الثلاثاء، 11 مايو 2021

اعتراف نادر من رئيس أمريكي

بعد مرور مائة يوم على دخوله في البيت الأبيض واستلامه لمقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، ألقى الرئيس جو بايدن خطاباً للكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب في 28 أبريل من العام الجاري، وفي هذا الخطاب الأول للكونجرس، ألقى بايدن الضوء على عدة قضايا رئيسة تهم الشعب الأمريكي من بينها انتشار فيروس كورونا على المستويين القومي والدولي وجهود حكومته في مكافحته والتصدي له، ثم حدد سياسته بالنسبة للعلاقة مع الصين والتي يريدها أن تكون منافسة شريفة بين الدولتين ولا يريدها أن تتحول إلى مواجهة وصراع محتدم يخرج منه الجميع خاسراً، كما قدم برنامجه الطموح جداً وهو إنفاق تريليونات من الدولارات على تحديث وتطوير البنية التحتية للولايات الأمريكية، حيث إن هذا البرنامج يضرب ثلاثة عصافير بحجرٍ واحد فقط. فهذا البرنامج يحرك مياه الاقتصاد الآسنة والراكدة منذ غزو فيروس كورونا للمجتمع البشري، ويخلق في الوقت نفسه الوظائف التي فُقدت بسبب وباء كورونا، كما أن هذا البرنامج يصب في مكافحة قضية العصر وهي التغير المناخي.

وفي خضم كلمته عرَّج بشيء من الإسهاب على أطول حربٍ تخوضها أمريكا، وهي غزو واحتلال أفغانستان منذ أكثر من عشرين عاماً، حيث وصف هذه الحرب الضروس بأنها حرب "متعددة الأجيال"، أي أن عدة أجيال من الأمريكيين شاركوا في هذه الحرب التي تكاد لا تنتهي من أجل محاربة الإرهابين الذين ارتكبوا كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001.

كذلك بيَّن أمراً مهماً جداً وهو أن شبكات الإرهاب الدولي انتقلت حالياً خارج البلاد، كما حذَّر بأن جماعات تفوق العرق الأبيض تمثل تهديداً أكبر من الجماعات الأجنبية، فقال الرئيس: "لا تخطئ. خلال العشرين سنة، الإرهابيين _ الإرهاب ازداد في حجمه. التهديد انتقل إلى خارج أفغانستان"، كما أضاف قائلاً: "الذين يعملون في اللجان الاستخباراتية، لجنة العلاقات الخارجية، اللجان الدفاعية، أنتم تعلمون جيداً، فعلينا أن نبقى يقظين أمام التهديدات للولايات المتحدة من أي مكان تأتي منها"، ثم ركز اهتمامه على التهديدات الإرهابية الداخلية، حيث قال:" نحن لن نتجاهل ما حددته وكالاتنا الاستخباراتية بالتهديد الإرهابي الأشد على أرضنا اليوم: جماعات تفوق العرق الأبيض يُعد إرهاباً، ولن نتجاهل هذا أيضاً".

فهذه التصريحات والاعترافات الواضحة التي لا لبس فيها، وغير المسبوقة، تؤكد بأن الجماعات التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض تُعد تهديداً إرهابياً للداخل الأمريكي، ويفوق هذا التهديد كثيراً الإرهاب من الجماعات التي تدَّعي الإسلام، كالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. وهذه الاعترافات تعد في تقديري نادرة من قبل رئيسٍ أمريكي، حيث إن الرئيس السابق ترمب كان يتجاهل كلياً تهديدات اليمين المسيحي المتطرف، من جماعات تفوق العرق الأبيض، ومن الميليشيات اليمينية العنيفة المسلحة، والجماعات الأخرى، بل وإنه في الوقت نفسه كان يشجع أنشطة هذه الجماعات العلنية العنصرية والمتطرفة. ومن أكثر هذه الأنشطة وضوحاً وقوة، تلك المسيرة التاريخية المشهورة التي اعتُبرت منعطف طريق للجماعات المسيحية العنيفة والمتشددة في النشر العلني لمعتقداتهم وسياساتهم البغيضة، والظهور العلني بعنصريتهم وتطرفهم دون حياء أو تردد أمام الناس، وهذه المسيرة نُظمت في 11 أغسطس 2017 في جامعة فيرجينيا في مدينة(Charlottesville) تحت شعار "وحدوا اليمين". فقد خرج هؤلاء الشباب من اليمين المسيحي المتطرف يعلنون أمام الملأ عن تشددهم، وعنصريتهم، وكرههم للآخرين، حيث رفعوا شعارات، ورددوا هتافات عنصرية خطيرة تهدد وحدة المجتمع الأمريكي، منها على سبيل المثال: "حياة البيض تهم"، ومنها "أنتم لن تستبدلوننا"، ومنها أيضاً "اليهود لن يستبدلوننا".

 فمثل هذه الأنشطة كانت تَلْقى الدعم الكلي من الرئيس ترمب، وكان الدعم يتمثل في عدة أوجه منها عدم انتقاد مثل هذه الشعارات والمعتقدات، ومنها منع نشر أية تقارير رسمية من الأجهزة الحكومية الأمنية والاستخباراتية التي تشير إلى التهديدات التي تمثلها هذه الأجهزة للأمن القومي الأمريكي، أو في الأقل عندما تزيد عليه الضغوط من هذه الوكالات الأمنية ويواجه بالحقائق والإحصاءات الميدانية، كان يخفف لهجة هذه التقارير، ويحاول تغيير صياغتها وشدة كلماتها وتحويل محتواها من التركيز على هذه الجماعات إلى التركيز على جماعات اليسار(Antifa).   

ولذلك شدد الرئيس بايدن على هذه الحقيقة المتمثلة في أن جماعات اليمين المسيحي المتطرف تُعتبر جماعات إرهابية، وتُمثل التهديد الأول للأمن القومي الأمريكي، ولذلك يجب كبح جماحها والتصدي لها. وهذه الحقيقة التي ذكرها بايدن في أول خطاب له، استندت على العديد من الوقائع الميدانية والتقارير الأمنية الجامعة. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، أفادت دراسة أجريت في الفترة من الأول من يناير 2020 إلى 31 أغسطس من العام نفسه، ونشرتها مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية(Center for Strategic and International Studies)في العاصمة الأمريكية واشنطن في 22 أكتوبر 2020 تحت عنوان: "الحرب تأتي إلى بلادنا: بزوغ الإرهاب الداخلي في الولايات المتحدة"، بأن 67% من المؤامرات والهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة في عام 2020، تقف وراءها جماعات عنصرية يمينية مسيحية تعتقد بتفوق العرق الأبيض، أو مجموعات يمينية مسلحة تؤمن بالتوجهات نفسها.

كذلك هناك التقرير الجماعي المشترك الصادر لأول مرة من "مكتب مدير المخابرات القومية"(Director of National Intelligence) في 17 مارس من العام الجاري تحت عنوان: "التهديد المتنامي من التطرف العنيف الداخلي". وتأتي مصداقية محتوى هذا التقرير أنه لم تكتبه وكالة أمنية أمريكية واحدة منفصلة عن الوكالات الأخرى، ولكنه نُشر كمجهود جماعي مشترك، حَمَل معه كافة وجهات النظر والآراء والتقييمات المختلفة من جميع الجهات المعنية، وبالتنسيق والتعاون مع الوزارات الحكومية كوزارة العدل ووزارة الأمن الداخلي. ومن الوكالات الأمنية التي ساهمت في إعداد التقرير هي المركز القومي لمكافحة الإرهاب، ومكتب التحقيقات الفيدرالية، ووكالة المخابرات المركزية، ووكالة مخابرات الدفاع. وقد وَردتْ في الملخص التنفيذي للتقرير عدة نقاط جوهرية ومحورية في قضية التهديدات الناجمة عن "الإرهاب الداخلي" وأهم مصادره على المستوى الاتحادي، ومنها ما يلي:

أولاً: المتشددون المحليون العنيفون(Domestic Violent Extremists) يُشكلون "تهديداً كبيراً" لأمن واستقرار البلاد، وهؤلاء يمثلون عدة مجموعات منها الجماعات المسيحية اليمينية، وجماعات تفوق العرق الأبيض، والميليشيات المسلحة، إضافة إلى الجماعات المؤمنة بنظرية مؤامرة كُيو أنُون التي تنشر الكثير من المعلومات المضللة والكاذبة والغريبة، ومنها أخيراً بأن الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2020 كانت مزورة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، كما أضاف التقرير بأن دوافع هذه المجموعات للقيام بالأعمال الإرهابية العنيفة قد تكون عنصرية، أو عرقية، أو تحدي الإجراءات الحكومية المتعلقة بفيروس كورونا، أو  كُره الحكومة الاتحادية.

ثانياً: جماعات تفوق العرق الأبيض الأمريكية لها اتصالات مباشرة مستمرة وتأثير متبادل مع مجموعات تؤمن بالفكر نفسه في دول أخرى، وبالتحديد في أوروبا وأستراليا، مثل الجماعات اليمينية المسيحية القومية، أو جماعات النازيون الجدد، كما أن بعض الأفراد الأمريكيين الذين ينتمون إلى الجماعات اليمينية قد سافر إلى أوروبا للاتصال والتواصل والتشاور مع هذه المجموعات الأوروبية.

 

ومن الوقائع الميدانية التي اعتمد عليها بايدن في كلمته حول تهديدات اليمين المسيحي المتطرف هي شهادة كريستوفر راي(Christopher Wray) رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي في جلسة الاستماع لمجلس الشيوخ في الأول من مارس من العام الحالي أمام اللجنة القضائية(Senate Judiciary Committee)، حيث قال بأن المكتب "يصنِّف احتجاز واقتحام مبنى الكابيتال بأنه إرهاب محلي، وليس له مكانه في ديمقراطيتنا، وتَحمُل مثل هذا العمل يُعد سخرية لحكم القانون في أمتنا"، كما أضاف بأن "حادثة السادس من يناير ليست فردية، فمشكلة الإرهاب الداخلي تنمو وتتفاقم في كل أنحاء البلاد لفترة طويلة من الزمن ولن تزول في القريب العاجل"، واختتم شهادته قائلاً: "التهديدات ذات الأولوية هي من التطرف العنيف مثل آيسِس(تنظيم الدولة الإسلامية) والتشدد العنيف الداخلي".

 

كذلك لم يتجاهل بايدن محاولة الانقلاب الفاشلة التي كَشَفَ النقاب عنها مكتب التحقيقات الفيدرالية في أكتوبر 2020 عندما خططت جماعة يمينية مسيحية مسلحة لخطف حاكمة ولاية ميشيجن وحاكم ولاية فيرجينيا، إضافة على شراء الأسلحة والمتفجرات للقيام بأعمال تخريبية منها تفجير الجسور.

وبعد هذه الاعترافات الرسمية من أعلى سلطة في الهرم الحكومي في الولايات المتحدة الأمريكية والمتعلقة بتغلغل الإرهاب المسيحي اليميني المتطرف في المجتمع الأمريكي، أدعو باقي الدول الغربية، مثل فرنسا، وهولندا، وألمانيا، وإنجلترا إلى التنبه إلى خطورة وتهديدات الإرهاب اليميني، سواء من الداخل أو من الخارج، حيث أكدت التقارير الاستخباراتية على وجود شبكة تواصل دولية تجمع وتنسق بين هذه الجماعات المسيحية الإرهابية. 

  

الجمعة، 7 مايو 2021

هل سيتحول اللقاح إلى قوة ناعمة؟


استوقفني التقرير من المنشور في 29 أبريل من العام الجاري من شركة أمريكية متعددة الجنسيات تعمل في مجال التقنيات والمعلومات العلمية الصحية حول العالم، وهي شركة إيكويفيا(IQVIA Holdings Inc). هذا التقرير صدر تحت عنوان:" الإنفاق الدولي واستخدام الأدوية"، حيث قدم تقديراً أولياً حول الإنفاق الإجمالي لدول العالم جمعاء على الأدوية بشكلٍ عام وعلى اللقاحات الخاصة بمكافحة فيروس كورونا المسبب لمرض كوفيد_19، حيث أفادت الدراسة بأن الإنفاق الدولي على الأدوية بشكلٍ عام سيبلغ 1.6 تريليون دولار بحلول عام 2025، في حين أن الإنفاق الإجمالي العالمي على لقاحات التصدي لكوفيد_19 ستبلغ قرابة 157 بليون دولار أمريكي بحلول عام 2025. وفي الوقت نفسه أعلنت شركة فايزر الأمريكية في الرابع من مايو من العام الجاري بأن أرباحها من بيع اللقاح ستصل إلى زهاء 26 بليون دولار مع نهاية عام 2021.

 

فهذا الإنفاق العظيم، وهذه التجارة التي لن تبور ولن تنتهي عند الدخول في إنتاج وتصنيع لقاحات فيروس كورونا لا شك بأنها ستثير وتحفز دول العالم الصناعية المتقدمة، الغربية منها والشرقية في كيفية الاستغلال الأمثل لهذا المال الوفير المستدام من الناحيتين السياسية والأمنية، إضافة إلى الاستثمار في حاجة حكومات وشعوب العالم الملحة إلى هذه اللقاحات، وبأسرع وقت ممكن، لحمايتهم من المرض الحتمي والموت البطيء القادم.

 

ولذلك فقد بدأت بعض الدول المصنعة للقاحات، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا، باستغلال هذه الكارثة الصحية العقيمة والأموال التي ستتدفق منها والأرباح التي ستجني من إنتاجها، وحولتها إلى "قوة ناعمة فاعلة"، وورقة سياسية رابحة وبريئة للتأثير على هذه الحكومات التي هي بأمس الحاجة إلى جرعاتٍ من هذه اللقاحات لحماية شعوبها لسنوات طويلة قادمة، إضافة إلى جعل حاجة الناس للقاح وتقديم هذه اللقاحات لهم بشكلٍ مستمر كمدخل ومبرر ناعم وإنساني لغرس ونشر ثقافتها وكسب ود الشعوب ورضاها والإعجاب بدعمها، ثم التغلغل ببطء في تغيير سياساتها وأفكارها، وأخيراً بسط هيمنتها بطريقة أو بأخرى على هذه الدول والشعوب الفقيرة والمستضعفة النامية والمحتاجة، وكل هذه الإنجازات الأمنية السياسية يمكن تحقيقها دون الحاجة، كما كان سابقاً، إلى استخدام القوة وأساليب الترغيب والترهيب، كالغزو العسكري، أو دخول الجيوش إلى الدول لاحتلالها، وما ينجم عنها من خسائر جسيمة مادية، وعسكرية، وسقوط ضحايا بشرية عند جميع الأطراف المتنازعة.

 

فالصين على سبيل المثال، لديها خطة لتطعيم البشر في كل أنحاء العالم، وذلك من خلال توزيع اللقاحات للدول الفقيرة والنامية، إما مجاناً، أو قروض ميسرة، أو بأسعار منخفضة، كما هو الحال بالنسبة للبضائع الصينية بشكلٍ عام، فتنافس أسعار اللقاحات الغربية والروسية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف فقد بَنَتْ 18 خطَ إنتاج جديد للقاح، حسب تصريحات مجموعة بيوتك الصينية القومية(China National Biotec Group)، كذلك رفعت الشركات الصينية الحكومية المصنعة للقاحات، مثل لقاح سينوفارم(Sinopharm) وسينوفاك(Sinovac) وهي مجموعة الصين القومية للأدوية(China National Pharmaceutical Group) لطاقتها الإنتاجية من اللقاحات لتبلغ أكثر من خمسة بلايين جرعة خلال عام واحد، أي أكثر من 65% من سكان العالم الذي يقد بنحو 7.8 مليار نسمة.

 

 وبذلك تسعى الصين إلى أن تكون اللاعب الرئيس على المستوى الدولي في إنتاج اللقاح، وأن يكون لها الفضل والمنة على حكام وشعوب العالم في حمايتها من هذا الوباء العصيب، بل وتهدف بذلك إلى إنشاء "خط الحرير الصحي"، كما هي تعمل الآن على تجديد خط الحرير السابق القديم. فهذا المشروع الجديد المتعلق باللقاح خاصة، والتأمين الصحي للدول يعمل بالتوازي مع المشاريع الأخرى التجارية، ومشاريع بناء البنية التحتية من طرق وموانىء ومطارات وغيرها، وكلها تصب في هدف صيني واحد هو استخدام "القوة الناعمة" لتحقيق المزيد من النفوذ السياسي والأمني والهيمنة الاقتصادية على دول العالم، وبخاصة الدول النامية والفقيرة. 

 

وفي الوقت نفسه دخلت روسيا سباق استخدام "القوة الناعمة" ودبلوماسية إنتاج وتوزيع اللقاح، حيث كانت أول دولة تعلن عن تطوير وإنتاج اللقاح ضد فيروس كورونا في أغسطس من عام 2020، وهو لقاح سبتنك(Sputnik V)، وهي منذ ذلك الوقت تعمل جاهدة على تسويق وتوزيع اللقاح، وكسب نقاط سياسية وإنسانية على الدول التي تتفضل بها عليهم، وقد قال في هذا السياق الرئيس التنفيذي راسموس هانسن (Rasmus Bech Hansen)لشركة (Airfinity)في الرابع من مايو بأن روسيا وافقت على تقديم 630 مليون جرعة لأكثر من مائة دولة.

 

وهذا التنافس بين القوى العظمى على هذه الهيمنة الناعمة، والتأثير الدولي، وتقوية العلاقات بين الدول، لم يكن بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية، فهي دائماً تريد أن تكون خطوة أمام مساعي وخطط الصين وروسيا، وتريد أن تكون لها اليد الطولى في هذه الخدمة "الناعمة" المقدمة للدول، فأمريكا لها المقومات والمؤهلات التي تجعلها ناجحة ومؤهلة لتنفيذ دبلوماسية اللقاح، فمعظم شركات تصنيع اللقاح الكبرى هي شركات أمريكية، ومقرها في أمريكا، مثل فايزر، وموديرنا، وجونسون أند جونسون، ونوفافاكس. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، فإن أمريكا منذ أشهر طويلة وهي تستخدم هذه القوة الناعمة لبسط نفوذها على أوكرانيا، فالرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي(Volodymyr Zelensky) منذ عهد ترمب في ديسمبر 2020، وهو يتوسل للحصول على جرعات من اللقاح، حيث تبرعت له أمريكا بمبلغ 48 مليون دولار لمكافحة الوباء، حسب التقرير المنشور في صحيفة "بوليتيكو" في الرابع من مايو 2021، كما أن أوكرانيا طلبت اللقاح الأمريكي عند زيارة وزير الخارجية أنتوني بلينكن لكييف في السادس من مايو من العام الجاري. كذلك تعهد الرئيس بايدن في الرابع من مايو من العام الجاري بأنه سيوزع 10% من اللقاحات التي تنتجها أمريكا بحلول الرابع من يوليو على دول العالم.

 

واستخدام هذه "القوة الناعمة" ودبلوماسية اللقاح ستكون لسنوات طويلة قادمة، وستكون ناجحة ومؤثرة، وفاعلة في تحقيق أهدافها التي ربما تختلف من دولة إلى أخرى. ويرجع سبب هذه الاستدامة والنجاح في عدة عوامل، منها ما يلي:

أولاً: لقاح فيروس كورونا مصمم على جرعتين، وليست جرعة واحدة فقط وتنتهي، كما أن هناك شركات إنتاج اللقاح، مثل فايزر قد أعلنت عن الحاجة إلى جرعة ثالثة، إضافة إلى جرعة واحدة كل سنتين يأخذها الإنسان مدى الحياة، أي أن حاجة الدول النامية خاصة والفقيرة إلى الدول الصناعية المتقدمة في الشرق والغرب التي تنتج اللقاح لن تنتهي، وستظل تمد يدها للحصول على جرعات دائماً من هذا اللقاح. إضافة إلى أن الشركات الأمريكية تعمل حالياً على تطوير الجيل الثاني والثالث من اللقاح، بحيث يكون أسهل من ناحية التخزين والنقل وأكثر فاعلية في حماية الصحة العامة، فيؤخذ على شكل حبوب، أو بخاخ للأنف، مما يعني تجديد الحاجة إلى اللقاح مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، إلى أن يشاء الله، وإعادة الدورة مرة أخرى.

ثانياً: هذه الجرعات الكثيرة من اللقاح تمثل عبئاً لا يُطاق على ميزانية الدول النامية، مما يضطرها إلى قبول "الهبات والعطايا" المجانية من الدول العظمى، وهذه الهبات لن تكون خالصة لوجه الله، ولا لدواعي إنسانية لا يريدون منها جزاءً ولا شكورا، وإنما ستكون لها تبعات سياسية وأمنية.

الأربعاء، 5 مايو 2021

صرف مواد مشعة عمداً إلى البحر!

بالرغم من أن كارثة فوكوشيما النووية وقعت في 11 مارس 2011، أي قبل أكثر من عشر سنوات، إلا أن تداعياتها لم تنته بعد، وفي تقديري لن تنتهي أبداً. والسبب الذي يدعوني إلى عدم التفاؤل هو أن هذه الطامة الكبرى التي لم تنزل على اليابان فحسب، وإنما بلغت انعكاساتها على كل دول وشعوب العالم، انبعثت منها تسربات لمواد مشعة، فانتقلت هذه الملوثات السامة المشعة إلى كافة مكونات البيئة من ماء، وهواء، وتربة، وحياة فطرية نباتية وحيوانية، وبلغت مداها إلى الإنسان، وإلى مناطق واسعة وبعيدة جداً من موقع الكارثة في اليابان، والبعض من هذه المواد المشعة سيستمر في إطلاقه للإشعاع لسنوات طويلة جداً تصل إلى آلاف السنين.

 

وسأُقدم لكم بعض الحقائق حول الارتفاع الشديد في تركيز المواد المشعة في المواد الغذائية في اليابان وبعض دول العالم بعد نزول هذا الكرب العظيم بعدة أشهر. ففي سمك الأنشوبي المعروف(anchovy) وصل التركيز إلى 3 بكريل(becquerel) من السيزيم-137 في الكيلوجرام من السمك، وفي سمك اللانس(lance) وصل التركيز إلى مستويات مرتفعة جداً بلغت 12500. وفي بعض الخضروات وصل إلى 82 ألف بكريل، علماً بأن نصف حياة السيزيم 30 سنة، أي يحتاج إلى ثلاثين عاماً ليتحلل نصفه فيفقد نصف قدرته ونشاطه الإشعاعي، كما أن له خاصية التراكم في السلسلة الغذائية فيبقى فيها مئات السنين. كذلك وصل تركيز الأيودين المشع في سمك اللانس إلى 4080 بكريل في الكيلوجرام، وفي بعض الخضروات، مثل السبانخ ارتفع إلى 54 ألف بكريل من الأيودين في الكيلوجرام من السبانخ، وفي الحليب 5250، وفي مياه الشرب وصل التركيز إلى 210 بكريل من الأيودين المشع في الكيلوجرام من ماء الحنفية.

واليوم، أفاد التقرير المنشور في 21 أبريل من العام الجاري بأن الحكومة اليابانية منعت شحنة أسماك من نوع روك فيش الأسود(black rockfish)من منطقة فوكوشيما البحرية للدخول في الأسواق لاحتوائها على نسبٍ مرتفعةٍ من الإشعاع، حيث بلغت 270 بكريل من السيزيوم المشع في الكيلوجرام من السمك، علماً بأن الموصفات هي 50 فقط، مما يؤكد أن الفساد والضرر الذي وقع قبل أكثر من عشر سنوات مازال قائماً ومتجذراً في أعماق مكونات بيئتنا والحياة الفطرية النباتية والحيوانية.

وعلاوة على ذلك، فإن هذه الملوثات المشعة القاتلة لم تبق في الحدود الجغرافية لليابان، وإنما وصلت عن طريق الأوساط البيئية المرتبطة بعضها ببعض إلى حدود الدول القريبة من اليابان علاوة على الحدود البعيدة جداً كالقارة الأوروبية، وكندا، والمدن الساحلية الغربية في الولايات المتحدة الأمريكية مثل ولاية كاليفورنيا وولاية واشنطن، فقد أكدت دراسة منشورة في مجلة علوم وتقنية المياه في مارس 2012 عن ارتفاع نسبة الإشعاع في مياه الأمطار التي سقطت على الولايات الغربية، حيث تراوحت ما بين 0.8 إلى 240 بكريل من السيزيوم في المتر المربع، وهذه المياه المشعة تنتقل مع الوقت إلى الكائنات النباتية والحيوانية، ثم في نهاية المطاف تصل إلى الإنسان. وفي التاسع من مارس 2012 أعلنت كوريا الجنوبية عن اكتشاف أسماكٍ مشعة تم استيرادها من اليابان، حيث بلغ تركيز المواد المشعة 6.24 بكريل، كذلك أكدت السلطات الفرنسية المعنية في 19 يونيو 2011 عن اكتشاف السيزيوم المشع في شحنة من الشاي الأخضر قادمة من اليابان، حيث بلغت النسبة 1038 بكريل في الكيلوجرام من الشاي.

 

وبالرغم من تسرب هذه المواد المشعة بشكلٍ غير متعمد نتيجة للزلزال والسونامي الذي ضرب المفاعل وقطع التيار الكهربائي فتلوثت الكرة الأرضية برمتها وتعرض الإنسان حتماً لها، إلا أن الحكومة اليابانية مازالت مُصرة وتتعمد هذه المرة في تلويث بيئتنا، حيث أعلنت في 13 أبريل من العام الجاري عن صرفها للمياه المشعة المستخدمة في تبريد الوقود النووي المنصهر الموجود في المفاعلات إلى المحيط الهادئ.

 

فهذه المياه الآسنة المشعة تأتي من مصدرين رئيسين. الأول هو المياه الجوفية التي تلوثت بالمياه المشعة، والثاني هو مياه تبريد المفاعلات، علماً بأن هذه المياه الملوثة تصرف إلى البيئة البحرية منذ وقوع هذه الكارثة العصيبة قبل عقد من الزمن، أي أن التلوث الإشعاعي للبحر لم يتوقف. ولكن الآن الحالة أصبحت ملحة جداً ولا يمكن تأجيلها لفترة أطول، فهذه المياه المشعة تتولد بشكلٍ يومي وبأحجام كبيرة تصل إلى قرابة 170 طناً يومياً من عملية تبريد المفاعلات، وتخزن في خزانات معدنية وصلت الآن إلى ألف خزان، حتى بلغ الآن حجم المياه في موقع المحطة النووية في فوكوشيما إلى قرابة 1.37 مليون طن، فلا توجد سعة إضافية، أو موقع لتخزين هذه الأحجام المتزايدة يومياً. ولذلك اضطرت الحكومة اليابانية إلى اتخاذ قرار التخلص من هذه المياه بعد أن أجلت تنفيذ هذا القرار لعدة سنوات، ولكن مع الأسف اتخذت القرار الأسهل والأرخص ثمناً، وهو صرفها في المحيط الهادئ، كما أنها تبنت في الوقت نفسه السياسية القديمة البالية التي لا جدوى منها من الناحيتين البيئية والصحية، وهي سياسية التخفيف، أي السماح للملوثات من الانطلاق إلى البيئة، ثم تخفيف وتقليل تركيزها مع الوقت في الأوساط البيئية الواسعة والكبيرة، كالمحيطات في هذه الحالة، وقد اعترف رئيس الوزراء الياباني قائلاً إنه: "الخيار الأكثر واقعية"، ولم يقل الخيار الأفضل والأحسن بيئياً وصحياً! 

 

فبالرغم من أن هذه المياه خضعت لعملية إزالة المواد المشعة باستخدام التقنية التي تقوم بترشيح المواد المشعة، والتي تعرف بالنظام المتطور لمعالجة السوائل(ALPS) (Advanced Liquid Processing System)، إلا أن تراكيز منخفضة من بعض الملوثات المشعة ستبقى في المياه دون أن يتم التخلص منها كلياً، وبخاصة وبشكلٍ رئيس النظير المشع للهيدروجين الذي يحتوي على ثلاث ذرات من الهيدروجين بدلاً من ذرتين وهو تريتيم(tritium)، والنظير المشع للكربون(carbon-14)، إضافة إلى ملوثات مشعة أخرى مثل سترونتيم(strontium-90)، وسيزيم(caesium-137)، و(iodine-129).    

فالنسبة للتريتيم الذي هو المكون الأساس لهذه المياه المشعة، فلا توجد معايير تم الاتفاق عليها بين دول العالم بالنسبة للحد الآمن والحد المسموح به في البيئة البحرية، فالموصفات اليابانية هي 60 ألف بكريل في اللتر، ومنظمة الصحة العالمية تفيد بأن الحد المقبول هو 10 آلاف، والاتحاد الأوروبي 100، ولذلك في تقديري فإن هذه المواصفات تضعها الدول حسب ظروفها الواقعية، وليس بناءً على أدلة علمية وصحية بالنسبة لمخاطر هذا الملوث على الكائنات البحرية وعلى الإنسان.

فهذا التصرف الياباني غير مقبول، وأثار احتجاجات على المستويين الداخلي والخارجي. أما على المستوى الداخلي فقد تركزت الاحتجاجات على الصيادين بسبب الخسائر المتلاحقة التي يتعرضون لها بالنسبة للصيد البحري بعد كارثة فوكوشيما، فسمعة الأسماك اليابانية تضررت محلياً وإقليمياً دولياً حيث إن الكثير من الناس يعزفون عن شراء الأسماك من تلك المنطقة البحرية، وصرف هذه المياه المشعة سيزيد الطين بلة. وأما على المستوى الخارجي فقد أبدت الدول المجاورة مثل الصين، وكوريا الجنوبية، والفلبين قلقها الشديد من هذه العلمية. كما أن المدير العام الوكالة الدولية للطاقة الذرية دعا الحكومة اليابانية إلى المزيد من الشفافية والوضوح حول هذه القضية الدولية، فقال بأننا يجب أن نتأكد بأن صرف هذه المياه المشعة في المحيط الهادئ لن تضر بالبيئة، وتكون بدون أي ضرر مهما كان نوعها.

ولذلك ما من شك بأن صرف هذه الأحجام الضخمة من الملوثات المشعة على مدى أكثر من عشرين عاماً، ولو كانت نسبة الإشعاع منخفضة، حتماً ستكون لها تداعيات بيئية وصحية على الجميع، ولكن لا يستطيع أحد أن يحدد هذه التداعيات بشكلٍ دقيق من الناحيتين الكمية والنوعية.

 

 

السبت، 1 مايو 2021

بدء مرحلة جديدة للتغير المناخي


منذ أن تولى جو بايدن زمام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنا أُبْصر نوراً خافتاً يُشع ويضيء نهاية نفق التغير المناخي المظلم الذي دخل فيه المجتمع الدولي منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهذا النور لكي يستمر في الإشعاع على المجتمع الدولي بذل جهودٍ جبارة بشكلٍ جماعي مستدام، والتعهد والالتزام بتفيذ هذه الجهود على الواقع، كل في بلده.

 

فهذه الشمعة التي أضاءت الآن نفق التغير المناخي تولدت من إعادة دخول أعظم دولة على وجه الأرض والأكثر تأثيراً على المستوى الدولي، الولايات المتحدة الأمريكية في اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2015، بعد أن وقَّع عليها الرئيس الأسبق أوباما، ثم جاء ترمب فخرج منها وانسحب رسمياً، بل وحاربها على المستوى القومي الأمريكي، فألغى كل القرارات والبرامج والأنظمة البيئية التي دشنها أوباما في مجال مكافحة قضية التغير المناخي، قضية العصر العصيبة.

 

ولذلك فإنني على يقين، ومتفائل جداً بأن هذه الشمعة ستستمر في إضاءة الطريق للمجتمع الدولي، على الأقل في الأربع سنوات القادمة، أثناء وجود بايدن في البيت الأبيض. وهذا التفاؤل مبني على عدة مؤشرات ودلائل منها ما ذكرته سابقاً وهو ولوج أمريكا مرة ثانية إلى ساحة التغير المناخي بشكلٍ فاعل وبنوايا حسنة وصادقة. وأما المؤشر الثاني فإنه بالرغم من الخلافات الأمريكية المحتدمة والكبيرة بين الصين من جهة، صاحب أعلى انبعاث لغاز ثاني أكسيد الكربون المسؤول الأول عن التغير المناخي، وروسيا من جهة ثانية، إلا أن جون كيري، المبعوث الأمريكي الخاص حول التغير المناخي، نجح في كسب رضا الصين وروسيا للمواجهة الجماعية لهذه المعضلة الدولية المشتركة وترك الخلافات الأخرى جانباً، إضافة إلى نيل موافقة الرئيس الصيني والرئيس بوتين على المشاركة في القمة التي دعا إليها بايدن في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وأما المؤشر الثالث فهو نجاح قمة المناخ الافتراضية عبر الفيديو تحت عنوان: "قمة القادة حول المناخ" والتي انعقدت في 22 أبريل من العام الجاري في الولايات المتحدة الأمريكية، ودليل النجاح هو توجيه أنظار واهتمام الدول مرة ثانية نحو التغير المناخي، إضافة إلى مستوى المشاركة في القمة، حيث حضر قادة وزعماء أربعين دولة من أهم الدول المتقدمة والنامية الكبرى المسؤولة عن الحجم الأكبر من الانبعاثات، مثل الصين التي تأتي في المرتبة الأولى من حيث الانبعاثات، ثم الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثالثة، وروسيا في المرتبة الرابعة، إضافة إلى بريطانيا، وفرنسا، والهند، والبرازيل. كما أن نجاح القمة يكمن في تعهدات الدول والتزامها أكثر من قبل في خفض انبعاثاتها بمستويات أكبر عمَّا أعلنوا عنها في السنوات السابقة. فعلى سبيل المثال، أعلن بايدن عن خطته الجديدة للتغير المناخي، متعهداً بخفض انبعاثات بلاده بنسبة تتراوح بين 50 إلى 52% عن مستويات عام 2005 بحلول عام 2030، ثم الوصول إلى الانبعاث الصفري بحلول عام 2050، والاتحاد الأوروبي سيخفض انبعاثاته بنسبة 55% مقارنة بمستويات عام 1990 بحلول عام 2030، كما حدد أهدافاً طويلة المدى لخفض الانبعاثات إلى الصفر بحلول عام 2050. كذلك كندا ستخفض بنسبة من 40 إلى 45% مقارنة بمستويات عام 2005 بحلول عام 2030، وبريطانيا تخفض بنسبة مرتفعة تبلغ 78% مقارنة بمستويات 1990 بحلول 2035، كما أعلنت اليابان الخفض بنسبة 46% مقارنة بمستويات عام 2013 بحلول عام 2030.

وأما المؤشر والدليل الرابع الذي يبعث في نفسي الأمل حول جدية ومصداقية دول العالم، وعلى رأسها أمريكا في مواجهة التغير المناخي، هو ربط قضية التغير المناخي بتحقيق الأمن على المستوى القومي، وعلى المستوي الدولي على حدٍ سواء، والقضايا الأمنية دائماً تجد لها آذاناً صاغية، وتجذب بقوة الرعاية الشديدة والصادقة من قبل رجال السياسة ومتخذي القرار على كافة المستويات.

فقد قال وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن( Lloyd Austin) واصفاً التغير المناخي بأنه "مزعزع كبير للاستقرار"، كما صرحت مديرة المخابرات القومية أفريل هينز(Avril Haines)، بأنها ستجعل التغير المناخي ضمن الأولويات في السياسة الخارجية، وقالت "التغير المناخي يقع في مركز السياسة الخارجية"، ، كما ألقت كلمة أمام قادة وزعماء العالم في القمة الافتراضية قالت فيها: "من أجل مواجهة التغير المناخي بشكلٍ صحيح، يجب وضع التغير المناخي في مركز السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي"، وأضافت قائلة: "يجب دمج التغير المناخي في التحاليل الأمنية لمراقبة التهديدات، وتوجيه متخذي القرار لمعرفة أهمية التغير المناخي في جميع الأوجه". كذلك نشر التقرير السنوي حول "التقييم السنوي للتهديدات لمجتمع المخابرات الأمريكي" الصادر من مكتب مديرة المخابرات القومية في التاسع من أبريل من العام الجاري، حيث جاء في المقدمة بأن "التدهور البيئي وتغير المناخ سيستمران في العمل على تزويد الوقود لانتشار الأمراض، وتهديد الأمن الغذائي والمائي، وزعزعة الاستقرار السياسي، وخلق الأزمات الإنسانية"، كما خصص التقرير بنداً تحت عنوان: "التغير المناخي وتدهور البيئة". وعلاوة على ذلك فإن وكالة المخابرات المركزية (سي آي أيه) أعلنت بإدخال وتغطية الجانب البيئي على صفحتها في الفيس بوك، وأنها ستقدم آخر المعلومات والمستجدات حول المناخ، وتلوث الهواء، والأمراض المعدية، والأمن الغذائي، والمخلفات، ومواضع وقضايا بيئية أخرى.

وفي الوقت نفسه أعلن المسؤولون في منظمة حلف الشمال الأطلسي(النيتو) عن "خطة عمل" حول التغير المناخي، وتحتوي على خفض الانبعاثات من وحدات الجيش المختلفة، إضافة إلى إجراء تقييم شامل للتهديدات المحتملة من التغيرات المناخية.

وأما المؤشر القوي الخامس فهو إعلان البيت الأبيض عن الدعم المالي الأمريكي لصندوق الأمم المتحدة الأخضر للمناخ بمبلغ 1.25 بليون دولار، كما وعد بايدن بعد الحصول على موافقة الكونجرس بصرف 5.7 بليون دولار سنوياً لمساعدة الدول النامية لمواجهة تحديات التغير المناخي وخفض انبعاثاتها.

وبالرغم من كل هذه الدلائل المشجعة لاستمرار اشتعال الشمعة في بداية نفق التغير المناخي، إلا أن بعض وعود بايدن ستصطدم بالواقع السياسي الأمريكي، حيث إنها تعتمد على نيل مباركة الكونجرس، وبالتحديد بالنسبة لبعض البرامج التي تحتاج إلى الدعم المالي، إضافة إلى أن بايدن سيواجه طوفاناً من المقاومات من جماعات الضغط الخاصة بشركات الفحم والبترول، وسيدخل معهم في معارك شرسة وضارية لا هوادة فيها.

ولكن في الأقل ستكون الشمعة مشتعلة تنير نفق التغير المناخي طوال الأربع سنوات القادمة، حتى يحين موعد الانتخابات الرئاسية الجديد، والذي سيحدد مصير هذه الشمعة، هل ستستمر في العطاء، أم تنطفىء؟

الخميس، 29 أبريل 2021

هل سيكون الهيدروجين وقود المستقبل؟


يعاني المجتمع الدولي من ورطة جامعة عصيبة، ويمر منذ عقود بأزمة خانقة طويلة لا يعرف كيفية الخروج منها. فمنذ أن وضع قضية التغير المناخي في جدول الأعمال الأممي في قمة الأرض التاريخية التي عقدت في ريو دي جانيرو في يونيو 1992، أي قبل أكثر من 29 عاماً، وهو مازال يراوح في مكانه لإيجاد الحلول الجذرية الناجعة، ومازال يقف عند المربع الأول الذي بدأ منه ليواجه هذه القضية الدولية المشتركة، فكلما تقدم خطوة إلى الأمام ليقترب من الحل الأمثل، جاءت ظروف دولية، ووقعت تغيرات سياسية في بعض الدول الكبرى المتقدمة أرجعته إلى الوراء خطوات كثيرة.

 

فدول العالم حددت أهدافاً تحاول من خلالها أن تلتزم بها لتخفض من انبعاثات الغازات المتهمة بحدوث التغير المناخي لكوكبنا، وبالتحديد غاز ثاني أكسيد الكربون، وتكافح التداعيات الناجمة عنه من سخونة الأرض وارتفاع مستوى سطح البحر، إضافة إلى الانعكاسات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن هذه الأهداف تصطدم بعدم واقعيتها وجدواها على الأرض، فلم يتمكن عقل الإنسان حتى الآن من إبداع العلاج الجذري المستدام والمشترك بين كل دول العالم، كما أن ضمير رجال السياسة في الدول، وبخاصة الدول الصناعية العظمى التي لها دور واسهام كبير في انبعاث الملوثات المسؤولة عن وقوع التغير المناخي، لم يصحو حتى الآن ليضع قضية التغير المناخي على رأس قائمة أولويات وبرامج الحكومات.

 

ونتيجة لهذه الاختلافات بين دول العالم على مدى العقود الماضية، فإن الظاهرة المناخية أخذت في التفاقم، والقضية زادت تعقيداتها وتشابكها مع أبعاد تنموية واقتصادية للدول. فعلى سبيل المثال، أكد مرصد مايونا لاو في هاواي (Mauna Loa Observatory) في السادس من أبريل من العام الجاري بأن تركيز ثاني أكسيد الكربون بلغ أعلى مستوى له وهو 421.21 جزء في المليون، علماً بأن التركيز في نهاية الخمسينيات كان 315 فقط، كما أن التقديرات الجديدة التي نُشرت في العشرين من أبريل من العام الجاري من وكالة الطاقة الدولية في تقريرها تحت عنوان "مراجعة الطاقة الدولية"(Global Energy Review) أفادت بأن الأزمة المناخية ستتفاقم في عام 2022 مع التعافي التدريجي من وباء كورونا، وتحرك الدول من الخروج من مياه الاقتصاد الآسنة والراكدة عن طريق ازدياد الحاجة إلى الفحم وارتفاع الطلب على الطاقة عامة، إضافة إلى ازدهار حركة النقل الجوي من جديد داخلياً ودولياً، مما يعني زيادة انبعاث غازات الدفيئة، أو غازات الاحتباس الحراري، أي الرجوع إلى ما  وضعٍ أسوأ مما كُنا عليه سابقاً قبل عصر وباء كورونا.

 

ولذلك لا بد من المجتمع الدولي أن يفكر في حلول عملية، وأدوات واقعية ومجدية اقتصادياً لإزالة هذا الكابوس المناخي المخيم على كوكبنا، ومساعدة الدول على الالتزام بتعهداتها من أجل خفض الانبعاثات بنسب محددة وفي فترة زمنية واضحة. وقد اتجهت الأنظار نحو المصدر الرئيس المسبب للتغير المناخي وهو الطاقة، ونوعية الوقود المستخدم في السيارات، والطائرات، والقطارات، والمصانع، وتوليد الكهرباء، فوجود الوقود النظيف، والمتجدد، وغير الملوث للبيئة هو حجر الأساس لمواجهة مردودات التغير المناخي والوصول إلى مجتمع خال من الكربون، أو خال من الانبعاثات المؤدية للتغير المناخي.

 

وبناءً عليه، فالتوجه العالمي انطلق نحو التحول التدريجي من الاقتصاد المعتمد على الوقود الأحفوري كالفحم، والبترول، والغاز الطبيعي إلى الاقتصاد الأخضر، أو الدائري الذي يعتمد على مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس، والرياح، والوقود العضوي، وأخيراً طاقة الهيدروجين.

 

وهذا المصدر الجديد نسبياً للطاقة بدأ يأخذ زخماً دولياً، واهتماماً مشهوداً من الشركات الصناعية للقيام بإنتاجه على مستويات كبيرة. فلوقود لهيدرجين مقومات وخصائص تجعله أهلاً لتحقيق الأهداف العالمية المتعلقة بمجتمع خال من الكربون، ومنها أن وقود الهيدروجين له صفة "التنوع" في الاستخدام من حيث استعماله في وسائل النقل، وبخاصة السيارات، وفي توليد الكهرباء، وفي تشغيل المصانع، ووقود الصواريخ، كما أن هذا الوقود يستخدم كمادة خام لإنتاج مواد كيميائية أخرى، مثل اليوريا، إضافة إلى أن وقود الهيدروجين لا تنبعث عنه ملوثات تسبب التغير المناخي إذا تم تصنيعه من مصادر للطاقة غير الفحم والنفط والغاز الطبيعي، ولذلك يمكن الاعتماد عليه كمصدر متجدد ونظيف للطاقة ويساعد الدول على تحقيق أهدافها حول خفض الانبعاثات من غازات الدفيئة، وبالتالي تجميد الارتفاع في درجة حرارة الأرض. 

 

والآن التحدي الذي يواجه دول العالم يكمن في التقنية المستخدمة في إنتاج هذا الغاز، حيث إن التقنية لها دور ملحوظ في خفض الانبعاثات بشكلٍ عام، سواء الملوثات التي لها دور في وقوع التغير المناخي، أو الملوثات التي تفسد وتدهور جودة الهواء. فهناك عدة تقنيات مستخدمة في الوقت الحالي، منها ما يعتمد على الوقود الأحفوري لإنتاجه، وهذا غير مجدي بيئياً ومناخياً وصحياً على المدى البعيد، وهناك في المقابل "الوقود الهيدروجيني الأخضر"، وهو المطلوب عالمياً، حيث يتم إنتاج الهيدروجين من مصادر متجددة للطاقة مثل الطاقة الشمسية عن طريق التحليل الكهربائي للماء إلى الهيدروجين والأكسجين، أي لا توجد ملوثات كلياً تنبعث من عملية الإنتاج.

 

وقد تنبهت بعض دول الخليج إلى هذا المصدر المستقبلي للطاقة المبني على الهيدروجين، والذي يحقق لدولنا عدة أهداف منها التحقيق المستدام لأمن الطاقة من خلال التنوع في مصادر الوقود ومصادر الدخل وخفض الاعتماد على البترول والغاز الطبيعي، إضافة إلى تحقيق الأهداف البيئية والاقتصادية المتعلقة بخفض انبعاث الملوثات بشكلٍ عام. فقد أعلنت المملكة العربية السعودية في عدة مناسبات عن جهودها في مجال الطاقة الخضراء، وبناء مجتمعٍ متكامل ضمن مشروع مدينة نيوم يتركز على إنتاج الهيدروجين الأخضر من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما أن هناك تعاوناً إماراتياً يابانياً لإنتاج الوقود الهيدروجيني.

 

وفي تقديري لكي ينجح الهيدروجين في اكتساح سوق مصادر الطاقة المتجددة والخضراء، ويكون بالفعل المصدر المستقبلي الرئيس، فيجب تحقيق ما يلي:

أولاً: إنتاج الهيدروجين الأخضر، أي تصنيع الهيدروجين من مصدر متجدد للطاقة، وليس إنتاجه من الفحم أو الغاز الطبيعي، لكي نضمن أن تكون العملية مستدامة، وخالية من الانبعاثات الملوثة للبيئة، وتساعد في الوقت نفسه الدول على تحقيق أهدافها في خفض انطلاق الملوثات المسببة للتغير المناخي.

ثانياً: خفض كلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر من خلال تطوير التقنية المستخدمة حالياً، إضافة إلى تقليل كلفة إنتاج الكهرباء من الشمس ومن الرياح وغيرهما من مصادر الطاقة المتجددة والتي تستخدم لإنتاج الهيدروجين.

ثالثاً: تطوير وتحسين القضايا المتعلقة بالأمن والسلامة، من حيث التخزين الآمن للوقود الهيدروجيني، حتى نتجنب الانفجارات التي وقعت من قبل. 

                          

الثلاثاء، 27 أبريل 2021

ملوثات جديدة تغزوا أجسادنا

مازلتُ أتذكر ذلك اليوم من عام 1976 عندما كنتُ طالباً في جامعة تكساس في مدينة أوستن، عاصمة الولاية، فبالرغم من مضي أكثر من 45 سنة على ذلك اليوم، إلا أنني لم أنساه حتى الآن، وكأنه حدث البارحة. ففي ذلك اليوم ذهبتُ إلى مجمع تجاري في المدينة اسمه "هاي لاند مول"، وهناك أثناء تجوالي في المجمع شاهدتُ في وسط المجمع حشداً غفيراً من الناس، وكما يقول المثل: "حشر مع الناس عيد"، فذهبتُ إلى موقع التجمع، وإذا بي أرى في وسط هؤلاء الجمع رجلاً يطبخ البيض على مقلاة خاصة "سحرية"، وهو يطبخ البيض بدون إضافة قطرة من الزيت، كما يُزيل البيض من المقلاة دون أن يلتصق بها كلياً، ودون أن يترك أي أثرٍ لبقايا البيض، ودون أن تتوسخ المقلاة كلياً، فلا حاجة لأي نوعٍ من أدوات التنظيف. فهذه العملية التي رأيتُها أمامي كانت بالنسبة لي وللجمهور ضرباً من السحر، وأعجوبة علمية جديدة لم نسمع عنها من قبل، وتطوراً وحدثاً تاريخياً وثورة انقلابية في مجال طبخ المأكولات التي كانت تحتاج إلى الزيت لإعدادها، أو تنظيف الأواني بعد الطبخ.

 

والسبب الذي يجعلني أتذكر هذه الحادثة التي شاهدتها في المجمع، هو أن هذه المادة السحرية التي تُغلف المقلاة من الداخل، أو معدات الطبخ الكثيرة بشكلٍ عام، تُشكل الآن تهديداً خطيراً لصحة الإنسان في كل أنحاء العالم وصحة الحياة الفطرية بشقيها النباتي والحيواني. فالنسبة لي، فهذه الحادثة كأنها غرست البذرة الخبيثة الأولى في المجتمع البشري، وروت هذه البذرة الفاسدة بمياه هذه المادة السحرية عقوداً طويلة من الزمن، حتى أصبحت شجرة ناضجة كبيرة امتدت جذورها في باطن الأرض، وارتفعت فروعها الخبيثة في عنان السماء، فتغلغلت طوال هذه السنوات ببطء وبشكلٍ تدريجي في كل أعضاء بيئتنا وفي أجسادنا.

 

فهذا البذرة والشجرة أعطت ثمارها حنظلاً مُراً قاسياً يدمر صحة الحياة الفطرية ويهلك أعضاء أجسادنا، وهذه الحالة التي وصلنا إليها أكدتها الدراسات والأبحاث العلمية المخبرية والميدانية التي سبرت غور هذه الحالة الكارثية، وتابعتْ وراقبتْ عن كثب تحركات هذه المادة السحرية، وانتقالها عبر السلسلة الغذائية من وسط بيئي إلى آخر، ثم إلى خلايا أعضاء أجسادنا.

 

فالتهديد من هذه المادة واقعي وليس نظري، وهو موجود أمامنا وتجذر في كل أعضاء بيئتنا، وبخاصة أننا لا نتحدث عن مادة واحدة فقط، أو مركب كيميائي واحد فقط، وإنما هناك نحو 4000 مادة كيميائية من هذا الصنف الأعجوبة استُخدم، ومازال يستخدم في منتجات كثيرة نستعملها يومياً ولا تعد ولا تحصى، منها أدوات الطبخ والمعروفة بالتِيفَال، ومنها الأثاث المنزلي والمكتبي، ومنها مواد إطفاء الحريق، ومنها معجون الأسنان ومنتجات التبرج والزينة، ومنها غشاء الأوراق الخاصة والعلب.

 

فخواص هذه المركبات وصفاتها "الفريدة والمميزة" جعلت الإنسان يُفرط في استخدامها في تطبيقات كثيرة وفي مجالات متعددة، فهي عبارة عن مركبات عضوية تحتوي على أعدادٍ كبيرة من عنصر الفلورين، ويُطلق عليها إسم بي إف أي إس(PFAS)، وهذا العنصر عندما يرتبط بالكربون يُكوِّن رابطة قوية جداً لا تتحلل، ولا تنكسر، ولذلك فهذه المواد عندما تدخل في البيئة لها القدرة على الثبات والاستقرار وعدم التحلل، مما يجعلها تتراكم وتتضخم مع الوقت في السلسلة الغذائية، ويزيد تركيزها في أجسام الكائنات الحية.

 

وهناك الكثير من الدراسات التي أُجريت حول وجود هذه الملوثات الجديدة في مكونات البيئة برمتها وفي جسم الإنسان والحياة الفطرية على حدٍ سواء، كما أشارت هذه الأبحاث إلى أن التركيز في ارتفاع مطرد مع الزمن، وسأذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر. فهناك دراسة صينية منشورة في مجلة تقنية وعلوم البيئة في السابع من أغسطس عام 2017 تحت عنوان: "التقرير الأول حول وجود والتراكم الحيوي لأحد الملوثات العضوية متعددة الفلورين"، حيث تم اكتشافها في مياه نهر(Xiaoqing) بالقرب من المصنع الذي ينتج هذه المواد في مدينة(Huantai County)، فقد بلغ التركيز في مياه النهر 68500 نانوجرام من الملوثات العضوية متعددة الفلور في اللتر الواحد من ماء النهر، كذلك في أسماك النهر وصل إلى 1510 نانوجرامات لكل مليلتر، وفي الإنسان 2.93 نانوجرام لكل مليليتر. ودراسة صينية أخرى نُشرت في 26 مارس 2021 في المجلة نفسها تحت عنوان: "المركبات العضوية متعددة الفلور في غبار البيئات الخارجية والداخلية في الصين"، حيث تراوح التركيز في الغبار الخارجي من 105 إلى 321 نانوجراماً لكل جرام، وفي الغبار في البيئة الداخلية تراوح من 185 إلى 913. كذلك أفادت دراسة في مجلة علوم وتقنية البيئة في الثاني من أبريل 2021 تحت عنوان: "المركبات العضوية متعددة الفلور تنتقل من المياه الجوفية إلى الأنهار في ولاية نورث كارولاينا الأمريكية"، بأن تركيز هذه الملوثات في المياه الجوفية تراوح بين 20 إلى 4773 نانوجراماً في اللتر، وفي مياه الأنهار من 426 إلى 3617. كما أفادت دراسة أخرى منشورة في 22 يوليو 2020 في المجلة نفسها عن وجود هذه الملوثات في دم الإنسان في هذه الولاية الأمريكية، حيث بلغ معدل التركيز 25.3 نانوجرام في المليلتر، كما تم اكتشاف هذه الملوثات في الدم في المواطن الإيطالي في منطقة فينيتو(Veneto Region) وبمعدل تركيز بلغ 44.4 نانوجرام لكل مليليتر، حسب الدراسة المنشورة في 18 فبراير 2020 في مجلة شؤون صحة البيئة، مما يثبت انتقال وغزو هذه المجموعة من الملوثات جسم الإنسان.

 

كذلك نُشرت دراسة في مجلة علوم وتقنية البيئة في العدد الصادر في 11 يونيو 2020 حول العلاقة بين تعرض المرأة الحامل للملوثات العضوية متعدد الفلور وجنس هرمونات الجنين في مدينة شنغهاي الصينية، وأفادت بأن هذه الملوثات تُعد سامة للجنين وقد تسبب له مشكلات في النمو، ودراسة أخرى منشورة في المجلة نفسها في عام 2017 قامت بقياس مستوى هذه الملوثات في دم الأطفال في مدينة بوسطن الأمريكية، ودراسة أخرى قاست مستوى هذه الملوثات في مياه السواحل في محيطات وبحيرات مختلف دول العالم والمنشورة في مجلة علوم وتقنية البيئة في الأول من مارس من العام الجاري، كذلك نُشرت دراسة حول تعرض الطفل الرضيع لهذه الملوثات عن طريق حليب الأم، والصادرة في 20 أغسطس 2015 في مجلة علوم وتقنية البيئة، أي أن أطفال المستقبل ستكون أجسادهم مسمومة بهذه الملوثات.

 

وختاماً فهناك بعض الاستنتاجات العامة التي أودُ نقلها لكم حول هذه الملوثات الجديدة، كما يلي:

أولاً: الملوثات الموجودة في المنتجات الاستهلاكية التي نستخدمها يومياً تصل إلينا خلال المكونات البيئية، ومن خلال مياه المجاري المعالجة التي تصب في المسطحات المائية فتنتقل إلى الأحياء البحرية، ثم إلى الإنسان، كما هو الحال بالنسبة لهذه الملوثات العضوية متعددة الفلورين.

ثانياً: هذه الملوثات استغرقت عقوداً طويلة من الزمن حتى غزت كل عناصر البيئة ثم انتقلت إلينا بطرق مباشرة وغير مباشرة.

ثالثاً: تركيز هذه الملوثات في الأوساط البيئية وفي جسم الإنسان في ازدياد مع الزمن.

رابعاً: هناك حاجة لدراسات حول العلاقة بين وجود هذه الملوثات في بيئتنا وأجسادنا وتأثيرها الصحي علينا، إضافة إلى الأمراض التي من الممكن أن نصاب بها نتيجة لذلك.

 

والأيام القادمة ستكشف لنا المزيد من المفاجئات غير السارة عن هذه الملوثات الجديدة علينا، وملوثات أخرى ستكشف عن نفسها لاحقاً.