الجمعة، 8 سبتمبر 2023

الدول النامية تَدْفع فاتورة الدول المتقدمة


قبل أكثر من قرنٍ من الزمان والدول الصناعية المتقدمة الكبرى في الشرق والغرب كانت تعيش حياة مزدهرة ومتقدمة، ومتسارعة في النمو، وشديدة التطور والرقي في كافة المجالات والقطاعات التنموية مقارنة بالدول الفقيرة الضعيفة والنامية التي كانت تغوص في سباتٍ عميق من الجهل والتخلف وضعف الحركة التنموية.

 

وفي الوقت نفسه كانت هذه الدول المتقدمة، وبخاصة الدول الغربية تسيح في الأرض فساداً وتدميراً، وتعبث بثرواتها وخيراتها الحية وغير الحية، وتستبيح كافة حرمات بيئتنا العامة والمشتركة، في البر والأدغال النائية، وفي أعماق البحار والمحيطات المظلمة السحيقة، وفي أعالي السماء وفي الفضاء العليا، فلم تُبق شبراً من هذه الأوساط البيئية إلا وأضرت به، ودهورت صحته نوعياً وكمياً.

 

 ونتيجة لهذه الأعمال التنموية الواسعة الانتشار في القطاعات المدنية والعسكرية على حدٍ سواء، فقد انكشفت مظاهر التدهور في بيئتنا بسبب عبث أيديهم فيها واستنزافهم لمواردها، ولكن هذه المظاهر المرضية وأعراض العلل والأسقام التي أصابت بيئتنا في معظمها لم تقع في هذه الدول الصناعية التي تسببت هي وحدها في نزولها على كوكبنا، وإنما عمَّت شرورها وتداعياتها فشملت الكرة الأرضية برمتها، وأفسدت حياة جميع البشر في الدول المتقدمة نفسها وفي الدول الفقيرة النامية التي لم يكن لها أي دور، أو مسؤولية في وقوعها. ومن هذه المظاهر، على سبيل المثال، انخفاض غاز الأوزون في طبقة الأوزون الواقعة فوق سطح الأرض، والتغير المناخي ومظاهره الكثيرة والمتعددة، والمتمثلة في سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة حمضية مياه البحر، وتداعياتها العميقة والواسعة على القطاع البيئي، والاقتصادي، والصحي، والأمني.

 

ولذلك فمن المفروض من الناحية الإنسانية والأخلاقية أن تتحمل هذه الدول المتهمة بوقوع هذه الكوارث البيئية على الأرض فاتورة التصدي لكل هذه المظاهر، وأن تدفع هذه الدول المسؤولة تكاليف مكافحة هذه التداعيات. ولكن الواقع يؤكد بأن الدول الصناعية المتقدمة استفادت كثيراً من مردودات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأكثر من مائة عام، ولكنها بالرغم من ذلك فإنها تضغط الآن على الدول الفقيرة النامية التي بدأت تحبو في العمليات التنموية وتريد أن ترفع من مستوى معيشة شعوبها فتقوم بإرهابها تارة بالقوة السياسية الناعمة، وتارة بالوسائل والمنظمات والمعاهدات الأممية على المساهمة في دفع فاتورة علاج مرض كوكبنا.

 

ومن آخر الأمثلة على الدمار البيئي والصحي الذي نجم عن أنشطة الدول الصناعية المتقدمة، كشَفَتها دراسة نُشرت في 30 أغسطس 2023 في مجلة "علوم وتقنية البيئة"(Environmental Science and Technology) تحت عنوان: "المساهمات المرتفعة غير المتناسبة للأسلحة القديمة التي عمرها 60 عاماً، تُفسر استمرار التلوث الإشعاعي في الخنازير في منطقة البافاريا الألمانية".

 

فهذه الدراسة قدَّمت الحل لأحد الألغاز القديمة التي كانت تحير علماء أوروبا منذ عقود من الزمن، وهو الارتفاع المطرد في تركيز الاشعاع في عضلات الخنازير البرية التي تعيش في غابات ألمانيا والنمسا، مقارنة بانخفاض تركيز الاشعاع مع الزمن في الأوساط البيئية والحيوانات الأخرى التي تعيش في تلك المناطق. فالتفسير الأولي لهذه المعضلة، أو الاعتقاد القديم السائد، وجه أصابع الاتهام لكارثة تشرنوبيل التي وقعت في أوكرانيا في 26 أبريل 1986، فلوثت معظم مناطق الكرة الأرضية بالإشعاع، وبدرجةٍ أكبر في الدول الأوروبية المجاورة وعلى مسافات آلاف الكيلومترات من موقع الكارثة.

 

فهذه الدراسة الميدانية أخذت عينات من عضلات 48 خنزيراً برياً من خمس مناطق في غابات بافاريا (Bavaria) في جنوب ألمانيا التي تبعد نحو 1300 كيلومتر من تشرنوبيل، وأَجْرتْ عليها التحاليل الاشعاعية لمعرفة تركيز ونوعية الاشعاع في هذه الخنازير، حيث تركزت التحاليل على نسبة التلوث الاشعاعي بعنصر السيزيوم ونظائره المتعددة، وبالتحديد السيزيوم_137، والسيزيوم_135. وكانت النتائج غير متوقعة، حيث إن العلماء كانوا يظنون بأن التلوث الاشعاعي آخذ في الانخفاض مع الزمن لعدم وجود مصدرٍ مستمر للمواد المشعة، فالتركيز في جميع العينات كان مرتفعاً جداً وأعلى من المعايير الخاصة بتركيز المواد المشعة في المواد الغذائية، مما يعني بأن هذه اللحوم غير صالحة للاستهلاك الآدمي، فالتلوث بالسيزيوم المشع في عضلات الخنزير تراوح بين 370 إلى 15 ألف بيكرليز من السيزيوم المشع لكل كيلوجرام من عضلات الخنزير، علماً بأن المواصفة الأوروبية لنسبة الاشعاع في المواد الغذائية هي 600، والمواصفة اليابانية 100 بيكرليز لكل كيلوجرام.

 

ولتحديد مصدر التلوث الاشعاعي الذي مازال مستمراً في غابات ألمانيا والنمسا وأوروبا عامة، وربما في كل دول العالم، قام الباحثون بدراسة نسبة نظير السيزيوم_135 إلى السيزيوم_137 (135Cs/137Cs)، حيث جاءت النتائج التي لم تخطر على بالهم، ولم يفكر أحد منهم في ذلك. فقد أكد العلماء بأن التلوث الاشعاعي المستمر حتى يومنا هذا للخنازير البرية جاء من مصادر إشعاعية قبل أكثر من ستين عاماً، وهذه المصادر هي سباق تجارب التفجيرات النووية التي قامت بها الكثير من الدول الصناعية المتقدمة أثناء الحرب الباردة في الستينيات من القرن المنصرم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي سابقاً، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا. فالملوثات المشعة التي انبعثت من آلاف التجارب النووية نتيجة لانشطار الذرة وانقسام النواة انتقلت إلى الهواء الجوي فلوثت الهواء في كل أرجاء المعمورة رأسياً وأفقياً، ثم ترسبت مع الوقت ترسباً جافاً أو رطباً مع الأمطار والثلوج، فلوثت أيضاً مساحات واسعة من الكرة الأرضية، واستقرت بعدها في التربة وتراكمت فيها، ثم أخذت رويداً رويداً وعلى مدى أكثر من ستة عقود في الانتقال رأسياً إلى النباتات، وبالتحديد الفطريات التي امتصت المواد المشعة وتراكمت فيها وزادت نسبتها مع الوقت، ثم دخلت في جسم الحيوانات، كالخنازير البرية، وأصبحت في نهاية المطاف جزءاً من السلسلة الغذائية في تلك المناطق التي تنتهي بالإنسان. 

 

فهذا المثال الحي يؤكد لنا جميعاً بأن تداعيات التفجيرات النووية التي قامت بها الدول الصناعية المتقدمة في الفضاء، وعلى سطح الأرض، وتحت الأرض، وفي البحار في الستينيات لم تنته بعد، ولن تنتهي أبداً، فبعض الملوثات المشعة مثل السيزيم_135 الذي له نصف عمر طويل يصل إلى 2.3 مليون سنة، والتي دخلت بيئتنا وانتقلت إلى الحياة الفطرية والإنسان في كل أنحاء العالم سيظل مشعاً لملايين السنين، وسيظل يتراكم في عناصر بيئتنا، ويهلك صحتنا.

 

فمن سيدفع فاتورة تدمير جودة الهواء بالإشعاع والملوثات السامة الأخرى، وتلويث التربة بالمواد المسرطنة، وافساد صحتنا وصحة الحياة الفطرية؟

ومن سيتحمل عبء وكلفة إعادة تأهيل وتنظيف كوكبنا مما ارتكبتها أيدي الدول الصناعية المتطورة ونتيجة لأعمالها التنموية وتفوقها العسكري في إنتاج سلاح الدمار الشامل النووي؟ 

الأربعاء، 6 سبتمبر 2023

حتى سفينة الفضاء لم تسلم من التلوث!

 

ربما يظن الإنسان بأنه لو ارتفع مئات الكيلومترات إلى أعالي السماء، وفي منازل مرتفعة ومُشيدة ومغلقة بعيدة عن الأنشطة التنموية وبعيدة عن المصانع ووسائل المواصلات والمصادر الأخرى للتلوث، فإنه سيسلم من شرور وأضرار الملوثات بمختلف أنواعها وأشكالها، وسيكون بمنأى من التعرض لها ولتداعياتها، وسيعيش في بيئة نقية صافية خالية من الشوائب، فلا تعكر صفاءها المواد الكيميائية المفسدة لجسم وعقل ونفسية البشر.

 

ولكن الواقع يقول غير ذلك، ويُخيِّب ظن الإنسان ويحبط آماله في العيش في بيئة آمنة وسليمة من السموم والمسرطنات، إذ لا مفر من التلوث، ولا يمكن تجنب شر الملوثات والاختفاء عنها أينما كان الإنسان، ومهما اتخذ من إجراءات وقائية وعلاجية لتجنب التعرض لها.

 

فكم منَّا كان يتصور بأنك عندما تكون في ارتفاع أكثر من مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض، وفي الفضاء العليا، فإن الملوثات ستزال تلاحقك وتتعرض لها في ذلك المكان النائي والبعيد؟

وكم منا يتخيل بأنك حتى ولو كنت في سفينة فضائية في السماء ومغلقة ومحكمة تماماً، فإنه بالرغم من ذلك ستصلك الملوثات إلى هناك وستصيبك بالأمراض والعلل التي لا يعلم أحد عنها حتى الآن؟

 

وهذه الأسئلة التي أطرحها أمامكم هي ليست من محض الخيال، وليست نظرية بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، فقد نُشرت دراسة ميدانية مخبرية تحت عنوان: "الملوثات العضوية الثابتة في غبار سفينة الفضاء الدولية"، وهذه الدراسة التحليلية منشورة في مجلة "رسائل تقنية وعلوم البيئة"( Environmental Science and Technology Letters) في 8 أغسطس 2023.

 

فقد أُجريت الدراسة على جودة الهواء في البيئة الداخلية لسفينة الفضاء الدولية المعروفة بالمحطة الفضائية الدولية(International Space Station (ISS))، والموجودة على ارتفاع نحو 400 كيلومتر فوق سطح البحر وفي مدار أرضي منخفض، حيث يسكنها ويزورها رواد الفضاء من بعض دول العالم، إضافة إلى بعض السياح.

 

فعندما تم تحليل عينات من الغبار الذي يستنشقه رواد الفضاء الذين يترددون على هذه المحطة الفضائية، وجدوا ما لم يخطر على بال أحد منهم، ولم يتصور هؤلاء الرواد والزوار بأنهم كانوا يتعرضون للملوثات الخطرة والمسرطنة حتى وهم في تلك البيئة الصغيرة البعيدة كلياً عن أيدي البشر في أعالي السماء، بل وإن تركيز بعض الملوثات كان أعلى من تركيزها في البيئات الداخلية على سطح الأرض، حيث مصادر التلوث التي لا تعد ولا تحصى في المنازل والمكاتب والمباني المغلقة. فمِن بين الملوثات التي تم الكشف عنها في هواء سفينة الفضاء هي مجموعة كبيرة من الملوثات العضوية العطرية، مثل المركبات العطرية متعددة الحلقات(polycyclic aromatic hydrocarbons)، وبأعلى تركيز بلغ 1600 نانوجرام في الجرام الواحد من غبار السفينة. كذلك احتوى الغبار على مركبات عضوية عطرية متعددة البرومين وبتركز وصل إلى 2300 نانوجرام في الجرام الواحد. إضافة إلى ملوثات أخرى مثل المركبات العضوية الفوسفورية، ومركبات عضوية متعددة الفلورين وبتركيز وصل إلى 36000، وثنائي الفينل متعدد الكلورين وبتركيز بلغ 620، كما كان تركيز حمض الأوكتانويك متعدد الفلورين في الغبار 3300 نانوجرام في الجرام من غبار السفينة الفضائية.

 

ويرجع السبب في وجود الملوثات الأرضية في تلك المحطة الفضائية إلى المواد التي استُخدمت في داخل السفينة، حيث إن الإنسان وضع المواد نفسها التي كان يستخدمها في المرافق الأرضية في السفينة الفضائية، منها رش المبيدات لقتل الجراثيم والكائنات الدقيقة الضارة، ومنها الملوثات التي تنبعث وتتسرب من مواد جدران وأرضية المحطة، ومنها المواد التي تستخدم ضد الحريق، إضافة إلى تسرب الملوثات من أثاث المحطة والأجهزة الكهربائية الإلكترونية.

 

وهذا التلوث في السفينة الفضائية هو نوع من أنواع التلوث في البيئات الداخلية، كالمنزل، والمكتب، والسيارة، والمدرسة، والمباني والعمارات، وأصبح الآن التلوث في البيئات الداخلية علماً يُدرس في الجامعات، وهمَّاً بيئياً وصحياً لعامة الناس.

 

ومع الزمن تأكدتْ عدة حقائق متعلقة بالتلوث في البيئات الداخلية وبالمشكلات البيئية والصحية التي تنجم عنها، وهي كما يلي:

أولاً: هناك مصادر مُحددة ومتزايدة للتلوث في البيئات الداخلية، منها مصادر تنبعث منها الملوثات الكيميائية، ومنها مصادر تتسرب منها الملوثات الحيوية كالبكتيريا والفطريات، ومنها مصادر تنبعث منها الموجات بمختلف أنواعها، كالموجات الصوتية والضوضاء. ومن هذه المصادر الأثاث المنزلي، والسجاد، ودهان الجدران، والتدخين، وحرق البخور والعود، والرطوبة على جدران وأسقف الحمامات التي تنمو عليها الكائنات الدقيقة، وأدوات التنظيف والتلميع، والفرن المنزلي، والمبيدات، والأجهزة الكهربائية.

ثانياً: اكتشفتْ الدراسات أن تركيز بعض الملوثات في المنزل في بعض الحالات أعلى من البيئة الخارجية.

ثالثاً: هناك أمراض اعترفتْ بها منظمة الصحة العالمية كأمراض خاصة تنجم عن مصادر التلوث في البيئات الداخلية، مثل مرض اللجيونير الناجم عن بكتيريا اللجيونير(legionnaire)، علماً بأن آخر حادثة وفاة وقعت بسبب التعرض لهذه البكتيريا كانت في بولندا في 30 أغسطس 2023، حيث مات 16 ونقل أكثر من 150 إلى المستشفى. كذلك هناك مرض المباني المغلقة، أو ظاهرة المباني المرضية(sick building syndrome)، حيث تكون المباني شبه مغلقة ومُحْكمة والتهوية ضعيفة، فلا يتجدد الهواء الداخلي بفترات زمنية منتظمة. وهذه الظاهرة المتمثلة بفقر التهوية في البيئات الداخلية تؤدي مع الزمن إلى تراكم الملوثات المنبعثة من كافة المصادر في هذه البيئات الداخلية، وارتفاع تركيزها مع الوقت حتى تصل إلى النقطة الحرجة الضارة بصحة الناس، ولذلك عند تعرض الساكنين لهذا الهواء الملوث طوال اليوم ولساعات طويلة من الزمن، يصابون بمجموعة من الأعراض المرضية الخاصة والفريدة من نوعها، مثل السعال والكحة، والحكة الجلدية، وضيق التنفس، والحساسية، وآلام في الصدر، والتهاب في العين.

 

ولذلك فالتلوث يلاحق الإنسان أينما كان، سواء أكان في بيئات خارجية، أو بيئات داخلية، أو في مواقع في الكرة الأرضية بعيدة جداً عن الأنشطة التنموية البشرية، أو حتى عندما يكون في أعالي السماء في الفضاءات العليا.

الخميس، 31 أغسطس 2023

لا سيادة للدول في قضايا التلوث


تعتزم اليابان منذ سنوات صرف المخلفات السائلة منخفضة الاشعاع مباشرة في المحيط الهادئ وفي مياهها الإقليمية التي تقع تحت سيادتها وسيطرتها السياسية والعسكرية، وأخيراً في 24 أغسطس بدأت فعلياً بصرف هذه المياه الآسنة المشعة إلى السواحل اليابانية المطلة على المحيط الهادئ.

 

وهذه المخلفات التي يبلغ حجمها حالياً قرابة 1.37 طن قد نجمت عن كارثة الزلزال العنيف وموجات تسونامي العاتية والفيضانات التي ضربت مقاطعة فوكوشيما في 11 مارس 2011، وأحدثت عطلاً في نظام التبريد في مفاعل دايشي لتوليد الكهرباء في فوكوشيما، مما أدى إلى انبعاث المواد المشعة إلى الهواء الجوي، وتسرب الإشعاع إلى مياه التبريد والتربة في تلك المنطقة.

 

ولذلك للوهلة الأولى، ومن خلال قراءة سطحية للخبر، فإن صرف مثل هذه المخلفات الناجمة من مرفقٍ داخلي في اليابان يبدو أمراً طبيعياً يخص الدولة نفسها، ويُعتبر شأناً داخلياً يهم الحكومة والشعب الياباني فقط، ويقع ضمن سيادة وهيمنة الدولة على ثرواتها ومكوناتها البيئية وحريتها المطلقة في التصرف في مثل هذه القضايا البيئية المحلية حسب المصالح القومية.

 

ولكن المتابع لتطورات هذه القضية الداخلية منذ بروزها على السطح، يجد بأن مثل هذا الإجراء الياباني المتمثل في صرف المخلفات السائلة المشعة في سواحلها ومياهها الإقليمية التي تقع تحت سيادتها المباشرة، قد أثار موجات تسونامي غاضبة على كافة المستويات داخلياً من الشعب الياباني نفسه، وبخاصة من الصيادين الذين مصدر رزقهم الوحيد هو ما يجود به البحر عليهم من خيراته وثرواته السمكية، أو خارجياً من دول عدة مثل الصين، وكوريا الجنوبية، وهونج كونج، وروسيا، والفلبين وغيرها من الدول.

 

فما هي المخالفة التي ارتكبتها اليابان عند صرف هذه المياه في المناطق التي تسيطر عليها، وتعد تابعة لها، مما أثار استياء وردة فعل قوية من مجتمع الصيادين خاصة؟

 

وما هي التجاوزات التي ستنجم عن هذه العملية عند قيام اليابان بها؟

 

وما هي أسباب غضب واحتجاج هذه الدول على هذا الإجراء الياباني المحلي، بحيث إن الصين استدعت السفير الياباني لدى بكين لإبداء غضبها واستيائها؟

  

في الواقع، وبالرغم من أن لليابان الحق في إدارة شؤونها الداخلية البيئية والتصرف حسب ما تُملي عليها مصالحها القومية في المكونات البيئية التي تمتلكها وتقع تحت سيادتها، كساحل المحيط الهادئ، إلا أن المعضلة تكمن في أن تداعيات مثل هذا التصرف، وهو صرف مياه مشعة في المحيط لا تنعكس فقط على البيئة اليابانية والثروات التي تمتلكها فحسب، وإنما تقع مردوداتها الضارة وتمتد آثارها السلبية على كل دولة تشترك مع اليابان في هذا المحيط العظيم الواسع، فتقع حدودها الجغرافية ومياهها الإقليمية على مياه المحيط الهادئ. ولذلك فسيادة اليابان على مياه المحيط التي تقع ضمن سيادتها تنتهي عندما تتوغل وتؤثر على سيادة الدول الأخرى على مياهها من المحيط والخيرات السمكية التي تحوم في منطقتها الخاصة بها.

 

فهذه المياه المشعة التي صُرفت في المحيط فإن المواد المشعة لا تبقى في الجزء من المحيط الذي يقع تحت سيادة اليابان، وإنما تتحرك وتتراكم مع الزمن وبسرعة شديدة عبر التيارات المائية والرياح البحرية السطحية فتنتقل إلى مسافة عشرات الآلاف من الكيلومترات، فتصل إلى حدود المياه الإقليمية القريبة كالصين وكوريا الجنوبية والفلبين، وإلى الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية كساحل كاليفورنيا وولاية واشنطن في شمال غرب أمريكا.

 

 كذلك فإن هذه المياه المشعة لا تؤثر فقط وتفسد جودة الأسماك التي يتم اصطيادها في المناطق التي تمتلكها اليابان، فالشر الناجم عن هذا الإجراء سيعم الجميع ولن يكون على اليابان فحسب، فالمواد المشعة تتراكم مع الوقت في كل السلسلة الغذائية في المحيط خارج المياه الإقليمية لليابان، أي أن صرف هذه المياه لا يعد الآن شأناً داخلياً يابانياً بحتاً، وإنما تحول إلى قضية إقليمية على نطاق واسع تشترك فيها كل الدول الواقعة على المحيط الهادئ، بل وكل دول العالم التي تستورد الأسماك من اليابان، مما يعني بأن قرار اليابان في صرف المياه المشعة المتراكمة لديها منذ سنوات، والمتزايدة يوماً بعد يوم في الحجم، لن يكون قراراً سيادياً خالصاً، ولن يتم دون استشارة ومشاركة الدول الأخرى والمنظمات الأممية المعنية، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 

فهذه الأطنان من المياه منخفضة الاشعاع بالرغم من أنها خضعت لعملية إزالة المواد المشعة باستخدام التقنية التي تقوم بترشيح المواد المشعة، والتي تُعرف بالنظام المتطور لمعالجة السوائل(Advanced Liquid Processing System)، إلا أن تراكيز منخفضة من بعض الملوثات المشعة ستبقى في المياه دون أن يتم التخلص منها كلياً لعدم وجود حالياً التقنية التي تستطيع التخلص كلياً من الملوثات المشعة، وبخاصة وبشكلٍ رئيس النظير المشع للهيدروجين الذي يحتوي على ثلاث ذرات من الهيدروجين بدلاً من ذرتين وهو تريتيم(tritium)، والنظير المشع للكربون(carbon-14)، إضافة إلى ملوثات مشعة أخرى مثل سترونتيم(strontium-90)، وسيزيم(caesium-137)، و(iodine-129).    

فالنسبة للتريتيم الذي هو المكون الأساس لهذه المياه المشعة، فلا توجد معايير واحدة تم الاتفاق عليها بين دول العالم بالنسبة للحد الآمن والحد المسموح به في البيئة البحرية، فالمواصفات اليابانية هي 60 ألف بكريل من التريتيم في اللتر الواحد من الماء، في حين أن منظمة الصحة العالمية تفيد بأن الحد المقبول هو 10 آلاف، والاتحاد الأوروبي يحدد المواصفة عند 100 بكريل في اللتر، ولذلك في تقديري فإن هذه المواصفات تضعها الدول حسب ظروفها الواقعية الراهنة، وما توصل إليه عقل الإنسان من قُدرات وإمكانات تقنية وأجهزة للمعالجة في تلك الفترة من الزمن، وليس بناءً على مواصفات علمية وصحية بالنسبة لمخاطر الملوثات الواقعية على الكائنات البحرية وعلى سلامة الإنسان، ولذلك أُطلق عليها بمعايير ومواصفات "الأمر الواقع". ومن المؤسف حقاً أن الإنسان بعد سنوات من الكوارث البيئية التي وقعت في الكثير من دول العالم بسبب التلوث، يرجع إلى الوراء فينفذ سياسة أكل عليها الدهر وشرب وانتهت من القاموس البيئي وهي سياسية "التخفيف للملوثات"، أي نسمح للملوثات المشعة والسامة للولوج في الهواء أو الماء ثم نأمل بتجنب أضرارها من خلال تخفيف وانخفاض تركيزها في هذه الأوساط البيئية.

 

فهذه الحالة اليابانية التي نراها أمامنا اليوم تُعتبر مثالاً واحداً من أمثلة كثيرة عاصرناها في السابق، ويمكن ضربها للتأكيد على أن سيادة الدول على مكونات بيئاتها، وحرية التصرف فيها لا تكون مطلقة وغير مقيدة بضوابط داخلية وخارجية، فهي تنتهي عند التعدي على سيادة الآخرين، كما أن سيادة الدول على عناصر بيئاتها تنتهي عندما تستبيح بيئات الدول الأخرى التي تشترك وترتبط جميعاً معها، سواء أكانت هذه البيئة هي الهواء الجوي، أو الأنهار والبحار والمحيطات التي تدخل وتَعْبُر الحدود الجغرافية للدول.

 

وقد لخصت وزارة الخارجية الصينية هذه الحقيقة في 24 أغسطس مباشرة بعد صرف اليابان لهذه المياه، حيث صدر بيان جاء فيه: "التخلص من المياه المشعة يُعد قضية رئيسة تتعلق بالسلامة النووية ولها آثار عابرة للحدود، وأن المسألة ليست بأي حال من الأحوال تخص اليابان وحدها"، كما جاء في البيان أيضاً: "المحيط ملكية مشتركة للبشرية جمعاء ويشكل تصريف المياه الملوثة عملاً في غاية الأنانية وعدم المسؤولية ولا يراعي المصلحة العامة".

 

الجمعة، 25 أغسطس 2023

تلوث الهواء يُبطل مفعول المضادات الحيوية


من أعظم الاكتشافات العلمية في المجال الطبي وأكثرها فاعلية في علاج المرضى الذين يعانون من حالات العدوى والالتهابات هي المضادات الحيوية بكافة أنواعها وتطبيقاتها وفاعلياتها المتفاوتة في محاربة الكائنات الدقيقة المسببة للأمراض البشرية والحياة الفطرية. فهذه المضادات الحيوية توسعت دائرة استخداماتها فشملت مجالات علاجية كثيرة، وحافظت على صحة مئات الملايين من البشر من الموت المبكر، أو من المعاناة العصيبة لفترة طويلة من الزمن من تداعيات هذه الأمراض المعدية والالتهابات الداخلية المزمنة.

 

ولكن اليوم انكشفت ظاهرة حديثة نسبياً تتمثل في وجود مواد وجينات وكائنات دقيقة تحارب المضادات الحيوية، وتقاوم فاعليتها لحماية جسم الإنسان، وبالتحديد تفشي البكتيريا التي تقاوم المضادات الحيوية في جسم الإنسان، أو الجينات المقاومة لهذه المضادات. وهذه الظاهرة تحولت الآن إلى قضية بيئية وصحية انتشرت في كل دول العالم، ولكن بدرجات ومستويات متفاوتة، وأصبحت تشكل تهديداً عقيماً ومتسارعاً للصحة العامة على المستوى الدولي، حتى أن هذه الحالة المرضية المشتركة عالمياً يُطلق عليها بالوباء الصامت.

 

وهناك الكثير من الأبحاث البيئية الطبية التي توغلت بعمق في واقعية هذه الظاهرة على الأرض، ودرست في أسباب تفشي هذه الظاهرة، والعوامل التي تسبب انتشارها على المستوى الدولي، ومنها دراسة نُشرت في 12 فبراير 2023 في "المجلة الإلكترونية"(Epub) تحت عنوان:" العبء العالمي لمقاومة البكتيريا لمضادات الميكروبات لعام 2019: تحليل منهجي".

 

فقد أكد هذا البحث الشامل بأن مقاومة المضادات الحيوية تعتبر اليوم من الأسباب الرئيسة للوفيات في كل أنحاء العالم من عدة أوجه، منها من ناحية الموت المبكر، ومنها من خلال طول فترة العلاج، إضافة إلى الجانب الاقتصادي والارتفاع الشديد في كلفة العلاج وفقدان البشر في سن العطاء والإنتاج. فقد قدَّر الباحثون عدد الوفيات المرتبط بمقاومة المضادات الحيوية في 204 دول، من بين 471 مليون إنسان في عام 2019 إلى 4.95 مليون وفاة في سن مبكرة على المستوى الدولي، وقرابة 1.5 مليون وفاة لها علاقة بعدوى الجهاز التنفسي.

 

واليوم، وبالتحديد في أغسطس 2023 نُشرت دراسة شاملة تُعد هي الأولى من نوعها في مجلة طبية معروفة بمصداقيتها العلمية، هي مجلة "لانست صحة الكوكب" (Lancet Planetary Health)، حيث شملت 116 دولة حول العالم، واستغرقت قرابة 20 سنة، في الفترة من عام 2000 إلى 2018. وصدرت الدراسة الحالية تحت عنوان: "العلاقة بين تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة والمقاومة السريرية للمضادات الحيوية: تحليل عالمي"، فشملت 43 نوعاً من المضادات الحيوية، وتسعة أنواع من الجراثيم المسببة للأمراض.

 

وهذه الدراسة تناولت أحد جوانب قضية مقاومة المضادات الحيوية، وهو العوامل التي تؤدي إلى تفشيها على المستوى الدولي، حيث ركزت على العامل البيئي المتمثل في تلوث الهواء، وبخاصة تلوث الهواء بالدخان، أو الجسيمات الدقيقة. وقد هدفت الدراسة إلى التعرف على علاقة تلوث الهواء بالدخان المتناهي في الصغر الذي ينبعث من السيارات ومحطات توليد الكهرباء وحرق البخور والعود والتدخين، والذي يساوي قطره 2.5 ميكروميتر أو أقل من ذلك، وانتشار حالات مقاومة المضادات الحيوية والميكروبية من بكتيريا وغيرها، أو بعبارة أخرى تحاول الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: هل هناك رابط بين ملوثات الجسيمات الدقيقة في الهواء الجوي وازدياد ظاهرة مقاومة المضادات البكتيرية المسببة للأمراض؟

 

وقد توصلت الدراسة إلى عدة استنتاجات، منها ما يلي:

أولاً: هناك علاقة بين تلوث الهواء بالدخان ومقاومة المضادات الحيوية، وهذه العلاقة تزداد سوءاً كلما ارتفع تركيز الدخان في الهواء الجوي، فارتفاع مستوى تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة المتناهية في الصغر يزيد من مخاطر نمو هذه الظاهرة في العالم.

 

ثانياً: أشارت الدراسة إلى أن هذه العلاقة تتضح وتشتد في كل سنة مع تفاقم تركيز الدخان في الهواء خلال فترة الدراسة التي استغرقت قرابة عقدين من الزمن، فترفع من مخاطر مقاومة المضادات، فكل نسبة زيادة 10% من الدخان، تزيد من مقاومة المضادات بنسبة 1.1%.

ثالثاً: تُقدر الدراسة بأن هذه الحالة أدت في عام 2018 إلى وفاة قرابة 480 ألف، قضوا نحبهم في سن مبكرة. كما تستشرف الدراسة أن هذه الحالة ستتفاقم لارتفاع تركيز الدخان مع الوقت، فبحلول عام 2050 فإن مقاومة المضادات الحيوية سترتفع بنسبة 17%، والذين يوارى جثمانهم الثرى في سن مبكرة يقدرون بنحو 840 ألف.

رابعاً: الجسيمات الدقيقة، أو الدخان له خصوصية من بين ملوثات الهواء التي لا تعد ولا تحصى، فالدخان يستطيع امتصاص الملوثات الكيميائية والحيوية كالبكتيريا المقاومة للمضادات على سطحه، فتنمو هذه الكائنات المرضية على ظهر الدخان وتكون مستعمرة حيوية، وعند انتقال الدخان إلى الهواء الجوي من مصادره الكثيرة في داخل المنزل وخارجه، فإن الإنسان يستنشق مباشرة هذه الجسيمات الملوثة بالأحياء المسببة للأمراض، فتدخل إلى جسمه عن طريق التنفس، أو عن طريق الجلد وتنتقل عبر الدورة الدموية إلى جميع خلايا الجسم، فتؤدي إلى مقاومة المضادات الحيوية، وأخيراً التأخر في العلاج من المرض المعدي، أو الموت المبكر.

خامساً: كشفت الدراسة عن مستويات مرتفعة من مقاومة المضادات الحيوية في دول شمال أفريقيا، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا، مقارنة بمستويات أقل في دول  أوروبا وشمال أمريكا.

 فهذه الدراسة الجديدة تكشف عن عامل خطير يهدد الصحة العامة، ليس للبشر فحسب وإنما للحياة الفطرية الحيوانية على حدٍ سواء، وهذا العامل يضاف إلى العوامل الأخرى التي تؤدي إلى مقاومة المضادات الحيوية، مثل الانبعاثات الحيوية البكتيرية من محطات معالجة مياه المجاري، ومن المستشفيات، ومن المزارع التي تستخدم السماد العضوي من مصادر حيوانية، ومن مياه المجاري التي تُصرف في المسطحات المائية. كما أن هذه الدراسة تكشف النقاب عن بعدٍ جديد، ودور لم يعرفه الإنسان من قبل لملوثات الهواء الجوي من الجسيمات الدقيقة، إضافة إلى الجوانب الصحية الكثيرة الأخرى، وهي قُدرة الدخان على حَمْل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، إضافة إلى حمل الجينات المقاومة للمضادات، ثم نقلها عبر الهواء إلى أبعد المناطق، وبعيداً عن مصدر التلوث، وإصابة الناس بالأمراض والعلل القاتلة.

 

فتلوث الهواء فعلاً يستحق أن يُصنَّف من قبل منظمة الصحة العالمية كمادة من المحتمل أن تكون مسرطنة للإنسان، وتلوث الهواء فعلاً يستحق وبكل جدارة أن أُطلق عليه قنبلة دمار شامل للجسم البشري برمته.