الخميس، 11 أبريل 2024

ظاهرة سرطانية جديدة لا تفسير لها!


من المعروف عند أطباء الأورام والسرطان بأن هذا المرض العقيم يصيب جميع البشر في مرحلة عمرية محددة ومتقدمة من حياتهم، وبخاصة عندما يبلغون من الكِبَر عتياً، ويشتعل رأسهم شيباً، فهناك اجماع قديم عند العلماء بأن السرطان مرض الشيوخ وكبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 65 سنة.

 

ولكن هذا النمط في الإصابة والموت من السرطان بدأ يتغير خلال السنوات القليلة الماضية، فهناك الآن ظاهرة جديدة بدأت تظهر فوق السطح، وتتفشى في المجتمعات البشرية كلها، وتنكشف عند الأطباء بصفة خاصة، وتتمثل في ارتفاع أعداد المصابين بالسرطان من الشباب من متوسطي العمر بهذا المرض، وبالتحديد الذين ولدوا في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم. أي بعبارة أخرى قد وقع تحول غامض وغريب لا تفسير محدد له حتى الآن في نسبة الإصابة بالسرطان، إذ تحول من تعرض كبار السن والشيوخ للسرطان إلى الشباب والمتوسطين في العمر. وهذه الظاهرة أصبحت تحير العلماء والأطباء وكافة المعنيين بهذا المرض العضال، حيث شمَّروا جميعاً عن سواعدهم لمحاولة فك خيوط هذا اللغز الحديث، والولوج في أعماقه وتفاصيله، لعلهم يضعون أصابعهم على المتهم الرئيس في هذا التحول العمري للمرض.

 

وهناك الكثير من البيانات والإحصائيات، وبخاصة في بلد المعلومات والاحصائيات، الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، هناك التقرير السنوي الذي تنشره "جمعية السرطان الأمريكية"، إضافة إلى "المركز القومي للإحصائيات الصحية"، والتقرير الأخير جاء تحت عنوان: "احصاءات السرطان، 2024". فتشير التقديرات بأنه في عام 2024 ستكون هناك 2001140 حالة سرطان جديدة، ومن هؤلاء سيلقي  611720 نحبهم، كما يفيد التقرير بأن اجمالي عدد الوفيات من السرطان منذ عام 1991 حتى 2021 قد أخذ في الانخفاض بنسبة 33%، أي أن منحنى الوفيات من السرطان خلال الثلاثين عاماً الماضية في نزول مستمر في الولايات المتحدة. ويعزي الأطباء السبب في هذا الانخفاض الإجمالي إلى عزوف الكثيرين عن التدخين، إضافة إلى التشخيص المبكر للمرض، وتطور أساليب وإجراءات العلاج مثل العلاج المناعي والهرموني، وتوفر أدوية جديدة وأكثر فاعلية في العلاج والقضاء على الأورام السرطانية.

 

ولكن هذا الخبر السعيد والمشجع والتطور الإيجابي في انخفاض أعداد الوفيات من السرطان، تُعكر صفوه الإحصائيات الجديدة الأخرى التي تفيد بأن هناك في الوقت نفسه ارتفاعاً غامضاً بين الذين تقل أعمارهم عن 50 سنة، أي متوسطي العمر، في الإصابة بستة أنواع الأكثر شيوعاً من بين 10 أنواع من السرطان، منها الجهاز الهضمي أو القالون والمستقيم، والبروستات، والثدي، والحنجرة، والعنق، والجلد من نوع ميلانوما. فعلى سبيل المثال، حالات السرطان في الفترة من 2015 إلى 2019 ارتفعت بنسبة تراوح بين 0.6 إلى 1% سنوياً بالنسبة للثدي والبنكرياس والرحم والجلد، كذلك الحالات ارتفعت بنسبة 1 إلى 2% سنوياً بالنسبة لسرطان العنق(عمر المصابين 30 إلى 44)، والمستقيم والقولون(أقل من 55 سنة).

 

ومن أشد أنواع السرطان من ناحية أعداد المصابين والذين يقضون نحبهم في سنٍ مبكرة، وأكثرها غموضاً هو سرطان الجهاز الهضمي، أو سرطان القولون والمستقيم. فهذا النوع من السرطان بين أقل من 50 سنة، كان في التسعينيات من القرن المنصرم السبب الرابع للوفيات بين الرجال والنساء، والآن حدث تغير وتحول جذري غير مفهوم علمياً وطبياً، إذ أصبح هذا النوع هو السبب الأول للوفيات بين الرجال، والسبب الثاني بين النساء، علماً بأنني فقدتُ عزيزاً لي من أفراد عائلتي بسبب هذا المرض العضال ولم يتجاوز الأربعين من عمره. كما نُشر بحث في مجلة "المعهد القومي للسرطان" في 28 فبراير 2017 تحت عنوان: " أنماط حالات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم في الولايات المتحدة، 1974 إلى 2013"، حيث أفاد بأن حالات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم في انخفاض بشكل إجمالي، ولكن في المقابل حالات الإصابة بالمرض بين الشباب ومتوسطي العمر الذين هم أصغر من 50 سنة في ارتفاع مطرد.

 

ومن الأمور التي تحير الأطباء بصفة خاصة بالنسبة لهذا النوع من السرطان هي أن المصابين هم من الشباب الأصحاء الذين يتمتعون بصحة جيدة، ونمط حياة سليم، وأسلوب غذائي رفيع المستوى صحياً، ولا يعانون من أية تشوهات جينية وراثية!

 

وقد نُشرت القليل من الدراسات حتى الآن لسبر غور هذه الاحصائيات والمعلومات الجديدة، وتقديم التفسير العلمي لهذه الظاهرة الغامضة المتمثلة في زيادة حالات السقوط في فخ السرطان بين الشباب، والذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً.

 

فعلى سبيل المثال، نُشرت دراسة في أكتوبر 2022 في مجلة "علم الأورام السرطانية"(Clinical Oncology) تحت عنوان:" هل يُعتبر السرطان المبكر وباءً عالمياً ناشئاً؟ الأدلة الحالية والآثار المستقبلية". فقد أفادت الدراسة بأن السرطان المبكر، أي الذي يتم تشخصيه قبل عمر 50 عاماً، أو عند الخمسين عاماً، قد زاد في معظم دول العالم. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عام 2019، كانت نسبة التشخيص لأمراض السرطان 107.8 حالة لكل مائة ألف ممن أعمارهم أقل من 50%، وهذه النسبة أصبحت أعلى 12.8% في عام 2000.

 

وهذا البحث علاوة على الأبحاث الأخرى قدَّمت عدة تفسيرات نظرية لا دليل علمي عليها، ولا سند موثوق من التجارب السريرية، فهي عبارة عن محاولات أولية لإلقاء الضوء على مجموعة من التفسيرات التي قد تعطي مؤشرات على أسباب انكشاف هذه الظاهرة. ومن هذه التفسيرات أن هناك خللاً محدداً قد حدث في بيئتنا من حيث دخول مجموعة كبيرة من الملوثات الجديدة التي لم تكن موجودة من قبل بمستويات مرتفعة جداً في الهواء والماء والتربة، فلم يتعرض لها الإنسان من قبل طوال سنوات حياته بجرعات عالية، ولم تدخل فتتراكم إلى أعضاء جسده ويرتفع تركيزها. ومن أهم هذه الملوثات المقلقة المستجدة هي المخلفات البلاستيكية، وبالتحديد الجسيمات البلاستيكية المتناهية في الصغر بحجم المايكرو والنانو، وهذه الجسيمات أصبحت الآن جزءاً من مكونات بيئتنا، وغزت واستقرت في كل عضو وكل خلية من أجسامنا، حسب اجماع الأبحاث العلمية، وقد تكون هذه الجسيمات البلاستيكية المجهرية هي المسؤولة عن احداث طفرات في الجينات ونمو الخلايا، وتَكَون الأورام التي تؤدي إلى ظهور السرطان المبكر في الأجيال الحالية.

 

كذلك من الأسباب التي يقدمها العلماء هي التغير في نمط وأسلوب الحياة من جيل إلى آخر من ناحية نوعية وكمية الغذاء، وشرب الخمر، وتدخين السجائر الإلكترونية الحديثة، وممارسة الأنشطة الرياضية، إضافة إلى ارتفاع معدل الإصابة بالسمنة والوزن المفرط، والذي بلغ قرابة مليار شخص، حسب الدراسة الدولية المنشورة في 29 فبراير 2024 في مجلة "اللانست"(The Lancet)، تحت عنوان:" الاتجاهات الدولية في حالات نقص الوزن والسمنة من عام 1990 إلى عام 2022: تحليل مجمع لـ 3663 دراسة ممثلة للسكان مع 222 مليون طفل ومراهق وبالغ". وهناك الكثير من الدراسات التي أوجدت بأن هناك علاقة بين البدانة ومخاطر الإصابة بالسرطان.

 

ومن أهم العوامل التي يقترحها الأطباء في نشوء وبزوغ ظاهرة السرطان المبكر هو حدوث تغيرات في محتوى النظام الميكروبي الطبيعي "ميكروبيوم" (Microbiome)، الموجود في الأمعاء خاصة، وفي جسم الإنسان عامة من الناحية النوعية والكمية، حيث يفيد العلماء بأنه قد تكون هناك علاقة بين هذا النظام الميكروبي والإصابة بالسرطان عند الشباب ومن هم في متوسط العمر.

 

وقد تكون أيضاً على حسب بعض التفسيرات، وجود مجموعة من هذه العوامل التي ذكرتُها، فتعمل مع بعض بشكل تعاوني في تدمير جسم الإنسان، فتعرضه مع الزمن للإصابة بالسرطان في سن مبكرة.

 

والأيام القادمة كفيلة بالكشف عن الأسباب الحقيقة وراء هذه الظاهرة المخيفة المستجدة.

 

الخميس، 4 أبريل 2024

مرض هافانا: هل هو حقيقة أم أكاذيب المخابرات الأمريكية؟


منذ قرابة تسع سنوات واللغز العقيم المعروف بمرض هافانا الغريب الذي أصاب بعض الدبلوماسيين الأمريكيين يتعقد يوماً بعد يوم ويزداد غموضاً، وتتشابك خيوطه وتتأزم أكثر. فلا يعلم أحد حتى الآن عِلْم اليقين حقيقةْ وواقعية الأعراض المرضية التي أصابت هؤلاء الدبلوماسيين، كما لا يعلم أحد مصدر هذه الأعراض وسببها، فالنظريات التي تحاول سبر غور هذه الظاهرة الفريدة من نوعها وتقدم تفسيرات لمختلف جوانب هذا المرض تغيرت مع الوقت، بل وأصبحت متناقضة ومتضادة ولا اتفاق بينها.

 

واليوم، وبالتحديد في 31 مارس 2024 نقف أمام نظرية مثيرة جداً طرحتها وسائل إعلام مستقلة من روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا. فمن روسيا هي الصحيفة الإلكترونية(The Insider)، وهي مستقلة ومتخصصة في الصحافة الاستقصائية وتقصي الحقائق، ومن الولايات المتحدة المحطة الإخبارية العريقة "سي بِي إس" التي تبث برنامجاً معروفا هو "60 دقيقة"(60 Minutes)، ومن ألمانيا مجلة "دير شبيجل"(Der Spiegel). 

 

فهذا الفريق الإعلامي المستقل أجرى تحقيقاً سرياً استغرق عاماً كاملاً، اطلع فيها على وثائق سرية من روسيا، وسِجِلْ الهواتف النقالة لبعض رجال المخابرات العسكرية الروسية، إضافة على مقابلات وشهادات لبعض المتضررين والمتورطين في هذه الحالات الصحية الغريبة التي نزلت على بعض الدبلوماسيين الأمريكيين وعملاء المخابرات والعسكريين في عدة دول في العالم، بدءاً بالعاصمة الكوبية هافانا في مايو 2016، ثم في العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، وألمانيا، والنمسا، والهند، وفيتنام، والصين، وجورجيا.

 

فهؤلاء المتضررون، والذين أصابتهم الحالة الصحية الغريبة والفريدة من نوعها كانوا في بداية الحالة يشتكون من تعرضهم لذبذبات عالية وحادة تصم الأذن، فتنعكس بعد ذلك على باقي الجسد مما يؤدي إلى الشكوى من مجموعة من الأعراض المختلفة كالصداع المزمن، والدوخة المزمنة، والشعور بالإرهاق، وفقدان السمع، والاكتئاب، وفقدان التوازن، وفقدان البصر.

 

ولذلك أُجري أخيراً هذا التحقيق لإلقاء الضوء على مصدر وأسباب هذا المرض العضال الذي لا يعرف العلماء والأطباء حتى الآن تفسيراً علمياً يشفي غليلهم ويرشدهم إلى الدليل الدامغ حول أسبابه. وقد توصل هذا التحقيق الصحفي إلى أن روسيا هي مصدر هذا التهديد الصحي للأمريكيين العاملين في وزارة الخارجية والبنتاجون. كما أشار التحقيق إلى أن هناك وحدة استخبارات عسكرية روسية متخصصة في مهمات محددة عنيفة، ويُطلق عليها الوحدة رقم (29155)، وهذه الوحدة العسكرية السرية الخاصة هي التي تحوم حولها الشبهات للهجوم الذي تعرض له الدبلوماسيون ورجال الاستخبارات الأمريكية. كما أفاد التقرير الاستقصائي بأن هذه الوحدة استخدمت أسلحة صوتية موجهة تُطلق موجات بترددات محددة تسبب هذه الحالات الصحية الغامضة التي بلغت أكثر من 1500 حالة، وتُعرف الآن بمرض هافانا (Havana Syndrome)، أو حسب الاسم الرسمي لهذه الحالة والظاهرة الغريبة وهو "حالات صحية غريبة"(Anomalous Health Incidents). ونظراً لواقعية هذه الحالات وازدياد أعداد المصابين، فقد أصدر الكونجرس ممثلاً في مجلس النواب في 21 سبتمبر 2021 قانوناً وقع عليه الرئيس بايدن في 8 أكتوبر 2021 تحت عنوان: "قانون عام 2021 حول دعم الضحايا الأمريكيين الذين تأثروا بهجمات عصبية"، حيث يعطي هذا التشريع الصلاحيات لوكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية والوكالات الأخرى لتعويض المتضررين.

 

فهذا التحقيق الصحفي الأخير يُقدم احدى النظريات لتفسير هذه الحالات، وهناك نظريات أخرى طُرحت منذ انكشاف هذه الحالات وبروزها على السطح الإعلامي في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فهناك النظرية الأولى التي أفادت عن وجود سلاحٍ أجنبي خارجي وعدائي تعرض له الموظفون، مثل "السلاح الصوتي"، أو "سلاح الأشعة الكهرومغناطيسية"(pulsed electromagnetic energy) الذي تنبعث منه طاقة وموجات في مجال الميكروويف، أو ترددات الراديو(radio-frequency energy). ففي 30  أغسطس 2018 نُشرت دراسة في مجلة "الكهرومغناطيسية الحيوية"(Bio Electro Magnetics)، وخلصت إلى أن التعرض لأشعة الميكروويف الموجودة في أفران الميكروويف التي نستخدمها لتسخين الطعام وفي الهواتف النقالة قد يُفسر هذه الأعراض المرضية الغريبة التي أُصيب بها الوفد الأمريكي في كوبا والصين. فعندما يتعرض الإنسان لأشعة الميكروويف المُركزة والشديدة فإنه سيحس بالضوضاء العالية والأصوات المرتفعة، وينعكس هذا على الأمن الصحي من حيث الشعور بالصداع والإغماء والإرهاق ثم تلف وارتجاج في المخ، حسب الدراسة المنشورة في 20 مارس 2018 في "مجلة جمعية الأطباء الأمريكيين" حول "بيانات عصبية للمسؤولين الحكوميين الذين أفادوا لتعرضهم لظواهر صوتية وحسية في كوبا". ففي هذه الدراسة تم فحص وتقييم 21 دبلوماسياً أمريكياً كانوا يعملون في كوبا، وأشارت إلى أن شكوى هؤلاء العاملين في السفارة الأمريكية في كوبا تفيد بتعرض هؤلاء الأفراد لخلل في شبكات المخ، وأفادت بأن هذه الأعراض تُشبه من تعرض لحادثة ارتجاج في المخ جراء حادثة سيارة، أو السقوط من مكان مرتفع، أو حدوث انفجار، ولكن الدراسة لم تحدد مصدر وأسباب هذه الحالة المرضية. كذلك قدم البحث المنشور في أكتوبر 2018 في مجلة الحسابات العصبية (Neural Computation) الإثباتات والدلائل العلمية التي تؤشر إلى أن "الهجوم بأشعة الميكروويف" هو السبب وراء مرض الأمريكيين.

 

كذلك نُشر تقرير في السادس من ديسمبر 2020 من "الأكاديميات القومية للعلوم والهندسة والطب"(National Academies of Sciences, Engineering, and Medicine) بعنوان: "تقييم مرض موظفي الحكومة الأمريكية وعائلاتهم في السفارات الخارجية". وهذا التقرير قام به فريق مكون من 19 خبيراً من تخصصات متعددة منها علم الأعصاب والإشعاع وغيرهما. وجاءت الاستنتاجات الختامية حسب ما ورد في التقرير بأن: "الأعراض التي تم كشفها على أول حالة في السفارة الأمريكية في مدينة هافانا بكوبا كانت تتمثل في الاستيقاظ من النوم والشعور بآلام شديدة وضغط شديد في الوجه، والاحساس بوجود صوتٍ حاد ومرتفع جداً في أحد الأذنين، ثم فقدان التوازن والإغماء. وبعد أيام انكشفت أعراض أخرى تتمثل في مشكلات واضطرابات في الرؤية، وصعوبات ذهنية وعقلية، وفقدان في السمع، وصداع مزمن، والشعور بالتعب والإرهاق، وفقدان الذاكرة". كما جاء في التقرير بأن: "لجنة الخبراء تَشعر بأن الأعراض التي أصابت الدبلوماسيين تتوافق مع التأثيرات للتعرض المباشر للأشعة الكهرومغناطيسية في مجال طاقة وترددات الراديو والميكروويف. كما جاء أيضاً في التقرير: "يبدو أن ذبذبات ترددات الراديو الموجهة هي الآلية الأكثر قبولاً لتفسير هذه الحالات المرضية التي تمت دراستها من قبل اللجنة، إضافة إلى تأثيرات الحالات النفسية لهؤلاء الموظفين، والعوامل البيئية غير المعروفة".

 

كذلك قامت دراسة بفحص الأعصاب، وإجراء تقييم وتحليل شامل لبناء وتركيبة كافة أجزاء المخ من خلال أخذ صور محددة للمخ باستخدام جهاز الرنين المغنطيسي المعروف(إم آر آي)، حيث نُشرت تفاصيل نتائج الدراسة في 23 يوليو 2019 في "مجلة جمعية الأطباء الأمريكيين" تحت عنوان: "اكتشافات بعد التحليل العصبي لموظفي الحكومة في كوبا". وقد أشارت الدراسة إلى وجود فروقٍ جوهرية بين العينتين في المخ من ناحية حجم الجزء الكلي الأبيض، وحجم المنطقة البيضاء والرمادية، والبناء الميكروسكوبي للمخ، إضافة إلى اختلافات في الجزء المختص بالسمع والبصر. فعلى سبيل المثال، معدل الحجم الكلي للمادة البيضاء كان أصغر في المرضى مقارنة بالأصحاء، فالمرضى كان الحجم 542.22 سنتيمتر مكعب والأصحاء 569.61، أي أصغر بنحو 5%، كذلك كانت هناك اختلافات وفروق بين عينة المرضى والأصحاء بالنسبة حجم المادة البيضاء والرمادية.

 

وفي المقابل تدخل "مجتمع الاستخبارات" الأمريكي في محاول فك شفرات هذا اللغز وأصدر النشرة الإعلامية في الأول من مارس 2023، تحت عنوان: "بيان مدير الاستخبارات القومية حول تقييم مجتمع الاستخبارات عن الحالات المرضية الغريبة". فهذا التحقيق والتقييم الجديد شمل أكثر من 1500 حالة مرضية لموظفين أمريكيين يعملون خارج أمريكا في 96 دولة، واستغرق هذا التحقيق الذي أجرته سبع وكالات استخباراتية ست سنوات، وشمل دراسة شاملة ودقيقة لجميع الحالات التي وقعتْ بين عامين من 2016 إلى 2018، حيث وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية(سي أي إيه)( Central Intelligence Agency) بيل بارنز(Bill Burns) هذا التقرير قائلاً: "إنه التحقيق الأكبر والأكثر شمولية في تاريخ الوكالة، وهو يعكس أكثر من عامين من جمع المعلومات والأعمال الاستقصائية وتحليل هذه المعلومات من مجتمع الاستخبارات لكل ما يحيط بالحادثة قبل وأثناء وبعد وقوعها". وهذا التقرير لمجتمع المخابرات عن الحالات المرضية الشاذة تم تصنيفه بأنه "سري"، حيث قُدم ملخص الاستنتاجات في البيان الصحافي الذي صرحت به مديرة الاستخبارات القومية، أفريل هاينز (Avril Haines) قائلة: "نحن اليوم نُشارككم جهود التحقيقات والاستنتاجات التي توصل إليها تقييم مجتمع الاستخبارات حول الحالات الصحية الغريبة"، كما ورد في النشرة: "معظم وكالات مجتمع الاستخبارات استنتج الآن بأنه "من المستبعد"(very unlikely) بأن هناك جهة أجنبية تتحمل مسؤولية الحالات المرضية الغريبة التي تعرض لها بعض الدبلوماسيين". كذلك استنتج التقرير حسب ما ورد في البيان بأن: "الأعراض التي انكشفت على الدبلوماسيين من المحتمل أن تكون لعوامل لا علاقة لها بجهات أجنبية عدائية، مثل الحالات المرضية التي كانوا يعانون منها سابقاً، أو أمراض معروفة مسبقاً، أو عوامل بيئية".

 

وأخيراً نشرت "المعاهد الوطنية للصحة" في 18 مارس 2024 تقريراً حول نتائج الأشعة التي أُخذت على مخ المصابين، حيث كشفت عن عدم وجود إصابات في المج تتوافق مع الأعراض، إضافة على عدم وجود ظواهر حيوية غير طبيعية، فأشعة المخ للمصابين مماثلة لأشعة مخ الإنسان الطبيعي غير المصاب، ولكنها أكدت واقعية الأعراض وأنها أثرت على مسيرة حياتهم اليومية. كما نشرت هذه الدراسة في "مجلة الجمعية الأمريكية الطبية" في 18 مارس 2024 تحت عنوان: "المرض العصبي والدروس التي يجب تعلمها في الأمن القومي".

 

فمما سبق نرى بأن هذه الحالة المرضية الغريبة للدبلوماسيين الأمريكيين تعقدت كثيراً وتشابكت في نظرياتها وتفسيراتها، سواء المتعلق بواقعية هذه الحالات وأسبابها ومصادرها، أو بالجهة التي تسببت في نزولها، كما أن دخول رجال السياسية والاستخبارات والإعلام على الخط جعلت تفسيراتهم ونظرياتهم غير نزيهة، وغير موضوعية، ولا مصداقية لها ولا يمكن الاعتماد عليها.

 

فمع كل هذه التعقيدات لا أظن بأن الحقيقة ستظهر قريباً.

الاثنين، 1 أبريل 2024

المخلفات البلاستيكية تغزو حليب الأم

 

نحن أمام حربٍ طويلة ومعقدة نخوضها ضد التلوث منذ أكثر من قرن من الزمان، وكلما انتصرنا في معركة واحدة فاصلة ضد أحد الملوثات، انكشفت وظهرت لنا ملوثات جديدة لم تكن في الحسبان ولم تخطر على بال أحد، وتكون أشد قوة وبأساً، وأكثر وطأة على مكونات البيئة وصحة الإنسان من الملوثات السابقة، وفي تقديري فإن الإنسان لن ينجح في الانتصار كلياً في هذه الحرب الماراثونية المتغيرة في هويتها وقوتها، وإنما ستبقى معنا ويضطر الإنسان أن يتعايش معها في هدنة طويلة الأمد، فلا يستطيع التخلص منها جذرياً وكلياً.

 

ففي كل يوم نجد أنفسنا أمام ساحة جديدة نحارب فيها هذه الملوثات ونصطدم معها بشكلٍ مباشر، حيث إن المعارك الدائرة ليست ثابتة في موقع واحد وإنما تنتقل من موقع إلى آخر، فكانت ساحة المعارك في البداية هي مكونات البيئة من ماءٍ، وهواءٍ، وتربة وفي المواقع التي يراها الإنسان، ثم انتقلت مع الوقت ومع ازدياد مصادر التلوث والملوثات وارتفاع أحجامها إلى ساحات بعيدة جداً ونائية لا يمكن رؤيتها أو الإحساس بوجودها، مثل سفوح الجبال العالية الشاهقة، أو الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي ومياه المحيطات المتجمدة، أو أعماق البحار السحيقة الشديدة البرودة والظلمة وعلى بعد أكثر من عشرة كيلومترات تحت سطح المحيطات.

 

وبعد عقود من الزمان وجدنا أنفسنا في صراع مع الملوثات من نوعٍ جديد وخطير في داخل أجسامنا، بل وفي كل عضو من جسدنا صغير كان أم كبير، فانتقلت ساحة المعركة إلى جسم الإنسان نفسه، وهددت كيانه واستدامة وجوده على سطح الأرض. فقد كشف الإنسان عن وجود الملوثات أولاً في الجهاز التنفسي أو الرئتين، حيث يوجد خط الدفاع الأول أمام غزو الملوثات، ثم امتدت ساحة القتال إلى الدورة الدموية، ومنها إلى كل خلية من خلايا الجسد، سواء أكانت خلايا المخ، أو الكلية، أو الأنسجة القلبية، أو أنسجة المشيمة التي تمد الجنين بالغذاء والحياة، أو حليب الأم.

 

وفي الوقت نفسه فإن طبيعة هذا العدو وهويته اختلفت عبر الزمن، فكلما تعرف الإنسان على طبيعة وخصائص وهوية أحد الأعداء ونجح في التعامل معه والتغلب عليه والحد من انبعاثه إلى مكونات البيئة، ظهر عدو جديد آخر وغريب على المجتمع البشري ولا يعرف عنه الكثير، من حيث تصرفه عند ولوجه في مكونات البيئة، ومن حيث قدرته على التراكم والتركيز في عناصر البيئة واحتمالية انتقاله وتراكمه في جسم الإنسان، إضافة إلى التهديدات التي قد يشكلها على الأمن الصحي للبشر، وشدة الأمراض التي ستُصيب الإنسان.  

 

فالعدو في العقد الأول من القرن المنصرم كان يتمثل في الدخان الأسود، أو ما يعرف بالجسيمات الدقيقة الكربونية، وأكاسيد الكبريت والنيتروجين والكربون في الهواء الجوي، إضافة إلى العناصر الثقيلة كالرصاص والزئبق والكروميوم والكادميوم في المسطحات المائية والتربة. وتمكن الإنسان بعد معارك ضارية ضد هذه الملوثات أن يعرف خصائصها جيداً ونقاط قوتها وضعفها، فقام بتطوير الوسائل والسبل والتقنيات للتحكم فيها ومنع انطلاقها كلياً إلى عناصر البيئة، أو الخفض من انبعاثاتها. وهذه الملوثات أصبحت الآن قديمة وتقليدية وتغلب عليها الإنسان وأصبحت الآن حالة من الهدنة طويلة الأمد بينها وبين الإنسان، فظهرت في منتصف القرن الماضي ملوثات حديثة غير تقليدية، فوجد الإنسان نفسه يواجه عدواً جديداً لا يعرف عنه أي شيء، ولا يعرف كيف يتعامل معه، مثل غاز الأوزون والملوثات المؤكسدة الأخرى، وثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى المركبات العضوية متعددة الفلورين والكلورين الأروماتيكية الثابتة والمستقرة وغير الأروماتيكية. وبعض هذه الملوثات انتشر على نطاق جغرافي واسع جداً بحيث إن ساحة الصراع معها غطت الكرة الأرضية برمتها، مما استدعي تجنيد كل قوى البشر في كل العالم للتصدي لها وتجنب تهديداتها ومخاطرها الصحية على الإنسان وعلى سلامة الكرة الأرضية.

 

واليوم يواجه البشر ومنذ نحو عقد من الزمن عدواً شرساً من نوع جديد لم يخطر على بال أحد، ودائرة الصراع معه شملت كل شبرٍ صغير أو كبير من كوكبنا، وغطت كل موقع قريب أو بعيد عن أنشطة البشر، بل وامتدت المعارك إلى كل خلية من خلايا جسم الإنسان، وهذا العدو هو المواد البلاستيكية والمخلفات التي تنجم عن استخدامها ثم التخلص منها.

 

فمنذ قرابة عشر سنوات والعلماء منشغلون بالتعرف عن كثب على نقاط الضعف والقوة لهذا العدو الذي تغلغل بعمق في كل مكونات بيئتنا، وانتقل إلى الحياة الفطرية النباتية والحيوانية، ثم إلى جسد الإنسان. وهنا أريد أن أُركز على وصول زحف هذه المخلفات البلاستيكية إلى حليب الأم والذي يمثل تحولاً خطيراً وتهديداً عميقاً ليس لأطفالنا في هذا الجيل وإنما للأجيال اللاحقة والمستقبلية. فانتقال هذا العدو إلى حليب الأم له مدلولات ومؤشرات كثيرة، منها أن هذا العدو تمكن بنجاح من تخطي والقفز على جميع الموانع والحواجز الحيوية الموجودة في جسم الإنسان، كحاجز الدورة الدموية، وغزو هذا العدو لجدار الخلايا وتراكمه هناك واحتلاله لهذا الموقع المتقدم جداً للبشر، إضافة على أن وجود المخلفات البلاستيكية في حليب الأم يؤكد انتقال المعركة من هذا الجيل الحالي إلى الأجيال المتعاقبة، ونجاح هذا العدو الجديد من كسر حاجز الأجيال وعبور الحدود الزمانية.

 

فأول دراسة كشفت عن وجود الجسيمات الميكروبلاستيكية في حليب الأم نُشرت في 30 يونيو 2022 في مجلة "المواد المتبلمرة"(Polymers) تحت عنوان: "الكشف والتشخيص عن الميكروبلاستيك في حليب الأم باستخدام جهاز رامان مايكروسبكتروسكوبي"، والتي صدرت كعدد خاص حول: "تحلل المواد المتبلمرة وتأثيراتها البيئية". وفي هذه الدراسة جُمعت عينات من حليب الأم من 34 امرأة، وتم الكشف ولأول مرة لجسيمات المخلفات المايكروبلاستيكية في 26 عينة من مجموع 34، وأكثر أنواع الميكروبلاستيك كان البولي إيثلين، وبولي فاينل كلوريد، وبولي بروبلين، حيث تراوح حجم الجسيمات من 2 إلى 12 مايكرومتراً.

 

وجدير بالذكر أن حليب الأم منذ الخمسينيات من القرن المنصرم أصبح المؤشر الحيوي الذي يُثبت تعرض الإنسان لشتى أنواع الملوثات الموجودة في بيئتنا. وآخر دراسة نُشرت، حسب معلوماتي حول وجود الملوثات الجديدة في حليب الأم هي في 24 يناير 2024 في مجلة "العلوم والتقنية البيئية" تحت عنوان:" تأثير التعرض البيئي على دهون حليب الثدي البشري في الأمراض المناعية المستقبلية"، حيث كشفت هذه الدراسة عن وجود ملوثات عضوية متعددة الفلورين (perfluorinated alkyl substances (PFASs)) في حليب أمهات السويد.

 

وهكذا نجد أنفسنا نخوض حرباً ضروساً لا نهاية لها بسبب المنتجات الجديدة التي نُطلقها في الأسواق بدون دراسات كافية وشاملة، والتي تنجم عنها مخلفات وملوثات غازية، وسائلة، وصلبة قديمة وحديثة ومتجددة، وفي كل مرة علينا الدخول في معركة جديدة لم نحسب لها أي حساب للتصدي لملوث جديد يدخل بيئتنا وأجسادنا، ثم علينا أن نجد الحلول العملية والمستدامة للتعامل معها، وفي تقديري فإن هذه الحرب مع الملوثات لن تنتهي أبداً، وستصبح الملوثات جزءاً لا يتجزأ من عناصر بيئتنا ومن السلسلة الغذائية التي تنتهي أخيراً بالإنسان.