الأحد، 6 فبراير 2022

مُسَرطن أُطْلق سراحُه قبل 30 عاماً


هناك الكثير من الملوثات التي يعرف العلماء والمختصون بثقةٍ كبيرة، وإجماعٍ تام بأنها تعرض الإنسان للسقوط في شباك أمراض السرطان المستعصية على العلاج، وبالرغم من ذلك فإننا نسمح بأيدينا لهذه الملوثات السامة والخطيرة بأن تنبعث في أعماق بيئتنا بحريةٍ تامة، فنُطلق سراحها لكي تسرح وتمرح في مكوناتها من مسطحات مائية أو جوفية، أو الهواء الجوي، أو التربة ودون حسيبٍ، أو رقيب، أو تقنين لوجودها في بيئتنا.

 

وياليتها تبقى محبوسة فقط في البيئة، وتتجول فيها هناك دون أن تخرج منها، وإنما تكمن خطورتها المباشرة وغير المباشرة في تهديدها العصيب لأمننا الصحي من خلال الانتقال من عناصر البيئة المختلفة إلى أعضاء أجسامنا والتراكم فيها مع الزمن، وذلك تارة عن طريق استنشاق الهواء الملوث بها، وتارة عن طريق الامتصاص الجلدي، وتارة عن طريق تناول المواد الغذائية الملوثة بها، ولكن في معظم الحالات تنتقل هذه السموم المسرطنة إلى أجسادنا عن طريق الأنف، ثم تدخل في أعماق الجهاز التنفسي، ومنها إلى الدورة الدموية وإلى كل خلية من خلايا أبداننا.

 

ولذلك ليس من الغريب، أو من غير المفهوم والذي لا يمكن تفسيره، أن نرى ارتفاعاً ملموساً في حالات الإصابة بالسرطان كظاهرة عامة متفشية في كل دول العالم بدون استثناء، ولكن بدرجات ونسبٍ متفاوتة.

 

والأمثلة على مثل هذه الحالات كثيرة ولا تعد ولا تحصى، ولكنني أختار منها آخر مثال لأبين واقعية هذه الحالات في بيئتنا وعلى صحتنا. فمن هذه الملوثات التي استخدمناها لسنوات طويلة ونحن نعلم عن أنها تسبب السرطان للإنسان هو سائل سريع التطاير والتبخر، وعديم اللون وذي رائحة عضوية مميزة وقوية يمكن التعرف عليها، واسمها العلمي 1_برومو البروبان(1-bromopropane). هذه المادة الاستهلاكية دخلت في أسواقنا، ومعاملنا، ومنازلنا، ومشاغل التنظيف الجاف وغسيل السيارات وإزالة الشحوم من المعادن وغيرها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكانت كمذيب عضوي يستخدم أساساً في تنظيف الملابس وخاصة التنظيف الجاف، إضافة إلى تنظيف المعادن بدلاً عن مواد أخرى ضارة مثل  مركبات الكلورفلوروكربون، ورباعي كلورو الإيثلين التي تسببت في الثمانينيات من القرن المنصرم في واحدة من أسوأ الكوارث البيئية شدة وتأثيراً على الإنسان والحياة الفطرية النباتية والحيوانية وعلى كوكبنا بشكلٍ عام، وبالتحديد كانت أضرارها وتداعياتها قد تخطت السماء السفلى ومكونات البيئة الأرضية من ماءٍ، وهواءٍ، وتربة، فوصلت إلى أعالي السماء، في طبقة الأستراتسفير، والمعروفة بطبقة الأوزون. وهناك في ذلك المكان الذي لم يتوقعه أحد، ولم يخطر على بال أي إنسان، أثرت هذه المواد على غاز الأوزون الموجود في طبقة الأوزون فأدت إلى تحلله واستنفاده مع الزمن، مما سمح للأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس والتي تتكون من طاقة عالية جداً من الوصول إلى سطح الأرض وتعرض الناس والحياة الفطرية والمواد لخطرها. ولذلك كان لا بد من التفكير في بدائل عن هذه المواد المستنفدة لطبقة الأوزون، والتي كان من بينها برومو بروبان.

 

ولذلك عالج الإنسان قضية محددة وأوجد لها حلولاً مؤقتة، ولكنه في الوقت نفسه خلق قضية بيئية وصحية أخرى تغلغلت في بيئتنا وفي أبداننا أكثر من ثلاثين عاماً، ولا يعرف إلا الله ماذا فعلت بنا هذه الملوثات التي لم نكبح جماحها طوال تلك الفترة الطويلة من الزمن، وما أنزلت علينا من ويلات مرضية، وآلام صحية، من أمراض السرطان وغيرها.

 

فقد اكتشف العلماء منذ زمن طويل الانعكاسات الصحية لهذا الملوث، ولكن لم تأخذ الجهات المختصة أي إجراء رادعٍ وفاعلٍ ضده، بل جعلوا هذا الملوث الخطير يُستخدم في مجالات كثيرة، ويتعرض له الناس لسنوات طويلة. فعلى سبيل المثال، حدد "المؤتمر الأمريكي الحكومي لخبراء الصحة الصناعيين"(American Conference of Governmental Industrial Hygienists) بعد وقتٍ طويل من استخدامه في عام 2003 بأن معدل التعرض لهذا الملوث يجب أن لا يزيد خلال 8 ساعات عن 10 أجزاء من هذا الملوث في المليون جزء من الهواء، ثم بعد أن فُضح أمر هذا الملوث وانتشر خبر تهديده للصحة المهنية والعامة، قامت الجهات المختصة بخفض معدل التعرض له في عام 2014. والجدير بالذكر فقد وقع تضارب شديد ومشهود في كيفية إدارة قضية هذا الملوث على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، فكل ولاية كانت تتخبط حسب هواها، ومصالحها، وضغوط المتنفذين عليها. فولاية كاليفورنيا ممثلة في "إدارة كاليفورنيا للصحة والسلامة المهنية" وضعتْ في 2010 مواصفة للتعرض لبرومو بروبان مختلفة عن المواصفات الأخرى، وهي 5 أجزاء في المليون، وكأن المعايير الأخرى خاطئة ولا تفي بهدف حماية صحة الناس، كما أن "برنامج علم السموم القومي"(National Toxicology Program) في عام 2013 قدَّم توصية بتصنيف هذا الملوث كمسرطن للإنسان.

 

وأخيراً وفي الخامس من يناير 2022 أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية ولأول مرة لأكثر من ثلاثين عاماً بإضافة برومو بروبان ضمن القائمة العقيمة المختصة بملوثات الهواء الخطرة(Hazardous Air Pollutants) والملحقة بقانون الهواء النظيف والموجودة في السجل الاتحادي(Federal Register)، حيث إن القائمة الأولى التي نشرها الكونجرس كانت في عام 1990 ومكونة من 189 ملوثاً خطراً وساماً.

 

ومنذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا لم تُضف أية مادة ملوثة وسامة أخرى في هذه القائمة، أي أن هذه القائمة الخاصة بأخطر الملوثات وأشدها تهديداً للصحة العامة ظلت صامدة على أي تغيير أو إضافة، وكأنه لم توجد مسرطنات وسموم جديدة تعشعش في بيئتنا منذ ذلك الوقت، وتستحق أن تدخل في هذه القائمة طوال أكثر من ثلاثة عقود!

 

فمن هذا المثال وأمثلة كثيرة أخرى أستطيع أن أصل إلى استنتاجات مهمة جداً حول كيفية تعامل الإنسان مع ملوثات بيئته الضارة بصحته، وهي كما يلي:

أولاً: الإنسان يتبنى المدخل "الواقعي والعملي" وليس المنهج والمدخل العلمي المبني على الأبحاث عند التعامل مع المواد الاستهلاكية التي قد تُعد بعضها ملوثات بيئية في الوقت نفسه، فإذا لم يجد البديل المناسب، فإنه سيسمح لهذه الملوثات والسموم من الاستخدام والإضرار بالصحة المهنية والعامة، ويحدد تركيزها، أو نسبة انبعاثها بما يُطلق عليه "الحد المسموح به"، مما يعني عملياً بأننا طواعية أطلقنا سراح الملوثات بنسبٍ منخفضة، ولكنها ضارة ومهددة للصحة.

 

ثانياً: عملية وضع المعايير والمواصفات غير ثابتة، وإنما هي عملية وإجراء ديناميكي يحتاج إلى مراجعة دورية، فهي عملية متغيرة مع الوقت ومع الاكتشافات العلمية، والتغيرات السياسية والاقتصادية والمصالح الحزبية والحكومية، فكلما وضع الإنسان مواصفة لملوث ما في أحد مكونات البيئة، وجد العلماء بعد فترة من الزمن بأن هذه المواصفة يجب تغييرها لأنها لا تحمي صحة الإنسان وأنها خطرة عليه، كما حصل بالنسبة لبرومو بروبان، ومن قبل لغاز الأوزون، والجسيمات الدقيقة، وثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الجوي، حيث تم تغيير المواصفة عدة مرات، مما يؤكد بأننا نتعرض يومياً ونستنشق سموماً ومواد مسرطنة تُسقطنا في شبح الإصابة بالأمراض المستعصية.

ثالثاً: هذا الإجراء الأخير الذي اتخذته أمريكا في إضافتها لملوث جديد في قائمة الملوثات الخطرة، أتمنى أن يفتح الباب على مصراعيه لوضع ملوثات كثيرة أخرى في هذه القائمة السوداء لكي نقي أنفسنا وأبداننا من شرورها، وكل ما تتخذه أمريكا من إجراءات تنعكس على كل دول العالم فهي معظمها تحذو حذو أمريكا في مثل هذه الإجراءات.

الخميس، 3 فبراير 2022

استراتيجية الإدارة المتكاملة لمخلفات دبي


نَشر ولي عهد دبي حمدان بن محمد آل مكتوم ورئيس المجلس التنفيذي لدبي تغريدة في 27 يناير من العام الجاري جاء فيها: "نحن أيضاً اعتمدنا استراتيجية متكاملة لإدارة النفايات 2021 إلى 2041 بميزانية 74.5 بليون دولار، ومساهمة القطاع الخاص تبلغ 70.5 بليون، وهدفنا هو تشجيع الابتكار في إدارة النفايات، التدوير والتحويل للطاقة".

 

وهذه التغريدة شدتني كثيراً واستوقفتني لعلاقتها المباشرة بهمومي اليومية، وشؤوني العملية الأكاديمية في مجال البيئة عامة وإدارة المخلفات بكافة أنواعها وأشكالها عامة، فمثل هذه الأخبار والتطورات المتعلقة بوضع استراتيجيات وسياسات طويلة المدى في قطاع المخلفات في بلادنا تثلج صدري وتفرحني كثيراً لأنها تُعتبر مؤشرات عملية واقعية على تقدم وتطور وعمق فكرنا وثقافتنا في إدارة المخلفات عامة، ومخلفات المنازل أو القمامة المنزلية عامة.

 

ففي العقود الماضية كُنا نعتبر التعامل مع المخلفات من القضايا البسيطة الهامشية غير العلمية وغير المتخصصة التي تسند إلى أي قسم عام غير مختص في البلديات، ولذلك كانت لا تحتاج إلى رؤية علمية شاملة ودراسات معمقة ومستفيضة ونظرة استراتيجية متكاملة بعيدة المدى، فلا داعي لسياسات متقدمة تقنن عملية إدارتها والتعامل معها في كافة مراحلها وعمرها، ولذلك بالفعل لم تكن هناك سياسة منهجية علمية ثاقبة وواضحة تطبق في الواقع العملي الميداني عند التعامل مع القمامة المنزلية على سبيل المثال، فالأسلوب الوحيد الشائع والمعروف الذي كان يُنفذ في الواقع العملي هو ما أُطلقُ عليه "خُذوه فغُلوه"، أي جمع القمامة من المنازل والمتاجر والمجمعات بأية طريقة كانت، ثم نقلها مباشرة إلى موقع التخلص من المخلفات، والتي كانت في بعض الحالات قريبة من المجمعات السكنية والعمرانية، ودفنها بأي أسلوب سهل وعملي غير مكلف ويمكن أن يقوم به أي عامل أُمي وغير فني ومدرب على إجراءات وطرق دفن المخلفات، إضافة إلى عدم استخدام الآليات والمعدات المتطورة الحديثة المتخصصة في القيام بعملية الدفن الصحي.

 

ولكن هذه الممارسات العشوائية القديمة في إدارة المخلفات البلدية الصلبة أصبحت الآن في بعض دول الخليج جزءاً من الماضي، فعملت هذه الدول على وضع خطط واستراتيجيات عِلمية عَملية في كيفية الإدارة المستدامة والمتكاملة للمخلفات، كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لإمارة دبي.

 

كذلك من المؤشرات التي استخلص من مثل هذه الاستراتيجيات والخطط المستقبلية في التعامل مع المخلفات هي النظرة الجديدة إلى القمامة خاصة والمخلفات عامة، وهي اعتبار المخلفات ثروة قيِّمة، ومواد خام يمكن أن تقوم عليها مختلف أنواع الصناعات، وتوفر الوظائف الدائمة لآلاف الناس، وتحقق في الوقت أرباحاً مالية، وليس كما هو في السابق بأن القمامة البلدية مخلفات لا قيمة لها، ولا فائدة اقتصادية من ورائها، ولا جدوى استثمارية منها، ولذلك كان الحل الوحيد هو الدفن.

 

فهناك الكثير من التقنيات الموجودة تجارياً في السوق الآن للاستفادة من القمامة وإنشاء مصانع حديثة تقوم في التخلص منها، أو إعادة استعمالها، أو تدويرها، وكل تقنية لها سلبياتها وايجابياتها من الناحية التقنية، والاقتصادية، والبيئية، والاجتماعية، وعلى كل دولة اختيار ما يتناسب معها من الناحية الاقتصادية، ومن ناحية الظروف الجغرافية والمناخية ومساحة الدولة. فمن الطرق الشائعة على المستوى العالمي، والتي دعوتُ إلى استخدامها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، هي طريقة حرق مكونات المخلفات البلدية الصلبة القابلة للاشتعال والاستفادة من الطاقة العالية والحرارة المرتفعة الناجمة عن الحرق لتوليد الكهرباء. ولهذه الطريقة إيجابيات منها التخلص من الجزء الأكبر من القمامة العضوية وتوليد الكهرباء من عملية الحرق. وهذه التقنية مفيدة جداً للدول التي تعاني من ضيق المساحة وشح الأراضي وندرة المساحات التي تصلح لعملية الدفن، مثل البحرين، فالأراضي الضيقة الموجودة من الأولى والأجدى أن تُستخدم للمشاريع التنموية والعمرانية والسياحية والصناعية بدلاً من هدرها وعدم الاستفادة منها في عملية دفن المخلفات.

 

كذلك من التقنيات التي تؤكد بأن المخلفات ثروة حقيقة متجددة وغير ناضبة ويجب استغلالها والاستفادة منها هي عمليات إعادة الاستعمال وتدوير جميع مكونات المخلفات. فعلى سبيل المثال، يمكن تحويل الجزء العضوي من المخلفات، وبالتحديد المواد الغذائية القابلة للتحلل الحيوي، إما إلى سماد عضوي مخصب للتربة الزراعية والمعروف بالكمبوست باستخدام تقنية التحلل الهوائي للمخلفات، أو تحويلها إلى غاز الميثان، وهو المكون الرئيس للغاز الطبيعي، باستخدام تقنية التحلل أو الهضم اللاهوائي للجزء العضوي من القمامة. وفي الوقت نفسه يمكن تدوير الأجزاء الأخرى من المخلفات البلدية مثل البلاستيك، والورق، والمعادن بمختلف أنواعها، إضافة إلى المخلفات الإلكترونية الخطرة التي تزيد وتتفاقم أحجامها يوماً بعد يوم.

 

وعلاوة على ذلك كله، فإن من المؤشرات المهمة جداً التي وردت في استراتيجية الإدارة المتكاملة للمخلفات هي تحديد الميزانية المخصصة لتنفيذ هذه الاستراتيجية، مما يؤكد جدية تطبيقها على أرض الواقع، كما يرفع من نسبة نجاحها واستدامتها. كذلك من النقاط الأساسية التي تضمن استدامة هذه الاستراتيجية هي إشراك القطاع الخاص مع القطاع الحكومي في تحمل مسؤولياته المجتمعية، والاستثمار في ثروة المخلفات في الوقت نفسه، والتي تتمثل في تنفيذ وتمويل بعض المشاريع المتعلقة بإدارة المخلفات، وبالأخص من ناحية إنشاء مصانع لتدوير وإعادة استعمال بعض مكونات هذه المخلفات، ومشاريع أخرى ذات جدوى اقتصادية وبيئية وصحية متعلقة بإدارة المخلفات.

 

وأخيراً من النقاط المهمة في أية استراتيجية متكاملة للمخلفات، والتي عادة ما يتم تجاهلها، أو نسيانها، أو عدم إعطائها الأهمية المطلوبة هي دراسة كافة المراحل المتعلقة بالمخلفات، وليست المرحلة النهائية من عُمر هذه المخلفات فقط، وهي مرحلة التخلص النهائي والدفن. فالاستراتيجية الشاملة والمتكاملة والمستدامة تتطلب النظر بدقة ومنهجية علمية إلى كافة مراحل إنتاج المخلفات، أي من المهد إلى اللحد، بدءاً بالبحث عن أفضل الممارسات والطرق البيئية والصحية والاقتصادية في كيفية منع وخفض إنتاج المخلفات من مصادرها، أي من المنزل، والمتجر، والمطعم، وغيرها، ثم النظر علمياً إلى كيفية نقل هذه المخلفات بعد جمعها من مصادرها والسيارات والآليات الأخرى المستخدمة لهذا الغرض، ثم عدد أيام الجَمْع، هل هي كل يوم، أو مرة كل يومين، وهكذا، ثم خط النقل هل سيكون مباشرة إلى موقع التخلص، أو عمل محطة تحويل. فكل هذه المراحل المتعددة يجب أن نقف عندها وندرسها ونتخذ القرار المستدام المناسب لظروفنا، وخصوصيتنا بيئياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وجغرافياً.

الاثنين، 31 يناير 2022

أدوات غير مستدامة لمواجهة التغير المناخي

قامت حكومة ولاية ساباه(Sabah)في ماليزيا بعقد صفقة تجارية بيئية مع بعض الشركات الأجنبية في التاسع من نوفمبر 2021 تمهيداً للمشاركة في الاجتماع رقم (26) للتغير المناخي الذي عُقد في مدينة جلاسجو الأسكتلندية في بريطانيا في نوفمبر من العام المنصرم. وهذه الاتفاقية التي تُعرف باتفاقية "حماية الطبيعة" كانت موضع اهتمامي منذ ذلك الوقت، من حيث أهدافها، ونتائجها، ومن المستفيد الرئيس منها ومن مخرجاتها، إضافة إلى علاقة هذه الصفقة بمكافحة الدول والشركات الكبرى متعددة الجنسيات لتداعيات التغير المناخي وخفض انبعاث الملوثات المسببة لهذه المشكلة الدولية العقيمة، وبالتحديد بالنسبة لانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، ثم الميثان وأكسيد النيتروز.

 

وهذه الصفقة تعتبر من الأدوات والآليات التي ابتدعتها الدول الصناعية المتقدمة الكبرى، وبخاصة الدول الغربية التي تقع عادة تحت سيطرة الشركات العملاقة، وتهيمن هذه الشركات المتنفذة على قراراتها وسياساتها العامة، وبالتحديد بالنسبة لهذه الصفقة على سياساتها المتعلقة بمجال مواجهة انعكاسات التغير المناخي وطرق خفض انبعاث الغازات المتهمة برفع درجة حرارة كوكبنا.

 

فهذه الاتفاقية مع الطبيعة التي وقعتها الولاية الماليزية التي تقع فيها واحدة من أكبر وأعظم الغابات والأدغال المطيرة في العالم والمعروفة بغابات بورنيو(Borneo)، تهدف باختصار وببساطة شديدة إلى السماح للشركات والمصانع المتعددة الجنسيات في الاستمرار في تلويث مصانعها ومحطاتها لتوليد الكهرباء والطاقة لبيئتنا المشتركة، والاستمرار والمواصلة في إطلاق الملوثات المسؤولة عن حدوث التغير المناخي، وبالتحديد غاز ثاني أكسيد الكربون، ثم التعويض عن هذا التلوث المتعمد والرسمي بتقديم مبلغ زهيد من المال إلى الدول التي بها بيئات طبيعية خضراء، سواء أكانت بيئة الغابات، أو بيئة المستنقعات الملحية والرطبة وبيئة أشجار وغابات المانجروف في البحار، أو ما إلى ذلك من الأنظمة البيئية التي لها القدرة الذاتية الكامنة على امتصاص وتخزين ملوثات هذه الشركات من الهواء الجوي، وأَطلقُوا على هذه العملية، أو الأداة والآلية بتعويض انبعاث الكربون(Carbon offsetting).

 

وفي حالة ماليزيا فالاتفاقية تنص على أن تقوم الحكومة المحلية لأكثر من مائة عام إلى منع كل ما يضر بالنظام البيئي العام في هذه الغابات ويؤثر على حيويتها وإنتاجيتها، فتقوم ماليزيا بحماية الغابات من جميع الأنشطة التنموية المهددة للأمن البيئي لهذه الأدغال، مثل منع مشاريع قطع الغابات والبحث عن المعادن، أو مشاريع زراعة المحاصيل سواء للأكل أو إنتاج الوقود الحيوي، إضافة إلى استصلاح وإعادة تأهيل بعض المناطق المتأثرة من الغابات بالأنشطة التنموية السابقة. 

 

 وهذه الأداة الآن موجودة ومعتمدة في سوق الاتجار بالكربون بين الدول والشركات العالمية في كل دول العالم، بحيث إن أية شركة عالمية تريد أن تستمر وتواصل عملياتها وأعمالها الصناعية كالعادة، ودون إجراء أي تغيير أو تبديل في عملياتها وأعمالها الروتينية اليومية، أو أن تقوم بوضع أجهزة مكلفة لإزالة غاز ثاني أكسيد الكربون قبل أن يدخل إلى الهواء فيلوث البيئة، فستقوم هذه الشركات التي تريد تلويث بيئتنا بإجراءٍ قانوني وشرعي معترف به دولياً، ومبارك فيه من قبل منظمات الأمم المتحدة المختصة والمسؤولة عن حماية بيئتنا، مثل عقد صفقة مشابهة لصفقة الحكومة الماليزية. وتكون في نهاية المطاف هذه الشركات الملوثة للبيئة هي الرابحة من جميع النواحي، فهي تكون قد ضربت عدة عصافير في وقت واحد. أما أولاً فهي أمام دولهم والمجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة المعنية قد أدت واجباتها المطلوبة بصفةٍ شرعية وقانونية تجاه المتطلبات البيئية المحلية والدولية، كما هي ثانياً وفت بتعهداتها والتزاماتها المعنية بخفض انبعاث الملوثات المؤثرة على مناخ كوكبنا بجعل طرفٍ ثان يقوم بامتصاص هذه الملوثات، وقد يكون هذا الطرف في البلد نفسه أو بلاد أخرى، وثالثاً وفرَّت الكثير من المال ولم تتأثر أرباحها السنوية ومكاسبها المالية، فبدلاً من أن تضع أجهزة ومعدات غالية جداً تُرهق كاهل ميزانياتها وتقلل من أربحها السنوية وتعرقل عملياتها الإنتاجية، قامت بتحويل مبلغٍ مالي بسيط بالنسبة لهم إلى دول أخرى للقيام بدور التخلص من ملوثاتها التي أطلقتها إلى الهواء.

 

ولذلك في تقديري فمثل هذه الوسائل والأدوات الدولية تخدم في المقام الأول المصالح الاقتصادية للشركات المتطورة والعملاقة التي عادة ما تقع في الدول الغنية المتقدمة والمتنفذة على المستوى الدولي، والتي تمتلك القرار النهائي في اجتماعات منظمات الأمم المتحدة، فهي التي تدير سفينة هذه المنظمات، فتسيرها حسب أهوائها ومصالحها، سواء أكانت منظمات أمنية، كمجلس الأمن، أو اقتصادية، أو بيئية، أو حقوقية.

 

فمثل هذه الأدوات لها بعض السلبيات التي يجب التنبيه إليها، فهي في تقديري غير مستدامة، وهذه السلبيات أُلخصها في النقاط التالية:

أولاً: الأدوات والآليات بشكلٍ عام التي تضعها منظمات وهيئات ومجالس الأمم المتحدة ليست مبنية ولا تهدف إلى حماية مصالح كوكبنا والحفاظ على الثروات البيئية الطبيعية المشتركة للإنسانية، أو حماية ورعاية مصالح وصحة الشعوب الفقيرة والمستضعفة، وإنما هي تسعى أولاً إلى تحقيق مصالحها ومآربها ومصالح شركاتها ومصانعها، وضمان استمرارية الأعمال التنموية فيها دون وجود حجر عثرة يقف أمامها مهما كان هذا الشيء.

ثانياً: بالنسبة للأدوات الخاصة بمكافحة التغير المناخي، وبالتحديد المتعلقة بسوق الكربون والانبعاث، والتعويض الكربوني، فكان من الأولى والأجدى لمصير كوكبنا وحماية مواردها وخفض حرارتها أن تعمل الدول على إبداع آليات تلزم الشركات العملاقة الغربية والشرقية في الدول الصناعية الثرية على منع، أو خفض انبعاثاتها من غازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون بنسبة محددة سنوياً، بدلاً من السماح لها قانونياً وتحت إشراف الأمم المتحدة على تلويث البيئة ونقل المهمة إلى جهة أخرى لا يعلم أحد بشكلٍ دقيق مدى فاعليتها في القيام بمهمة امتصاص الملوثات والتخلص منها.

ثالثاً: مثل هذه الأدوات الأممية لا تُشجع الدول والشركات العظمى ولا تحفزهم على منع وخفض الانبعاث من المصدر، أي من المصنع نفسه، حيث يكتفون بدفعٍ مبلغ مالي رمزي ومواصلة تلويث البيئة إلى أجلٍ غير مسمى، كما أن هذه الآليات لا تشجع العالم الانتقال من المصادر غير المتجددة للطاقة وتشغيل المصانع والملوثة للبيئة إلى المصادر الأخرى النظيفة، وغير الناضبة.

رابعاً: اعتماد آلية "الحماية الطبيعية" من ملوثات البيئة تعتبر آلية غير مستدامة، فامتصاص البيئات الطبيعية للملوثات المناخية لا يستطيع مواكبة هذه الملايين من الأطنان التي تخرج إلى الهواء من شتى أنواع الملوثات التي تنبع من كل شبرٍ في كوكبنا، كما أنها ستتعرض لحالة من التشبع ربما لا تتمكن مع الوقت من امتصاص وتخزين المزيد من الملوثات التي تنبعث في كل ثانية مدى الحياة ومنذ مئات السنين. وعلاوة على ذلك فإن هذه البيئات الطبيعية المعروضة في السوق لامتصاص الملوثات في الهواء قد تنتهي مع الوقت، فكيف ستقوم هذه الشركات العملاقة بالتعويض عن إفساد بيئتنا بالملوثات التي تطلقها؟

 

وختاماً فإن هذه الآليات والأدوات وُضعت من قبل الدول الصناعية المتقدمة الغنية، فهي بالتالي تخدم هذه الدول وأذرعها الاقتصادية من مصانع وشركات عملاقة وتُقدم لها المخارج والمبررات القانونية الدولية لاستمرار عملها دون توقف، ولم توضع حماية لبيئتنا، أو رعاية لمصالح ثرواتنا البيئية الفطرية المشتركة.

الخميس، 27 يناير 2022

التلوث قديماً وحديثاً


لقد تمكن الإنسان نوعاً ما من السيطرة على بعض الملوثات التقليدية القديمة التي تعامل معها وعانى من وجودها في البيئة منذ أكثر من 150 عاماً، فقد نجح بدرجةٍ محدودة إلى ترويضها والتعرف عليها وعلى كيفية تصرفها عند دخولها في مكونات البيئة وأضرارها على صحة الإنسان والحياة الفطرية النباتية والحيوانية، ووضع خططاً وبرامج للتحكم فيها وإدارتها على كافة المستويات، بحيث تهدف هذه البرامج التنفيذية إلى الخفض من حجم ونسبة وُلوجها وانبعاثها إلى عناصر بيئتنا من ماءٍ وهواء وتربة.

فالكثير من هذه الملوثات القديمة انكشفت منذ بزوغ فجر الثورة الصناعية، ومنذ أن استخدم الإنسان عملية حرق الوقود الأحفوري من الفحم، أو النفط، أو الغاز الطبيعي في وسائل المواصلات المختلفة وفي إنتاج الطاقة الكهربائية وفي تشغيل المصانع، كما إن عمليات التنجيم الواسعة النطاق التي كان يقوم بها الإنسان بحثاً عن العناصر الثقيلة التقليدية المعروفة كانت أيضاً مصدراً لإفساد البيئة وتدهور جودتها، وسبباً في نزول العديد من الكوارث الصحية البيئية التاريخية على المجتمعات البشرية.

ففي تلك المرحلة الأولى من عمر الثورة الصناعية انتشرت في البيئة ملوثات قديمة وتقليدية معروفة الآن لدي الإنسان، مثل أكاسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين، والدخان أو الجسيمات الدقيقة، وأول أكسيد الكربون، وغاز الأوزون الذي ينتج من تفاعل أكاسيد النيتروجين مع المركبات العضوية، إضافة إلى مخلفات البحث في باطن الأرض عن المعادن، مثل الرصاص، والكادميوم، والخارصين، والزئبق، والكروميوم. وجميع هذه الملوثات القديمة خضعت منذ عقود لجهود التقنين في السماح لدخولها إلى مكونات بيئتنا، وذلك باستخدام العديد من الأدوات والوسائل، منها استخدام المواصفات والمعايير التي تحد من انبعاثها وتحدد تركيزها في مخلفات المصانع الغازية والسائلة والصلبة التي تصرف إلى البيئة، إضافة إلى المعايير الخاصة بتحديد نسبتها في مكونات البيئة، أو من خلال تقنين وجودها عن طريق آلية التشريعات القومية التي تضعها الدول للتحكم فيها، أو المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُدير بعض هذه الملوثات على مستوى كوكبنا، فتُحمل كل دولة من دول العالم مسؤولية التعامل السليم والآمن معها حسب هذه الأنظمة الدولية.

ثم مع استمرار الثورات الصناعية وارتفاع وتيرة إنتاج المواد الاستهلاكية وزيادة أعداد المصانع التي تنتج شتى أنواع المنتجات التي نستخدمها كل يوم، انكشفت ملوثات جديدة كانت غريبة على الإنسان، من حيث هويتها وتركيز وجودها في البيئة، وأسلوب تصرفها عندما تدخل في مكونات البيئة، وكيفية تفاعلها مع المواد والملوثات الكثيرة الأخرى التي توجد معها في البيئة نفسها، إضافة إلى مصيرها الأخير بعد سنوات من دخولها إلى البيئة وتأثيراتها الصحية عندما يتعرض لها الإنسان وتدخل في أعضاء جسمه.

وهناك أمثلة كثيرة أستطيع أن أضربها لكم حول هذه الملوثات الحديثة التي بدأت تقلق بال الإنسان من جديد، وقد تسبب له مشكلات بيئية وصحية غامضة وغريبة لم يعرف الإنسان بعد كافة خفاياها وأسرارها وأبعادها على صحة الإنسان وبيئته. ومن هذه الأمثلة التي غطتها وسائل الإعلام الأمريكية مؤخراً واهتمت بها كثيراً لتهديدها للصحة العامة في منطقة جغرافية واسعة، فنُشرت عدة تحقيقات عنه هو ملوث مسرطن وسام، وهو سائل عديم اللون وقابل للاشتعال وسريع الذوبان في الماء، ويُطلق عليه علمياً بالديكسان(1,4-Dioxane). وكان سبب اهتمام وسائل الإعلام بهذا المركب هو وصوله إلى مياه الشرب للملايين من الأمريكيين في نحو 30 ولاية شملت كافة المناطق الجغرافية، بدءاً بالولايات الشمالية الشرقية كولاية نيويورك ونيو جيرسي وميشيجن، ثم الجنوبية مثل تكساس ونورث كارولاينا، وولايات غربية مثل كاليفورنيا، حيث كتبت مجلة "البوليتيكو" تحقيقاً شاملاً في 23 يناير من العام الجاري تحت عنوان: "كيف وصلت مادة سامة إلى مياه الشرب التي يستعملها 13 مليون إنسان؟". وهذا التحقيق ركز على وجود تراكيز مرتفعة جداً من هذا المسرطن في نهر(Delaware) الذي يستخدمه الملايين للشرب في ولاية نيويورك وبنسلفانيا وغيرهما، والذي من المفروض أن تكون مياهه عذبة ونقية وحامية لصحة الإنسان، مما يعني بأن هذه الملايين من البشر يشربون في كل يوم مياهاً سامة تُعرض حياتهم وحياة فلذات أكبادهم للخطر والسقوط في الإصابة بالسرطان، حسب تصنيف "برنامج الولايات المتحدة القومي للسموم" لهذه المادة والمنشور في النشرة الإخبارية الصادرة من جمعية الكيميائيين الأمريكية "أخبار الهندسة والمواد الكيميائية"(Chemical & Engineering New) في يناير من العام الجاري.

فكيف إذن وصلت هذه المادة المسرطنة إلى مياه الشرب في منازل الناس، وربما في المدارس والجامعات والحدائق والمتنزهات؟

وللإجابة عن هذا السؤال علينا بالتحقيق في مسيرة حياة هذا الملوث الخطير ومكان ولادته وتنقلاته، فهو ينتج عادة من ضمن الشوائب غير المرغوب فيها عند صناعة المواد الاستهلاكية في المصانع، مثل صناعة المنتجات البلاستيكية، أو مواد التنظيف الشخصي والصناعي بمختلف أنواعها، وهذه المادة تدخل مع مياه الصرف التي تُطلقها هذه المصانع إلى محطات معالجة مياه المجاري، والتي بعد عملية المعالجة تتخلص من مياهها الملوثة بهذا المسرطن في المسطحات المائية، أو في بعض الحالات في المياه الجوفية، وأخيراً تصل إلى الإنسان في عقر داره من هذه المصادر الملوثة.

فهذا المثال الواقعي البسيط في ظاهره لا يُعد بالنسبة لي حالة جديدة، أو ظاهرة حديثة فريدة من نوعها وقعت في القرن الحادي والعشرين، ولكنها في الواقع ظاهرة قديمة سطرنا تفاصيلها وأحداثها من قبل في مقالاتنا وكُتبنا، ووقعت مشاهدها وأحداثها قبل مئات السنين في الكثير من دول العالم، ولكن الجديد اليوم في هذه الحالة هو هوية ونوع هذه الملوثات التي اختلفت عن الملوثات القديمة التقليدية المعروفة لدي الإنسان.

فالتلوث واحد لا يختلف، والكوارث العقيمة التي تنزل على الإنسان بسبب هذا التلوث أيضاً لا تختلف، ولكن الاختلاف يكمن في نوعية الملوثات ونوعية الأمراض التي تصيب الإنسان عند التعرض لها، فكلما تعرَّف الإنسان على أحد الملوثات، نزلت عليه ملوثات جديدة أخرى أشد وطأة وتنكيلاً بصحته وسلامة بيئته.

فهذا يعني بالنسبة لي ضرورة عدم تجاهل التلوث في أي مكانٍ أو زمان، ومهما كان مصدره أو نوعه، وعدم غض الطرف عنه حتى ولو كان صغيراً في حجمه، وأهمية كبح جماحه ووأده من جذوره في مهده قبل أن ينتقل إلى أعماق بيئتنا ويستفحل ويتفاقم ضرره، وتتعقد تداعياته، وتتشابك مردوداته، فلا أمان للتلوث بكل أشكاله وأنواعه، ولا توجد أية دولة بمنأى عن ضرره وتأثيراته العصيبة مهما كانت متقدمة ومتطورة علمياً وتقنياً.

 

الاثنين، 24 يناير 2022

خطورة تسييس العلم والعلماء

من أخطر الممارسات التي من الممكن أن تقوم بها الحكومات هو إقحام نفسها في العلم، والتدخل في المحتوي العلمي للأبحاث والتقارير التي تنتج من العلماء، أو من الجامعات ومراكز الأبحاث، إضافة إلى العمل على تسييس آراء العلماء واستنتاجاتهم المتعلقة بالقضايا العلمية المختلفة، وتحريفها وتغييرها لتتناسب وتتماشى مع موقف الحكومة وسياساتها، أو التوجهات الحزبية لهذه الحكومة، أو أهواء ومصالح الشخص الحاكم نفسه. 

 

ومن أخطر صور وأوجه هذا التدخل هي أولاً شراء ضمائر بعض العلماء ليكونوا بشكلٍ غير رسمي المتحدث العلمي باسم الحكومة والمدافع عن سياساتها وتوجهاتها، وتقديم الموقف العلمي الموصوف بأنه الرأي "الموضوعي والمستقل" بطريقةٍ تتوافق وتتماشى مع موقف الحكومة، وثانياً يكون الاقحام والتوغل في شؤون العلم من خلال التلاعب في صياغة التقرير والبحث العلمي، أو تغيير لغة التقرير لتكون موافقة مع السياسة الحكومية، إضافة إلى تخفيف أو تشديد لغة التقرير والاستنتاجات التي تتمخض عنها لتتناسب مع المواقف العامة للحكومة، وأخيراً يكون التدخل في إخفاء التقارير والمعلومات العلمية والبحثية التي تجريها الأجهزة الحكومية ومنع نشرها، والتي قد تكون نتائجها لا تتوافق مع مواقف وسياسات الحكومة.

 

وهذه الظاهرة الخطيرة متجذرة في الكثير من حكومات دول العالم، ومن بينها أقوى دولة في العالم وأكثرها رقياً وتقدماً وتطوراً في الكثير من المجالات وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وحدة هذه الظاهرة ودرجة وضوحها أمام الناس اختلفت من حكومة أمريكية إلى أخرى، وربما من أشد الحكومات الأمريكية تدخلاً في الشأن العلمي وفي محتوى التقارير العلمية، أو إهمالاً وتجاهلاً للرأي العلمي، وتضيقاً على العلماء الذين اختلفت مواقفهم وآراؤهم مع سياسة الحكومة تمثلت في الرئيس الأمريكي السابق ترمب.

 

ولذلك نُشرت الكثير من الخطابات والرسائل العامة من علماء أمريكا للشكوى من هذه الظاهرة الخطيرة، ودعوة المجتمع الأمريكي والمسؤولين إلى التنبه لها ومحاربتها، حتى يكون العلم، وتكون نتائج العلماء وآراؤهم خالصة نقية من شوائب السياسة المتغيرة كل يوم، ونزيهة ومستقلة من أية تأثيرات خارجية، إضافة إلى منع زعزعة احترام الناس وفقد ثقتهم بالعلماء ونتائج الدراسات العلمية. وقد نشرتْ مجلة "الطبيعة"(Nature) المرموقة في 11 يناير من العام الجاري مقالاً حول هذه الظاهرة تحت عنوان: "كيف يمكن حماية العلم في الولايات المتحدة من تدخل السياسة بعد ترمب؟".

 

واستجابة لهذه الدعوات من علماء أمريكا، قام بايدن في الأسبوع الأول من دخوله إلى البيت الأبيض بإصدار مذكرة رئاسية في 27 يناير 2021 تحت عنوان: "إعادة الثقة في الحكومة من خلال النزاهة العلمية والسياسات المبنية على الدليل"، حيث أمرتْ المذكرة بتشكيل فريق عمل مكون من خمسين خبيراً يمثلون 29 وكالة حكومية اتحادية للنظر في هذه الظاهرة، وتقديم التوصيات حولها. وبيَّن بايدن بأن الهدف الرئيس من هذه اللجنة التي أُطلقَ عليها "لجنة النزاهة العلمية" بالمجلس القومي للعلم والتقنية هو "إعادة الثقة في الحكومة من خلال النزاهة العلمية والسياسات المبنية على الدليل العلمي"، حيث أكد بايدن بأن النزاهة العلمية من أهم الدعائم والأركان الأساسية لإدارته.

 

وقد قامت هذه اللجنة بتقديم الملخص التنفيذي للتقرير والصادر من مكتب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، مكتب البيت الأبيض لسياسات العلم والتقنية(White House Office of Science and Technology Policy) في 11 يناير من العام الجاري تحت عنوان: "حماية نزاهة المعلومات العلمية الحكومية".

 

وجاء في الملخص التنفيذي للتقرير بأن حماية النزاهة العلمية في أجهزة الحكومة هامة جداً للأمة الأمريكية، وهذا يعني المحافظة على هذه النزاهة وحمايتها في جميع مراحلها، بدءاً بتصميم موضوع البحث العلمي وخطة البحث، ثم اتباع الأسلوب والمنهج العلمي المعتمد والموثوق في تنفيذه، ثم الوصول إلى عرض وصياغة النتائج والاستنتاجات، وأخيراً استخلاص السياسات العامة من هذه الاستنتاجات العلمية. كما أكد الملخص التنفيذي بأن مصطلح العلم يعني ويشتمل على جميع المجالات والتخصصات، سواء أكانت العلوم التطبيقية من كيمياء وأحياء وفيزياء وبيئة وغيرها، أو العلوم الهندسية، أو الطبية، أو علم الاقتصاد والاجتماع والاحصاء. وربما أُضيف على هذا التعريف علماً وتخصصاً آخر، وهو قد يكون حالياً غير واضح في الدول الديمقراطية العلمانية الغربية خاصة، ولكنه مشهود وحاضر ومتجذر في بعض الدول العربية الإسلامية وهو علم الشريعة أو علوم الدين الإسلامي، وكثيراً ما يُسيس هذا العلم والعلماء خدمة للحكام والحكومات وتحليلاً لما حرمه الله، وتحريماً لما أحله الله لكي يتوافق مع سياسات وتوجهات هذه الدول. 

 

وقد جاء في مقدمة التقرير حول حماية نزاهة العلم بأن الديمقراطية تعتمد على المعلومات الموثوقة، والدراسات والأبحاث العلمية والتقنية المستقلة والموضوعية مهمة جداً للصحة العامة للأمريكيين وسلامتهم وازدهارهم، كما أن للشعب الأمريكي الحق في أن يتوقع من الحكومة معلومات وأدلة علمية دقيقة وسياسات مبينة عليها، وهذا يحتاج إلى نزاهة  علمية مبنية على الأبحاث العلمية التي لا تؤثر عليها السياسة، كما أن مخالفة مبادئ النزاهة العلمية تُفقد الثقة بالعلم والحكومة معاً، وتؤدي في بعض الأحيان إلى رفض الشعوب لمواقف الحكومات وقراراتهم، بل وفي بعض الحالات التمرد عليها ومقاومتها بجميع الوسائل السلمية والعنيفة، كما هو الحال الآن بالنسبة لرفض فئة من بعض الشعوب الغربية في الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وروسيا لأخذ اللقاح ضد فيروس كورونا.

 

ولذلك لا بد من أن تتبنى الحكومات موقف الحياد والموضوعية وعدم التدخل في الاستنتاجات التي تتمخض عن الأبحاث العلمية والدراسات الميدانية في جميع التخصصات، سواء أكانت علوم الدنيا أو علوم الدين، وتجنب تطويع والضغط على العلم والعلماء لإصدار الفتاوى العلمية التي تتفق مع سياساتها، وفي الوقت نفسه أدعو العلماء إلى تبني المنهج العلمي الموضوعي والمستقل عند إجراء الأبحاث العلمية وعدم الجري وراء إرضاء سياسات وتوجهات الحكومات حفاظاً على سمعتهم وثقة الناس بالبحث العلمي.

 

الخميس، 20 يناير 2022

تحذير لسكان لندن من الخروج من منازلهم!


أول ما يتبادر إلى ذِهنك وأنت تقرأ المقال هو أن هذا التحذير الصادر من الجهات المعنية في الحكومة البريطانية حول دعوة الناس إلى عدم الخروج من منازلهم وحجرهم في أماكن سكنهم جاء بسبب تفشي فيروس كورونا لمدة سنتين حتى الآن، وبالتحديد هذه الأيام من متحور فيروس كورونا الأصلي وهو أوميكرون.

 

فهذا التحذير والحجر الحكومي للناس ليس بغريب على مدن بريطانيا وعلى كافة مدن العالم منذ أن ولج هذا الفيروس العصيب في نهاية ديسمبر عام 2019 إلى البيئة البشرية، ثم إلى أعضاء جسم الإنسان مباشرة، حتى أن ضحايا هذا الفيروس في زيادة مستمرة مطردة في كل مدن العالم دون توقف لحظة واحدة لكي يعيد المجتمع الإنساني أنفاسه ويعطيه مجالاً للتفكير والدراسة، فمنهم من قضوا نحبهم ونقلوا إلى مثواهم الأخرى تحت الثرى، وبلغ عددهم قرابة 5.6 مليون، ومنهم من أصابهم المرض وقاربوا على 327 مليون.

 

ولكن التحذير اللندني الذي نُشر في وسائل الإعلام البريطانية في يوم الجمعة 14 يناير لم يكن هذه المرة كالعادة نتيجة لانتشار فيروس كورونا بجميع تحوراته، ولكن كان نتيجة لسوء الأحوال البيئية، وتدهورٍ شديد لنوعية الهواء التي يتعرض لها الناس ويستنشقونها في كل ثانية. ولذلك جاء تحذير لسكان لندن من الخروج من منازلهم في ذلك اليوم حماية لصحتهم، وتوجيههم إلى تجنب ممارسة الرياضة والأنشطة في البيئات الخارجية وعدم سياقة السيارة كلما أمكن ذلك حفاظاً على سلامة أجسادهم ومنعاً لدخول الملوثات السامة والخطرة إلى أعضاء أجسامهم، وبخاصة الجهاز التنفسي العلوي والسفلي. وهذا التنبيه صدر بصفةٍ خاصة لكبار السن والأطفال، ولكل من يعاني من مشكلات صحية في الجهاز التنفسي كالربو، والحساسية، وأمراض القلب، فهذه الفئة من الناس تكون عادة أكثر معاناة من أي تغيرٍ، ولو طفيف، لحجم وتركيز الملوثات في الهواء الجوي.

 

 وجدير بالذكر أن المتهم في هذه الحالة الصحية التي نزلت على لندن لم يكن فقط تلوث الهواء المنبعث من السيارات، ومحطات توليد الكهرباء، والمصانع، فهذه المصادر موجودة دائماً ولم تتوقف قط، والملوثات تنبعث منها ليلاً ونهاراً في كل ثانية، ولكن المتهم الآخر الذي زاد الطين بله هو تدهور الطقس في ذلك اليوم بالتحديد، فالرياح كانت ساكنة جداً، وحركة التيارات الهوائية بطيئة، أو شبه منعدمة في بعض الساعات، كما أن ظاهرة الانقلاب الحراري كانت أيضاً من أسباب هذا الحالة الشديدة التي نزلت على لندن. ففي مثل هذه الأجواء المناخية الخاصة، فإن الملوثات التي تنطلق إلى الهواء من جميع المصادر لا تتشتت ولا تنتشر في السماء الواسعة، ولا يخف تركيزها مع الوقت، وإنما تساعد هذه الأجواء المناخية على تراكمها، وزيادة تركيزها ساعة بعد ساعة، فتتكون طبقة من السحب القاتلة المشبعة بالملوثات السامة في طبقات الجو السفلى، فيتعرض لها الناس بتراكيز مرتفعة جداً تؤدي بهم في بعض الأوقات إلى الموت، أو غرف الطوارئ في المستشفيات، وتزيد عندهم الكحة، والسعال، وآلام في الحنجرة والعينين، وحكة شديدة في الجلد.

 

ومثل هذه الحالات البيئية الصحية التي شهدناها في لندن ليست جديدة، وليست أيضاً حالات فريدة تنزل على لندن فقط، وإنما هي قديمة قِدم الثورة الصناعية التي قام بها الإنسان، وهي في الوقت نفسه ظاهرة عامة تعاني منها الكثير من المدن الحضرية في شتى أنحاء العالم، وبخاصة في المدن التي تكثر فيها السيارات والمصانع ومحطات توليد الكهرباء، وتعاني في الوقت نفسه من الظاهرة المناخية الخاصة التي ذكرتها.

 

فعلى سبيل المثال، أجمعتْ وسائل الإعلام الهندية، ومنها صحيفة "هندوستان تايمس"(Hindustan Times) المنشورة في 14 يناير من العام الجاري، أي في اليوم نفسه الذي وقعت فيه حادثة لندن، عن نزول الحالة البيئية الصحية نفسها التي نزلت على لندن، حيث أكدت الجهات الحكومية المختصة عن استمرار تدهور جودة الهواء في سماء المدن الهندية، وبالتحديد العاصمة دلهي، بدءاً من 12 يناير حتى 16 يناير، حيث بلغ المؤشر الخاص بجودة الهواء 312، وهذا المستوى المرتفع يؤكد بأن الهواء في المدينة متدهور، أو سيء جداً. ومثل هذه الحالة تتكرر كثيراً في مدينة دلهي ومدن هندية أخرى، حيث نقلت وسائل الإعلام الصادرة في مدينة دلهي مثل صحيفة "الهند اليوم"(India Today) في السادس من نوفمبر 2021 أخباراً تحت عنوان: "هواء دلهي الخانق يبقى في المستوى الخطر"، وعنوان آخر: "نوعية الهواء في دلهي ضمن المستوى الخطر". وفي مثل هذه الحالات التي ترتفع فيها معدلات تلوث الهواء، تتعرقل حركة الناس، وتمنع الأطفال وكبار السن من الخروج من منازلهم، وتصيب عامة الناس بأعراض الربو والحساسية في الجهاز التنفسي، وقد أفادت التقارير بأن مؤشر جودة الهواء في دلهي في تلك الأيام بلغ مستوى "الخطر"، حيث وصل إلى مستويات قياسية عالية فاقت الرقم 600، كما نقلت صحيف هندستان تايمس  في السابع من نوفمبر عن تقارير طبية بأن عدد المرضى الذين يشتكون من أعراض مرضية في الجهاز التنفسي كضيق التنفس، والكحة، والعطاس وغيرها زادت بنسبة 20% عن الأيام العادية. كذلك في المدن الصينية أصبحت هذه الحالات مألوفة من كثر وقوعها، فعلى سبيل المثال، نشرت صحيفة يوميات الصين(China Daily)في العدد الصادر في الخامس من نوفمبر 2021 خبراً تحت عنوان: "تعليق الأنشطة المدرسية الخارجية بسبب تدهور نوعية الهواء"، حيث جاء فيه بأن هيئة التعليم في العاصمة الصينية أصدرت تحذيرات شديدة وتعليمات صارمة طارئة تُوجه فيها كل المدارس والمعاهد التدريبية إلى وقف جميع الأنشطة التي تقام في خارج البيئات المغلقة، أي خارج مباني المدارس والمعاهد.

 

ولذلك في تقديري فإن استمرار وقوع مثل هذه الكوارث البيئية الصحية منذ أكثر من مائة عام، وتفشي هذه الظاهرة بدرجةٍ مطردة في الكثير من مدن العالم وزيادة انتشارها وظهور بؤر جديدة سنة بعد سنة ، يؤكد لي بأن الإنسان قد فشل فشلاً ذريعاً في محاربة تلوث الهواء ومواجهة أضراره، بل وإنه خسر الحرب ضد تلوث الهواء.

 

Bottom of Form

 

وأتمنى أن تحظى قضية تلوث الهواء على الاهتمام على المستوى القومي، والإقليمي، والدولي الذي يتناسب مع حجم ضرره على البشرية، كاهتمامنا غير المسبوق بمرض فيروس كورونا(SARS-CoV-2). فهذا الفيروس العقيم يسبب مرضاً واحداً فقط هو كوفيد_19، في حين أن تلوث الهواء يسبب المئات من الأمراض المختلفة والمستعصية كالسرطان وأمراض القلب والرئة، والتي يُجمع العلماء والأطباء على علاقتها بتلوث الهواء مباشرة.

فهل من مجيب؟

الخميس، 13 يناير 2022

أولوية قضية جودة الهواء


ناقش مجلس الوزراء في الاجتماع المنعقد في 26 ديسمبر 2021 المذكرة المرفوعة من وزير شؤون مجلس الوزراء بشأن تقرير المجلس الأعلى للبيئة حول جودة الهواء في مملكة البحرين لعام 2021، حيث أفادت المذكرة بأن يتم رصد جودة الهواء عبر محطات متخصصة وتحليل بياناتها وفق منهجيات معتمدة من منظمة الصحة العالمية، كما أكدت المذكرة بأن النتائج والتحاليل أظهرت بأن معظم مكونات الهواء في مملكة البحرين ضمن المعدلات الطبيعية.

 

وفي الحقيقة فإنني أشكر أولاً مجلس الوزراء على طرح ومناقشة هذه القضية الخطيرة في اجتماعه الأسبوعي، وفي الوقت نفسه أتمنى أن يزيد ويتواصل الاهتمام والرعاية بهذه القضية لكي يرقى ويتناسب مع مستوى وحجم هذه القضية الهامة جداً والتي لها علاقة مباشرة ليست بصحة البيئة وسلامة أحد مكوناتها فحسب، وهي الهواء الجوي، وإنما بصحة الإنسان في المقام الأول، فكل ما يحدث في الهواء الجوي من تغييرات على هويته وطبيعته نوعياً وكمياً، ينعكس بصورة مباشرة على الهواء الذي يستنشقه الإنسان في كل ثانية، وبالتالي على الأمن الصحي لعامة المواطنين.

 

فقضية جودة الهواء هي مرتبطة أساساً بالأمراض التي يتعرض لها الإنسان، فهي قضية حياة سعيدة وصحية وسليمة بعيدة عن الأمراض والأسقام، أو قضية حياة بائسة مشبعة بالعلل الحادة والزمنة والمستعصية على العلاج، فهي في نهاية المطاف قضية حياة، أو موت مبكر في غير وقته.

 

ولست أنا من يدِّعي بذلك، ولكن الدراسات العلمية المتواترة، والأبحاث الميدانية من الجامعات، ومراكز الأبحاث، ومن المنظمات البيئية والصحية، وعلى رأسها منظمة صحة العالمية، هي كلها التي توافقني الرأي، وتجمع على أهمية قضية جودة الهواء وإعطائها الأولوية، كقضية صحة أو مرض، وقضية حياة أو موت.

 

والدراسات والتقارير التي تثبت تهديد الملوثات لصحة الإنسان، وانعكاس سوء نوعية الهواء التي يستنشقها الفرد على صحته، لا تُعد ولا تحصى، وآخرها الدراستان الدوليتان الشاملتان والمنشورتان في المجلة الطبية الدولية المرموقة اللانست، صحة الكوكب(The Lancet Planetary Health) في العدد الصادر في الخامس من يناير من العام الجاري.

 

أما الدراسة الأولى فنُشرت تحت عنوان: "النمط المكاني الحضري الدولي للجسيمات الدقيقة وعلاقتها بالعبء الصحي: تقديرات من بنك معلومات دولية". فهذه الدراسة تهدف إلى التعرف على أنماط التغيرات المكانية لتركيز الدخان، أو يُطلق عليه علمياً بالجسيمات الدقيقة المتناهية في الصغر، والتي قطرها يساوي 2.5 ميكرومتر أو أقل من ذلك، وعلاقة تركيز الدخان في الهواء الجوي بأعداد الوفيات في مدن العالم على مستوى كوكبنا برمته. وقد شملت هذه الدراسة الجامعة البحث في هذه العلاقة في 13160 مدينة خلال عامي 2019 و 2000. وقد توصلت الدراسة إلى عدة استنتاجات هامة تؤكد تهديد هذه الجسيمات الدقيقة لصحة الناس في كل مدن العلاقة، كما تثبت العلاقة بين ارتفاع تركيز هذه الجسيمات في الهواء الجوي بالموت المبكر للإنسان في هذه المدن. ومن هذه الاستنتاجات أن هناك قرابة 2.5 مليار إنسان، أي 86% من سكان الأرض يعيشون في مدن حضرية، وهؤلاء البشر يُشكلون نحو 55% من سكان كوكبنا، وجميعهم يعيشون في بيئاتٍ هواؤها ملوث بالدخان، وبهذه الجسيمات الدقيقة الصغيرة الحجم، ويزيد هذا التركيز كثيراً عن المعايير الاسترشادية لمنظمة الصحة العالمية الخاصة بالجسيمات الدقيقة في الهواء والتي كانت 10 ميكروجرامات في المتر المكعب من الهواء كمعدل سنوي حسب مواصفات عام 2005، ثم تم خفضها إلى 5 بسبب عدم حماية المواصفة السابقة لصحة البشر. وهذه الهواء الملوث بالدخان في المدن تسبب في زيادة ملحوظة وكبيرة في أعداد الموتى بلغت 1.8 مليون وفاة في عام 2019، حيث تعتبر الآن هذه الجسيمات في الهواء من أشد المخاطر تهديداً للصحة العامة وتنكيلاً بالأمن الصحي للبشر أجمعين، وهذه النتيجة تفيد بأن 1.8 مليون إنسان قضوا نحبهم في سنٍ مبكرة، ونُقلوا إلى مثواهم الأخير نتيجة لتلوث الهواء الجوي بالدخان، مما يعني أن عدد الوفيات لكل مائة ألف ساكن للكرة الأرضية بسبب استنشاق الدخان الموجود في هواء المدن يتراوح بين 45 إلى 77 وفاة في سنٍ مبكرة في مختلف مدن العالم التي خضعت لهذه الدراسة الشاملة.

 

والدراسة الثانية سبرت غور تأثير ملوثٍ آخر موجود في الهواء الجوي أينما تذهب على سطح كوكبنا، وهو غاز ثاني أكسيد النيتروجين الذي ينبعث من مصادر يصعب إحصاؤها، فكل عملية احتراق للوقود الأحفوري في كل سيارة، وفي كل مصنع، وفي قطار، وفي كل طائرة، تنطلق منها هذا الغاز. وهذا الغاز القديم الذي يعرفه الإنسان منذ مئات السنين ضرره على جسم الإنسان مزدوج، فهو مُهدد خطر لأعضاء كل إنسان في حد ذاته، وهو في الوقت نفسه يتفاعل في الهواء الجوي مع ملوثات أخرى فيُنتج ملوثات أشد وطأة على الجسم البشري، كما يُكوِّن ظاهرة يشاهدها كل إنسان يعيش على سطح الأرض في المدن الحضرية، وهي ظاهرة الضباب الضوئي الكيميائي. وهذه الظاهرة القاتلة عندما تنكشف في هواء المدن تصيح أجراس الإنذار وتصرخ وسائل الإعلام محذرة الناس من الخروج من منازلهم وممارسة الأنشطة في البيئات الخارجية.

 

وهذه الدراسة الثانية جاءت تحت عنوان: "الأنماط طويلة المدى لتركيز ثاني أكسيد النيتروجين في المدن الحضرية وعلاقتها بحالات الربو عند الأطفال"، حيث هدفت الدراسة إلى تقدير تركيز ثاني أكسيد النيتروجين على مستوى كوكبنا في 13189 مدينة من عام 2000 إلى 2019، وبيان علاقة نسبة هذا الغاز في الهواء بحالات الربو عند أطفال العالم. وقد توصلت الدراسة إلى أن هناك قرابة 1.85 مليون حالة ربو جديدة تظهر عند الأطفال في كل دول العالم مرتبطة بتركيز ثاني أكسيد النيتروجين في 2019، ومعظم هذه الحالات التي بلغت 1.22 مليون حالة كانت في المدن الحضرية، وهذه تمثل قرابة 176 حالة ربو لكل مائة ألف من فلذات أكبادنا في كل أنحاء كوكبنا.

 

فبعد هاتين الدراستين، وأبحاث وتقارير أخرى كثيرة لا أظن بأننا بحاجة إلى أدلة جديدة أخرى لإثبات أن جودة الهواء عامل أساس لحماية أمننا الصحي وتجنب الأسقام والموت المبكر، ولذلك أَطلقتُ سابقاً على تلوث الهواء بأنه قنبلة دمار شامل للجسم البشري برمته، فلا يدع عضواً إلا ويهاجمه، ولا يدع خلية إلا ويفسدها ويؤثر عليها. وعلى أداء وظيفتها.

 

أفلا ترون بأن قضية مثل هذه تستحق أن تكون في مقدمة سلم أولوياتنا واهتمامنا؟