختصين في مجال الأمراض المعدية والصحة العام، إضافة إلى وضع استراتيجية حديثة مبنية على العلم وآراء العلماء، وتستند إلى الدراسات العلمية المتعلقة بالفيروس، وفي الوقت نفسه طلب من أنتوني فوشي العضو الحالي في فريق عمل ترمب لفيروس كورونا ومدير المعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية بأن يعمل كمستشار طبي رئيس له، وعضو في اللجنة المختصة بمكافحة كورونا.

 

وأما المدخل الثاني فيتمثل في تنفيذ إجراءات محددة لمواجهة المرض ومنع انتشاره بين الشعب الأمريكي، إضافة إلى تجنب إغلاق مدن أمريكا وضرب الاقتصاد الأمريكي، أي التوازن ما بين حماية صحة الشعب وحماية اقتصاد البلاد، ومنها إلزام الشعب الأمريكي للبس الكمامة لمدة مائة يوم فقط كخطوة أمامية ووقائية من المرض، والخط الدفاعي الأول لمكافحته، حيث صرح في الرابع من ديسمبر بأنه سيطلب من الشعب الأمريكي لبس الكمامة للمائة يوم الأولى من بعد تسلمه لقيادة البيت الأبيض وتسلمه لزمام الأمور، فقال: "مائة يوم فقط وليس للأبد، مائة يوم وسنرى انخفاضاً ملحوظاً".

 

وأما المدخل الثالث فهو السياسة العلاجية ومنع المرض والتي تتمثل في تقوية ثقة الجمهور بفاعلية وسلامة اللقاح الخاص بفيروس كورونا، حيث أكد ثلاثة رؤساء أمريكيين سابقين في الثالث من ديسمبر، وهم كلينتون وبوش وأوباما، إضافة إلى الرئيس المنتخب جو بايدن نفسه، بأنهم سيكونون في مقدمة المتلقين لجرعاتٍ من اللقاح أمام الشعب الأمريكي لتزيد ثقته بأنه آمن وفاعل وسليم.

 

وأما السياسة الرابعة، أو المدخل الرابع فيكمن في توسعة برنامج إجراء الاختبارات للفيروس للأمريكيين في جميع المدن والولايات، ووضع نظام لمتابعة الحالات المصابة عن قرب، ومراقبة وتسجيل مخالطاتهم مع الناس، وإنشاء ما يعرف "لوحة الوباء القومي"(Nationwide Pandemic Dashboard) لمعرفة مدى انتشار وتفشي المرض وتسجيل كل الحالات.

 

وأما السياسة الخامسة فهي التعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة وباء فيروس كورونا، وتبادل الخبرات والمعلومات عن كل ما يتعلق بالفيروس، وفي هذا الصدد تعهد بإعادة عضوية أمريكا في منظمة الصحة العالمية والقيام بدعمها مالياً وفنياً وتقنياً.

 

والسياسة السادسة فتتمثل في تحقيق العدالة في توزيع الخدمات الصحية والمرافق الصحية العامة وتوفيرها للجميع بالتساوي بالنسبة لمكافحة الأمراض عامة مرض كورونا خاصة، حيث إن الدارسات أفادت إلى أن الأقليات من الفقراء والمهمشين هم الأكثر إصابة وموت من الفيروس، مثل السود والسكان الأمريكيين الأصليين.

 

ومع كل هذه السياسات المشرقة والإيجابية، هل سينجح بايدن في وقف النزيف الأمريكي من أعداد الموتى والمصابين، التي بلغت أكثر من 14.6 مليون مريض بالفيروس، ونحو 300 ألف لقوا حتفهم ونقلوا إلى مثواهم الأخير؟

 

الأحد، 6 ديسمبر 2020

سيارات الجازولين في مفترق طرق

أعلن رئيس وزراء بريطانيا بورس جونسون في 20 نوفمبر من العام الجاري بأن بريطانيا ستتوقف عن بيع جميع أنواع السيارات التي تعمل بوقود الجازولين والديزل بحلول عام 2030، كما أفاد بأنه سيخصص مبلغ 12 بليون جنيه للاستثمار في ما أَطلق عليه بـ "الانقلاب الصناعي الأخضر"، وأن هذا الانقلاب سيحدث "الطفرة البيئية"( eco-boom) المنتظرة، ومن بينها تخصيص 582 جنيهاً للسيارات الكهربائية.

 

وجدير بالذكر فإن الاتحاد الأوروبي اتخذ قراراً قبل سنوات بأن منع بيع مثل هذه السيارات سيبدأ في عام 2040، أي أن بريطانيا ستبدأ في تطبيق هذا البرنامج الأوروبي مبكراً وقبل الاتحاد الأوروبي بخمس سنوات، كما أن دولاً أخرى ستتبنى السياسة نفسها وتعتزم تقديم برنامج التخلص من سيارات الجازولين والديزل وإحالتها على التقاعد المبكر، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، حسب إعلان جو بايدن الرئيس المنتخب والمنشور في صحيفة الواشنطن تايمس في 17 نوفمبر من العام الجاري ضمن خطته حول المناخ والطاقة، حيث أكد على أنه سيُحول أُسطول السيارات الفيدرالية الحكومية الذي يبلغ عدده 650 ألف إلى سيارات كهربائية، كما أكد حاكم ولاية كاليفورنيا بأنه بحلول عام 2035 ستكون جميع السيارات في كاليفورنيا لا تنبعث منها أية ملوثات.

 

فهذه المبادرات البريطانية والأوروبية والأمريكية الطموحة تصب في تنفيذ سياسة عامة واستراتيجية مستقبلية لتحقيق التنمية المستدامة في قطاع المواصلات والقيام بالانقلاب الصناعي الأخضر في كافة القطاعات الصناعية وغير الصناعية. 

 

فمثل هذه السياسات الحكومية الرسمية توفر غطاءً سياسياً قانونياً للشركات والمصانع المنتجة للسيارات بشكلٍ عام، وبخاصة السيارات الكهربائية، فتوفر لها الأمان والضمان الاقتصادي عند الاستثمار في السيارات البديلة عن السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري النفطي، أو الغاز الطبيعي، كما إن هذه السياسات المعتمدة إقليمياً ودولياً تشجع كافة المستثمرين والمنتجين للسيارات إلى ضخ أموالٍ كبيرة لتمويل ودعم وتطوير السيارات النظيفة غير الملوثة للبيئة، والمعتمدة على مصادر الطاقة المتجددة وغير الناضبة.

 

فعلى سبيل المثال، أعلنت الشركات الألمانية المنتجة للسيارات مؤخراً بأنها ستضخ مبلغاً وقدره قرابة 68 بليون دولار لتطوير وإنتاج السيارات الكهربائية، إضافة إلى السيارات ذاتية التشغيل، فشركة فولكس واجن الألمانية، وهي أكبر شركة مصنعة للسيارات، بدأت سباق الماراثون نحو السيارات الكهربائية بخطى واسعة وسريعة، حيث عقدت صفقة مع شركة نورث فولت السويدية(Northvolt) لإنشاء مصنعٍ لصناعة بطاريات أيونات الليثيوم للسيارات الكهربائية في ألمانيا، حيث بلغت قيمة الاستثمار النهائي نحو 33 بليون دولار خلال الأربع سنوات القادمة.

 

فما موقف دول مجلس التعاون، والبحرين بالتحديد من هذه التحولات الجذرية والتغييرات السياسية في مجال المواصلات عامة، وسيارات الجازولين والديزل خاصة؟

 

أما بالنسبة للبحرين فهناك العديد من المبررات والعوامل التي تفرض علينا تبني سياسات محددة في قطاع المواصلات، وبالتحديد بالنسبة للسيارات التي تسير في شوارعنا. أما المبرر الأول فهو الازدحام المتزايد للسيارات في شوارعنا المحدودة والضيقة نسبياً مقارنة بمساحة البحرين الصغيرة جداً، ففي عام 2015 كان عدد السيارات المسجلة 545 ألف، ثم قفز إلى 653 ألف في عام 2016، وفي عام 2017 زاد مرة أخرى فبلغ 686150، واليوم وصلت السيارات إلى أكثر من 711 ألف، أي بزيادة سنوية أعلى من 10%، وهذه الزيادة مستمرة وبمستويات عالية، ولن تتوقف إذا تركنا كما يقول المثل "الحبل على الغارب"، وكأن شيئاً لم يكن، وبالتالي تُعد البحرين مقارنة بدول العالم من أشدها كثافة مرورية!

 

وهذه الظاهرة غير الطبيعية يكتوي كل الناس من تداعياتها، وبالتحديد المتمثلة في الاكتظاظ المروري العقيم في كل شوارع البحرين وفي جميع الأوقات من اليوم، بحيث إن أخلاقيات الناس وسلوكياتهم وتصرفاتهم أثناء السياقة قد تغيرت وأصبحت أكثر حدة وأنانية وغضب نتيجة لطول الانتظار في الشوارع، وبطء الحركة المرورية.

 

فشدة الازدحام هي واحدة فقط من التداعيات والانعكاسات التي تنتج عن ظاهرة الازدياد المتعاظم في أعداد السيارات، وهي من أشدها وطأة على الناس لأنهم يشاهدونها أمامهم كل ساعة من اليوم والليلة ويعانون منها بشكلٍ مباشر. ولكن في الوقت نفسه يجب ألا نحصر ونختزل مردودات ارتفاع أعداد السيارات في قضية الازدحام المروري فقط والحوادث المؤلمة التي نراها أمامنا في كل يوم، فهناك تداعيات أخرى كثيرة ومتشعبة لا تقل تأثيراً علينا وعلى صحتنا وبيئتنا وتنميتنا وأمن الطاقة في بلادنا من الازدحام.

 

فهناك الجانب البيئي الصحي المتمثل في ارتفاع نسبة الملوثات التي تنبعث من عوادم أكثر من 711 ألف سيارة،  كما أن مشكلة السيارات تتمثل أيضاً في آلاف الأطنان من المخلفات السائلة والصلبة التي تنتج يومياً من الصيانة الدورية للسيارات، إضافة إلى مخلفات السيارات القديمة نفسها بعد أن ينتهي عمرها الافتراضي، فكل هذه المخلفات تشكل تحدياً كبيراً للمسؤولين عنها، وبحاجة إلى إدارة سليمة من الناحيتين البيئية والصحية. 

 

كذلك فإن ظاهرة الازدياد في السيارات تمثل عبئاً كبيراً على أمن الطاقة في البحرين، وبخاصة الجهات المعنية عن تكرير النفط وتوفير وقود السيارات من جازولين وديزل بشكلٍ يومي لهذه الأعداد المهولة التي تستنزف مع الوقت هذا المصدر غير المتجدد والناضب للطاقة وبالتحديد لوقود السيارات.

 

وجدير بالذكر فإن برنامج عمل الحكومة يحتوي على بنود تتناول هذه الجوانب المتعلقة بأمن الطاقة، مع العناية الخاصة بمصادر الطاقة البديلة، ففي" مجال البيئة واستخدام الموارد، يتم العمل على تنظيم الحماية والاستدامة البيئية، وتحسين كفاءة استخدام وترشيد استهلاك الموارد والطاقة، وتشجيع إنتاج واستخدام الطاقة المتجددة والاستثمار فيها".

 

ولكن برنامج الحكومة، هو في الحقيقة ليست برامج، فهي عبارة عن سياسات عامة، فلا يُقدم برنامج الحكومة الخطوات العملية التي ستتخذها من أجل تنفيذ هذه السياسات على أرض الواقع، ولا يقدم الحدود الزمانية والمكانية لتنفيذه، إضافة إلى معرفة الجهة المسؤولة عن تنفيذ كل برنامج على حدة حتى تكون هناك متابعة ومحاسبة لهذه الجهة.

 

ولذلك في مجال المواصلات، وبالتحديد السيارات، أُقدم التصورات التالية استناداً إلى سياسات وبرامج الحكومة والتوجهات الدولية، كما يلي:

أولاً: على الحكومة العمل بسياسة "التنوع في مصادر الوقود للسيارات"، فلا تعتمد كلياً على مصادر الطاقة الأحفورية غير المتجددة والملوثة للبيئة كالجازولين والديزل، وإنما تسعى من الآن إلى إدخال مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، مثل الطاقة الكهربائية وغيرها لتشغيل السيارات، أي تشجيع وتحفيز القطاع الخاص على استيراد السيارات الكهربائية، وتوفير البنية التحتية اللازمة لها، وبخاصة محطات شحن السيارة بالكهرباء.

ثانياً: على الحكومة تحديد مؤشرات تحقيق التنمية المستدامة في قطاع المواصلات من أجل تقييم وقياس مدى نجاح وفاعلية هذا البرنامج، منها التغير السنوي في استهلاك وقود السيارات، ومنها نسبة الملوثات التي تنطلق من هذا القطاع، وبخاصة المتعلقة بالتغير المناخي مثل غاز ثاني أكسيد الكربون.   

 

الأربعاء، 2 ديسمبر 2020

تداعيات غزو الفلوجة باقية


الحروب مهما طالتْ فستنتهي حتماً ولن تستمر إلى الأبد، ولكن إفرازات هذه الحروب وتأثيراتها المدمرة تبقى معنا سنواتٍ عجاف طويلة لا تكاد تنتهي، فبعضها يجثم في بيئتنا، في البر والبحر، وبعضها يمكث ويتراكم في أجسادنا.

 

فالإنسان وبعد عقود طويلة من انتهاء الحرب العالمية الأولى والثانية، مازال يكتشف بين الحين والآخر، وحتى يومنا هذا مخلفات قابعة في أعماق البحار والمحيطات، من طائرات وسفن غارقة في عمق البحر، أو بقايا ذخائر وقنابل لم تنفجر نزلت في البحر فدفنت في مقبرة التربة القاعية، أو مخلفات أخرى مازالت حية ونشطة وقابلة للانفجار تهدد حياة البشر، ونسمع عنها ويكتشفها الإنسان في المدن العريقة المكتظة بالسكان.

 

ولكن ما هو أخطر من هذا النوع من المخلفات الصلبة الكبيرة الحجم هو المخلفات التي لها القدرة على البقاء في بيئتنا خالدة مخلدة آلاف السنين وهي تبث سمومها القاتلة في مكونات بيئتنا، فلا تهدد الأجيال الحالية فحسب وإنما ينتقل تأثيرها إلى الأجيال القادمة من بعدنا.

 

فهناك على سبيل المثال المخلفات العضوية الثابتة والمستقرة التي لا تتحلل، ولذلك إذا دخلت في البيئة تتراكم فيها، ويرتفع تركيزها يوماً بعد يوم، حتى تنتقل في نهاية المطاف إلى الإنسان، كالعميل البرتقالي، وهو مبيد للأعشاب والغابات استعمله الجيش الأمريكي في الفترة من 1961 إلى 1971 من القرن المنصرم أثناء غزو فيتنام لتدمير وإزالة الغابات والأحراش مصدر الغذاء والأمان والملجىء للفيتناميين المقاومين للاحتلال الأمريكي. فمكونات هذا المبيد وبالتحديد مجموعة مركبات "الديكسين" الشديدة الخطورة مازالت موجودة في عناصر البيئة الفيتنامية وأجسام البشر والحياة الفطرية، وتنتقل من جيل إلى آخر، فتعرضهم للأسقام والعلل المزمنة والمستعصية، فهذه المركبات ثابتة ومستقرة ولا تتحلل عند دخولها في جسم البيئة ولها القدرة على الذوبان والتراكم في الشحوم والدهون، سواء أكانت البشر أو الحيوانات، بل وإن هذا السم تم اكتشافه بتراكيز مرتفعة في حليب الأم الفيتنامية بعد قرابة أربعة عقود من رش المبيد، حسب الدراسة المنشورة في مجلة أمريكية هي "علم وتقنية البيئة" في الأول من أغسطس من 2011.

 

وهناك الملوثات المشعة المتمثلة في قنابل الدمار الشامل التي أمطرها الجيش الأمريكي أيضاً على مدينتي هيروشيما وناجازاكي أثناء الحرب العالمية الثانية، وهذه المواد المشعة التي نزلت على اليابان مازالت تعيش معهم وتعكر عليهم حياتهم، فهي دخلت إلى بيئة اليابان في عام 1946 وهي نفسها مازالت موجودة تنبض بالحياة والحركة في أجسام اليابانيين، وتسبب لهم الأمراض المخيفة.

 

كذلك هناك الذخائر التي تحتوي على عناصر مشعة كاليورانيوم، وبالتحديد اليورانيوم المستنفذ، أو الناضب(depleted uranium) الذي استخدمه الجيش الأمريكي ولأول مرة أثناء حروب الخليج في عام 1991 و 2003، وبالتحديد أثناء غزو مدينة الفلوجة بالقرب من بغداد في عام 2003 و 2004. وقد ذكَّرني المقال المنشور في مجلة الأمة الأمريكية(The Nation) في 16 نوفمبر تحت عنوان: "أطفال فلوجه: الحالة الطبية الغامضة في قلب محرقة العراق" إلى خطورة هذه المواد المشعة التي تنبعث عند إطلاق هذه الذخائر الحية المشعة إلى الهواء الجوي وإحداث التفجيرات على الأرض، وتأثير هذه العمليات على الإنسان وبيئته عامة، وعلى الأطفال خاصة. وفي الحقيقة أنني كتبتُ عدة مقالات في السابق لأُنبه إلى تهديدات اليورانيوم المشع والأسلحة الأخرى التي استخدمها الجيش الأمريكي والجيوش الأخرى التي شاركت في الحرب على الشعب العراقي عامة، وسكان الفلوجة خاصة أثناء الغزو الأمريكي للعراق، منها المقال المنشور في 12 أغسطس 2011 تحت عنوان:  "غزو فيتنام والعراق والتداعيات البيئية والصحية"، والثاني المنشور في 29 أكتوبر 2012 وعنوانه:" التشوه الخَلْقي للأطفال في العراق"، والثالث في 10 نوفمبر 2012 تحت عنوان: "اعتراف أمريكي بالجرائم البيئية في العراق".

 

فقد أشارت عدة دراسات إلى أن استخدام الجيش الأمريكي لليورانيوم الناضب وأنواع أخرى من الأسلحة والقنابل، إضافة إلى تفجير العشرات من المصانع الكيميائية السامة والخطرة، كلها أدت وبشكل تراكمي إلى أزمات صحية خانقة ليست لسكان الفلوجة فحسب، والذي أَطلقَ فيه الجيش الأمريكي نحو 1.3 طن من ذخائر اليورانيوم، وإنما للجنود الأمريكيين الذين قاتلوا في حرب الخليج على حدٍ سواء، حيث أُصيب الآلاف منهم بمرضٍ جديد وغريب لم يعرفه الطب من قبل، وأُطلق عليه "بمرض أو ظاهرة حرب الخليج"، وهذا المرض مازال يحير عقول أطباء أمريكا، فلم يحددوا حتى يومنا هذا أسباب تعرض الجنود لهذا المرض العصيب الغامض.

 

وأما بالنسبة لسكان الفلوجة فقد أفادت عدة أبحاث ميدانية عن انكشاف عدة مظاهر صحية غريبة، وعن ارتفاع مطرد في الإصابة ببعض الأمراض المستعصية وفي مقدمتها السرطان. وأما المظاهر فتمثلت بشكلٍ واضح في زيادة حالات الإجهاض والولادة المبكرة، وزيادة ملحوظة في حالات وفيات الأجنة بعد الولادة، إضافة إلى ولادة الأطفال المشوهين والذين يعانون من عيوب خَلْقية غريبة، وبالتحديد ولادة أطفال بدون أنف، أو بدون جماجم، أو خروج بعض الأعضاء من البطن، أو التصاق الأعضاء ببعض مثل الأرجل. 

 

وقد أفادت بعض التقارير بأن عدد حالات ولادة الأطفال الذين بهم عيوب خلقية كان 1.37 لكل 1000 ولادة، ثم زاد إلى 7.6 لكل 1000 في الفترة من 1988 إلى 1992، ثم ارتفع إلى 26.2 مولود خلال الفترة من 2003 إلى 2007 لكل 1000 ولادة، وأخيراً في الفترة من 2007 إلى 2011 تضاعف 17 مرة عن السنوات الماضية، وأما بالنسبة لحالات الإجهاض للنساء الحوامل فقد زادت من 10% قبل الغزو إلى 45%. فكل هذه الأزمات الصحية التي انكشفت في العراق كانت بسبب الحروب المؤسفة التي وقعت في الخليج، ونتيجة مباشرة للعديد من الممارسات العسكرية غير المسموح بها دولياً والتي قام به الجيش الأمريكي خاصة وجيوش الدول الغربية الأخرى التي شاركت في الحرب عامة.

 

فالنتيجة هي تعاون وتراكم كل هذه الممارسات الخاطئة المهلكة للحرث والنسل والبيئة طوال العقود الماضية أثناء فترة الحروب، وليس بسبب عامل واحدٍ فقط، أو مصدر وحيد للتلوث، حيث إن الملوثات التي انطلقت من كل هذه المصادر والعمليات العسكرية من مواد مشعة، وملوثات كيميائية سامة ومسرطنة، كلها تجمعت وتراكمت في مكونات البيئة من هواء وماء وتربة يوماً بعد يوم، ثم انتقلت إلى الحياة الفطرية النباتية والحيوانية، وأخيراً وصلت إلى أعضاء جسم الإنسان وبدأت في التراكم والتركيز في خلاياه والانتقال من الأم إلى جنينها، ومن جيلٍ إلى آخر، فظهرت كل هذه التنقلات من البيئة إلى الإنسان على شكل أمراض مزمنة، وتعقيدات في الحمل والولادة، وعيوب وتشوهات في الأجنة، وهذه المظاهر المؤلمة مازالت موجودة ويعاني منها الأطفال بشكلٍ خاص، والحكومة الأمريكية تخلت عنهم وكأنها لم تفعل شيئاً طوال سنوات الحروب.