الخميس، 21 ديسمبر 2023

رئيس الوزراء الأسترالي يعتذر


رئيس الوزراء الأسترالي "أنتوني ألبانيز" يقف في قبة البرلمان الاتحادي أمام الشعب الأسترالي، وأمام أعين ومسمع الناس ووسائل الإعلام الأسترالية والأجنبية في كل أنحاء العالم في 30 نوفمبر 2023، فيقول ونبرات الأسف والحزن تتقطر من لسانه وقلبه بأنه اليوم نيابةً عن الشعب الأسترالي، تُقدِّم هذه الحكومة والبرلمان اعتذاراً رسمياً كاملاً متأخراً وبدون أية تحفظات لجميع الناجين وأسرهم وأحبائهم ومقدمي الرعاية الطبية بسبب واحدٍ يعد من أحلك الفصول في تاريخ أستراليا الطبي.

فما الذي حدث في أستراليا من كربٍ عظيم وواسع النطاق حتى يستحق مثل هذا الحجم القومي الكبير من الاعتذار والأسف، والاعتراف بالخطيئة والإثم العظيمين، ومن أعلى سلطة في البلد، ومن ممثلي الشعب برمتهم؟   

 وما حجم الضرر الذي وقع على الضحايا والشعب الأسترالي برمته من هذه الكارثة بحيث إن رئيس الوزراء يريد أن ينقشها بعمق في تاريخ أمته، ويخلِّد ذكرى هذه الطامة الصحية الكبرى التي وقعت على الشعب الأسترالي من خلال تخصيص نصب تذكاري للناجين من هذا الوباء الصحي في متنزه عام أمام بحيرة في مدينة كانبيرا؟

فما وقع في أستراليا لم يكن في السنوات القليلة الماضية، ولم تقع أحداثه ومشاهده المأساوية في أستراليا فقط، وإنما بدأت خيوط الكارثة العقيمة تتضح يوماً بعد يوم منذ نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم، أي منذ أكثر من 60 عاماً، كما أن البذرة الخبيثة التي نمت شجرة خبيثة آتت أكلها حنظلاً ساماً مُرَّاً لم تغرس في أستراليا فحسب، وإنما كانت الغرسة الأولى القاتلة قد زُرعت في ألمانيا، ثم انتقلت إلى أكثر من 14 دولة حول العالم، منها بريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية.

فالفصل والمشهد الأول من قصة هذه النكبة الصحية المؤلمة الحزينة يفتح في مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم، وبالتحديد من شركة "كيمي جرونينثال"(Chemie Grünenthal) في ألمانيا الغربية التي كانت متخصصة في إنتاج الأدوية والعقاقير. وفي هذا المشهد تقوم الشركة بتقديم دوائها السحري الجديد الذي لا مثيل له للناس في كل أنحاء العالم تحت مسمى هو "الثاليدوميد(Thalidomide)، وبالتحديد كان هذا الدواء موجهاً للنساء الحوامل اللاتي يعانين من مشكلات صحية مزمنة عند الاستيقاظ في الصباح، والتي تتمثل في الصداع الحاد، والقيء، والشعور بالغثيان، إضافة إلى الأرق والقلق. فجاء هذا الدواء الأعجوبة ليعالج مثل هذه الحالة المرضية التي يعاني منها الملايين من النساء في جميع بلاد العالم. وبالفعل قدَّم هذا الدواء ولأول مرة العلاج الشافي والكافي لمثل هذه الحالة المرضية الخاصة بالنساء، ولذلك اكتسب شعبية واسعة في كل دول العالم، وزادت أعداد النساء اللاتي تناولن هذا الدواء.

 

وهنا يسدل الستار على هذا المشهد الأول من قصتنا.

 

ويأتي المشهد الثاني، فيُفتح الستار على طفلة في السادسة من عمرها، ولكنها منذ ولادتها كانت غير مكتملة الأطراف، فهي بدون ذراعٍ كلياً، وبعض أصابع الرجل مفقود.  كما تشاهد أيضاً صوراً لم يرها الإنسان من قبل أبداً للضحايا "شبه البشرية" الغريبة المظهر الذين عانوا من تشوهات خَلْقية جسدية منذ خروجهم إلى الحياة الدنيا إلى يومنا هذا، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر ويحكي قصته الأليمة في هذه الحياة التي عاشها وهو معوق جسدياً، ومشوه خَلْقياً في بعض أعضاء رجله ويده وأصابعه. فكانت المعاناة لهم في هذه الحياة العصيبة طويلة جداً وصلت بالنسبة للبعض إلى قرابة الستين عاماً، حيث كانت المعاناة مُركبة، جسدية من جهة ونفسية من جهة أخرى، بل وإن هذا الألم العميق والمعاناة المستمرة عقوداً طويلة من الزمن امتدت إلى الأب والأم وباقي أفراد الأسرة جميعهم التي كانت تهتم وترعى طوال سنوات الطفولة والمراهقة هذا الجنين الغريب والمشوه، فالألم بالنسبة لهم لم يكن جسدياً فقط وإنما نفسياً واجتماعياً على حدٍ سواء.

 

فالذين تعرضوا لهذه التشوهات في الكثير من دول العالم لم يعلموا لسنوات طويلة أسباب ولادة هذه الأجنة الغريبة، وكأنها مخلوقات فضائية من كوكب آخر نزلت من السماء، فقد وقع الأطباء في حيرة شديدة من هذه الحالات المتزايدة والمتفاقمة والتي أخذت في الانتشار في الدول التي تم توزيع الدواء عليها. ومضت سنوات والظاهرة تزداد، والحالات الغريبة من الأجنة تتنوع في تشوهاتها الجسدية العضوية، حتى بعد سنوات من البحث والتدقيق تأكد الأطباء المعالجين لهذه الحالات بأن هناك علاقة بين تناول النساء الحوامل لهذه الأدوية وولادة الأجنة المعوقة. وبالرغم من اثبات هذه العلاقة السببية بين الدواء والمرض إلا أن شركات الأدوية استمرت في تسويقه وبيعه، حتى زادت الضغوط عليها واشتدت، وارتفعت أصوات المنادين للتوقف عن تناول هذا الدواء بالنسبة للمرأة الحامل.

 

وأخيراً نأتي إلى الفصل الثالث والأخير من هذه القصة المرعبة والمحزنة لكي نتعلم منها الدروس والعبر، ونستفيد من هفواتها وفجواتها حتى لا نزِّل ونسقط فيها مرة ثانية. ومن هذه الدروس أولاً أن الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، وبالتحديد هنا شركات الأدوية والعقاقير واللقاحات لا تُعير أي اهتمامٍ بصحة الإنسان وسلامة بيئته، فهي تحاول بكل الطرق الرسمية وغير الرسمية والملتوية جمع المال وبأسرع وقتٍ ممكن. والثانية فإن هذه القصة تُحذرنا من تناول الأدوية والعقاقير مهما ادعتْ شركات الأدوية سلامتها بالنسبة للإنسان، وذلك قبل التأكد من أمانها وثبوت سلامتها، والتعرف على أعراضها الجانبية المحتملة، فمعظم الأدوية لها تأثيرات جانبية تختلف في حدتها وقوتها من إنسان إلى آخر، وبعض هذه الآثار الجانبية تكون مهلكة.

 

وختاماً من يرغب في تفاصيل أكثر وأدق حول هذه القضية الصحية، فيمكنه الرجوع إلى كتابٍ جديد صدر مؤخراً يقع في 432 صفحة من إعداد "جينيفر فاندربس" (Jennifer Vanderbes) في الولايات المتحدة الأمريكية في 27 يونيو 2023 تحت عنوان: "الدواء الأعجوبة: الأسرار التاريخية لدواء الثاليدوميد في أمريكا وضحاياه المخفيين".

 

الأحد، 17 ديسمبر 2023

اكتظاظ مروري في الفضاء

 

كل إنسان يعيش على سطح الأرض ويسكن المدن الكبيرة، فإنه يشهد كل يوم الزحمة المرورية واكتظاظ الشوارع بالسيارات، سواء في ساعات الذروة أو الساعات الأخرى من اليوم والليل، وهذه الظاهرة أصبحت الآن تشكل في هذه المدن وباءً بيئياً وصحياً واجتماعياً عقيماً يصعب حله جذرياً، واستئصاله كلياً من مدن العالم. فدول العالم سمحت بالزيادة السنوية المطردة بالسيارات بشكلٍ عشوائي غير منهجي وبدون أي تخطيط أو رقابة علمية، وبدون أن تكون جاهزة ومستعدة لوجستياً لإدارة هذه الأعداد المهولة من السيارات التي تسير في شوارع المدن.

 

واليوم نشهد حالة وظاهرة عقيمة مماثلة، ولكنها ليست في الشوارع على سطح الأرض، وإنما في الشوارع الموجودة في أعالي السماء، أو ما نُطلق عليه بالمدارات السماوية في الفضاء، سواء أكانت الشوارع والمدارات المنخفضة حول الأرض، أو المدارات العالية والمرتفعة جداً فوق سطح الأرض.

 

ولكن الفرق يكمن أنه في حالة الازدحام المروري في الشوارع على سطح الأرض فإن كل إنسان صغير أو كبير، عالم أو جاهل يشهد ويتحسس تداعيات هذه الظاهرة المتفاقمة من جميع النواحي، ولكن الازدحام المروري فوق سطح الأرض وفي أعالي السماء لا يراه الإنسان العادي، ولا يستشعر خطورته معظم سكان الأرض، إلا العلماء المختصون الذين يتابعون بأجهزتهم ومعداتهم تطورات هذه الظاهرة العلوية، ويراقبونها عن بعد، فهم فقط يدركون تداعياتها والمخاطر المحتملة التي تنجم عنها، فلا يعلمون علم اليقين وبالدقة المطلوبة العواقب الوخيمة على المدى القريب والبعيد التي ستنجم عنها عاجلاً أم آجلاً.

 

وهذا الازدحام المروري الذي يزيد ويتفاقم يوماً بعد يوم، نجم في تقديري عن عدة أسباب، أو من عدة مصادر. أما المصدر الأول فهو الأقمار الصناعية التي يُطلقها الإنسان لأسباب كثيرة متنوعة منها للاتصالات وشبكة الإنترنت، أو المناخ والأرصاد ومراقبة تغيرات الطقس على وجه الأرض في كل دولة، أو البيئة ومراقبة ورصد الملوثات في الهواء الجوي، أو التجسس على المواقع في دول العالم، أو تحديد المواقع على سطح الأرض، أو غيرها من الأسباب التي لا نعلم عنها شيئاً. فمنذ الرابع من أكتوبر عام 1957، أي قبل أكثر 66 عاماً، انْطلقَ القمر الصناعي الروسي الأول إلى الفضاء واستقر في مداره فوق سطح الأرض، وكان ذلك اليوم إيذاناً بالبدء في غزو الفضاء واستعماره بمختلف أنواع وأحجام الأجسام الفضائية، وكان جرس البدء في مجال علمي جديد هو دراسة التطبيقات الفضائية خدمة للإنسانية في كافة القطاعات. واليوم نشهد انفجاراً في انطلاقات جديدة سنوية وبوتيرة متزايدة ومتسارعة لهذه الأقمار الصناعية من الدول والشركات الخاصة بأحجام وأوزان متفاوتة، فمنها الذي يزن طناً واحداً، أو أكثر من 200 كيلوجرام، ومنها الأقمار الصناعية الصغيرة جداً التي لا تتعدى كيلوجرامات بسيطة، وكأنها ألعاب الأطفال.

 

وهناك اليوم شركات متخصصة تجارية وبحثية وخاصة للدول تقوم بتصنيع هذه الأقمار الصناعية حسب الطلب، وتدشينها في مداراتها فوق سطح الأرض، مثل شركة "سبيس إكس"(Space X) الذي أَطلق مشروعه المعروف "ستار لينك"(Starlink)، ويهدف إلى إرسال 12 ألف قمر صناعي صغير بحلول عام 2025. كذلك فإن شركات الأمازون ستكون لها أقمارها الصناعية لشبكة الإنترنت، والتي قد تصل إلى قرابة 3200. ولذلك فإن هناك عدة تقديرات متعلقة بعدد الأقمار الصناعية التي تحوم حول الأرض في مداراتها الأرضية المنخفضة، فبعض التقديرات تفيد بوجود أكثر من 12200 قمر صناعي، حسب وكالة الفضاء الأوروبية، وهذا العدد من المحتمل أن يرتفع إلى نحو 60 ألف بحلول عام 2030.

والمصدر الثاني الأقل عدداً، والأكبر حجماً، والأقل تأثيراً على الاكتظاظ المروري في أعالي الفضاء، فهو المركبات والسفن الفضائية ومحطات الأبحاث التي تُطلقها في بعض الأحيان مجموعة من الدول، ومن أشهرها السفينة الفضائية الدولية التي أُطلقت في 20 نوفمبر 1998، وستنتهي صلاحيتها في 2031 بعد أكثر من ربع قرن من العمل والإنجازات والتجارب النافعة.

وأما المصدر الثالث الذي يسبب ازدحاماً مرورياً في شوارع السماء فوق سطح الأرض، فهو المخلفات الفضائية التي تنجم عادة من الأقمار الصناعية التي تقف عن العمل، أو تنتهي صلاحيتها، أو من بقايا أجزاء الصواريخ التي تحمل الأقمار الصناعية والسفن الفضائية، أو من حوادث الاصطدامات بين هذه الأجسام في المدارات فوق سطح الأرض، فتُكون أجساماً أصغر تسير في هذه الشوارع وتسبب الازدحام المروري. وقد طرح عالم أمريكي في عام 1978 نظرية سُميت باسمه، وهي "ظاهرة كسلر"(Kessler Syndrome)، ومُلخصها أن المخلفات الصغيرة الحجم تصطدم مع بعض وتكون مخلفات أكثر وأصغر، واحتمال الاصطدام يزيد يوماً بعد يوم، فكل حادثة اصطدام تُولد مخلفات جديدة صغيرة تزيد من احتمال الاصطدام مرة ثانية فيؤدي إلى نمو وتكوين حزام من المخلفات حول الأرض يشكل تهديداً للسفن الفضائية والأقمار الصناعية الأخرى.

والآن يقف الإنسان حائراً على ما ارتكبت يداه من ظاهرة فضائية لم يكن يتوقعها أن تكون بهذا الحجم، وأن تنكشف بهذه السرعة، ولا يعلم أحد عدد وحجم هذه المخلفات، أو الأجسام الفضائية التي تحوم حول الأرض، وكأنها في سباق لا نهاية له. وقد قدَّر "مكتب برنامج مخلفات المدار"(Orbital Debris Program Office) التابع لناسا عدد المخلفات بنحو 36500 قطعة أكبر من 10 سنتيمترات، ومليون جسيم، أو قطعة مخلفات يتراوح حجمها بين 1 إلى 10 سم، و 330 مليون قطعة مخلفات أصغر من 1 سم وأكبر من 1 ملم.

وهذه الظاهرة المتمثلة في الاكتظاظ المروري الفضائي لها سلبيات كثيرة ولها علاقة بأمن وسلامة السفن والمركبات الفضائية ورواد الفضاء، إضافة إلى الأقمار الصناعية. ولذلك أصدر البيت الأبيض في 18 يونيو 2018 قراراً توجيهياً حول سياسة الفضاء تحت عنوان: "السياسة الوطنية لإدارة الحركة الفضائية". وهذه السياسة تدعو إلى تطوير مدخل جديد لإدارة الحركة الفضائية، منها وضع معايير ومواصفات السلامة، وتحديد أفضل الممارسات والإجراءات وأكثرها ثقة ومصداقية للتنسيق في مجال الحركة في الفضاء والأنشطة الأخرى. كما أن الأمم المتحدة نشرت دليلاً في عام 2007 تحت عنوان: "المبادئ التوجيهية لتخفيف مخلفات الفضاء"(UN Debris Mitigation Guidelines)، وفي عام 2016 أصدرت لجنة الأمم المتحدة حول الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي خطوط ومبادئ عريضة لحماية البيئة الفضائية.

وهذه المشكلة الحديثة المشتركة والعامة المتمثلة في الازدحام المروري في الفضاء وتفاقم أعداد وأحجام المخلفات في المدارات الأرضية العليا سيكون حلها مثل حل القضايا الأخرى، كالتغير المناخي، والمخلفات البحرية، وبالتحديد المخلفات البلاستيكية، وقضية استخراج المعادن في أعماق المحيطات، فالحل يعتمد على مصالح الدول الصناعية المتقدمة والمتنفذة على القرار الدولي، والحل يكون لما يصب في مصلحتهم وليس للمصلحة العامة، أي مصلحة الدول النامية الفقيرة ومصلحة كوكبنا بشكلٍ عام.

الخميس، 14 ديسمبر 2023

هل توصل اجتماع دبي إلى اتفاقية مناخية ملزمة؟


اجتماعات التغير المناخي، والتي تُعرف رسمياً باجتماعات الأمم المتحدة للدول الأطراف في "الاتفاقية الاطارية بشأن التغير المناخي" أصبحت الآن مُكررة في الكثير من بنودها الأساسية والتي مازالت تراوح في مكانها دون حلٍ جذري دائم، ولذلك أُطلقُ عليها عامة باجتماعات "النَسخْ" و "اللَصقْ".

 

فقمة الأرض التاريخية في عام 1992 في مدينة ريو دي جانيروا وضعتْ القاعدة الرئيسة وخارطة طريق لدول العالم للتفاوض حول صيغة معاهدة دولية مشتركة ملزمة ينفذها الجميع سواسية، ويعمل بمقتضاها على خفض انبعاثاتها بمستويات محددة من الغازات المتهمة بإحداث التغير المناخي وتداعيته الكثيرة كارتفاع درجة حرارة الأرض، وبالتحديد العمل على خفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث من أية عملية احتراق للوقود الأحفوري في السيارات، أو محطات توليد الكهرباء، أو المصانع.

 

ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف لحماية كوكبنا من التغير المناخي ومنع سخونتها وارتفاع حرارتها، إضافة إلى دعم ومساعدة الدول الفقيرة والنامية المتضررة من التغير المناخي، فقد دعتْ الأمم المتحدة إلى عقد اجتماعات سنوية بين الدول الأطراف في الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي لصياغة معاهدة مناخية والتفاوض حولها، فكان الاجتماع الأول في برلين، والمعروف بـ كوب (1) في عام 1995، والاجتماع الأخير رقم (28) في دبي.

 

ومن خلال تحليلي للقرارات التي تمخضت عن هذه الاجتماعات التي تُعقد لمدة 28 عاماً حتى الآن، ففي تقديري فإن معظم هذه الاجتماعات لم تُحدث أي فرقٍ جوهري مشهود بالنسبة لتحقيق الأهداف الرئيسة من هذه الاجتماعات الأممية المتمثلة في خفض انبعاثات الدول من غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات المناخية الأخرى من أجل منع سخونة الأرض وارتفاع حرارتها، كما إنها لم تُقدم أي انجازٍ ملموس على الأرض، ولذلك نسي التاريخ الكثير من هذه الاجتماعات، وبقيت ميتة وموجودة فقط في أرشيف هذه الاجتماعات.

 

ولكن من الاجتماعات التي حققت جانباً من الأهداف، وسارت بالطريق السليم لعلاج قضية التغير المناخي، وخطت خطوات جبارة ومتقدمة إلى الأمام هي اجتماع كيوتو في اليابان، أو كوب (3) في ديسمبر عام 1997. ففي هذا الاجتماع وافق المفاوضون لأول مرة بالإجماع على بروتوكول كيوتو الذي يلزم قانونياً الدول الصناعية المتقدمة المسؤولة تاريخياً عن وقوع ظاهرة التغير المناخي على الحد من انبعاثاتها بنسبٍ معينة ومحددة سلفاً، أي أن تقوم كل دولة صناعية كبرى باتخاذ الإجراءات العملية الميدانية لخفض انطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء الجوي، وبالتالي الحد من وقوع تداعيات التغير المناخي مثل ارتفاع حرارة الأرض، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة حمضة مياه المحيطات، والكوارث المناخية التي تنجم عنها.

 

ولكن هذا النجاح التاريخي الكبير لم يدم طويلاً، فالأجواء السياسية في بعض الدول، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية، التي شهدت تغيراً جذرياً في زعامة البيت الأبيض من الديمقراطي كلينتون الذي وقع على بروتوكول كيوتو وتعهد بالالتزام به إلى الجمهوري جورج بوش الإبن الذي رفض البروتوكول جملة وتفصيلاً في عام 2001، كما أن الكونجرس لم يصادق عليه. فهذه النكسة في المواقف والسياسات تجاه التغير المناخي، أرجع القضية إلى الوراء كثيراً وإلى نقطة الصفر، من حيث بدأت، وهي العمل لصياغة جديدة لمعاهدة ثانية، والتفاوض عليها مرة ثانية.

 

وفي هذه الأثناء عُقدت العديد من الاجتماعات العقيمة التي لم تحقق أي تقدم في المفاوضات، ولم تَخرجْ بأية نتيجة ملموسة تحمي كوكبنا من شر ارتفاع حرارتها، حتى جاء اجتماع كوب(21) في باريس عام 2015. وفي هذا الاجتماع أجمع المفاوضون على الالتزام "طوعياً" في الحد من انبعاث الاحتباس الحراري، وبخاصة غاز ثاني أكسيد الكربون، بحث تعمل كل دولة حسب مصالحها، وظروفها، وامكاناتها المالية والتقنية والفنية على وضع حدٍ لانبعاث الملوثات المناخية من خلال تحديد أهدافها القطرية، بحيث إن مجموع هذه الجهود القطرية الدولية تعمل على منع ارتفاع حرارة الأرض أكثر من 1.5 درجة مئوية من مستويات ما قبل الثورة الصناعية. وعلاوة على ذلك، فعلى كل دولة تقديم تقرير سنوي "طوعي" حول كل الإنجازات التي حققتها في مجال خفض الانبعاث. 

 

وهذا الاجتماع الذي كان يُعد تاريخياً في ذلك الوقت لم يحقق أهدافه الرئيسة لعدة أسباب. فالأول هو أن الحد من الانبعاث كان طوعياً وليس الزامياً، ولذلك لم تلتزم بعض الدول بتعهداتها، ولم تُقدم أية تقارير سنوية تبين جهودها في خفض انبعاث الملوثات، والثاني وهو الأهم فهو موقف أكبر دولة ملوثة للهواء الجوي وتتحمل تاريخياً مسؤولية نزول هذه الكارثة المناخية على كوكبنا، وهي الولايات المتحدة الأمريكية التي لوثت بيئتنا لأكثر من قرنين من الزمان، فما حدث لبروتوكول كيوتو وقع نفسه لتفاهمات باريس. فالرئيس أوباما وقَّع على هذه التفاهمات، في حين أن وصول الجمهوري رونالد ترمب الذي لا يؤمن أصلاً بدور الإنسان في وقوع التغير المناخي، ولا يؤمن بالعمل الدولي الجماعي المشترك، انسحب كلياً من هذه التفاهمات، وبدون أن تلعب أمريكا دورها وتقوم بواجباتها الأخلاقية والإنسانية في خفض انبعاثاتها فلا يمكن تحقيق أحد الأهداف الرئيسة لاجتماع باريس، وهو منع سخونة الأرض أكثر من 1.5 درجة مئوية. 

 

ومنذ ذلك الوقت عاشت الدول، ومازالت حتى يومنا هذا في فراغ من أية معاهدة ملزمة لخفض الانبعاث، وجميع الاجتماعات التي عُقدت بعد عام 2015 لم تقدم تطوراً ملموساً. فعلى سبيل المثال، وبعد أكثر من 30 عاماً، وبالتحديد في الاجتماع رقم (26) أو كوب 26 الذي عُقد في مدينة جلاسجو البريطانية في نوفمبر عام 2021، وبعد مناقشات ماراثونية عصيبة استمرت أكثر من 14 يوماً لم يتمكن المفاوضون على الموافقة على قرار جماعي مشترك لدفن الوقود الأحفوري ونقله إلى مثواه الأخير. وفي الدقائق الأخيرة قبل اغلاق الاجتماع، توصلت الوفود المشاركة باقتراح من الهند والدول النامية إلى صيغة قرار ضعيف ومرن ومكون أساساً من كلمة واحدة تحتوي على ثلاثة حروف فقط، وهي الخفض التدريجي لاستخدام الوقود الأحفوري عبر السنوات القادمة(phase down)، بدلاً من الصيغة الأولية وهي التوقف عن استخدام الوقود الأحفوري والتخلص منه نهائياً بعد فترة محددة من الزمن(phase out)، أي أن المناقشات الطويلة دارت حول كلمتي (down) و (out). وفي اجتماع شرم الشيخ، كوب (27) لم تحدث أية انفراجة في المفاوضات، سوى الموافقة على مبدأ إنشاء صندوق تحت مسمى "الخسائر والأضرار" ليسهم في مساعدة الدول الفقيرة النامية التي تضررت من الكوارث المناخية الناجمة عن التغير المناخي.

 

وأخيراً جاء اجتماع دبي، كوب (28) الذي نجح في اليوم الأول من اصدار قرار بالموافقة على تفعيل وتشغيل الصندوق، والتزمت بعض الدول بدفع مبالغ مالية زهيدة لا تبلغ في اجمالها 1% مما يحتاج إليه الصندوق فعلياً. ثم بعد هذا القرار حدث هدوء في أعمال الاجتماع حتى الساعات الأخيرة من آخر يوم، وهو الأربعاء 13 ديسمبر. وبعد التفاوض على عدة مسودات، وافق الجميع على بعض القرارات التي لا تحقق هدف الوصول إلى معاهدة دولية ملزمة للجميع لخفض الانبعاث، كما إنها لن تمنع ارتفاع حرارة الأرض أكثر من 1.5 درجة مئوية. وقد طرح الاجتماع "بوفيه" من الخيارات المرنة الطوعية التي تعطي الفرصة لكل دولة لاختيار ما يتفق مع مصالحها. فعلى سبيل المثال، وافق المفاوضون على التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري ضمن أنظمة الطاقة، والبدء في العمل بخطة في العقد الحالي لتحقيق الحياد الصفري بحلول عام 2050، وبما يتماشى مع النتائج العلمية. كما دعا الاجتماع الدول إلى التسريع في استخدام الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة وفاعلية تشغيل مصادر الطاقة، والتعجيل في خفض الانبعاث. كما حث الدول على تبني التقنيات التي لا تنبعث منها الملوثات، والعمل على إزالة ثاني أكسيد الكربون قبل انبعاثه إلى الهواء الجوي، وخفض الانبعاث من وسائل المواصلات بالوسائل المناسبة.  

 

وجدير بالذكر فإن اجتماعات التغير المناخي تسير في واد وشركات الوقود الأحفوري في واد الأخرى، وكأننا في عالمين مختلفين غير مترابطين. فاجتماعات التغير المناخي تسعى لخفض استخدام الوقود الأحفوري بشكلٍ تدريجي مع الزمن، في حين أن شركات الوقود الأحفوري تعمل كل يوم على مشاريع جديدة لاستخراج النفط، والغاز، والفحم، أي ضد توجهات اجتماعات المناخ، ولذلك فإن أرباحها لم تتغير، بل وتزيد. والتحقيق في مجلة "شبيجل" الألمانية المنشور في 11 ديسمبر 2023 تحت عنوان "هل العالم حقاً مستعد للتخلي عن الوقود الأحفوري؟"، يؤكد على هذه الظاهرة. فهذا التحقيق يؤكد على استمرار الحفر في كل أرجاء الأرض دون هوادة، واستمرار الازدهار الاقتصادي من هذه العمليات بين الشركات النفطية العملاقة. فعلى سبيل المثال الشركات الكبرى الخمس مثل إكسون موبايل، وشيفرون، و بي بي، وشل حققت أرباحاً نحو 200 بليون دولار في عام 2022. كما أفاد التحقيق أنه بعد عام 2015، أي بعد الاجماع الدولي على تفاهمات باريس، تم البدء في أكثر من 70 مشروعاً ضخماً متعلقاً بأحد أنواع الوقود الأحفوري، وهناك الآن 128 مشروعاً في مرحلة التخطيط.

 

وهذا في الحقيقة مثال صارخ على النفاق الدولي وعدم الشفافية والوضوح في التعامل مع القضايا الدولية، إضافة إلى تغليب المصالح الاقتصادية للشركات العملاقة المتنفذة على مصالح وصحة كوكبنا.

 

السبت، 9 ديسمبر 2023

هل سيستخدم الكيان الصهيوني السلاح النووي؟

 

الكيان الصهيوني لا يمتلك سلاحاً نووياً واحداً فحسب وإنما في حوزته وتحت يده حسب بعض التقديرات نحو 90 رأساً نووياً من أسلحة الدمار الشامل، فمَنَ الذي يستطيع أن يمنع هذا الكيان المغتصب الظالم من استخدام هذه الأسلحة النووية؟ ومن له القدرة على كبح جماح هذا الثور الهائج المدمر الذي تسبب في الإبادة الجماعية للبشر، والشجر، والحجر؟ فكل ما سيقوم به المجتمع الدولي من الأمم المتحدة ومنظماتها، ودول العالم من الغرب والشرق لو قام الكيان فعلياً باستخدام السلاح النووي هو الإدانة، والشجب، والاستنكار ليوم أو يومين، ثم ينتهي الأمر وكأن شيئاً لم يكن.

 

ولكن في الواقع هل ما قام به الكيان الصهيوني حتى الآن من تدمير شامل للبنية التحتية ومختلف أنواع المرافق يقل عن تأثير وقوة تدمير قنبلة الدمار الشامل النووية؟ فقد أفادت بعض التقارير، مثل المقال المنشور في مجلة "استخبارات الطاقة"(Energy Intelligence)في 13 نوفمبر 2023 تحت عنوان: "الأسلحة النووية لإسرائيل تحت الأضواء"، حيث أشار التقرير بأن قوة المتفجرات التي نزلت على غزة حتى الآن تُقدر بنحو 25 ألف طن من المتفجرات، بما يساوي 20 كيلوطن قنبلة ذرية، وهذه القنابل والمتفجرات التي أُلقيت على غزة قوتها وشدتها أكبر من قنبلتي هيروشيما وناجازاكي النوويتين.

 

وهل ما ارتكبته يداه المجرمة من قتل للبشر يقل عن تدمير القنبلة الذرية للإنسان؟

 

وهل ما قام به من إبادة جماعية وتطهير عرقي يراه كل إنسان يعيش على سطح الأرض يقل في حجمه عما تُخلفه القنبلة الذرية من تشريد وإبادة لعشرات الآلاف من البشر؟

 

فما نشاهده الآن أمامنا منذ السابع من أكتوبر من دمار شامل لا يقل عن تأثير أية قنبلة ذرية، بل ويوازي، وقد يفوق في قوته التدميرية لأي سلاح نووي.

وحسب آخر التقارير والإحصائيات، فقد ارتكب الكيان الصهيوني ما يلي:

أولاً: الإبادة الجماعية للبشر، حيث إن المحصلة حتى الآن استشهاد أكثر من 16 ألف فلسطيني، منهم أكثر من 6 آلاف طفل تيتموا وتشردوا دون أب أو أم أو كلاهما، وما تبقى من الضحايا البشرية هم من النساء والشباب وكبار السن الذين اشتعل رأسهم شيباً وبلغوا من الكبر عتيا، إضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين.

 

ثانياً: الإبادة الجماعية للشجر، حيث تدمرت مساحات واسعة من الأراضي والبنية التحتية الزراعية من شجر الزيتون، والمحاصيل الزراعية الأخرى، إضافة إلى عددٍ كبير من الأشجار والمساحات الخضراء من الحدائق والمتنزهات.

 

ثالثاً: الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية للحجر، وأقصد بذلك المباني والعمارات السكنية، والمستشفيات والمراكز الصحية، والمساجد، والكنائس، والمقابر، والمتاحف. وقد أفادت تقارير المنظمات المعنية بالتراث العالمي التاريخي والإنساني بأن هناك أكثر من 100 مرفق تراثي ثقافي يهم الإنسانية جمعاء في كل دول العالم قد فقدته البشرية، وتم تدميره كلياً أو جزئياً. ومنها التقرير من منظمة "التراث من أجل السلام"(Heritage for Peace)، تحت عنوان:" أهم المواقع الأثرية التي تم تدميرها نتيجة للهجمات الحالية في عام 2023"، وتقرير آخر عنوانه: "تأثيرات الحرب الحالية في عام 2023 على التراث الثقافي في قطاع غزة"، والمنشورين في 7 نوفمبر 2023. وقد أكدت هذه التقارير التي أَجْرتْ حصراً ميدانياً على المواقع والمنشآت الأثرية بأن هناك 70 منزلاً أثرياً تم تدميره جزئياً، وتدمير مركز للأرشيف وحفظ الوثائق التاريخية، وتدمير ثلاثة مساجد بشكل كلي، وآخر تدميراً جزئياً منها المسجد العمري الكبير، وتدمير جزئي لأربع كنائس، منها كنسية تاريخية للروم الأورثوذكس عمرها أكثر من ألف عام، وتُعد ثالث أقدم كنيسة في العالم، وهي كنيسة القديس برفيريوس (Saint Porphyrius)، ومقبرة رومانية عمرها أكثر من 2000 عام.

 

أما عن امتلاك واستخدام الكيان الصهيوني للأسلحة النووية بجميع أحجامها وأنواعها فهو قضية في غاية السرية والكتمان على كافة المستويات، كما يُحيط بها بشكلٍ متعمد الغموض والشكوك، فلا يعلم أحد علم اليقين تفاصيل ما يمتلكه هذا الكيان، علماً بأن هذا الكيان المعتدي يُنكر دائماً حيازته لأي سلاح نووي، أو برنامج نووي عسكري.

 

وقد جاءت أثناء هذه الحرب الظالمة أول إشارة واضحة من الكيان الصهيوني إلى امتلاكه للسلاح النووي عندما أدلى وزير التراث الصهيوني "عنيحاي إلياهو"( Amihai Eliyahu) في 5 نوفمبر 2023 بتصريح خطير جداً وفاضح للسر الكوني الصهيوني قائلاً في مقابلة عبر الأثير بأن هناك إمكانية لاستخدام القنبلة الذرية ضد الشعب الفلسطيني في غزة. وهذا الاعتراف الحكومي الرسمي يعد الأول من نوعه، والذي يؤكد امتلاك الكيان الصهيوني لقنبلة الدمار الشامل، ويقدم الدليل المادي على ذلك. ونظراً لخطورة التصريح وما يكشفه من حقيقة عن امتلاك الكيان الصهيوني للأسلحة النووية، فقد قام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتعليق مشاركة الوزير في اجتماعات مجلس الوزراء. وعلاوة على هذا التصريح، فقد نَشرتْ صحيفة النيويورك تايمس الأمريكية تحقيقاً في 3 ديسمبر 2023، ونشرته صحيفة "جُوريزليم بوست"(The Jerusalem Post) في 4 ديسمبر تحت عنوان: "حماس تضرب قاعدة للجيش تحتوي على صواريخ نووية في 7 أكتوبر"، حيث أفاد التقرير بأن هذه القاعدة تُستخدم لتجهيز الصواريخ النووية. 

 

ولكن ماذا تقول التقارير العلمية الصادرة من المنظمات المستقلة المختصة عن امتلاك الكيان للسلاح الذري، وما هو عدد ونوع أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته؟

 

لقد بدأ البرنامج النووي العسكري بعد أن استتب زرع الورم السرطاني في قلب الأمة العربية في عام 1948، حيث شرع الكيان في عام 1958 بأمر من أول رئيس وزراء "ديفيد بن جوريون" وبدعم ومساعدة فرنسية وفي سرية تامة وبعيداً عن أنظار العالم الصديق والعدو، حتى بدون علم الولايات المتحدة الأمريكية وعلم رئيسها آنذاك آيزن هاور(Eisenhower)، إلى بناء مفاعل نووي كبير انتهى العمل فيه عام 1965، كما قام الكيان الصهيوني بشراء 20 طناً من الماء الثقيل من النرويج، ثم البدء في برنامج نووي عسكري لإنتاج البلوتونيوم في عام 1966 تحت مسمى "مشروع دايمونه" (Dimona Project) في صحراء النقب، حيث كان الكيان يدَّعي ومازال بأن المشروع لأغراض مدنية ولتوليد الطاقة الكهربائية، كما أن الكيان الصهيوني يمنع زيارة المفتشين من أية منظمة أممية مختصة، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولم تعلم أمريكا عن نية هذا الكيان إلا في ديسمبر 1960 عندما اعترفت فرنسا بذلك، وأنها هي التي زودت الكيان بالمواد الخام لإنتاج القنبلة الذرية، وعلى رأسها اليورانيوم.

 

وهناك عدة تقارير نُشرتْ وتُقدم تقديرات لأعداد وأنواع الرؤوس النووية التي يمتلكها الكيان الصهيوني، ومنها الكتاب السنوي لعام 2022 الصادر من "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" والمنشور في يناير 2023 تحت عنوان: "القوى النووية الدولية: الرؤوس النووية"، إضافة إلى تقرير "اتحاد علماء أمريكا" حول الأسلحة النووية للكيان الصهيوني تحت عنوان: "حالة القوات النووية الدولية" المنشور في 31 مارس 2023، في مجلة "نشرة علماء الذرة"(Bulletin of the Atomic Scientists). وهذه التقارير تعطي تقديرات مختلفة، فمنها أن عدد الرؤوس النووية يتراوح بين 75 إلى 400، ومنها أن العدد 80، ومنها أن العدد 90، وهذه الرؤوس النووية تُستخدم في اطلاقها الصواريخ الباليستية، أو الطائرات، أو السفن الحربية والغواصات.

فالخلاصة إذن أن الكيان الصهيوني يمتلك مئات الرؤوس النووية منذ الستينيات من القرن والمنصرم، وهو إضافة إلى الدول الغربية، وبالتحديد أمريكا وفرنسا، تتستر على برنامجه النووي العسكري الذي لم يتوقف منذ ذلك الوقت، بل يتطور ويتم تحديثه. كما أن الدول الغربية تمنع أي جهة أممية من أن تقترب من هذا البرنامج، أو أن تنوي التفتيش عليه، وأخيراً فإن الأجواء السياسية كلها تدعم هذا الكيان وبقوة، ولن تمنعه من استخدام هذه الرؤوس النووية بحجة "الدفاع عن نفسه"!!