الاثنين، 11 يوليو 2022

الدول الصناعية تستبيح الثروات المشتركة في أعماق المحيطات


منذ زهاء قرنين والدول الصناعية المتقدمة في الغرب والشرق تستبيح حرمات بيئتنا فلا ترقُب في صحتها وأمنها إلاَّ ولا ذمة، ومازالت أيديها تعبث في عناصر بيئتنا وثرواتها ومواردها العامة المشتركة كيفما تشاء دون حسيبٍ أو رقيب، أو محاسبة وعقاب على ما ترتكبها من جرائم بيئية لا تعد ولا تحصى على كافة المستويات، القومية والإقليمية والدولية.

وقد وقع هذا التعدي الصارخ على بيئتنا على ثلاثة مستويات، وعلى عدة أوجه. أما الوجه الأول والمستوى الأول فهو التلوث الناجم من كافة أنواع الأنشطة التنموية في الحدود الجغرافية الضيقة للدول نفسها، حيث سمحت الدول الصناعية بإطلاق عنان الملوثات في كل مكونات وعناصر بيئتنا، فكونت مظاهر بيئية لا تخفى على أحد، مثل الضباب الأسود، ثم الضباب الضوئي الكيميائي السام القاتل للبشر والشجر، كذلك تكونت ظواهر أخرى في المسطحات المائية مثل تحول لون هذه المسطحات إلى اللون الأخضر، أو الأحمر، أو البني. وفي المستوى الثاني جاءت القضايا البيئية الإقليمية وعلى رأسها المطر الحمضي، الذي كان ينزل على الناس مطراً ساماً يقضي على الآلاف من الكيلومترات المربعة من الغابات المثمرة والمنتجة. وأخيراً شاهدنا الملوثات وهي تسمم الأرض برمتها وتؤثر على صحة كوكبنا في كل مكان بدون استثناء، مثل قضية استنفاد غاز الأوزون في طبقة الأوزون التي تحمي كل من يعيش على سطح الأرض وتمنع الأشعة البنفسجية القاتلة من الوصول إلى سطح الأرض، ثم قضية العصر، وهي التغير المناخي وتداعياتها التي لا تنتهي، مثل سخونة الأرض، وارتفاع حموضة ومستوى سطح البحار، وانخفاض نسبة الأكسجين في المياه.

وأما الوجه الثاني لتعدي الدول الصناعية المتقدمة على بيئتنا واستباحتها لحرماتها دون أي اعتبار لمكونات البيئة الحية وغير الحية، بل دون اعتبار لصحة وسلامة البشر، فيتمثل في التجارب والانفجارات النووية التي قامت بها تحت الأرض، أو في الهواء الجوي والفضاء العلوى، أو في أعماق البحار، إما في دولها ودون موافقة شعوبها، أو في بحار وأراضي الدول الفقيرة والمستضعفة التي لا حول لها ولا قوة وفي أغلب الأحيان بدون علمها أو موافقتها، أو في المواقع البحرية التي لا تخضع لسيطرة أية دولة، أي في المياه الدولية العامة والمشتركة.

 

وأما الوجه الثالث فهو احتكار وامتلاك الفضاء من حيث السيطرة على هذا المورد العام المشترك لسكان الأرض، فالدول الصناعية المتطورة هي التي تتحكم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر في كل ما يجري فيه من أبحاث علمية استكشافية، أو إطلاق للسفن والأقمار الصناعية، كما هي في الوقت نفسه تعدت على حرمات الفضاء فامتلأ بشتى أنواع وأحجام المخلفات الفضائية الصلبة التي تحوم في مدارات حول الأرض، ولا يعلم أحد مصيرها ومستقرها، والتهديدات التي تمثلها في أعالي السماء وعلى سطح الأرض.

 

وأما الوجه الرابع لتعدي الدول الصناعية على بيئتنا، واحتكار مواردها الطبيعية، واستغلال ثرواتها العامة المشتركة من أجل تشغيل مصانعها واستدامة تنميتها، فهو التنقيب والاستكشاف في أعماق قاع البحار والمحيطات عن المعادن دون مراقبة أو إذن من أحد، سواء أكانت في الحدود الجغرافية للدول، أو في المياه الدولية المشتركة لكافة دول العالم، مما يعني بأنه لا يحق لأية شركة، أو دولة التنقيب عن الثروات في هذه المناطق إلى بعد إذن وموافقة كل دول العالم، ثم تقسيم هذه الثروة الطبيعية على الجميع.

 

فبعد أن نضبت الموارد الطبيعية من مختلف أنواع المعادن من على سطح الأرض نتيجة لاستنزافها والإفراط في استخراجها واستخدامها، وبعد أن تلوثت البيئة وتدهورت الغابات وانكمشت مساحاتها، لجأت الدول الصناعية المتطورة المتعطشة لهذه المعادن لاستمرار مصانعها واستدامة أعمالها التنموية إلى التنقيب في قاع البحار وأعماق المحيطات المظلمة على بعد عدة كيلومترات تحت سطح البحر( deep-sea mining). فالدول الصناعية الآن تريد أن تتجه نحو السيارات الكهربائية بدلاً من سيارات الجازولين والديزل، كما أن هذه الدول من أجل مكافحة التغير المناخي وسخونة الأرض، تهدف إلى الانتقال نحو مصادر الطاقة البديلة النظيفة والمتجددة بدلاً من الوقود الأحفوري، وكل هذه التوجهات الجديدة والسياسات المستقبلية لكي تنجح هذه الدول في تحقيقها وتنفيذها فإنها بحاجة إلى معادن مثل الليثيوم، والكوبالت، والمنجنيز، والنحاس، والنيكل، وكل هذه المعادن الموجودة في باطن الأرض حالياً غير كافية لسد هذه الاحتياجات.

فقد اكتشفت الشركات الكبرى العملاقة التي تحتكر ثروات الأرض الطبيعية منذ مئات السنين كميات كبيرة جداً من هذه العناصر في أعماق البحر على عدة أشكال. أما الشكل الأول فهو عبارة عُقد متعددة المعادن(polymetallic nodule) موجودة في قاع المحيطات، وفي مساحات شاسعة جداً تزيد عن ملايين الكيلومترات المربعة، مثل المنطقة القاعية الممتدة من المكسيك إلى هاواي(Clarion-Clipperton Zone)، وعلى عمق قرابة أربعة كيلومترات. والشكل الثاني فهو البراكين تحت سطح البحر(hydrothermal vent) والتي تطلق مركبات الكبريتيد التي تحتوي على المعادن المطلوبة. وأما الشكل الثالث فهو القمم بحرية(Sea mounts) الموجودة تحت سطح الماء وغنية بالكوبالت والمعادن الأخرى.

وبالرغم من وجود قانون حول حماية المحيطات، وهو قانون البحار(UN Convention on the Law of the Sea)، وبالرغم من وجود السلطة المختصة المنبعثة من هذا القانون لتقنين عمليات التنقيب، ومنح الرخص، وهو "السلطة الدولية لقاع البحر" (International Seabed Authority (ISA))، إلا أن هناك عدة أسباب وعوامل تجعلني لا أؤمن بفاعلية وجدوى هذا القانون وهذه الوكالة الأممية. أما السبب الأول فليست كل دول العالم قد صادقت على قانون البحار، أي أن هذه الدول ومن بينها دول عظمى غير معنية بأية ضوابط أو شروط تضعها هذه السلطة، فهي بذلك تفعل ما تشاء، وبخاصة أنها دول عظمى لا يستطيع أحد محاسبتها، أو مواجهتها عملياً، كما هو الحال بالنسبة للمعاهدات الأممية الأخرى والمنظمات والوكالات التابعة للأمم المتحدة. والثاني فإن الشركات التي لها الإمكانيات والموارد في الحفر في أعماق المحيطات، هي شركات متنفذة جداً، وتسيطر على القرار السياسي في دولها وعلى المستوى العالمي، ولا يمكن لأحد منعها من الاستكشاف والتنقيب واحتكار هذه الثروات المعدنية. والسبب الثالث فإن عمليات الحفر في أعماق البحار أشد وطأة وتنكيلاً بالبيئة وكائناتها الحية من عمليات الحفر على الأرض، فلا أحد يعلم ماذا يحدث على عمق قرابة 4000 متر في أعماق المحيط المظلمة وتحت الضغط الشديد والمرتفع، ولا يمكن لأحد أن يثق بمصداقية وأمانة هذه الشركات في حماية البيئة، فسجلها أسود وتاريخها مظلم، ولا توجد منظمة أممية لها القدرات التقنية على مراقبة وتفتيش عمليات هذه الشركات في تلك المواقع النائية والبعيدة عن سطح البحر، كما لا توجد منظمة لها السلطة على محاسبة ومعاقبة هذه الشركات عند استباحتها لحرمات بيئة قاع المحيطات الذي يعتبر ملكية مشتركة لجميع دول العالم.

 

الأحد، 3 يوليو 2022

البحرين خسرت نظاماً بيئياً فريداً

عندما كُنَّا صغاراً في نهاية الستينيات من القرن المنصرم، كانت لنا رحلات شبه أسبوعية إلى عين عذاري خاصة، حيث الأقرب من منزلي في الحورة، وبخاصة في فصل الصيف الطويل والمجهد، وعند نزول الحر والقيظ الشديد والرطوبة العالية الخانقة. وكانت هذه الرحلات هي المتنفس الوحيد لنا لقضاء أوقات ممتعة ومسلية مع الأهل والأصدقاء وجيران الحي، وكانت هي المنفذ الوحيد إلى الجو النظيف الجميل، والهواء الصافي النقي والعليل، والمياه الباردة العذبة الطبيعية.

 

وكانت هذه "الكَشْتات" والزيارات ليست لعين عذاري في حد ذاتها، وإنما لمنظومة بيئية عريقة في الزمن ولها جذورها العميقة الأصيلة في تاريخ البحرين، وتُعد رمزاً شامخاً من رموز التراث الطبيعي الفطري لمملكة البحرين، كما هي في الوقت نفسه منظومة بيئية فريدة من نوعها، فهي منظومة متكاملة ومترابطة من العلاقات بين عناصر ومكونات هذه المنظومة الحية وغير الحية، من ناحية التفاعل الموزون وبِقدر بين هذه العيون المنتشرة في البحرين براً وبحراً وبين الأحياء النباتية من غابات النخيل الكثيفة الباسقة التي تطال عنان السماء، والحيوانات البرمائية وغير البرمائية التي تسبح في أنهار العيون الجارية على الأرض، إضافة إلى الطيور المستوطنة المقيمة والمهاجرة التي تعيش تحت ظلها، وفي أكنافها آمنة مطمئنة منذ قرونٍ طويلة، وكانت هذه المنظومة البيئية ثرية وغنية بالتنوع الحيوي النباتي والحيواني، وفريدة من نوعها على المستويين القومي والدولي.

 

والآن عندما أرجع بالذاكرة إلى الوراء، إلى تلك الأيام والساعات الحلوة الجميلة التي نُقشت في صدري خالدة مخلدة لا أنساها، وإلى الأوقات المريحة السعيدة التي حُفرت في قلبي والتي كُنت أقضيها مع الأهل والأصحاب في ظل هذه البيئات الخضراء البكر، والغابات الغناء، والعيون الغزيرة الفرات النابعة من تحت الأرض، فعندما أتذكر هذه الأيام، يشدني ألم عميق، وحزن كبير، والدموع تذرف من عيني، وأتحسر بحرقة شديدة على ما فقده شعب البحرين من هذه البساتين والأحياء والعيون والغابات المترامية الأطراف في مواقع كثيرة من البلاد، وأتحسر أكثر عندما أعلم عن يقين بأن كل هذه البيئات الحية الجميلة ذهبت إلى الأبد وبدون رجعة، كما ذهبت وانقرضت معها الكثير من الكائنات الحية مثل سلحفاة المياه العذبة والضفادع وغيرهما. فقد استبدلنا الحياة بالموت، واستبدلنا هذه الغابات الحية التي تحيي القلب والنفس بالكتل الخرسانية الصماء التي تجعل القلب والروح أشد قسوة وصلابة، واستبدلنا غابات النخيل التي كانت تزين السماء والأرض وتجمل نفوسنا، بالأعمدة الحديدية الصماء والجوفاء من أي حياة أو روحانيات، واستبدلنا أصوات الطيور المغردة التي تبهج القلب وترطب الروح بالأصوات المزعجة المنفرة التي تكدر النفس والروح من أبواق السيارات وضجيج آليات الحفر والتكسير.

 

ولكن فقدان هذه البيئات الخضراء والغابات الكثيفة ليست ظاهرة محلية نشاهدها فقط في البحرين، وإنما في الحقيقة هي ظاهرة دولية تعاني منها كل دول العالم بدرجاتٍ مختلفة، فظاهرة انكماش الغابات، وانحسار مساحاتها مشهودة كقضية دولية عامة ومشتركة. وهناك عدة تقارير نشرتها المنظمات المعنية للأمم المتحدة

لتقييم حجم هذه المشكلة والتعرف عن كثب على خسارة الكرة الأرضية لبيئة الغابات حول العالم، منها سلسلة تقارير دورية حول "حالة الغابات على كوكبنا" والصادرة من منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة، وآخرها نُشر العام الجاري تحت عنوان: "غابات العالم: حول حالة الغابات والتنمية الاقتصادية المستدامة على المستوى الدولي لعام 2022". فقد تكَون التقرير من ستة فصول، وجاء فيه بأن الغابات تغطي قرابة 31% من مساحة الأرض، أو ما يقدر بنحو 4.06 بليون هكتار، وهذه المساحة الواسعة في انكماش سريع ومستمر مع الوقت، حيث خسرنا زهاء 420 مليون هكتار في الفترة من 1990 إلى 2020، أي قرابة عشرة ملايين هكتار سنوياً في الفترة من 2015 إلى 2020. كما أننا فقدنا في الفترة من 2000 إلى 2020 قرابة 47 مليون هكتار من الغابات الأولية الاستوائية العذراء البكر. كذلك أكد التقرير بأن فقدان هذه المساحات الشاسعة من الغابات أدى إلى خسائر لا تقدر بثمن للبشرية جمعاء من التنوع الحيوي بشقيه النباتي والحيواني، فالغابات تمثل مخزن الدواء والعلاج وصيدلية عامة للكثير من الأسقام، فهي كنز لا يفنى ولا ينبض من شتى أنواع الأدوية الجديدة التي تستخلص من النباتات والحيوانات الفريدة من نوعها التي تعيش في تلك الغابات النائية والفطرية كما خلقها الله سبحانه وتعالى أول مرة. وعلاوة على ذلك فإن الغابات توفر المأوى والسكن والغذاء لنسبة كبيرة من سكان الأرض، إضافة إلى أنها توفر ذلك لنحو 80% من الزواحف والبرمائيات، و75% من الطيور، و68% من الثدييات. ومن ناحية أخرى فإن الغابات تعد رئة العالم أجمع، وفي الوقت نفسه تخلص الأرض وتنقي الهواء من أحجام كبيرة من الملوثات التي نطلقها يومياً من سياراتنا، وطائراتنا، ومصانعنا، فنرفع بها درجة حرارة الأرض، ونسبب التغير المناخي الذي نشهده الآن في كل بقاع الأرض. كذلك فإن الغابات توفر مياه الشرب للناس، حيث نشرت مجلة "أبحاث الموارد المائية"(Water Resources Research) بحثاً في 12 مايو 2022 حول هذه الفائدة العظيمة للغابات. وقد أفادت الدراسة بأن الغابات تُعد مصدراً لمياه الشرب لنحو 125.5 مليون أمريكي، أو قرابة 38% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، حيث إن قرابة 10% من مياه الشرب لهؤلاء البشر مصدرها غابات أمريكا.

 

ونظراً لأهمية الغابات لاستدامة حياة البشر على سطح الأرض، إضافة إلى أهميتها القصوى لمكافحة ظاهرة التغير المناخي العصيبة المهددة لأمن وسلامة وعطاء كوكبنا، فإن دول العالم تبذل جهوداً وتقدم تعهدات منذ عقود للتصدي لظاهرة انخفاض مساحات الغابات. وآخر هذه التعهدات كان في الاجتماع رقم (26) للدول الأطراف في اتفاقية التغير المناخي الذي عقد في نوفمبر عام 2021 في مدينة جلاسجو البريطانية إعلان حول ، حيث تعهدت 140 دولة ووقعت على إعلان "الغابات واستخدام الأرض"، والذي التزمت فيه على أنها ستوقف قطع الغابات كلياً بحلول عام 2030، وستعمل على إعادة تأهيل الغابات المتدهورة والمتضررة. ولكنني شخصياً غير متفائل من هذه التعهدات أثناء انعقاد الاجتماعات الأممية، فهي عادةً ما تكون سياسية وتعهدات علاقات عامة، وغير قابلة عملياً للتنفيذ فلا تخصص لها الموارد المالية المطلوبة، حيث إن هذه الدول نفسها قد تعهدت من قبل في عام 2014 في نيويورك تحت مسمى "إعلان نيويورك للغابات"، ولكن منذ ذلك الوقت وعملية قطع الغابات وإزالتها مازالت مستمرة في كل الدول الموقعة على الإعلان، فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات بأن العالم خسر قرابة 3.75 مليون هكتار من الغابات الاستوائية الفطرية في عام 2021 فقط.

 

فظاهرة انخفاض مساحة الغابات واسعة الانتشار في كل دول العالم، ولكن في بعض الدول هناك وفرة كبيرة من هذه الغابات، وفقدان مساحات صغيرة نسبياً منها ربما لا تمثل انتحاراً بيئياً، ولكن في دولة صحراوية مثل البحرين حيث المساحة المحدودة جداً من الغابات، فإن فقدان أي جزءٍ صغير يعد نكسة بيئية كبيرة يصعب إصلاحها أو تعويضها.



الخميس، 30 يونيو 2022

بحيرات ستختفي من كوكبنا


كما أن هناك عشرات الآلاف من الكائنات الحية النباتية والحيوانية والكائنات المجهرية الدقيقة التي انقرضت إلى الأبد من على سطح كوكبنا، فإن هناك البحيرات العذبة وشبه المالحة التي انقرضت، والتي تأخذ دورها في طريق الانقراض، وتوشك أن تقع فيه بسبب انكماش مساحتها سنة بعد سنة، وفقدان أعضاء من أجسامها صغيرة كانت أم كبيرة كل يوم.

 

فهذه الحقيقة تحولت منذ سنوات، وفي الأيام الماضية خاصة في الكثير من دول العالم إلى همٍ وقلق شديدين، فانخفاض مساحة البحيرات لها تداعيات كارثية شديدة الوطء، ليس من الناحية البيئية فحسب، وإنما من الناحية الاقتصادية، والصحية، والاجتماعية على حدٍ سواء، فهو يعتبر بالنسبة لي قنبلة دمار شامل، تهلك الحرث والنسل، ولا تبقي ولا تذر في تلك المنطقة المنكوبة.

 

ووسائل الإعلام الأمريكية، على سبيل المثال حقَّقتْ في هذه الظاهرة الدولية المشهودة في الولايات المتحدة، ونشرت الكثير من التقارير والتحقيقات لبيان واقعيتها من جهة، وإلقاء الضوء المباشر على شدة انعكاساتها على المجتمعات البشرية المحيطة بهذه البحيرات السقيمة، وحجم تضرر السكان في تلك المناطق. فقد نشرت صحيفة النيويورك تايمس تحقيقاً مطولاً في السابع من يونيو 2022 حول بحيرة سالت العظيمة(Great Salt Lake) الواقعة في ولاية يوتاه الأمريكية، تحت عنوان: "مع جفاف بحيرة سالت العظيمة، ولاية يوتاه تواجه قنبلة نووية بيئية"، كما نشرت مجلة " ذا ويك"(The Week)مقالاً في الثامن من يونيو حول البحيرة نفسها، عنوانه: "مدينة سالت ليك ستواجه كارثة السحب الغبارية الزرنيخية السامة إذا استمرت بحيرة السالت العظيمة في الانكماش".

 

ومن المهم ذكره بأن هذه التحذيرات المثيرة التي وردت في هذه التحقيقات الإعلامية والمقالات الصحفية، هي ليست فقاعات إعلامية فارغة، ولا مبالغات صحفية فيها، بل وإن لها سنداً علمياً مشهوداً، فهي تعتمد في محتواها على الدراسات العلمية، والتقارير الميدانية التي تحكي الواقع في تلك المناطق المتضررة، وتستقي معلوماتها من الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية الموثوقة.

 

فهذه البحيرة التي تقع هذه الأيام تحت عدسة الصحافة ورجال السياسة قد دخلت الآن مرحلة الخطر وتواجه شبح الانقراض، ولذلك نُقلت سريعاً إلى غرفة الإنعاش، وركبت عليها الأجهزة لإنقاذ ما تبقى منها قبل فوات الأوان. فاختفاء أية بحيرة، أو انكماش مساحتها، لا يعني فقط خسارة الثروة المائية، وإنما هي فقدان لنظام بيئي متكامل وثري يعيش في ظله الملايين من البشر، ويحتمي تحته الآلاف من الكائنات الحية النباتية والحيوانية المستوطنة، إضافة إلى الطيور المهاجرة، كما أن تداعياتها تتجاوز الجانب البيئي لتبلغ تدهور صحة البشر، وهجرة الناس، وتحول المنطقة إلى سكن للأشباح، وخسائر اقتصادية تزلزل ميزانيات الدول.

 

فبحيرة سالت العظيمة، على سبيل المثال، كانت مساحتها في الثمانينيات من القرن المنصرم نحو 8546 كيلومتراً مربعاً، أي نحو عشرة أضعاف مساحة البحرين، والآن خسرت الجزء الأكبر من مساحتها فأصبحت قرابة 2590 كيلومتراً مربعاً فقط. وهذه الخسارة في المساحة تعني ارتفاع ملوحة المياه والتأثير المباشر على نوعية وكمية الأحياء التي تستطيع أن تتأقلم وتتكيف مع الظروف الجديدة، والأخطر من ذلك هو أن هذا الجزء العظيم الذي تم قطعه من جسم البحيرة تحول الآن إلى صحراء ترابية جرداء تأتيها الرياح من كل حدبٍ وصوب، فتُحرك تربتها، وتحملها إلى المدن القريبة كعواصف وسحب غبارية لم يشهدوها من قبل، فتفسد صحة الناس وتؤثر على الجهاز التنفسي والقلب بشكلٍ مباشر، وتجبرهم على هجرة مساكنهم وأحيائهم. والأدهى من ذلك والأمر، أن هذه العواصف الترابية تحمل في بطنها سموماً تقتل الحرث والنسل، فقد أكد العلماء أن تربة قاع البحيرة تتكون من سموم قاتلة منها الزرنيخ، والنحاس، والزركونيوم، أي أن الرياح التي يستنشقها الناس تكون مشبعة بهذه السموم.  

 

فما يحدث لهذه البحيرة الآن قد حدث لبحيرات أخرى ليس في الولايات المتحدة فحسب، وإنما حول العالم من غربه إلى شرقه، فالأخطاء هي نفسها يكررها الإنسان في كل مكان، فلا يريد أن يتعظ بالتاريخ القريب أو البعيد، ولا يريد أن يتعلم من غيره، ولا يريد أن يستفيد من هفوات وزلات الآخرين.

 

فبدءاً ببحيرة أونز(Owens Lake)في مقاطعة إنيو(Inyo County) بولاية كاليفورنيا التي كانت مساحتها قرابة 280 كيلومتراً مربعاً، فجفت كلياً في عام 1926 وتحولت إلى صحراء مالحة لا حياة فيها ولا روح، وانتهت من خارطة البحيرات، مما اضطر الولاية إلى إنفاق أكثر من 2.5 بليون دولار على جهود ومشاريع منع الأتربة والغبار من منطقة البحيرة الجافة من الوصول إلى المدن، ثم هناك بحيرة آرال العظيمة(Aral Sea) في آسيا في كازاخستان وأوزبكستان التي كانت تُعد رابع أكبر بحيرة عذبة في العالم ومساحتها زهاء 67 ألف كيلومتر مربع، ففقدت الآن وخسرت أجزاء واسعة من أعضائها الحية والمنتجة. وبالقرب منا هناك بحيرة أرميا(Lake Urmia) في إيران التي كانت مساحتها في عام 2013 قرابة 6100 كيلومتر مربع، فانكمشت بنسبة 90%، وتحولت إلى جزر متناثرة من البحيرات الصغيرة، وفقاً للمقال في مجلة "العلوم" في الثلاثين من أبريل 2021 تحت عنوان:" بعد إحيائها، بحيرة سالت العظيمة في إيران تواجه الخطر".

 

وعندما أجريتُ تحليلاً لأسباب هذه الكوارث التي نزلت على هذه البحيرات كلها، وجدتُ أنها تصب في أسباب مشتركة واحدة، وهي تدخل الإنسان والعبث في النظام البيئي الطبيعي الرباني الدقيق والمتوازن دون علم، وبطريقة فيها إسراف وإفراط. فالجميع يعلم بأن الثلوج التي تنزل على الجبال تذوب مع الوقت فتتحول إلى ماء يجري ويغذي الأنهار والمجاري الأخرى، وهذه الأنهار في نهاية المطاف تصب في البحيرات، فإذا أراد الإنسان الاستفادة من هذه الثروة المائية في الأنهار والبحيرات فعليه أن يأخذ في الاعتبار التوازن المائي من حيث حجم المياه الذي يغذي الأنهار والبحيرات سنوياً. فما فعله الإنسان هو تحريف مجرى الأنهار للأغراض الزراعية، أو العمرانية، أو الصناعية، إضافة إلى الإفراط الشديد في سحب المياه منها، حتى مع الوقت انخفضت أحجام المياه التي تصل إلى البحيرات مما أدى إلى جفافها. ومن جانب آخر هناك التغير المناخي وارتفاع حرارة الأرض بسبب أنشطة الإنسان الملوثة للهواء الجوي، وهذا الارتفاع في حرارة الأرض أدى إلى ارتفاع نسبة التبخر في الثلوج ومياه البحيرات.

 

ولنا أيضاً في البحرين تجربة خاصة تشبه هذه الظاهرة الدولية المتمثلة في انكماش وانقراض البحيرات، وتتمثل في خسارة بحيرة مالحة هي خليج توبلي لجزءٍ واسعٍ من شرايين حياته التي تمده بالقوة والروح والعطاء، وتضمن له الاستدامة. ولكن هنا السبب يختلف عن حالة البحيرات حول العالم، حيث يكمن السبب أساساً في الدفن المستمر لهذا الخليج، والذي جعل مساحته تنخفض من قرابة 25 إلى أقل من عشرة كيلومترات مربعة.

 

ففي جميع الحالات نحن بحاجة إلى تغيير نظرتنا وسلوكياتنا عند التعامل مع ثرواتنا الطبيعية الحية وغير الحية، فلا تكون نظرتنا آنية وقصيرة المدى، وإنما يجب أن تكون مبنية على سياسات واستراتيجيات طويلة الأمد تأخذ في الاعتبار حاجتنا اليومية الآن لهذه الثروة، وحاجة الأجيال القادمة من بعدنا لهذه الثروة أيضاً، فلا نتلفها، ولا نفسدها، ولا ندمر هويتها نوعيتها، ونتعامل معها برفق واعتدال وبسلطان، كما نتعامل معها على أنها ثروات ناضبة نوعياً وكمياً.

الأحد، 26 يونيو 2022

تصادم بين موقف الأمم المتحدة وبعض دول العالم


أكد الأمين العام للأمم المتحدة في عدة لقاءات دولية، ومنها الاجتماع الأول للدول الأطراف في معاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية، والذي عقد في فينا العاصمة النمساوية في الفترة من 21-23 يونيو 2020، على "الحاجة الملحة" للمنع الكامل للسلاح النووي، كما أكد على "التركيز على الجوانب الإنسانية الناجمة عن السلاح النووية".

فهل هذه النداءات المتكررة، والدعوات المستمرة من الأمين العام للأمم لحظر السلاح النووي كلياً تلقى صدى، وآذاناً صاغية لدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة؟ أم أن صرخات الأمين العام في وادٍ وممارسات وأفعال الدول في واد آخر؟

فعندما بحثتُ في قضية امتلاك الدول للسلاح النووي من ناحية العدد والنوعية، وجدتُ بأنه بالنسبة لهذه القضية المهددة لأمن البشر وسلامة الكرة الأرضية واستدامتها، فإن دول العالم غير معنية بتوجهات ومبادئ وسياسات الأمم المتحدة، حتى ولو انضمت بعضها إلى معاهدات ثنائية أو دولية متعلقة بحظر ومنع أسلحة الدمار الشامل النووية فإنها لا تلتزم بها، ولا توجد آلية دولية لمحاسبتها وعقابها، فكل دولة وبخاصة الدول النووية التسع تلهث ليلاً نهاراً وراء زيادة أسلحتها النووية، أو تحديث ترسانتها النووية، أو تطوير وإنتاج أسلحة نووية من الجيل الجديد، فكل دولة مشغولة في نهاية المطاف بتطوير مخزونها من الأسلحة النووية، وعلاوة على هذه الدول التسع، هناك الدول غير النووية التي تحاول منذ سنوات الدخول في هذا النادي المغلق الذي لا يسمح بدخول أعضاء جدد إليه.

فهناك عدة حوادث ومستجدات على الساحة الدولية جعلتني أؤكد بأن السباق على الأسلحة النووية سيستمر ولن يتوقف أبداً، منها إعلانات الدول النووية على تحديث وتطوير أسلحتها النووية النوعية، إضافة إلى التجارب النووية التي نسمع عنها بين الحين والأخر، ومنها أيضاً الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، والذي أكدت فيه روسيا بأنها ستستخدم السلاح النووي إذا تعرض وتهدد أمنها القومي للخطر. كذلك هناك الصراع بين الصين وكوريا الجنوبية وروسيا من جهة وأمريكا والغرب من جهة أخرى، والذي سيزيد من حالة التوتر، ويؤدي إلى التصعيد النووي من حيث التسليح، والتحديث، والتطوير، فكل دولة تستخدم تفوقها وتطورها في السلاح النووي، عددياً نوعياً كورقة ضغط ترهيب واستغلال وإذلال للدول الأخرى.

أما المؤشرات العملية والواقعية التي تفيد بأن سباق الدول في مجال السلاح النووي لن يتوقف فهي زيادة الإنفاق العسكري بشكلٍ عام، والإنفاق على السلاح النووي بشكلٍ خاص، إضافة إلى الإحصاءات التي تفيد بأن السلاح النووي مازال موجوداً عند الدول النووية ولم يتم التخلص منها، إلا من الأسلحة البالية التي انتهت مدتها، وتمت إحالتها على التقاعد بسبب إنتاج أسلحة أكثر تطوراً وجدوى من الناحية العسكرية.

أما المؤشر الأول فهو الإنفاق على تحديث وتطوير أسلحة نووية، حيث نشرت "الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية"( International Campaign to Abolish Nuclear Weapons (ICAN)) تقريراً في يونيو 2022 تحت عنوان: "الإنفاق الدولي على السلاح النووي في عام 2021"(2021 Global Nuclear Weapons Spending). فقد قدَّر التقرير الإنفاق الدولي الإجمالي على السلاح النووي من الدول النووية التسع وهي روسيا، أمريكا، فرنسا، بريطانيا، باكستان، الهند، كوريا الشمالية، الكيان الصهيوني، في عام 2021 بنحو 82.4 بليون دولار، أي أن العالم ينفق قرابة 156841 دولاراً كل دقيقة على السلاح النووي، مقارنة بعام 2020، والذي بلغ 76 بليون دولار. كما قدم التقرير قائمة بحجم إنفاق كل دولة، حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الأولى بمبلغ 44.2 بليون دولار في 2021، علماً بأن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما دعا إلى "عالم بدون أسلحة نووية" في 27 مايو 2016 عندما زار الصرح التذكاري لضحايا إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي عام 1945! أما الدولة الثانية في الإنفاق النووي فهي الصين 11.7، والثالثة روسيا 8.6، والرابعة بريطانيا 6.8، ثم فرنسا بمبلغ قرابة 5.9، والهند 3.2، والكيان الصهيوني 1.2، وباكستان 1.1، وأخيراً أنفقت كوريا الشمالية 642 مليون.

وأما المؤشر الثاني فهو الكمية الهائلة التي تمتلكها هذه الدول من الأسلحة النووية، حسب تقديرات "معهد أستوكهولم لأبحاث السلام الدولية"(Stockholm International Peace Research Institute's (SIPRI))، والمنشورة في كتابه السنوي رقم (53) لعام 2022 في 13 يونيو 2022. فهذا الكتاب يفيد بأن العدد الإجمالي للسلاح النووي على مستوى الدول التسع يقدر بنحو 12705 رأساً نووياً حتى يناير 2022، وروسيا تتصدر قائمة هذه الدول، حيث إن لديها 5977، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 5428 رأساً نووياً. وأما في المرتبة الثالثة فهي بريطانيا العظمى 225، وفرنسا 290، والصين 350، وباكستان 165، والهند 160، والكيان الصهيوني 90، وفي المرتبة التاسعة والأخيرة فهي كوريا الشمالية، حيث يبلغ العدد قرابة 20 رأساً نووياً.

وبعد كل هذه المؤشرات حول سباق التسلح النووي الدولي، يأتي نِفاق دول العالم، وبخاصة من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وبالتحديد أمريكا، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا. وهذا النفاق له عدة أوجه، منها إعلانات وتعهدات هذه الدول أمام العالم بعدم زيادة ترسانتها النووية ومنع انتشارها، وأن الحرب النووية خاسرة للجميع، مثل البيان المشترك الذي صدر من هذه الدول في الثالث من يناير 2022 تحت عنوان: "منع الحرب النووية وتجنب سباقات التسلح".

وأما الوجه الثاني لنفاق الدول النووية الكبرى فيتمثل في عدم انضمامها للجهود الدولية المتمثلة في المعاهدات الخاصة بحظر ومنع التسلح النووي. فعلى سبيل المثال دخلت معاهدة "حظر الأسلحة النووية" حيز التنفيذ في 22 يناير 2021، ولما بحثتُ في قائمة الدول الموقعة على المعاهدة، وهي 86 دولة، أو المصادقة عليها وهي 62، لم أجد بينها أي من الدول النووية التسع، وهي المعنية أساساً بهذه المعاهدة، وهي التي تشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين، وهي التي بيدها نجاح هذه المعاهدة أو فشلها، وأما الدول التي صادقت وتشارك في الاجتماع الأول فلا ناقة لها ولا جمل في قضية السلاح النووي، ولا تأثير دولي لها من ناحية تهديد البشر والأرض.

 

ولذلك مهما صرخ ودعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى منع التسلح النووي، ومهما تم تدشين معاهدات أممية جديدة حول التسلح النووي، فإن السباق لن يتوقف أبداً، بل وأنا على يقين بأن هناك دولاً جديدة قد تدخل ضمن النادي النووي، فالسلاح النووي عند الدول مصدر عزة وكرامة، ومصدر قوة وردع، وترهيب وتخويف للآخرين، وأداة فاعلة للسيطرة والهيمنة على الدول الأخرى.

 

الأربعاء، 22 يونيو 2022

الظواهر الفضائية المجهولة، هل هي حقيقة أم خيال؟

  

ترددتُ كثيراً في كتابة مقال اليوم، فكنتُ دائماً أعتبر بأن موضوع الأجسام الفضائية غير المعروفة والمجهولة، والأجسام السماوية غير المحددة الهوية من المواضيع التي تدخل فيها أفلام هوليود وتخيلاتها المستقبلية، وكنتُ أضعها ضمن باب الخرافات العلمية، أو الخيال العلمي الواسع الذي قد يفكر فيه البعض، ويكتب عنه الروايات العلمية والنظرية. وفي الوقت نفسه يأتي أيضاً موضوع وظاهرة الأطباق الطائرة، أو السفن الفضائية الغامضة وغير المعروفة، فهذا الموضوع أيضاً بالنسبة لي لا يُعد مجالاً علمياً له مصداقية، ويمكن الوثوق بما يُكتب عنه في وسائل الإعلام، أو يعرض في الأفلام السينمائية، أو القصص العلمية.

 

ولكن نظْرتي هذه تغيرت قليلاً عندما قرأتُ بأن "ناسا"، أو وكالة الفضاء الأمريكية، وهي "الإدارة القومية للملاحة الجوية والفضاء"(National Aeronautics and Space Administration)، قد قررت الولوج في بحر هذه القضية، والتعرف عليها، وفك ألغازها وأسرارها ومدى واقعيتها. فهذه الوكالة ذو مصداقية عالية، وتتمتع بثقة مرتفعة، ليس في المجتمع الأمريكي فحسب، وإنما على مستوى دول العالم أجمع، ولذلك فهذه الوكالة الفضائية العريقة ذات الإنجازات غير المسبوقة تاريخياً على المستوى الدولي لن تخاطر بسمعتها، ولن تجازف في الدخول في أية قضية قد تؤثر وتلطخ هذا التراث العلمي الفضائي التاريخي المتراكم منذ 65 عاماً.

 

فقد أعلنت "ناسا" في التاسع من يونيو 2022 بأنها قد شكلت فريق عمل مستقل لدراسة "ظواهر الأجسام الفضائية غير المعروفة" (unidentified aerial phenomena (UAP))، والمعروفة إعلامياً بالأجسام الطائرة المجهولة(UFOs)، حيث سيهتم الفريق العلمي المتخصص في البحث في جميع الظواهر السماوية غير المعروفة وغير المحددة، أي الظواهر غير الطبيعية، وغير المألوفة، والتي لا توجد لها تفسيرات علمية موثقة، ولا يوجد دليل حسي دامغ عليها. ولذلك تَتَحدد مهمة الفريق في عدة أعمال، منها حصر المعلومات المتوافرة حتى الآن من كافة الجهات المدنية والعسكرية والأمنية من القطاعات الحكومية الرسمية، ومن منظمات وجمعيات المجتمع المدني ومن الشركات الخاصة، ثم جمع وتحليل كافة النظريات المطروحة حول هذه الظواهر الفضائية، وأخيراً اتباع المنهج العلمي في تحليل وتقييم كل هذه المعلومات، وتحديد مدى مصداقيتها وثقتها، وطرح الاستنتاجات التي تتمخض عنها.

 

ويرجع تاريخ الجهود المبذولة لتفسير هذه الظواهر منذ أن أعلن وزير القوات الجوية في 11 ديسمبر 1969 تزامناً مع أول جلسة استماع للكونجرس عن انتهاء المشروع السري تحت عنوان "مشروع الكتاب الأزرق"(Project Blue Book) الذي استمر من 1947 إلى 1969، والآن رفعت السرية عن هذا المشروع ويمكن الاطلاع على كافة الوثائق التي تحتوي على 2000 صفحة، إضافة إلى صور وأفلام وفيديوهات حول هذه الأجسام الطائرة والظواهر الجوية الغامضة. ويمكن تلخيص الاستنتاجات التي تمخضت عن مشروع الكتاب الأزرق في عدة نقاط هي أنه لم تُسجل أجسام وظواهر مجهولة خلال التحقيق والدراسة بحيث إنها تشكل تهديداً للأمن القومي، كما أنه لا توجد ظواهر وأجسام تمثل تطوراً تقنياً عالياً مختلفاً عن التطورات العلمية التي توصلت إليها أمريكا ودول العالم، وأخيراً لم تشر الدراسة إلى مشاهدة أجسام طائرة مجهولة من خارج كوكب الأرض.

 

وبعد هذه الجلسة الأولى، وبعد إسدال الستار الرسمي على مشروع الكتاب الأزرق، خيَّم صمت طويل على هذا الموضوع من الجهات التشريعية والرقابية الممثلة بالكونجرس والجهات الحكومية المعنية، حتى صدور النشرة الإعلامية لوزارة الدفاع في 14 أغسطس 2020، والتي أعلنت عن تشكيل فريق العمل تحت مسمى "فريق عمل للظواهر الجوية المجهولة"(Unidentified Aerial Phenomena Task Force (UAPTF))، ويهدف إلى دراسة الظاهرة والتعرف عليها عن قرب من ناحية طبيعتها ومصدرها، وتحليل المعلومات المتوافرة حولها، ومدى تهديدها للأمن القومي. وفي 25 يونيو 2021 نشر مكتب مدير الاستخبارات القومية(National Intelligence) التقرير الرسمي الثاني تحت عنوان: "تقييم أولي من حكومة الولايات المتحدة حول الظواهر الفضائية غير المعروفة"( A preliminary assessment by the U.S. government on unidentified aerial phenomena)، والذي هدف إلى تقييم الحالات والظواهر التي تم تسجيلها ورصدها من الأجهزة الحكومية المعنية من نوفمبر 2004 إلى مارس 2021. وقد خلص التقرير إلى عدة نقاط عامة منها عدم وجود منهجية علمية موثقة لتسجيل هذه الظواهر السماوية، مما يُصعِّب عملية التقييم والتوصل إلى استنتاجات علمية محددة ذات مصداقية عالية، كما أن الحالات التي تم رصدها لم تقدم أدلة محسوسة، أو وصف علمي منهجي دقيق. وعلاوة على ذلك، فقد أكد التقرير بأن هناك شحاً في المعلومات الموثوقة، ولا توجد طريقة علمية معتمدة ومتعارف عليها لتسجيل وتدوين هذه الظواهر.

 

وفي 17 مايو 2022، عقد الكونجرس جلسة استماع ثانية ونادرة من نوعها لإعادة طرح موضوع الظواهر المجهولة، وإحيائها بعد نومها أكثر من 53 عاماً. ومن وقائع هذه الجلسة، شريط الفيديو السري الذي قدَّمه نائب مدير الاستخبارات البحرية(Scott Bray) لأول مرة علانية، ووصف فيه "جسم دائري" له سطح عاكس مرَّ على طائرة أمريكية حربية، وقال: "ليس لدي تفسير عن هوية هذا الجسم". كما قال وكيل وزارة الدفاع المساعد للاستخبارات والأمن(Ronald Moultrie) بأن البنتاجون يجمع معلومات عن أجسام طائرة غريبة تتحدي قانون الفيزياء، كما قال: "بأننا نعلم بأن جنودنا تعرضوا لظواهر فضائية غير معروفة، ونحن ملتزمون لمعرفة مصادرها". وهذه الجلسة لم تخرج باستنتاجات واضحة ودامغة، حيث أشارت إلى عدم وجود أدلة على أن هذه الظواهر تمثل أجساماً متطورة ومتقدمة معادية للأمن القومي، كما لا توجد أدلة على أنها من مصادر خارج الفضاء، أو خارج كوكبنا(extraterrestrial).

 

أما عن "ناسا" التي تم تكليفها بالتحقيق في الموضوع وحُددت مهمتها في تسعة أشهر، فقد أشارت مبدئياً إلى عدة نظريات وفرضيات مطروحة حالياً، منها فرضية بأن هذه الأجسام السماوية قد تكون مخلفات أو أجسام من صنع البشر كالمناطيد والبالونات، والبلاستيك المنفوخ بالهواء، أو طيور مهاجرة، أو بلورات الثلج، أو ظاهرة الانقلابات الحرارية الطبيعية، أو قد تكون أجساماً معادية من دول أخرى تستخدم تقنيات أسرع من الصوت، أي أنها جزء من برنامج تجسسي لدول أخرى.

 

وجدير بالذكر فإن كل، أو معظم الجهود، والتقارير، والمعلومات حول هذه الأجسام والظواهر الجوية والفضائية المجهولة مصدرها الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن أية تقارير تصدر من أمريكا قد تكون متحيزة ولها أهدافاً سياسية، فلا يمكن التأكد من مصداقيتها من أية مصادر مستقلة أخرى، علماً بأن الصين ممثلة في وزارة العلوم والتكنلوجيا نشرت اكتشافا غريباً لأول مرة حول هذا الموضوع في 15 يونيو 2022 في صحيفتها "يوميات العلوم والتكنلوجيا"( Science and Technology Daily). وهذا الاكتشاف الجديد رصده التلسكوب الصيني المعروف "عين السماء"(Sky Eye)، أو ( Aperture Spherical Radio Telescope (FAST))، حيث سجل ورصد "إشارات كهرومغناطيسية مختلفة عن الإشارات السابقة، وقد يكون مصدرها من خارج كوكب الأرض" وهذه الموجات الكهرومغناطيسية كانت في مجال ترددات الراديو. ولكن الغريب أن نص هذا الاكتشاف المنشور في الصحيفة اختفى كلياً وفقاً للتحقيق المنشور في صحيفة النيويورك تايمس الأمريكية في 18 يونيو 2022 تحت عنوان: "التلسكوب الصيني لم يجد إشارات من كائنات فضائية. البحث يستمر"، حيث أشار التحقيق إلى أن هذا الاكتشاف كان بمثابة الإنذار الخاطئ.

 

وختاماً فإن موضوع الظواهر الجوية المجهولة معقد جداً وله تداخلات كثيرة مع ما هو موجود على الأرض، فمازال بعيداً عن الحقيقة والاكتشاف العلمي الدامغ، ومن الصعب، مهما فعل العلماء الوصول إلى استنتاجات علمية عالية الدقة من حيث ثباتها ومصداقيتها، وسنضطر في نهاية المطاف إلى الاعتماد على "مصداقية ونزاهة" الولايات المتحدة في التقارير التي ستصدرها في المستقبل.