الاثنين، 12 يونيو 2023

أزمة الخصوبة العالمية وتدهور البيئة


لفت انتباهي المقال المنشور في مجلة "الإيكونومست" البريطانية(The Economist) العريقة في الأول من يونيو 2023 تحت عنوان:" انهيار الخصوبة العالمية، مع عواقب اقتصادية عميقة". فهذا المقال يتطرق إلى قضية حيوية في غاية الأهمية مرتبطة باستدامة حياة الإنسان على وجه الأرض، وهي قضية "خصوبة الإنسان"، أو حالات العقم التي تصيب بعض البشر، حيث نبه إلى ظاهرة دولية تعاني منها الكثير من دول العالم في المشرق والمغرب على حدٍ سواء، وهي تزعزع وتدهور معدلات مستوى الخصوبة على المستوى الدولي خلال السنوات الماضية، مخالفاً ومعارضاً بذلك التوقعات والنظريات التي أُطلقتْ في القرن الماضي حول الانفجار السكاني العالمي، وزيادة أعداد المواليد بدرجة مفرطة سنة بعد سنة منذ بزوغ فجر الثورة الصناعية الأولى قبل أكثر من 270 عاماً، بحيث أن موارد وثروات الكرة الأرضية لا تستطيع مواكبة وملاحقة هذا المد السكاني العالمي المطرد، واستيعاب البشر الذين يعيشون على سطح الأرض من توفير الغذاء، والكساء، والطاقة، وسبل العيش الكريمة. 

 

فعلى سبيل المثال، في عام 2000، كان معدل نسبة الخصوبة في العالم 2.7 ولادة لكل امرأة، أي أعلى من معدل نسبة الإحلال وهو 2.1، مما يعني وجود حالة من التوازن الطبيعي بين عدد المواليد وعدد الوفيات، أو عدد المتقاعدين والخارجين عن الخدمة والوظيفة وسوق العمل، وعند هذه الحالة يكون هناك استقرار وثبات وتوازن في المعادلة السكانية بين طرفي المعادلة، الداخل فيها، أو الطرف الأول من المعادلة، وهو عدد المواليد الذين يدخلون الحياة الدنيا مقارنة بالخارج منها وهو عدد الوفيات والشواغر الوظيفية.

 

ولكن هذه الحالة المتزنة والمستقرة للبشر لم تدم طويلاً، إذ انكشف نمط جديد للمعادلة السكانية الدولية وتمثل في انخفاض ونقصان في الخصوبة وتحلل وتفكك المعادلة بين الطرفين، فقد سجل المعدل العالمي للخصوبة تدهوراً وانخفاضاً في كل سنة طوال العقود الماضية مقارنة بمعدلات الاحلال، فبلغ 2.49 في عام 2019، وأخيراً اليوم، وفي عام 2022 وصل إلى ذروته وإلى الرقم القياسي في الانخفاض، وهو 2.3 ولادة لكل امرأة في معظم دول العالم، حتى الدول الغنية والمتقدمة والثرية منها، إلى جانب الهند والصين والبرازيل وتايلند والمكسيك.

 

ولهذه الظاهرة المستجدة تداعيات كثيرة تنعكس على حياة الناس وعلى المجتمع برمته، كما أنها نجمت عن عوامل وأسباب متعددة ومختلفة. أما التداعيات الخطيرة التي تهدد المجتمعات البشرية فهي اقتصادية واجتماعية وتتمثل في تحطم المعادلة السكانية المتوازنة، وإحداث شرخٍ وخلل وحالة من عدم الثبات والاستقرار في المجتمعات، سواء أكان الاستقرار الاجتماعي أو السياسي والأمني. فعندما تقل معدلات الخصوبة، يعني ذلك انخفاضاً في نسبة المواليد، مما لا يتناسب ولا يحل محل الذين لقوا نحبهم، أو الذين خرجوا من سوق العمل ويتلقون راتباً تقاعدياً دون أن يكون لهم دور في سير قطار التنمية، أو في العملية الإنتاجية، فيحدث فراغاً واسعاً وفجوة كبيرة تزيد يوماً بعد يوم، فيفجر أزمة عالمية، أو إقليمية، أو قومية في ميزانية الدول من جهة، وفي وجود نقص شديد في الأيدي العاملة والمدربة ذات الخبرة العالية والطويلة التي تستطيع الإمساك بعجلة التنمية في كل بلد من جهة أخرى. 

 

وهناك عدة أسباب تقف وراء هذا النمط الجديد في الانخفاض المستمر في معدلات الخصوبة على المستوى الدولي، منها الفقر، ومستوى التعليم، والخدمات الصحية وبخاصة للمرأة الحامل أثناء وبعد الولادة، وارتفاع كلفة تربية الطفل، وموت الأجنة قبيل أو بعد الولادة، إضافة إلى سلوكيات وممارسات المرأة اليومية من التدخين، وشرب الخمر، والبدانة، والتغذية غير المعتدلة وغير المتنوعة. وأخيراً هناك العامل البيئي الذي يتم عادة تجاهله وغض الطرف عن تداعياته، أو عدم التركيز عليه وعلى دوره الكبير في خصوبة الرجل والمرأة، والذي يتمثل في تلوث الهواء الجوي، والتعرض للملوثات السامة التي تؤثر على الحمل وعلى الجنين في بطن أمه وبعد أن يلج إلى الحياة الدنيا.

 

وهناك عدة مظاهر وصور لتأثيرات تلوث الهواء والتعرض للملوثات في مكونات البيئة بالنسبة للخصوبة، منها ما ينعكس على أعداد ونوعية وحجم الماء المَهِين، أو الحيوانات المنوية التي هي أساس الحياة والمؤشر الرئيس الذي يقيس خصوبة الرجل، ومنها ما يؤثر على الجنين وهو في رحم أمه فيؤدي إلى الإجهاض، أو الولادة المبكرة، أو ولادة طفل منخفض الوزن والحجم، أو ولادة طفل ميت أو معوق ومصاب بأمراض مزمنة.

 

أما بالنسبة للحيوانات المنوية التي لا خصوبة للإنسان بدون ضمان صحتها وسلامتها وحجمها، فقد أجمعت الدراسات التي أُجريت منذ التسعينيات من القرن المنصرم كالدراسة المنشورة في 12 سبتمبر عام 1992 في مجلة الأطباء البريطانيين(British Medical Journal) تحت عنوان: "الدليل على انخفاض نوعية الحيوانات المنوية خلال الخمسين سنة الماضية"، والدراسة المنشورة في مجلة(Human Reproduction Update)في 15 نوفمبر 2022 تحت عنوان: "الأنماط الزمانية لعدد الحيوانات المنوية: مراجعة تحليلية للعينات التي جمعت دولياً في القرنين 20 و 21"، على أن هناك انخفاضاً مشهوداً في أعداد ونوعية وصحة الحيوانات المنوية مع الزمن في معظم دول العالم، المتقدمة والمتطورة والنامية. كذلك الدراسة المنشورة في مجلة "شؤون صحة البيئة"(Environmental Health Perspectives) في سبتمبر 2022 تحت عنوان: "العلاقة بين السكن بالقرب من شوارع رئيسة ونوعية الحيوانات المنوية". وقد أشارت هذه الدراسات إلى أن من أسباب تدهور الحيوانات المنوية نوعياً وكمياً هي العيش في بيئات ملوثة والتعرض للملوثات مثل غاز الأوزون، والدخان أو الجسيمات الدقيقة، والبنزين، والمركبات العضوية العطرية التي تحتوي على الكلورين، والمواد التي تضاف عند إنتاج البلاستيك، ومصادر هذه الملوثات لا تعد ولا تحصى منها السيارات، والسجائر، والبخور، والأثاث المنزلي، والهواء العادي الملوث، والمبيدات.

 

وفي المقابل هناك الآلاف من الدراسات التي تسبر غور العلاقة بين العوامل البيئية كتلوث الهواء والتعرض للملوثات في الماء والتربة والمواد الغذائية ومظاهر وصور تدني مستوى الخصوبة. فهناك دراسة منشورة في مجلة "شؤون صحة البيئة" في العدد الصادر في أغسطس 2022 تحت عنوان: "تلوث الهواء والتكاثر: التركيز على البعد السريري"، وهذه الدراسة التي قامت بمراجعة وتقييم الدراسات السابقة أشارت إلى أن تلوث الهواء يؤثر سلباً على التكاثر البشري من حيث تدهور الخصوبة، ومشكلات في نمو الجنين في الرحم، ونتائج سلبية في الحمل والولادة. ودراسة أخرى منشورة في المجلة نفسها في أغسطس 2021 تحت عنوان: "العلاقة بين المناطق الخضراء السكنية في دول شمال أمريكا والخصوبة"، وهذه الدراسة الوبائية الفريدة والأولى من نوعها تقدم أدلة على وجود علاقة إيجابية بين السكن في أو بالقرب من مناطق ومساحات خضراء خالية من مصادر تلوث الهواء من السيارات والمصانع وغيرهما وخصوبة وصحة الإنسان بشكلٍ عام. علاوة على الدراسة المنشورة في أكتوبر 2020 تحت عنوان: "التأثير السلبي للتعرض لتلوث الهواء أثناء الحمل على نتائج الولادة"، حيث توصلت إلى نتيجة ملخصها بأن العيش في بيئة ملوثة بالدخان، أو الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد الكبريت لها تداعيات سلبية على الولادة وعلى الطفل المولود.   كذلك الدراسة المنشورة في الثالث من مايو 2023 في مجلة "شؤون الصحة البيئة" حول تأثير التعرض لبدائل الملوثات العضوية متعددة الفلور ومتلازمة تكيس المبايض لدى النساء المصابات بالعقم"، حيث أفادت بأن هذه الملوثات العضوية لها علاقة بإصابة المرأة بالعقم.

 

فهذه الدراسات والأبحاث التي قدَّمتها لكم ما هي إلا غيض من فيض، فهي كثيرة جداً وفي تزايد مطرد مع الوقت، وكلها تؤكد بأن العامل البيئي المتمثل في التلوث في الهواء والماء والتربة، إضافة إلى العوامل الأخرى كلها تراكمت وتجمعت فأدت مع الوقت إلى تدهور في الخصوبة على المستوى الدولي، مما يحتم علينا الاهتمام بالجانب البيئي ومنع ومعالجة الملوثات قبل السماح لها في دخول عناصر بيئتنا.

 

الأربعاء، 7 يونيو 2023

وسائل التواصل الاجتماعي تغزو عقول الأطفال

قبل قرابة عشر سنوات كان أحد أقربائي، وهو في سن المراهقة يعاني من أعراض مرضية كالصداع المزمن، والاحساس بالدوار، وآلام في الصدر، فأخذته مباشرة إلى أحد الاستشاريين المختصين في أمراض القلب.

 

وبعد إجراء الفحوصات الأولية الروتينية المعروفة، قرَّر الطبيب وضع جهاز معروف وشائع الاستخدام لحالات الإصابة بأعراض قد تكون لها علاقة بوظيفة القلب وأدائه ونشاطه اليومي، وهو يعرف بجهاز "هولتر". وهذا الجهاز صغير الحجم وخفيف ويمكن ارتداؤه لمدة يوم أو يومين، حسب قرار الطبيب المختص، وبدون أن يشكل أي عائق أو صعوبات على حركة المريض وبرنامجه اليومي المعتاد، حيث يقوم هذا الجهاز بقياس وتسجيل نشاط القلب، ومعدل نبضات القلب ومدى انتظامها في اليوم والليلة.

 

ولكن تبقى هناك مشكلة واحدة متعلقة بهذا الجهاز اليدوي البسيط، وهذه المشكلة فتحت عيناي على قضية مهمة جداً لها علاقة بجميع أفراد المجتمع في كل أنحاء العالم بدون استثناء. فهناك بعض الأمور يجب تجنبها والابتعاد عنها عند وضع الجهاز على المريض، ومنها الامتناع كلياً عن استخدام الهاتف النقال لفترة وضع الجهاز على جسم المريض بسبب تداخل وتعارض عمل الجهاز ووظيفته مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية في الهاتف النقال أو المحمول.

 

ولذلك عندما قال الطبيب للمريض المراهق الصغير في السن التوقف عن استخدام الهاتف النقال، وعندما حاولتُ أخذ الهاتف من قريبي المريض، قامت القيامة، ووقع ما لم أتصوره قط وأتخيل حدوثه أمامي، فرفض هذا المراهق تسليمي لهاتفه النقال، وأصيب بهستيريا وجنون وقتي، فبكى وصرخ قائلاً: "لن أُسلمكم هاتفي.... لا أستطيع الاستغناء عنه". وبعد دقائق طويلة من المناقشات الحادة التي دارت بيني وبين الطبيب وبين هذا المراهق محاولين إقناعه بالتوقف عن استخدام الهاتف لفترة زمنية قصيرة جداً، وهي فترة وضع الجهاز، توصلنا إلى حلٍ توافقي، وحل وسط، وهو أن يبقى الهاتف مغلقاً أثناء عمل الجهاز، ولكن أن يكون مع المريض، ويتعهد بعدم فتحه فلا يسلمه إلينا.

 

فهذه الحادثة التي وقعتْ أمامي أكدتْ لي بأننا سنقف أمام مشكلة مزمنة وعصيبة في المستقبل القريب، وأن أطفالنا، وشبابنا، بل وكبار السن سيعانون من تداعيات سوء استخدام هذا الهاتف النقال الذكي بكل ما يحتويه من منصات، ووسائل التواصل، والتطبيقات بمختلف أنواعها وأشكالها، وسيقعون فريسة سهلة بالإدمان عليه طوال اليوم والليلة وعدم القدرة على الاستغناء عنه.

 

واليوم، وبالتحديد في 23 مايو 2023 صدر بيان مهم جداً من "الجراح العام" في الولايات المتحدة الأمريكية(Vivek Murthy)، وهو يُعتبر المسؤول الأول عن حماية الصحة العامة في أمريكا. وهذا البيان، أو التقرير مكون من 25 صفحة تحت عنوان: "وسائل التواصل الاجتماعي والصحة العقلية للشباب ". وفي هذا البيان العام يُحذر فيه الجراح العام مما كنتُ أتخوف منه بأنه سيقع يوماً ما، وشاهدته أمامي مع تجربتي الشخصية التي خضتها مع قريبي المريض، وهو التأثير الصحي السلبي للهاتف النقال ووسائل التواصل الاجتماعي على الناس عامة، وبخاصة تأثيراتها الصحية العقلية على الأطفال والمراهقين.

 

فهذا البيان لا أعتبره كإنذار مبكر من أزمة صحية نفسية وعقلية ستصيب الأطفال والشباب والكبار معاً، وإنما هو إنذار وتحذير متأخر بعض الشيء لأن الضرر قد وقع فعلاً، فوسائل التواصل زادت وتنوعت، والتطبيقات الموجودة في الهاتف النقال لا تُعد ولا تحصي ونعتمد عليها بشكلٍ كلي في قضاء حوائجنا ومعاملاتنا بشكلٍ يومي، ولذلك علينا التصدي لها فوراً وبصفة مستعجلة.

 

فقد أكد التقرير استناداً إلى دراسات استطلاعية بأن قرابة 95% من المراهقين في أمريكا الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و 17 يستخدمون وسائل التواصل وتطبيقاتها المتعددة بشكلٍ يومي، وأكثر من 30% منهم قالوا بأنهم يستخدمونها يومياً، وبشكل مستمر، وأنهم يستخدمونها حتى منتصف الليل أو ساعات متأخرة من الليل. كما أفادت الدراسات بأن هناك قرابة 40% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و 12 يقضون جزءاً كبيراً من وقتهم أمام هذه الوسائل مثل "تيك توك"(TikTok)، وإنستغرام، وغيرهما.

 

ولهذا الاستخدام المفرط غير الرشيد وغير المقنن للهاتف النقال وما به من وسائل مغرية وغير مناسبة للتواصل الاجتماعي سلبيات كثيرة، وبخاصة عند الأطفال الذين يكون مُخهم في طور التطور والنمو والبناء، حسب استطلاعات الرأي التي أُجريت والدراسات الميدانية، ومنها دراسة في مجلة "مراجعات طب النوم"(Sleep Medicine Reviews) في العدد الصادر في أبريل 2021 تحت عنوان: "العلاقة بين استخدام وسائل التواصل وساعات النوم، والصحة العقلية عند الشباب"، حيث قامت بحصر الدراسات السابقة المتعلقة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وأعراض الإصابة بأمراض الصحة العقلية عند الشباب. فمن المخاطر والسلبيات سقوط الأطفال والمراهقين في الأمراض العقلية النفسية كالاكتئاب والقلق والميل نحو الانتحار، وعدم انتظام مواعيد ووجبات الأكل، وحدوث خلل واضطراب شديدين في أوقات النوم والاستيقاظ، إضافة إلى التعرض لصعوبات في النوم. كذلك من الآثار والمخاطر السلبية التي أوردتها الدراسات العلمية هي الإدمان والنزعة نحو الوحدة والانعزال عن الآخرين، وقضاء أوقات طويلة مع صحبة الهاتف بعيداً عن الناس.

واليوم كذلك انكشفت قضية جديدة لا تؤرق وترعب رجال الصحة فقط، وإنما رجال السياسة والحُكم على حدٍ سواء لخطورتها الشاملة على المجتمع برمته، من أطفال، وشباب، وكبار السن، وهو التطبيق المخيف المجهول الخاص بالذكاء الاصطناعي (generative artificial intelligence (AI))، حسب الدراسة المنشورة في مجلة "العلوم"(Science)في العدد الصادر في 23 مايو 2023 تحت عنوان: "التواصل الاجتماعي: الذكاء الاصطناعي قد يضر بالصحة العقلية". ونظراً للتهديدات التي قد يشكلها هذا التطبيق، فقد قرر زعماء الدول الصناعية السبع في اجتماعهم الذي عُقد في مدينة هوريشيما اليابانية في مايو 2023 على تشكيل هيئة نقاشية دولية حول هذه القضية الدولية المشتركة تحت مسمى "عملية هيروشيما للذكاء الاصطناعي"(Hiroshima AI Process).

 

ولذلك فالهاتف النقال، وما يحمل في بطنه من غث وسمين، وفاسد وصالح، وردئ وجيد، كما هو الحال بالنسبة للأجهزة والتقنيات الحديثة، يجب أن يخضع لأنظمة صارمة وإشراف دقيق تقنن استعماله، سواء على المستوى الدولي، أو القومي، أو على مستوى الأسرة الواحدة، أو على مستوى الفرد نفسه، فالتيار قوي وجارف لا يقاومه ذوي النفوس الضعيفة، ولا يستطيعون الوقوف والصمود أمامه. 

 

الخميس، 1 يونيو 2023

بحيرات العالم في سكرات الموت


في هذا الزمان الشديد التطور التقني والتقدم العلمي والفني، ومع وجود مئات العيون الصناعية الحادة البصر التي تسبح ليلاً نهاراً في الفضاء، فتتجسس على البشر والحجر، وتُصور باستخدام أحدث التقنيات التي توصلت إليها عقول البشر كل بقعةٍ من الأرض، بل وكل شبرٍ دقيق من كوكبنا أينما كان في هذه الأرض الواسعة المترامية الأطراف، فلا يمكن اليوم إخفاء أو تجاهل أي حدث على سطح الأرض من عيون هذه الأقمار الصناعية التي لا تأخذها سنة ولا نوم، ولا يمكن لأية دولة أن تدَّعي بأن لها أسراراً لا تريد من الدول الأخرى معرفتها والاطلاع عليها، حتى ولو كانت مخزنة في أعماق باطن الأرض. 

 

فعيون هذه الأقمار الصناعية وبصيرتها من السماء العليا هي التي تُحذرنا اليوم من شرٍ عقيم قد وقع على الأرض قبل تحذير البشر، وهي التي تنبهنا إلى وجود نكبة مزمنة قد حلَّت على الإنسان في كل أنحاء العالم، فقد أبصرت هذه العيون الساهرة وبدقة شديدة، وكشفت عن ظاهرة عامة في الكثير من دول العالم بأن هناك نقصاً حاداً قد حدث لمياه البحيرات على سطح كوكبنا في مختلف بحيرات العالم، وأن هناك تدهوراً ملحوظاً ومشهوداً قد نزل على مستوى سطح المياه في هذه البحيرات، بل وإن هناك من البحيرات التي فقدت وخسرت مساحة عظيمة من أعضاء جسدها والشرايين التي تمدها بالحياة، ومنها ما قد جفَّ كلياً، فلم تبق إلا الأرض الجرداء القاحلة التي لا روح فيها ولا حياة، مما يعني التهديد المباشر لأهم مصدر لمياه الشرب للبشرية جمعاء، وأحد أهم مصادر الأمن الغذائي وأمن الطاقة للناس حول العالم، إضافة إلى خسارة البشرية لبعض الأنظمة البيئة الفريدة من نوعها على سطح الأرض، والتي كانت ثرية ومزدهرة وتتمتع بشتى أنواع الحياة الفطرية النباتية والحيوانية والطيور النادرة والمفيدة صحياً وبيئياً واقتصادياً لسكان الأرض.

 

وقد نُشرت نتائج عيون الأقمار الصناعية ومشاهداتها من السماء العليا في الفضاء لأكثر من ثلاثة عقود ومراقبتها لمصير الكثير من بحيرات العالم في مجلة "العلوم" المرموقة(Science) في 19 مايو 2023 تحت عنوان: "الأقمار الصناعية تكشف عن انخفاض واسع النطاق في المخزون البحيرات على المستوى العالمي"، كما أن العنوان الرئيس لهذا العدد الخاص من المجلة جاء تحت عنوان: "البحيرات المنكمشة".

 

فهذه الدراسة الجامعة والشاملة غطت 1051 بحيرة طبيعية في كل أرجاء المعمورة، تتراوح مساحاتها بين 100 إلى أكثر من 377 ألف كيلومتر مربع، إضافة إلى 922 مخزوناً مائياً حول العالم، حيث قامت بمراقبة وتحليل البيانات والصور التي تم جمعها سنوياً من الأقمار الصناعية ولمدة نحو ثلاثين عاماً حول التغيرات التي تطرأ على مساحة وحجم ومستوى المياه في هذه البحيرات، وبالتحديد في الفترة من 1972 إلى 2020. وعلاوة على المعلومات التي تُقدمها الأقمار الصناعية التابعة لوكالة ناسا الفضائية الأمريكية، فقد أجرت الدراسة تحليلاً شاملاً للمعلومات باستخدام النماذج الرياضية الخاصة بالتغيرات المناخية ودورة المياه. وقد هدفت هذه الدراسة الدولية إلى التعرف على التغيرات في مستوى سطح المياه في العقود الماضية في البحيرات، إضافة إلى التعرف على أهم الأسباب والعوامل التي أدت إلى وقوع ظاهرة انخفاض وانكماش البحيرات التي مسَّت هذه الأجسام المائية الضخمة في معظم بقاع العالم.

 

فقد توصلت الدراسة إلى استنتاج عام خطير يهدد الإنسانية، وبالتحديد حياة نحو 2 بليون إنسان يعيشون على ضفاف هذه البحيرات التي تخزن في بطنها قرابة 87% من مياه الأرض السطحية العذب الفرات، فيشربون من مائها، ويتغذون على ثرواتها الحية، ويرتزقون من مواردها وخيراتها الوفيرة المتجددة، وهذا الاستنتاج هو انكماش مساحة هذه البحيرات، وحدوث انخفاضٍ شديد ومستمر في معظم البحيرات التي تمت دراستها ومراقبتها خلال الثلاثين سنة الماضية، حيث قدَّر الباحثون نسبة انخفاض حجم المياه في هذه البحيرات التي عددها 457 بحيرة بـ 53%.

 

وهناك عدة أسباب تتحمل مسؤولية هذا الانخفاض العظيم في مستوى سطح البحيرات، وفقدان أحجامٍ مهولة من مياهها. أما المتهم الأول والرئيس فهو الاستخدام والسحب غير الرشيد والمفرط لمياه البحيرات والأنهار التي تصب فيها لأغراض زراعية، أو منزلية، أو صناعية لسنوات طويلة من الزمن، دون أن تحصل هذه البحيرات على التعويض الموازي لهذا الاستنزاف المائي من الأمطار. والعامل الثاني الذي هدد صحة وسلامة هذه البحيرات وجعلها تجف كلياً أو جزئياً، أو تكون على شفا حفرة من الجفاف فهو التغير المناخي وتداعياته المتمثلة في ارتفاع درجة حرارة الأرض، والذي انعكس مباشرة على حرارة مياه البحيرات وحدوث ازدياد مزمن في عمليات البخر وفقدان المياه نتيجة لهذه الحرارة المرتفعة. كذلك هناك عوامل وأسباب أخرى مثل بناء السدود، وارتفاع نسبة الترسبات الترابية والرملية.

 

وجدير بالذكر فإن هذه الدراسة الحالية لم تتناول البحيرات الصغيرة الحجم على المستوى الدولي مثل خليج توبلي، والذي يعتبر على المستوى القومي كبير الحجم وبالغ الأهمية بالنسبة للمواطن البحريني، ليس من ناحية مساحته فقط، وإنما من ناحية تنوعه الحيوي، وعطائه، وإنتاجه من الثروة السمكية، ودوره في السياحة البحرية في وسط الجزيرة.

 

فهذا الخليج ومنذ أكثر من ستين عاماً يعاني من عبث الإنسان في أعضاء جسده، وفي الشرايين التي تمده بالروح وتجعله ينبض بالحياة، فعمليات الدفان المستمرة أفقدت هذا الخليج جزءاً مهماً من جسمه، وأدت إلى وقوع خسائر جسيمة في مساحته وحجم مياهه، حيث انخفضت المساحة من أكثر من 24 كيلومتراً مربعاً إلى أقل من ستة كيلومترات مربعة. ومن أهم شرايين الحياة التي انقطعت في الخليج بسبب الدفان هو غابات أشجار القرم، التي تُعد رئة الثروة السمكية في هذه البحيرة، وهي نواة الحياة الغنية بالتنوع الحيوي من ربيان وأسماك وغيرهما، وهي القلب الذي يمد ويزود باقي الأعضاء بالدم اللازم لاستدامة حياة الخليج. فقد أفادت الدراسات بأن مساحة هذه الغابات انكمشت من قرابة 1.5 كيلومتر مربع، إلى أقل من 0.31 كيلومتر مربع، أي 310 آلاف متر مربع فقط، وبدون هذه الشجيرات الحية والنظام البيئي الذي تمثله، سيتحول الخليج إلى مستنقع مائي لا حياة غنية فيه ولا تنوع حيوي.

 

وعلاوة على عمليات الحفر والدفان التي استباحت لسنوات حرمات هذا الخليج، فإن هناك تهديدات أخرى مزمنة تزيد من مرضه وعلته، مثل حمأة مياه المجاري، ومياه المجاري شبه المعالجة التي كانت تصرف في بطن الخليج لسنوات طويلة فكونت منطقة شبه ميتة ومشبعة بالوحل السام، إضافة على مصانع غسيل الرمال التي كانت موجودة لسنوات طويلة على سواحل الخليج.     

 

فظاهرة انكماش مساحة البحيرات وانخفاض مستوى المياه فيها تُعد عالمية، وهي ظاهرة قديمة ومتجددة وليست مقصورة في منطقة جغرافية واحدة، ففي كل بلاد العالم ترى وتشاهد هذه الظاهرة العقيمة، وأسباب وقوعها مشتركة وتتلخص في سوء إدارة الإنسان لهذه الثروة المائية من جهة، والتغير المناخي وارتفاع حرارة المياه من جهة أخرى، فالإنسان يكرر أخطاءه في كل زمان وأينما كان.

 

الخميس، 25 مايو 2023

تحذير أممي من حالة الطوارئ الصحية الصامتة


صدر تقرير مخيف ومقلق للغاية من بعض المنظمات التي تعمل تحت سقف الأمم المتحدة، مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة(اليونيسيف)، إضافة إلى أكثر من 65 جمعية ومنظمة أخرى شاركت في إعداد هذا التقرير الأممي الشامل لكل دول العالم.

 

ولكن هذا التقرير بالرغم من خطورته وأهمية القضية التي يناقشها لاستدامة حياة البشر على سطح الأرض، إلا أنه مرَّ مرور الكرام وكأن شيئاً لم يكن، فلم ينتبه إليه الكثير من الناس، من حكومات ومسؤولين في الدول عن صحة البشر، كما أن معظم الوسائل الإعلامية لم تعطه الرعاية والاهتمام الكافيين اللذين يتناسبان ويتماشيان مع قيمة وأهمية هذا التقرير وعلاقته المباشرة بالأمن الصحي لكل سكان الأرض، فلم تقم وسائل الإعلام بجميع أنواعها وصورها بتغطية هذا الحدث الجلل، والظاهرة الصحية المتزايدة نوعاً وكماً، فلم تنقله إلى الناس في صفحاتها الأولى، ولم تحظ بالأولوية في النشر والتحليل.

 

هذا التقرير نُشر في 11 مايو 2023 أساساً من منظمة الصحة العالمية، تحت عنوان: "وُلد في وقتٍ مبكرٍ جداً: عَقْدْ من العمل حول الولادة المبكرة"(Born too soon: decade of action on preterm birth)، وهو جزء من عملٍ دولي مشترك عمره أكثر من عشر سنوات، ويهدف إلى إجراء الدراسات والأبحاث الميدانية ومراقبة وتحليل ظاهرة عالمية منتشرة ومستمرة في معظم دول العالم منذ سنوات طويلة وهي الولادة المبكرة، أي الولادة قبل انتهاء الأسبوع 37 من الحمل، ويُطلق علي هذا الجهد الدولي المشترك: " تقرير العمل العالمي حول الولادة المبكرة "(Global Action Report on Preterm Birth).

 

 

 

ونظراً لأهمية وخطورة قضية الولادة المبكرة، وولادة الأجنة الميتة فقد أعلن التقرير حالة "الطوارئ الصامتة" من هذه الولادة غير الطبيعية وفي غير وقتها العادي، وهذا الإعلان استند إلى المعلومات والإحصاءات المتواترة المنشورة حول هذه الظاهرة الصحية الصامتة في كل دول العالم. فهناك على المستوى الدولي حالات ولادة 13.4 مليون طفل غير مكتمل النمو، أو الأطفال الخدج(premature) في عام 2020، أي ما يقارب من طفل لكل 10 أطفال ولدوا قبل انتهاء 37 أسبوعاً من الحمل، حيث مات منهم مليون طفل بسبب تعقيدات الولادة ومشكلات حماية صحة الطفل بعد الولادة. وفي العقد الماضي، أي في الفترة من 2010 إلى 2020 تمت ولادة 152 مليون طفل ولادة مبكرة، وهذه الولادة غير الطبيعية وفي غير وقتها هي حالياً السبب الرئيس لموت الأطفال، وتمثل وفاة طفل واحد من بين 5 وفيات بين الأطفال الذي أعمارهم أقل من 5 سنوات. وهذه المعلومات التاريخية تؤكد صحة إطلاق وصف حالة الطوارئ الصامتة على هذه الظاهرة الصحية، فنمط أعداد الولادة المبكرة والوفيات بسببها لم يتغير طوال العشر سنوات الماضية، ولم يحدث أي تطور إيجابي ملموس في معظم دول العالم، وبخاصة في الدول النامية الفقيرة، حيث كانت النسبة 9.8% في عام 2010، وارتفعت إلى 9.9% في عام 2020.

 

فهذا التقرير الرابع والأخير من سلسلة تقارير دورية صادرة عن منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، يقدم رؤية وتقييم دولي لظاهرة الولادة المبكرة، وتأثيرها المزمن والعميق على الأم والأسرة والمجتمع، إضافة إلى النفقات المالية الناجمة عنها. والتقرير يتكون من سبعة فصول، الأول يقدم نظرة تاريخية حول هذه الظاهرة، والثاني يقدم معلومات حول أعداد الوفيات للأطفال أثناء الولادة، والثالث يتناول دور الناس في الحد من هذه الظاهرة، والرابع يقدم صحة المرأة والخدمات الصحية وكيفية منع الظاهرة، والخامس حول العناية بالأطفال حديثي الولادة، وأما الفصل السادس فيقدم الخطوات التي يجب اتخاذها عبر القطاعات المعنية بالظاهرة، وأخيراً يأتي الفصل السابع تحت عنوان: "عقد من التغير".

 

 فهذه الظاهرة الصحية الصامتة المهددة لاستدامة الجنس البشري والمنتشرة في كل أنحاء العالم لها عدة أسباب تقليدية معروفة منذ زمن طويل، منها جودة وسرعة الخدمات الطبية التي توفرها الحكومات في مجال الحمل والولادة ورعاية الطفل بعد الولادة، ومنها الحالة المادية وثقافة ومستوى تعليم أفراد الأسرة، ومنها أسباب لها علاقة بنمط حياة المرأة الحامل كالتدخين وشرب الخمر وسوء التغذية والبدانة.

 

ومن بين الأسباب الرئيسة في تقديري، والتي لا تحظى بالاهتمام من قبل الكثير من الحكومات والأسر، والتي بدأت تأثيراتها وبصماتها القوية على الحمل والولادة تنكشف يوماً بعد يوم هي تعرض المرأة الحامل وجنينها أثناء الحمل وبعد الولادة للهواء الملوث وللسموم التي تنبعث من مصادر لا تعد ولا تحصى، سواء من البيئة الداخلية، وبالتحديد بيئة المنزل، أو من تلوث الهواء في البيئة الخارجية.

 

كما كنتُ أتمنى أن يقوم التقرير الحالي لمنظمة الصحة العالمية بتقديم وتخصيص فصل مستقل يناقش عدة محاور منها دور تلوث الهواء في الداخل والخارج على صحة الحامل وجنينها قبل الولادة، والتعقيدات التي تنتج عند الولادة بسبب التعرض المزمن لتلوث الهواء، سواء الولادة المبكرة غير الطبيعية، أو ولادة طفل ميت، أو معوق، أو منخفض الوزن والحجم، إضافة إلى محور مهم جداً وهو السلبيات التي تنجم عن تعرض الطفل بعد الولادة وهو في طور النمو الجسدي والعقلي للملوثات الموجودة في الهواء الجوي في داخل المنزل وخارجه. والدراسات العلمية التي تسبر غور هذه المحاور كثيرة جداً وجميعها يثبت وجود علاقة بين تلوث الهواء والولادة المبكرة غير العادية، أو ولادة الأجنة الميتة والمعوقة، وهذه الأبحاث في ازدياد كل يوم، أذكرُ منها على سبيل المثال لا الحصر دراسة واحدة فقط منشورة في التاسع من مايو 2023 في مجلة "اللانست" الطبية تحت عنوان: "تلوث الهواء وصحة الطفل". وهذه الدراسة التحليلية الشاملة والجامعة للأبحاث المنشورة حول صحة الطفل قبيل، وأثناء، وبعد الولادة مباشرة وعلاقتها بالتعرض للهواء الملوث. فنتائج الدراسات تؤكد بأن الأم الحامل عندما تستنشق الهواء الملوث، ينتقل إلى الجهاز التنفسي أولاً، ومنه إلى مجرى الدم حتى يصل أخيراً إلى كل خلية من خلايا جسم المرأة، ومنها خلايا المشيمة، وفي الكثير من الحالات يتجاوز هذا العضو الخاص بالحمل فيصل إلى أعضاء الجنين. وفي هذه الحالة الصامتة، فملوثات الهواء تسبب التهابات حادة للأم والطفل معاً، كما تُعيق في الوقت نفسه نمو أعضاء الجنين بطريقة أو بأخرى، فتكون نتيجة هذا التعرض لسموم الهواء هي تعقيدات أثناء الحمل، وفي حالات أخرى تكون الولادة في غير وقتها، أو في بعض الحالات يكون وزن الطفل منخفضاً جداً مما يؤدي إلى تحديات في نمو الطفل واصابته للأمراض الخطرة وصعوبة ابقائه على قيد الحياة.

 

فتلوث الهواء ونوعية الهواء التي يستنشقها الإنسان هي قضية صحية عامة مشتركة على كافة المستويات، وتخص الإنسان الفقير والغني، الكبير والصغير، ومن المهد إلى اللحد طوال سنوات حياته، فهي تضرب الإنسان في كل مراحله العمرية، وقد تُسدد له في بعض المراحل من عمره ضربة قاضية نفسية، أو عقلية، أو جسدية فتهوي به صريعاً على الأرض، وينقل إلى مثواه الأخير.

الأربعاء، 17 مايو 2023

هل انتهى كورونا ميدانياً؟

مرض كورونا، أو كوفيد_19 الذي سببه فيروس سارس(SARS-CoV2) لم ينته ميدانياً وواقعياً، فالحالات المرضية والوفيات من المرض مازلنا نسمع عنها في الكثير من دول العالم، وهذا المرض والفيروس المسبب له لن ينته أبداً، فقد تغلغل في أعماق شرايين المجتمع البشري وتجذر في عروقه، وسيظل خالداً مخلداً فيه، ولكن هذا المرض حسب منظمة الصحة العالمية دخل مرحلة إدارية جديدة تختلف عن المرحلة الطارئة السابقة التي استمرت قرابة ثلاث سنوات، بدءاً من 30 يناير 2020، عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية "حالة الطوارئ الصحية العامة على المستوى الدولي"، وعندما أخذ الفيروس يزحف ويغزو سريعاً إلى كل شبرٍ بعيد أو قريب من كوكبنا حتى أصبح خارج إطار سيطرة الإنسان.

فقد أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية عن انتهاء حالة الطوارئ الصحية الدولية لمرض كورونا في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في جنيف في الخامس من مايو 2023، حيث قال: "إذن، وبأملٍ كبير، أُعلن بأن كوفيد_19 قد ولى كحالة طوارئ صحية دولية". ولكن في الوقت نفسه فإن هذا الإعلان لا يعني بأن الصُحف قد طُويت حول هذا المرض، وأن الأقلام قد جفَّت وأصبح مرض كورونا جزءاً من التاريخ الصحي المعاصر، فاستناداً إلى تصريحات مدير عام منظمة الصحة العالمية فإن مخاطر هذا المرض العقيم الذي أدوى حتى الآن بحياة نحو 20 مليون قضوا نحبهم خلال فترة قصيرة جداً، وسقط أكثر 765 مليون مريض يعاني من شدة السقم وطول المعاناة، ستظل مستمرة، كما أن التهديدات الصحية الناجمة عن هذا الفيروس العصيب لن تنتهي قريباً.

فهذا الإعلان من المنظمة إداري وإجرائي، فهو يُعلن عن دخول المرض حقبة جديدة من تاريخه تختلف عن مرحلة الأزمة وحالة الطوارئ الفورية السابقة، فالدول تستطيع أن تفك الحزام عن الإجراءات السابقة التي اتخذتها عدة سنوات، وتستطيع أن تُخفف من القيود الصارمة التي فرضتها على الشعوب من ناحية التباعد، ولبس كمامة الوجه، وغيرهما من الممارسات اليومية غير العادية والخاصة بنزول هذا الوباء الدولي.

فالآن يمكن التعامل مع مرض كوفيد_19 كغيره من الأمراض المعدية الموسمية كمرض الأنفلونزا والزكام والبرد الموسمي المحلي العادي، إضافة إلى الأمراض المعدية المعروفة غير الموسمية التي يتعرض لها الإنسان في كل أنحاء العالم، أي أن هذا المرض كباقي الأمراض يحتاج إلى إدارة مستدامة طويلة المدى، فيكون دائماً تحت أعين ومراقبة الإنسان، فلا يغفل عنه لحظة واحدة، ولا يتجاهل وجوده في المجتمع البشري. ومن أجل تحقيق هذا الهدف الإداري الجديد نَشرتْ منظمة الصحة العالمية الوثيقة الرابعة، أو الخطة الاستراتيجية المستقبلية المتعلقة بإدارة المرض للسنتين القادمتين، تحت عنوان: "الخطة الاستراتيجية الدولية للاستعداد والجاهزية والاستجابة لكوفيد_19 للأعوام 2023 إلى 2025"(The Global Strategic Preparedness, Readiness and Response Plan).

وهناك سبب آخر يدعوني إلى القول بأننا سنعاني، وربما بدرجة أقل من ذي قبل من شر هذا الوباء العقيم، وسيبقى معنا الفيروس المسبب للمرض وسيجثم في أعماق مجتمعنا سنوات طويلة قادمة، وهذا السبب الثاني هو عدم إجماع العلماء على مصدر هذا المرض، وعدم تحديد العلماء يقيناً وبالأدلة الدامغة المحسوسة كيفية تفشي هذا المرض من الصين، بلد المنشأ، ومسقط رأس الفيروس، فحتى كتابة هذه السطور لم ينجح العلماء في فك تفاصيل لغز هذا المرض.

فهناك عدة نظريات تحوم وتدور في أروقة المجتمع الدولي وبين العلماء المهتمين حول مصدر هذا المرض ومنبع الفيروس، ومكان انتشاره منذ الأيام الأولى من ولادته والكشف رسمياً عن المرض. أما النظرية الأولى السائدة، والتي تُقدم تفسيراً أولياً ومبدئياً، فهي أن الفيروس انتقل من أحد الحيوانات المكدسة التي كانت موجودة في أقفاص كثيرة، صغيرة، ومكتظة في سوق ووهان في مدينة ووهان الصينية لبيع الحيوانات البرية الفطرية، ومعظم الآراء تفيد بأن هذا الحيوان هو الخفاش، أو حيوان آخر وسيط انتقل المرض إليه من الخفاش، ومنه إلى الإنسان. ولذلك فإن الحالات المرضية الأولى التي تم اكتشافها وتشخيصها في الصين كانت من زوار هذا السوق. وبالرغم من أن هذه النظرية هي التي يعتقد بها الكثير من العلماء، إلا أن منظمة الصحة العالمية نفسها لم تغلق الباب أمام النظريات الأخرى والتفسيرات الثانية لمصدر الفيروس. فهذه المنظمة قدَّمت استنتاجات التقرير الختامي لآخر فريق تحقيق دولي تابِع لها في 30 مارس 2021، وهذه الاستنتاجات جاءت متوافقة مع الرأي السائد حول الفيروس، وهو رأي الصين والكثير من علماء العالم، ولكن في الوقت نفسه دون إغلاق الباب كلياً أمام نظرية احتمال تسرب الفيروس من المختبر في الصين، ودون إهمال هذه النظرية وتجاهلها تماماً، حيث قدَّم التقرير إشارة إليها، فجاء فيه بأن نظرية التسرب هي الأقل ترجيحاً، وأنها "جداً غير محتملة"(extremely unlikely). كما جاءت إشارة أقوى، وأكثر وضوحاً حول نظرية تسرب الفيروس من مختبر ووهان من المدير العام للمنظمة عندما قال بأنه بالرغم من أن التسرب في المختبر هو السبب الأقل احتمالاً، إلا أن هناك حاجة لمزيد من البحث المكثف، ومن التحقيق الدقيق لاستبعاده، كما أضاف بأنه: "فيما يتعلق بمنظمة الصحة العالمية فإن جميع الفرضيات مطروحة على الطاولة".

 

وقد أخذت نظرية التسرب من مختبر في الصين زخماً علمياً وسياسياً كبيرين في 26 فبراير 2023 عندما نَشرت أولاً جريدة "الوال ستريت جورنل"(Wall Street Journal) ثم النيويورك تايمس وصحف أخرى خبراً نَقلاً عن تقييمٍ سري وتقرير جديد لوزارة الطاقة، والتي تقع تحت إشرافها شبكة من المختبرات الاتحادية السرية وغير السرية، والذي تم تقديمه إلى البيت الأبيض وبعض أعضاء الكونجرس. وأهم النقاط الجديدة التي وردت في التقرير هي تغيير رأي وموقف وزارة الطاقة وبعض الأجهزة الاستخباراتية الأخرى حول مصدر فيروس كورونا.

 

فالنظرية الجديدة التي طُرحتْ "بثقة ضعيفة"، أو "ثقة منخفضة" من قبل وزارة الطاقة هي أنه على الأرجح بأن مصدر الفيروس هو التسرب الذي حَدَثَ عرضياً وعن طريق الخطأ من المختبر في معهد ووهان لعلم الفيروسات في مدينة ووهان الصينية، وقد ساند هذا الرأي عدة أجهزة أمنية واستخباراتية، وليست كلها، وفي مقدمتها "مكتب التحقيقات الفيدرالي"(إف بي أي)، حيث استنتج وبثقة "معتدلة"(moderate confidence) بأن المصدر الأرجح لمسقط رأس الفيروس هو المختبر الصيني، وأنه انتقل إلى جسم الإنسان عن طريق تسرب عرضي. وقد أكد على هذا الاستنتاج مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كريستوفر راي (Christopher Wray) في 28 فبراير 2023 عندما قال بأنه من الأرجح أن المرض بدأ من مختبر واهان، وأنه بسبب تسرب غير متعمد عن طريق الخطأ. وأما البيت الأبيض فقد وقف على الحياد من هذه النظرية، ربما لأسباب سياسية، فقد أعلن "جيك سوليفان"(Jake Sullivan) مستشار الأمن القومي في 27 فبراير 2023 مباشرة بعد تسريب الصحيفة للخبر الجديد في 26 فبراير بأن إدارة بايدن لم تتوصل إلى إجماع حول مصادر الفيروس، وهناك العديد من الآراء المختلفة حول مصدره، حيث قال: "حالياً، لا يوجد جواب نهائي صادر عن مجتمع الاستخبارات حول هذا السؤال"، فمجتمع الاستخبارات مازال منقسماً ومختلفاً حول نظرية مصدر الفيروس. وفي السياق نفسه، قال "جون كيربي" (John Kirby) المتحدث باسم "مجلس الأمن القومي" ( National Security Council)في 27 فبراير :"ما يريده الرئيس هو الحقائق"، كما أضاف قائلاً بأن: "مجتمع الاستخبارات وباقي وكالات الحكومة مازالوا يبحثون في هذه القضية، فلا يوجد استنتاج نهائي".

 

ولذلك فمع عدم وجود تفسير علمي وموضوعي ومستقل لمنبع الفيروس بسبب التعقيدات والصعوبات السياسية والعلمية، وعدم تعاون وسوء نية الدول المعنية مباشرة بالقضية، إضافة إلى دخول الدوافع الانتهازية والنظريات غير الموضوعية والمستقلة، فإن حل لغز مصدر الفيروس الذي أعاق حركة البشرية جمعاء سيكون صعباً جداً، وربما مستحيلاً، وسيبقى الفيروس معنا وفي ذاكرتنا وفي حياتنا اليومية ربما لعقود طويلة قادمة.

الخميس، 11 مايو 2023

رفع مستوى المعيشة البيئية للمواطن


يركز بعض النواب دائماً في مناقشاتهم مع السلطة التنفيذية وفي المقترحات التي يقدمونها في مجلس النواب على كيفية رفع مستوى المعيشة للمواطن من الناحية الاقتصادية المالية البحتة، من حيث رفع الرواتب، أو زيادة العلاوات، أو خفض الضرائب وغيرها من الأدوات والوسائل التي تزيد دنانير معدودة على دخل المواطن وراتبه الشهري.

 

ولكن في الوقت نفسه رفع مستوى معيشة المواطن، أو تحسين نوعية حياته لا تعني في تقديري فقط الناحية الاقتصادية، فهناك مناحي وجوانب أخرى ربما تكون أفضل من الجانب المالي، وأكثر استدامة وتطوير وتحسين لحياته ومعيشته على المدى البعيد، وبالأخص هنا الجانب الصحي البيئي، وتحسين نوعية عناصر البيئة التي يعيش فيها الإنسان ويتعرض لها كل ثانية من حياته.

 

فعندما يعيش الإنسان في بيئة صحية ونظيفة فإن ذلك ينعكس مباشرة على نوعية حياته ومستوى المعيشة التي يعيش فيها، فاستنشاق الهواء الصحي النقي الخالي من الشوائب والملوثات المسببة للأمراض والأسقام الحادة والمزمنة تُنمي من حياة الإنسان، وتحسن وتطور من جودة ومستوى معيشته، فيطول عمره، ويكون دائماً صحيح الجسد والنفس، فلا يحتاج إلى صرف ماله وانفاقه على علاج أمراضه في الحالات والظروف التي يكون فيها الهواء مشبعاً بالملوثات، كذلك الحال بالنسبة لشرب المياه الصافية والعذب الزلال التي تنزل برداً وسلاماً على جسده بدلاً من المياه مرتفعة الملوحة، أو التي تدخل فيها الملوثات التي تُعكر معيشته وصفاء حياته، وتُنزل من مستوى راحته ونوعية معيشته وتعرضه للأمراض المكلفة مالياً.

 

لذلك فالتركيز فقط على الجانب المادي الاقتصادي لا يكون مجدياً في رفع مستوى معيشة المواطن "الكلية"، وتحسين نوعية حياته الإجمالية في جميع جوانبها، فالمال الزهيد الذي سيحصل عليه من الحكومة سيضطر المواطن إلى إنفاقه لعلاج علله وأسقامه إذا لم نركز في الوقت نفسه، وبالقدر نفسه من الاهتمام والتشديد على أن يكون الهواء الذي نستنشقه كل ثانية من حياتنا مُعيناً على رفع مستوى معيشتنا الجسدية والنفسية والعقلية، وداعماً لتحسين كافة جوانب أمننا الصحي.

 

وهناك الكثير من الدراسات والتقارير التي نَشرتْها منظمات الأمم المتحدة المختلفة، إضافة إلى أبحاث الجامعات والمعاهد العلمية التي تقدم الدليل الدامغ والشافي حول الجوانب الاقتصادية لتلوث الهواء في كل دول العالم، ودوره السلبي الفاعل والكبير في خفض وتدهور مستوى ونوعية معيشتنا، أو بعبارة أخرى الكلفة المالية النقدية الباهظة للهواء الملوث، وكم سينفق ويدفع الإنسان على المستوى الفردي والحكومي إذا تعرض سنوات طويلة من حياته للهواء الملوث، وعاش في بيئة تعاني من فساد الهواء، وتلوث المياه، وتلف التربة.

 

 فعلى سبيل المثال، هناك تقرير البنك الدولي المنشور في 31 يناير 2022 تحت عنوان: "الكلفة الصحية الدولية لتلوث الهواء من الجسيمات الدقيقة: حالة لاتخاذ الإجراء بعد 2021"، حيث قدَّر التقرير الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تدهور نوعية الهواء في العالم بنحو 8.1 تريليون دولار، أو ما يعادل 6.1% من "الناتج المحلي الإجمالي"(جي دي بي) العالمي. وهذا التقرير استند على عدة دراسات علمية حول الجوانب الصحية لتلوث الهواء، ففي عام 2000 كان عدد البشر الذين قضوا نحبهم بسبب التلوث قرابة 3.8 مليون، ثم تضاعف العدد إلى 6.4 مليون في عام 2019، وفي عام 2022 ارتفع عدد الوفيات إلى 9 ملايين، أي واحد من كل 6 إنسان من سكان الأرض يموت بسبب التعرض لتلوث الهواء، حسب التقرير المنشور في 17 مايو 2022 في مجلة "اللانست"(The Lancet Planetary Health).

 

كذلك نُشرت دراسة على المستوى الدولي في مجلة "البيئة العالمية"(Environment International) في 16 يونيو 2021، حيث قدَّمت تحليلاً وتقيماً بيئياً وصحياً واقتصادياً للتعرض لتلوث الهواء أثناء قيادة السيارة في عشر مدن حول العالم، وبالتحديد بالنسبة للدخان. ومن هذه المدن دكا في بنجلادش، والسليمانية في العراق، ودار السلام في تنزانيا، وأديس أبابا في أثيوبيا، والقاهرة، وسان باولو في البرازيل، حيث أكدت الكلفة العالية الناجمة عن التعرض للملوثات، ففي القاهرة بلغت الخسائر الاقتصادية زهاء 8.9 مليون دولار، وفي دار السلام 10.2 مليون.

 

كما نَشرتْ مجلة "الغلاف الجوي"( Atmosphere)في 18 نوفمبر 2020 بحثاً تحت عنوان: "صحة الإنسان والكلفة الاقتصادية لتلوث الهواء في ولاية يوتاه الأمريكية"، حيث أفادت الدراسة بأن تلوث الهواء يسبب ما يتراوح بين 2480 إلى 8000 وفاة مبكرة سنوياً، ويخفض من مستوى حياة الإنسان من 1.1 سنة إلى 3.6 سنة، كما قدَّرت الدراسة الكلفة الاقتصادية الإجمالية لتلوث الهواء بما تتراوح بين 0.75 إلى 3.3 بليون دولار، أي نحو 1.7% من "الناتج المحلي الإجمالي" للولاية.

 

وعلاوة على ذلك، فقد نشرتْ "المجلة العالمية للأبحاث البيئة والصحة العامة"(International Journal on Environmental Research and Public Health)" دراسة في السابع من فبراير 2023 تحت عنوان: "تأثيرات تلوث الهواء على الصحة وكلفة الأمراض في جاكرتا، أندونيسيا". وقد توصلت الدراسة إلى نتيجة عامة بأن الكلفة الإجمالية للتداعيات الصحية الناجمة عن فساد الهواء الجوي في جاكرتا قر ابة 2943 مليون دولار أمريكي، في حين أن تقرير البنك الدولي المنشور عام 2019 أشار إلى أن تلوث الهواء يكلف أندونيسيا سنوياً 220 بليون دولار، أي 6.6% من جي دي بي للدولة برمتها.

 

وفي الهند نُشرتْ دراسة في أبريل 2020 في المجلة الدولية لعلم الأوبئة " تحت عنوان:" مخاطر العدوى التنفسية الحادة الناجمة عن حرق المحاصيل في الهند: تقدير عبء المرض والرفاه الاقتصادي من بيانات الدراسات الاستقصائية الصحية والأقمار الصناعية والوطنية لـ 250 ألف شخص"، حيث توصلت الدراسة إلى أن الخسائر الاقتصادية لتلوث الهواء على مدى خمس سنوات تُقدر بنحو 1.5 بليون دولار". 

 

وختاماً فإننا عند اهتمامنا بجودة الهواء والماء والتربة سنضرب عدة عصافير بحجرٍ واحد، وهذا الاهتمام له تداعيات إيجابية طويلة المدى على جيب الفرد والمجتمع وميزانية الدولة، كما أنه يصب في سياسية التنمية البشرية المستدامة المعلنة للحكومة، وهي أن يعيش الإنسان حياة مستدامة كريمة وطيبة من خلال رفع المستوى المعيشي "الإجمالي"، بيئياً واقتصادياً واجتماعياً، فهذه السياسية سترفع من المستوى المعيشي ونوعية الحياة التي يعيشها المواطن من الناحية الاقتصادية، جنباً إلى جنب مع الناحيتين البيئية والاجتماعية.

 

الخميس، 4 مايو 2023

تلوث الهواء يقتل فلذات أكبادنا


أول شهادة وفاة تَصدر في تاريخ البشرية ويُكتب فيها بأن تلوث الهواء هو سبب الوفاة، حيث اتخذتْ محكمة في العاصمة البريطانية لندن في 16 ديسمبر 2020 قراراً تاريخياً لم ينعكس على بريطانيا فحسب، وإنما انتقل صداه ليعمَّ العالم أجمع، وينقش بصماته في كتب التاريخ البيئي عامة.

 

فربما ولأول مرة تُصدر الجهات المعنية بإخراج شهادات الوفيات في بريطانيا، شهادة وفاة لطفلة صغيرة في السن لا يتجاوز عمرها التسع سنوات، وتؤكد بأن سبب وفاة هذه الطفلة هو "تلوث الهواء" والتعرض للملوثات الخطرة الموجودة في هوائنا من السيارات ومحطات توليد الكهرباء والمصانع. وهذه الشهادة مستندة على قرار هذه المحكمة الذي أثبت بعد سبع سنوات من المداولات الماراثونية، وبعد مخاضٍ طويل وعسير بأن تلوث الهواء قد ساهم فعلاً في قتل هذه الطفلة اللندنية، حيث جاء في قرار القاضي بأن هذه الطفلة قد انتقلت إلى مثواها الأخير "بسبب إصابتها بالربو، وأن تعرضها للهواء الجوي الملوث ساهم في سرعة موتها"، كما صدر عن القاضي أيضاً بأن: "المصدر الرئيس لتعرضها للملوثات التي أدت إلى موتها هو الانبعاثات من عوادم السيارات".

 

واليوم، وبالتحديد في 24 أبريل 2023 نشرتْ وكالة حماية البيئة الأوروبية تقريراً ضمن سلسلة من التقارير السنوية حول "جودة الهواء في أوروبا"، حيث جاء هذا التقرير الأخير تحت عنوان: "حالة جودة الهواء الأوروبية لعام 2023"، وغطى 37 دولة من الاتحاد الأوربي، إضافة إلى دول أوروبية أخرى مثل تركيا، وصربيا، وكوسوفو، ومونتينيجرو.

 

وقد ركز التقرير الحالي على قضية صحية مهمة جداً لكل إنسان على وجه الأرض، سواء أكان غنياً أم فقيراً، مثقفاً أم جاهلاً، وهي أن تلوث الهواء الجوي في القارة الأوروبية يؤدي إلى قتل نحو 1200 طفل أوروبي سنوياً، فينقلهم إلى مثواهم الأخير وهم في ريعان شبابهم وفي سن مبكرة، كما يرفع تلوث الهواء الجوي الذي يتعرض له المواطن الأوروبي من مستوى مخاطر التعرض لأمراض القلب، والجهاز التنفسي، والالتهابات، والحساسية المزمنة، إضافة إلى الأمراض العقلية والنفسية.

 

فالطفل لو وضعية خاصة مقارنة بالإنسان الشاب، فهو يتعرض ويتأثر بالملوثات وهو جنين في رحم أمه، فالمرحلة الأولى لاستنشاقه للهواء الملوث تبدأ في هذه المرحلة التكوينية من حياته، ولمدة أكثر تسعة أشهر طويلة، فيؤثر التلوث، ولو كانت نسبته منخفضة، على نمو وبناء أعضائه في تلك المرحلة المبكرة، كما يؤثر في الوقت نفسه على تاريخ الولادة، وفي بعض الحالات يخرج من الدنيا مبكراً قبل موعده، كما قد يسبب تلوث الهواء الشديد الإجهاض في حالات أخرى، أو يلد ووزنه منخفض جداً مقارنة بالطفل الطبيعي والسليم. وبعد أن يخرج من بطن أمه، فإن أعضاء جسده لا تزال في طور النمو والتكوين، وتعرضه للملوثات في هذه المرحلة تكون أشد وطأة وتنكيلاً بصحته مقارنة بتعرضه عندما يكون شاباً مكتمل نمو الأعضاء الداخلية والخارجية.

 

وعلاوة على اهتمام التقرير بصحة الطفل وتداعيات تلوث الهواء على أمنه وسلامته، فإن التقرير خرج بعدة استنتاجات خطيرة تؤكد تهديدات تلوث الهواء للصحة العامة بشكلٍ عام، كما يلي:

أولاً: مازال تلوث الهواء يُشكل المعضلة الصحية الرئيسة للقارة الأوروبية، ويعتبر من أهم التهديدات التي تواجه صحة المواطن الأوروبي.

ثانياً: قرابة 97% من سكان المدن الحضرية في أوروبا يتعرضون ويستنشقون هواءً ملوثاً مشبعاً بالدخان، أو المعروف بالجسيمات الدقيقة، وهذه المستويات التي يتعرضون لها لا تتوافق مع الخطوط الإسترشادية ومواصفات منظمة الصحة العالمية لعام 2021 بالنسبة للمستويات المسموح بها للجسيمات الدقيقة التي قطرها أقل من 2.5 ميكروميتر في الهواء الجوي، وهي 5 ميكروجرامات من الدخان في المتر المكعب من الهواء الجوي في السنة. وقد صنَّفت منظمة الصحة العالمية الجسيمات الدقيقة بأنها من الملوثات التي تسبب السرطان، فهي بسهولة ويسر تصل إلى الرئتين، ومنها تنتقل إلى مجرى الدم وإلى جميع الخلايا البشرية، كما أن هذه الجسيمات الدقيقة لها القدرة على الوصول إلى خلايا المشيمة في الأم الحامل، ومنها إلى الجنين.

ثالثاً: مستويات الدخان، وغاز الأوزون، وثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الجوي في القارة الأوروبي أعلى من المستويات التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.

 

وهذه الحالة الأوروبية المتعلقة بتدهور نوعية الهواء ليست فريدة من نوعها، وليست مستقلة عما يحدث في الدول الأخرى فهي تنطبق على معظم دول العالم، حيث أكدت منظمة الصحة العالمية في عام 2021 بأن 97% من سكان العالم يعيشون في بيئة هواؤها ملوث ويتجاوز معايير المنظمة، كما قدَّرت المنظمة بأن هناك أكثر من سبعة ملايين من بني آدم يوارى جثمانهم الثرى سنوياً نتيجة للعيش في بيئة مُلوثَة الهواء الجوي.

 

وانطلاقاً من هذه الحالة المأساوية لجودة الهواء حول العالم أجمع، صرح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في 27 أكتوبر 2018 بأن تلوث الهواء أصبح الآن "حالة صحية طارئة وصامتة"، حيث قال: "لقد تجاوز العالم منعطف التبغ، ونواجه الشيء نفسه في الهواء السام الذي نستنشقه، والذي يُعد التبغ الجديد، فلا أحد يَسْلم من تلوث الهواء، لا غني ولا فقير، إنها حالة صحية طارئة وصامتة"، وعلاوة على تحذيرات رئيس المنظمة نفسه، فإن المنظمة ممثلة في الوكالة الدولية لأبحاث السرطان قامت في عام 2015 بتصنيف "الهواء الجوي" بأنه من أسباب الإصابة بالسرطان للإنسان.

 

فبعد كل هذه الأدلة الدامغة والمتواترة على تورط تلوث الهواء في قتل البشر في كل أنحاء المعمورة، لا بد على الجميع أفراداً، وشعوباً، وحكومات، ومجالس نيابية أن يُعطوا جل اهتمامهم وعنايتهم بهذه القضية الشائكة التي تهلك يومياً أطفالنا، وشبابنا، وشيوخنا على حدٍ سواء، وبالتحديد معالجة الملوثات التي تنجم عن السيارات أولاً، ثم محطات توليد الكهرباء والمصانع ثانياً.