الأربعاء، 8 يونيو 2022

ظاهرة الانتحار بين الجنود الأمريكيين

تنشر وزارة الدفاع الأمريكية كل ثلاثة أشهر تقريراً عن حالة الانتحار بين الجنود الأمريكيين، وهذا التقرير الحكومي الرسمي يصدر من مكتب متخصص في البنتاجون تأسس عام 2011 للتعامل مع كافة القضايا المتعلقة بالانتحار في صفوف الجيش بكل فروعه وأقسامه، ويُعرف بمكتب "الدفاع لمنع الانتحار"( Defense Suicide Prevention Office).

 

 فمن مهمات المكتب منع الانتحار في مجتمع الجيش الأمريكي من خلال وضع السياسات العامة والإشراف عليها، والتجاوب مع الأفراد للتأثير ايجابياً على معتقداتهم وسلوكهم وتغيير ثقافتهم بشكل ممنهج لمنعهم من الانتحار، كما إن رؤية المكتب هي العمل على تحقيق مجتمع عسكري خال من الانتحار. ويقوم المكتب بهذه المهمات من خلال متابعة أعداد وحالات الانتحار، ونشر تقرير حولها أربع مرات سنوياً منذ أكتوبر 2018 تحت عنوان:"تقرير الانتحار ربع السنوي"( Quarterly Suicide Report)، أي أن التقرير يصدر في نهاية أشهر مارس، ويونيو، وسبتمبر، وديسمبر.

 

فوجود مثل هذا المكتب المتخصص يؤكد على وجود ظاهرة مجتمعية محددة، وأن هناك فعلاً مشكلة عامة تواجه الشعب الأمريكي، وبخاصة المجتمع العسكري من الجيش، وسلاح الجو والبحر، وقوة الفضاء، والحرس الوطني، وخفر السواحل، كما أن مثل هذا المكتب يفيد بأن القضية قد ضربت أطنابها بشدة في الجيش، وتجذرت آثارها وتداعياتها بقوة بين صفوف الجنود العاملين حالياً، علاوة على قدامى الجنود الذين تركوا الخدمة لعدة أسباب منها التقاعد، أو الإعاقة الجسدية والعقلية.

 

فقضية الانتحار قديمة ومستفحلة منذ عقودٍ طويلة في الجيش الأمريكي مقارنة بالمدنيين، حيث فَتَح أول مركز لمعالجة الانتحار أبوابه في 1958 في مدينة لوس أنجلوس، ثم في 1966 تم إنشاء "مركز دراسات منع الانتحار" في "المعهد القومي للصحة العقلية". ومع الوقت تحولت إلى قضية اتحادية ومركزية في التسعينيات من القرن المنصرم مع اعتراف مجلس الشيوخ الأمريكي بواقعيتها وتعمقها في الجيش، ولذلك اتخذ قراراً في الاجتماع رقم 105 في الخامس من يونيو 1997 وأعلن بأن "الانتحار مشكلة قومية، وأن منع الانتحار أولوية قومية"، كما يشجع الكونجرس قيام الجهات المعنية بعدة مبادرات متعددة المداخل والتخصصات لمنعها من الجيش. وعلاوة على ذلك فقد تم إنشاء أول برنامج قومي في 2001 تحت مسمى "الخط الساخن القومي لمنع الانتحار"(National Suicide Prevention Lifeline)، ثم وُضعت "الاستراتيجية القومية لمنع الانتحار" في عام 2001، وتم تعديلها في سبتمبر 2012.

 

وهذه الجهود الاتحادية لمكافحة مشكلة الانتحار المتفاقمة والمتزايدة مازالت مستمرة، حيث قال وزير الدفاع الأمريكي "لويد أوستن" في 23 مارس 2022 بأن معدلات الانتحار في صفوف الجيش الأمريكي "لا تزال مرتفعة للغاية"، كما أضاف في تغريدة له عبر حسابه على "التويتر" قائلاً: "ومن الواضح أن أمامنا المزيد من العمل الذي يتعين علينا القيام به، لذلك أنشئت اليوم لجنة المراجعة المستقلة لمنع الانتحار والاستجابة له لإجراء مراجعة شاملة"( Suicide Prevention and Response Independent Review)، علماً بأن هذه اللجنة الجديدة تقع ضمن برنامج الجيش لمنع الانتحار(Army Suicide Prevention Program) والذي بدأ العمل مع مطلع عام 2022.

 

فمن الواضح أن للانتحار تاريخاً طويلاً مُتجذراً في الجيش الأمريكي، حيث أُجريت دراسة مقارنة وتحليلية وشاملة تؤكد هذه الحقيقة، وغطت هذه الدراسة نحو 200 عام من تاريخ الجيش وشملت ثلاثة قرون زمنية، بدءاً بالقرن التاسع عشر، ونُشرت هذه الدراسة في 13 ديسمبر 2019 في مجلة "جمعية الأطباء الأمريكيين" تحت عنوان: "دراسة تاريخية لسجلات الانتحار في الجيش الأمريكي في الفترة من 1819 إلى 2017". وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج عامة، من أهمها بأن نسبة الانتحار انخفضت بشكلٍ عام في سنوات الحروب القديمة، ولكن هذا النمط تغير خلال حرب فيتنام، والحروب على الإرهاب التي بدأت في عصر جورج بوش الابن، وبالتحديد غزو العراق وأفغانستان، حيث تفاقمت القضية وزادت أعداد المنتحرين بدرجة كبيرة جداً منذ عام 2004. ولكي أوضح هذا النمط التاريخي لأعداد المنتحرين أُقدم لكم بعض الأرقام. فمنذ عام 1843 زادت نسبة المنتحرين سنوياً، وبلغت أقصى معدل في عام 1883، وهو 118.3 لكل مائة ألف. ومنذ عام 1883 انخفضت النسب في ثلاث مراحل زمنية متتالية ومتزامنة مع انتهاء الحروب، مثل الحرب الإسبانية في 1898، والحرب العالمية الأولى من 1914 إلى 1918، والثانية من 1939 إلى 1945. ففي الفترة من 1944 إلى 1945 كانت النسبة 5 جنود لكل مائة ألف، وأثناء الحرب الباردة من 1945 إلى 1991 كانت النسبة من 10 إلى 15 لكل مائة ألف جندي، ثم ارتفعت بنسبٍ عالية غير مسبوقة في تاريخ الجيش الأمريكي، ودخلت مرحلة جديدة بعد 11 سبتمبر 2001 وأثناء حربي أفغانستان والعراق إلى 29.7 في عام 2012. ومن 2008 حتى 2017 تراوحت نسبة المنتحرين بين 20.2 إلى 29.7 جندي عامل لكل مائة ألف، حسب الدراسة المنشورة في مجلة "جمعية الأطباء الأمريكيين: الطب النفسي" في سبتمبر 2015 تحت عنوان: "محاولات الانتحار في الجيش الأمريكي خلال الحروب في أفغانستان والعراق، 2004 إلى 2009".

 

 

 

واليوم حسب تقارير وزارة شؤون المحاربين القدماء(Department of Veterans Affairs) والتقارير الربع سنوية لمكتب منع الانتحار التابع لوزارة الدفاع، فإن النسبة في عام 2018 بلغت الذروة وهي 45.9 حالة انتحار لكل مائة ألف. كما أفادت هذه التقارير بأن الجنود الذين يلقون حتفهم بسبب الانتحار يزيد عن الذين يلقون حتفهم في ساحات القتال أثناء الحروب. فعلى سبيل المثال، أفادت هذه التقارير الحكومية الرسمية بأنه قرابة 30177 جندياً أمريكياً انتحروا بعد 11 سبتمبر مقارنة بـ 7057 من الذين قتلوا في المعارك بعد 11 سبتمبر.

 

وهذه الأرقام المرتفعة لحالات الانتحار في أوساط الجيش الأمريكي، وبخاصة بعد تدشين الحروب على الإرهاب، تُعزى إلى عدة أسباب منها شعور الجنود باليأس والإحباط والذنب من عدم عدالة هذه الحروب التي يخوضونها لفترات طويلة زادت بعضها على العشرين عاماً، كما هو الحال بالنسبة لغزو أفغانستان. كذلك الضغوط النفسية والجسدية والعقلية التي يعانون منها أثناء الحروب وبعد الخروج منها، وعدم قدرتهم على الاندماج بشكلٍ طبيعي وسلس مرة ثانية في الحياة المدنية والشعور بالعزلة في المجتمع. إضافة إلى الإعاقات والمعاناة الجسدية والنفسية المزمنة التي أصابت الآلاف منهم، وجعلتهم يتجهون نحو الخمر والمخدرات للتخفيف عن آلامهم ومعاناتهم العصيبة، ثم أخيراً الانتحار لسهولة الحصول على السلاح. كذلك فإن العامل الوراثي قد يلعب دوراً في قيام الفرد بالانتحار، حسب الدراسة المنشورة في مجلة "الطبيعة" في 17 يناير 2019 تحت عنوان: "علاقة الجينات بمحاولات الانتحار الشديدة وتفاقمها عند حالات الاكتئاب".

 

ومن هذه الدراسة السريعة أستطيع الوصول إلى الاستنتاجات التالية: الأول هو أن الانتحار ظاهرة متفشية ومتجذرة في القطاع العسكري مقارنة بالقطاع المدني الأمريكي، ومعدل الانتحار بين العسكريين أعلى بنحو ضعفين مقارنة بالمدنيين. والثاني فهو أن نسب الانتحار بين مدٍ وجزر، وبين انخفاض وارتفاع، ففي السنوات قبل إعلان أمريكا الحرب على الإرهاب كانت النسب منخفضة نسبياً مقارنة بالسنوات بعد الحرب على الإرهاب، وبخاصة بعد 11 سبتمبر 2001، ومازالت هذه النسب في ازدياد مطرد حتى الآن. وأما الاستنتاج الثالث فإن نسبة الانتحار بين النساء والشباب في السنوات الأولى من الخدمة العسكرية أعلى من الرجال.

 

السبت، 4 يونيو 2022

بين غبار الهواء وغبار البحر

شاهد الجميع منظر السُحب الترابية الرهيبة، والغبار الكئيب البرتقالي الرصاصي اللون الذي نزل على دول الخليج في الفترة من 22 إلى 24 مايو فأفسد صحة البشر والشجر والحجر، فهذا المنظر المتحرك العصيب للرياح الصرصر العاتية المحملة بالأتربة الناعمة والغبار المتصاعد، كان كالجبل العالي الضارب في السماء وهو يتحرك رويداً رويداً، ويدنو وبخطى ثابتة وقوية من المدن والمجمعات السكنية، فيجثم على صدرها مسبباً لها الاختناق والألم الشديدين، ويخيم على قلبها ونفسها مسبباً لها القلق والغم العميقين. فكم من الناس هرعوا إلى المستشفيات وهم يعانون من ضيق ومشكلات حادة في التنفس؟ وكم منهم لقوا حتفهم نتيجة للغبار الذي اخترق أجسامهم فشَّل حركتهم وأوقف أعضاءهم عن أداء وظيفتها؟ وكم من مطارات توقفت عن العمل؟ وكم من مرافق سياحية أغلقت أبوابها؟

فهذه الظاهرة التي شاهدناها عندنا في الخليج هي مشكلة بيئية سنوية وموسمية، ليست في الخليج فحسب، وإنما نراها في كل دول العالم منذ سنواتٍ طويلة، ولكنها في السنوات الماضية ضربت الكثير من الدول بقوة أكبر وأشد عنفاً وتنكيلاً بالبشر، مثل العواصف الترابية التي تخرج في أشهر الصيف من منطقة غرب أفريقيا، وبالتحديد تنبع من منخفض تشاد بودلي العظيم(Chad’s Bodèle depression)، فتعبر المحيط الأطلسي، وتغزو جزر الكاريبي وكوبا وبورتوريكا، حتى في نهاية الرحلة تحط رحالها في ولايات جنوب شرق الولايات المتحدة الأمريكية، مثل فلوريدا، وتكساس وأوكلاهوما وكنساس. فعلى سبيل المثال، نزلت هذه الأعاصير الترابية في 27 يونيو 2020 في هذه المناطق التي تمر بها كل عام، ولكنها في ذلك اليوم كانت غير طبيعية في شدتها وقوتها وقدرتها التدميرية، حتى أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية وصفتها بالوحش الشرس المفترس، وأَطلقتْ عليها اسم حيوان جودزيلا(Godzillaوهو وحش أسطوري، يتميز بحجمه الكبير، وقدرته على تدمير الحرث والنسل.

فظاهرة الغبار حول العالم والعواصف الترابية هي طبيعية ومألوفة لدى سكان العالم، ولها منافع كثيرة تنعكس على بيئتنا وبالتالي على حياتنا، ولكن أيدي الإنسان وأنشطته التنموية العشوائية أحادية الجانب ضاعفت من تكرار وقوعها وزادت من قوتها وشدتها علينا. فهناك العديد من الممارسات الخاطئة التي قُمنا بها في العقود الماضية والتي أدت إلى تفاقم هذه الظاهرة، منها ظاهرة التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض. فالإنسان أطلق العنان للكثير من الملوثات وسمح لها بالانبعاث إلى الهواء الجوي منذ أكثر من قرن من مصادر كثيرة لا تعد ولا تحصى في كل أنحاء العالم، وبخاصة ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان. فكل سيارة تتحرك على الأرض، أو طائرة تطير في أعالي السماء، أو محطة لتوليد الكهرباء، أو مصنع يحرق الوقود الأحفوري، فكل هذه الملايين من المصادر تُطلق الملوثات التي تهدد الكرة الأرضية برفع درجة حرارتها وخفض معدل هطول الأمطار فيها وارتفاع مستوى جفاف التربة. وكل هذه المردودات تؤدي إلى زيادة رقعة المناطق الجافة الخالية من المياه فترفع من وتيرة وسهولة تفكك التربة ويُسر حركتها وانتقالها من خلال الرياح من منطقة إلى أخرى تبعد آلاف الكيلومترات عنها، فتسبب لها الأعاصير الترابية والريح المحملة بالغبار. وفي المقابل أيضاً هناك الحروب المؤسفة والعمليات العسكرية في منطقة الخليج وسوريا والعراق ودول أخرى، فتَحَرُك الآليات والمعدات العسكرية الثقيلة والشاحنات الكبيرة في المناطق الصحراوية قضت كلياً على الغطاء النباتي الفطري من الأعشاب والشجيرات البرية التي تثبت التربة وتمنعها من الحركة، كما أنها رفعت من درجة انكسار طبقة التربة الصحراوية السطحية وزادت من عدم استقرارها، وبالتالي سهولة حركتها ونقلها للغبار بين الدول. كذلك فإن عمليات دفن البحر لمساحات واسعة تكون بيئة رملية مناسبة تحملها الرياح إلى المناطق الأخرى، فتفاقم من مشكلة العواصف الترابية.

وهذه الظاهرة التي تحصل فوق الأرض من رياح ترابية محملة بالرمال الدقيقة والغبار في طبقات الجو السفلى، أُشبهها بما يحدث في البحر أثناء عمليتي حفر البحر من جهة والدفان في المناطق الساحلية من جهةٍ أخرى، ولكن هنا دون أن يرى أحد ويشاهد أمام عينيه تداعياتها المدمرة، أو أن يحس أحد بآثارها المهلكة لبيئات البحر المختلفة وكائناتها الحية من نباتية وحيوانية، ودون أن يسمع أحد معاناة وصرخات هذه الكائنات التي تقضي نحبها تحت وطأة هذه العمليات.

فعمليات الحفر لاستخراج الرمل من أعماق البحر تُستخدم فيها مختلف أنواع الآليات الضخمة التي تدمر كل شيء حولها دون أي اعتبار للبيئة التي يتم فيها الحفر، ودون أي اعتبار للكائنات التي تعيش في تلك المنطقة، فالتدمير شامل للجميع، وليس في موقع الحفر فحسب، وإنما في المواقع الأخرى القريبة، حيث إن استخراج الرمل يصاحبها دخول الرمال الناعمة والصغيرة الحجم إلى عمود الماء، فتسبح فيه من الأسفل في قاع البحر إلى سطح الماء، وانتقالها كالغبار في الجو إلى مسافات طويلة جداً في البحر، مسببة تدهوراً شديداً في جودة ونوعية المياه، ومؤدية إلى زيادة مستوى العكارة وانعدام الرؤية، إضافة إلى انخفاض تركيز الأكسجين الذائب في الماء، والذي لا حياة بحرية بدونه.

ومع تحرك هذا الغبار البحري تقع ضحايا كثيرة من الأحياء التي تصطدم بها ويدخل الغبار في أجسامها، أو يخنقها ويؤدي في النهاية إلى القضاء عليها. كما أن كميات من هذا الغبار والرمل الناعم عندما يثقل وزنها يترسب مع مرور الوقت ومع المسافات التي يقطعها في مواقع جديدة، فيحولها إلى بيئات من الطمي الغزير المتحرك، فتصبح مقبرة بحرية لا روح لها، ولا آثار للحياة فيها. 

ومن جانب آخر غير محسوسٍ أيضاً، أو مرئي لأحد هو الضوضاء والأصوات العالية التي تصدر من هذه الآليات والأجهزة العملاقة التي تعمل لمدة أشهر طويلة ليلاً ونهاراً، فتُعكر صفاء وهدوء وسكينة الأجواء البحرية في قاع البحر، وتحدث اضطراباً وخللاً صوتياً وإزعاجاً في تلك المنطقة، مما يؤثر على الكائنات البحرية، وبخاصة الثدييات التي تمارس وتعيش حياتها اليومية من خلال الأصوات والموجات التي تُصدرها مع بعض لأسباب كثيرة، منها للتخاطب والتواصل، ومنها من أجل التزاوج والتكاثر، ومنها أصوات تحذيرية لدرء خطر قادم، أو وجود حيوان آخر مفترس. ولذلك فضوضاء سفن الحفر المرتفعة تعيق وتتعارض مع أصوات هذه الحيوانات البحرية التي لا تستديم حياتها بدونها، وقد تؤدي بها مع استمرار هذه الأصوات العالية إلى أن تكون على فوهة الانقراض مع الوقت.

وعلاوة على عمليات الحفر والأتربة الناجمة عنها، هناك عمليات الدفان المصاحبة عادة لاستخراج الرمل، وهذه العمليات أيضاً، مهما اتخذنا من احتياطات أو إجراءات احترازية، فإنها بطبيعتها تُسبب دماراً شاملاً وبدون رجعة للبيئة التي يتم دفنها، فتموت البيئة، ويموت كل كائن حي كان يعيش في تلك المنطقة إلى الأبد.

فغبار الجو والرياح الترابية التي تنزل علينا بين الحين والآخر نراها أمامنا وبأعيننا، ونشاهد تداعياتها وسلبياتها العميقة على أمننا الصحي، وعلى أمننا الاقتصادي والسياحي، ولكن بالنسبة لغبار البحر والأتربة الناجمة من عمليات الحفر واستخراج الرمل ودفن السواحل، فإنها تكون مخفية ولا يراها أحد، ولا يسمع بانعكاساتها على البيئة وكل من يعيش فيها، فمعاناة كل هذه الكائنات تكون في صمتٍ مدقع، وفي جنح الظلام، وتذهب عادة مع الريح وفي طي النسيان.   

 

الأربعاء، 1 يونيو 2022

النفط لن يَرْحل قريباً؟

كلما نزلتْ أزمة طارئة على الإنسان على المستويين الإقليمي أو الدولي، أَوجدَ لنفسه عُذراً لكي يرجع إلى الوراء ويستخدم الفحم، أو النفط، أو الغاز الطبيعي في تشغيل محطات توليد الكهرباء أو المصانع، وكلما وقعت أية تغييرات في أسعار الوقود وفي مصادر الطاقة المتجددة، قدَّم لنفسه المبرر القوي ليعود إلى ما تعوَّد عليه من قرون في حرق الفحم أو البترول، وكأن الإنسان أصبح مخدراً ومدمناً على كافة أنواع الوقود الأحفوري، فلا يستطيع الاستغناء عنها بسهولة، أو التخلص منها كلياً.

 

وهذه الظاهرة تحولت منذ عقود إلى واقع مشهود يلمسه الجميع من المتخصصين في مجال أمن الطاقة والتغير المناخي، والذين يُحذرون دائماً من ضرورة التنبه إليها ومواجهتها على كافة المستويات القومية، والإقليمية، والدولية، والعمل بشكلٍ جماعي على منع الحكومات وشركات النفط والفحم العملاقة خاصة، على استغلال أية ظروف وأزمات مستجدة للرجوع إلى الفحم، كما هو الحال عند وقوع كَرْب كورونا العظيم على البشرية منذ سنتين، والآن الحرب الروسية الأوكرانية التي جعلت الدول تُواصل إدمانها على الوقود الأحفوري بعذر نقص إمدادات مصادر الطاقة بشكلٍ عام.

 

ومن هؤلاء الذين حذروا من هذه الظاهرة، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، جون كيري الذي يشغل منذ يناير 2021 منصب المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص للمناخ، حيث نبه بكل وضوح في 12 مايو 2022 من رجوع دول العالم مرة ثانية إلى حرق الفحم تحت حجة الحرب الروسية الأوكرانية، وتحت حجة مقاطعة أوروبا وأمريكا للغاز والنفط الروسي، وحدوث أزمة خانقة للوقود في هذه الدول المقاطعة، إضافة إلى ارتفاع أسعارها. كذلك قال الأمين العام للأم المتحدة "أنتونيو غوتيريش" في 11 مايو 2022 بأن التغير المناخي بسبب حرق الوقود الأحفوري المتزايد يمثل: "تهديداً وجودياً لنا جميعاً، للعالم أجمع"، ولذلك: "على الدول المتصدرة لقائمة ملوثي البيئة خفض انبعاثاتها، بدءاً من الآن"، كما أضاف قائلاً: "وهذا يعني تعجيل إنهاء الإدمان على الوقود الأحفوري وتسريع تبني الطاقة المتجددة النظيفة".

 

وعلاوة على ذلك، فقد حذَّر فثيه بايرل(Fatih Birol)الرئيس التنفيذ للوكالة الدولية للطاقة مِنْ ما أَطلقَ عليه "قنابل الكربون"، حيث أفاد بأن شركات الوقود الأحفوري العملاقة حول العالم تخطط للبدء في قرابة مائتي مشروع متعلق باستخراج النفط والغاز الطبيعي والفحم، مما يشكل كارثة مناخية جديدة ستضرب العالم كالقنبلة المناخية التي ستفاقم الوضع المناخي الكارثي الحالي، وتزيد في الوقت نفسه من إدمان العالم على النفط لسنوات طويلة قادمة. كما أكد الرئيس التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة بأن هذه المشاريع التي تنوي شركات الوقود الأحفوري القيام بها ليست الحل المستدام لأزمة الشح في مصادر وموارد الطاقة نتيجة للحرب الدائرة الآن، حسب ما جاء في التحقيق المفصل المنشور في صحيفة "الجارديان" في 12 مايو 2022 تحت عنوان: "أزمة التغير المناخ حتمية إذا تم اعتماد مشاريع النفط والغاز العملاقة".

 

فاستغلال شركات الوقود الأحفوري الجشعة والانتهازية لحالة الحرب الحالية قد درَّت عليهم أرباحاً خيالية موثقة، حسب تحقيق "الجارديان" في 13 مايو 2022 تحت عنوان: "شركات النفط والغاز الكبرى حققت أرباحاً قرابة مائة بليون دولار في الربع الأول من 2022". فقد أفاد تقرير الجارديان بأن هناك 28 من شركات النفط والغاز العالمية التي كانت إجمالي أرباحها مجتمعة 183.9 بليون دولار في عام 2021. فخلال الثلاثة أشهر الماضية، من يناير إلى مارس 2022، جَنَتْ على سبيل المثال شركة شيل(Shell) 9.1 بليون دولار، وإكسون(Exxon) 8.8 بليون، وشيفرون(Chevron) حققت 6.5، وشركة بي بي(BP)كونت خلال هذه الثلاثة أشهر القليلة 6.2 بليون دولار.

 

ولذلك فإن هذه الأرباح الخيالية التي حققتها شركات الوقود الأحفوري في أشهر قليلة جداً تجعلها أشد تمسكاً في حرق هذا الوقود والاعتماد على هذا المصدر الثري والغني للطاقة، كما أن هذه الأرباح الطائلة التي تُسيل لعاب المسؤولين عن هذه الشركات تجعلهم أكثر مقاومة لأية جهود وقرارات على كافة المستويات للتخلص من كافة أنواع الوقود الأحفوري، كما تحفزهم في الوقت نفسه على ممارسة الضغوط السياسية بشكلٍ مستمر دون تعب، أو كلل، ودون أن يصيبهم الفتور والملل، سواء على الحكومات أو السلطة التشريعية والرقابية في الدول، أو على كل من بيده اتخاذ أي قرار ليس لصالح حرق واستخدام الوقود الأحفوري أينما كان.  

 

وهذه الضغوط التي تمارسها الشركات النفطية وشركات الغاز الطبيعي والفحم على كل من يهمه الأمر من حكومات ومنظمات وبرلمانات كانت ومازالت مجدية وناجحة حتى الآن على كافة المستويات في تحقيق مآربها وأهدافها، وبخاصة على مستوى اجتماعات الأمم المتحدة السنوية المتعلقة بالتغير المناخي، والتي تحاول منذ عقود طويلة إقناع دول العالم إلى التخلي عن كافة أنواع الوقود الأحفوري لدورها الرئيس في حدوث كارثة التغير المناخي وتداعياتها الكثيرة، مثل سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وارتفاع مستوى سطح البحر، والزيادة في أعداد حرائق الغابات، وارتفاع حموضة مياه البحر.

 

فنتيجة لضغوط الشركات النفطية، ولأسباب أخرى كثيرة، فشلت الأمم المتحدة منذ أن دشنت النواة الأولى لاجتماعات التغير المناخي في قمة الأرض بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية في عام 1992، والمتمثلة في توقيع معظم دول العالم على الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، في تحقيق الهدف الأسمى لهذه الاجتماعات، وهو الوصول إلى اتفاقية مشتركة وملزمة لجميع دول العالم، إضافة إلى الفشل في وضع آلية دولية لتنفيذها ومحاسبة ومعاقبة غير الملتزمين بها. كما فشلت هذه الاجتماعات في الإجماع على صيغة جماعية مشتركة، أو عبارة خاصة تفيد فيها بتعهد دول العالم إلى التخلص النهائي والكلي من الفحم وأنواع الوقود الأحفوري الأخرى. فآخر محاولة في هذا الصدد كانت في اجتماع الدول الأطراف في اتفاقية التغير المناخي رقم (26)، والذي عقد في مدينة جلاسجو البريطانية في نوفمبر 2021، حيث إن الدول المجتمعة وبعد ساعات ماراثونية ولمدة أسبوعين، وفي الرمق الأخير من الاجتماع وبعد دقائق من استدال الستار عليه، توصل المجتمعون إلى عبارة مخففة، وصياغة مائعة حول الفحم، حيث تم وبإلحاح وإصرار من الهند والصين على تغيير العبارة الواردة في البيان الختامي من "التخلص من الفحم"، إلى عبارة "التخلص التدريجي من الفحم"، وهذا يعني أن الفحم، والنفط، والغاز الطبيعي سيكونون معنا عقوداً طويلة من الزمن لا يعلمها إلا الله.

 

ولذلك أُطمئن الدول النفطية ودول الفحم والغاز الطبيعي بأن الواقع يؤكد بأن الوقود الأحفوري لن يرحل عنا سريعاً، كما يتمناه البعض، وسيبقى معنا يُشغل سياراتنا، وطائراتنا، ومحطاتنا لتوليد الكهرباء، ومصانعنا حتى آخر قطرة من النفط محبوسة في باطن الأرض.

 

الخميس، 26 مايو 2022

اكتشاف سر مرض حرب الخليج الغامض الذي أصاب الجنود الأمريكيين


منذ أكثر من ثلاثين عاماً عِجَافْ، وفوراً بُعيد انتهاء حرب الخليج، أو عملية درع الصحراء في الفترة من 17 يناير إلى 23 فبراير 1991، انكشفت معاناة طويلة ومستمرة من ثلاث فئات أو ثلاث شرائح في مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية. أما الفئة الأولى فهي الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج والذين بلغ عددهم الإجمالي قرابة 700 ألف، ومنهم قرابة ربع مليون جندي يقاسون نفسياً وعضوياً منذ أن وضعت الحرب أوزارها من أعراضٍ مرضية غامضة وغريبة لم يشهدها التاريخ الطبي من قبل.

 

فقد أَطلقَ المختصون على هذه الظاهرة الصحية المرضية الجديدة عدة أسماء منها: "مرض مُزمن متعدد الأعراض"(chronic multisymptom illness)، أو "مرض غير مُشخص"(undiagnosed illnesses.)، ولكن إسم الشهرة لهذه الحالة الصحية المجهولة والمعروف لدى الجميع هو: "مرض حرب الخليج"( Gulf War Illness (GWI))، أو "ظاهرة حرب الخليج"( Gulf War Syndrome).

 

والفئة الثانية فهم من الأطباء والعلماء الذين يعانون أيضاً، ولكن بسبب قلة حيلتهم، وضعف إمكاناتهم وقدراتهم وخبراتهم الميدانية حول هذا المرض من أجل تقديم المساعدة الطبية لهؤلاء الأمريكيين المتضررين والمرضى، وفشلهم منذ ثلاثة عقود على تشخيص هذه الأعراض الغريبة والفريدة من نوعها، ومعرفة أسبابها، وطرق علاجها، فهؤلاء العلماء أصابهم نوع من القنوط والإحباط من فك لغز هذه المعضلة الصحية التي يقفون أمامها مكتوفي الأيدي لا حول لهم ولا قوة.

 

وأما الفئة الثالثة فهم فئة رجال السياسة والحكم والتشريع الذين ينتظرون بفارغ الصبر الإجابات عن أسئلة الجنود الأمريكيين حول حالتهم الصحية، فالضغوط عادة على هذه الفئة تكون كبيرة جداً، كما تكون في بعض الأحيان مصيرية على مستقبلهم المهني من الجنود المصابين الذين بلغ عددهم قرابة 250 ألف جندي مريض يعاني ليلاً ونهاراً من آلام المرض، وبأمس الحاجة إلى من يُقدم له يد العون والمساعدة لعلاج آلامه ومصيبته، والتخفيف من معاناته اليومية.

 

وقد ظهرت خلال الثلاثين سنة الماضية عدة نظريات لتفسير هذه الحالة الصحية الغريبة ومجموعة الأعراض المرضية شبه المشتركة التي انكشف على قرابة ربع مليون جندي أمريكي، ومنها التعب والإرهاق الشديدين، ضعف في الذاكرة والتركيز، مشكلات في الجهاز الهضمي، وعدم القدرة على التوازن، وارتفاع حرارة الجسم، وآلام في الجسد. وهذه الأعراض التي بلغت في مجموعها نحو 52، لم تكن آنية ومؤقتة عانى منها الجنود لأيام، أو أشهر قليلة، وإنما لازمتهم طوال السنوات التي عاشوها بعد أن رجعوا إلى قواعدهم في أمريكا، فأصبحت مستدامة، وتحولت إلى مرض مزمن معترف به من السلطات الصحية الأمريكية.

 

فمن التفسيرات التي ظهرت في السنوات الأولى من هذه المأساة الصحية، أن الجنود قد تعرضوا لضغوط نفسية مرهقة نتيجة للحرب الشرسة التي خاضوها، ومثل هذه الحالات النفسية معروفة ومألوفة طبياً، ولكنها في أغلب الأحيان تكون مؤقتة وغير دائمة ويتغلب عليها الجندي، فلا تستمر أعراضها فترة طويلة من الزمن. ثم ظهرت نظرية التعرض للملوثات والمواد الكيميائية التي لوثت الهواء الجوي أثناء قصف مخازن الأسلحة الكيميائية في العراق واستخدام ذخائر اليورانيوم المستنفد، أو الناضب(depleted uranium)، أو نتيجة لإعطاء الجنود حبوب خاصة مثل بروميد البيردوستجمين(pyridostigmine bromide pills) لتَقِيهم من غازات الأعصاب وبالتحديد غاز السَارِيْن(sarin gas)، أو حقنهم للقاحات ضد الأنثركس أو الجمرة الخبيثة(anthrax vaccine). كذلك تم رش الجنود الأمريكيين وملابسهم بالمبيدات الحشرية وطاردات الحشرات لوقايتهم من الحشرات وتعقيم خيامهم وأدواتهم ومعداتهم التي يستخدمونها، وهذه المبيدات كانت عبارة عن مركبات عضوية فوسفورية(organophosphate).

 

فمن النظريات المنشورة التي حاولت إيجاد تفسيرٍ لعذاب هؤلاء الجنود، ونُشرت في مجلة علم وبائيات الأعصاب(journal Neuroepidemiology) في 14 ديسمبر 2012، تحت عنوان: "دليل وبائي على التأثيرات الصحية الناجمة عن انتقال الملوثات من القنابل الكيميائية عبر الحدود الجغرافية بسبب التفجيرات في حرب الخليج"، ودراسة أخرى في المجلة نفسها عنوانها:"التأثيرات الوبائية للملوثات الكيميائية" والمنشورة في يناير 2013، فهاتان الدراستان أشارتا إلى أن هذه الملوثات والسموم مجتمعة التي تعرض لها الجنود هي السبب في ظهور هذه الحالة الصحية الجديدة والفريدة من نوعها على المستوى الدولي.

 

ولكن كل هذه النظريات لم تعط الجواب الشافي والمقنع حول أسباب نزول هذا المرض المجهول الهوية على بعض الجنود الذين شاركوا في الحرب دون غيرهم من الجنود الآخرين الذين شاركوا أيضاً في الحرب، وعانوا من الظروف نفسها. فالدراسة الحالية التي نُشرت في 11 مايو 2022 في مجلة "شؤون صحة البيئة"(Environmetal Health Perspective) تحت عنوان: "تقييم التفاعل بين الجينات والعوامل البيئية عند التعرض لغازات الأعصاب لمرض حرب الخليج"، قد قامت بمنهجية جديدة اعتمدت على التحليل الشامل للجينات، وبالتحديد نوعاً واحداً من الجينات، وهو الجين المعروف باسم: "باراأوكسينيز"، أو "بي أو إِن 1"( PON1)( paraoxonase-1)، وهو أنزيم موجود في أجسامنا، ويساهم بدور مهم في تكسير وتحلل المواد الكيميائية السامة وتخليص الجسم منها. فالتحليل الجيني لوجود هذا الجين وأنواعه المتعددة في جسم الجنود، كان هو المفتاح الذي نجح في إزالة الغمامة عن لغز المرض وفك أسراره الدفينة، وتقديم إجابة أولية عن هذه الحالة الغامضة، كما فتح الباب على مصراعيه أمام معرفة أسباب التغير في إصابة بعض الجنود بالمرض دون الآخرين، إضافة إلى تحديد نوعية العلاج لاستئصال المرض من جذوره.

 

فهذه الدراسة شملت 508 من الجنود المصابين بالمرض، إضافة إلى 508 جنود من الذين لم تظهر عليهم أية أعراض لهذا المرض. فقد توصلت الدراسة إلى نتيجة عامة هي أن بعض الجنود يحملون جينات متخصصة من نوع (PON1Q وهي تُنتج إنزيماً له فاعلية قوية وانتقائية على تحلل غاز السارين في الجسم بعد تعرضهم له، ولذلك احتمال إصابتهم للمرض كانت منخفضة، في حين أن هناك جنوداً يحملون النوع الثاني من هذا الجين(PON1R) والذي يُنتج الأنزيم الذي يحلل السموم الأخرى، ولكن فاعليته ضعيفة في التخلص من السارين، مما يعني بأن الجنود الذين لا يحملون في أجسامهم النوع من الجين المتخصص في التخلص من السارين، ارتفعت عندهم احتمال إصابتهم بالمرض، مما يؤكد بأن تعرض الجنود لغاز السارين كان السبب وراء انكشاف هذا المرض الغامض منذ 30 عاماً، وأن العامل الجيني الوراثي الذي يلعب دوراً محورياً رئيساً في تخليص الجسم من السارين هو السبب في الإصابة، أو عدم الإصابة بالمرض.   

 

فهذه الدراسة تتوافق مع الدراسات والأبحاث الأخرى حول دور الجينات الوراثية في جسم الإنسان في زيادة احتمال الإصابة بمختلف أنواع الأمراض، كالسرطان، والسكري، وأمراض القلب، فجميعها يلعب فيها العامل الوراثي ونوعية الجينات التي ورثها من آبائه وأجداده دوراً في السقوط في شباك الأمراض.