الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

نجاحات بيئية في عام 2025


مضى عام 2025، وعانت البيئة في تلك السنة من فشل وإخفاقات دولية كبيرة انعكست سلباً على أمن وسلامة كوكبنا، وبالتحديد بالنسبة لأزمة التغير المناخي العقيمة وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها وزيادة حمضية مياهها. فلم ينجح المجتمع الدولي من ايجاد حلٍ جماعي مشترك، وفشل من خلال مفاوضات الاجتماعات الأممية حول التغير المناخي المستمرة منذ أكثر من 30 عاماً من الوصول إلى معاهدة دولية مشتركة وملزمة لجميع الدول لمواجهة هذا التحدي العظيم والمصيري المشترك. فدرجة حرارة الأرض في ارتفاع سنة بعد سنة ولم تنجح الاجتماعات الدولية في تحديد الآليات والحلول لمنع زيادتها، ومستوى سطح البحر أيضاً في ارتفاع مشهود عاماً بعد عام دون أن يجد الإنسان الأدوات اللازمة لإيقافه ومنع الفيضانات والأعاصير الناجمة عنه.

 

وبالرغم من هذا الوضع المظلم والمتدهور الذي يعيش فيه كوكبنا، إلا أن هناك بعض الجوانب المتعلقة بالتغير المناخي والذي حقق نجاحاً ملموساً ومشهوداً في عام 2025، وبخاصة في الجانب المتعلق بالقانون الدولي للتغير المناخي، وبالتحديد القرار التاريخي الذي صدر عن محكمة العدل الدولية حول التغير المناخي في لاهاي في يوليو من العام المنصرم.

 

وهذا القرار يعد تاريخياً وفريداً من نوعه لسببين رئيسين. الأول هو ولوج محكمة العدل الدولية وربما لأول مرة منذ إنشائه في قضية تُعتبر وتُصنَّف عند الكثير من الدول بأنها قضية بيئية بحتة ولها علاقة مباشرة بأحد عناصر البيئة، وهو الغلاف الجوي، فلا علاقة لهذه المحكمة الدولية بها، ولا تقع ضمن اختصاصها والأهداف التي أنشئت من أجلها والمتعلقة بالجانب السياسي والأمني والحقوقي للبشر، إضافة إلى تقديم الرأي والمشورة في النزاعات بين الدول، كذلك بيان الرأي الشرعي الدولي بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إياها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. والسبب الثاني هو أن هذه المحكمة ربطت قضية التغير المناخي بحقوق الإنسان في كل أرجاء العالم، مما يعني بأن على دول العالم حسب قوانين حقوق الإنسان الاهتمام بهذه القضية وحماية الإنسان في كل المجتمعات من تداعياتها. كما أن المحكمة اعتبرتها قضية عدالة دولية بين الدول النامية والفقيرة التي تعاني وتتضرر يومياً من مردودات وتداعيات التغير المناخي، وهي لم تتسبب في وقوعه، وبين الدول الصناعية المتقدمة التي كانت مصدر وقوع هذه القضية منذ قرابة قرنين من الزمان بتلويث الهواء من المصانع والسيارات والقطارات وغيرهما، فلا بد إذن من هذه الدول أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية في تحقيق العدالة المناخية الدولية. 

وقد نُشرتْ الفتوى القانونية الدولية في 23 يوليو 2025 في قضية "مسؤولية الدول في مواجهة التغير المناخي"، حيث تَضَمنت الطلب الإجابة عن سؤالين هما أولاً: ما هو دور والتزامات وواجبات الدول حسب القانون الدولي في حماية الأنظمة المناخية من انبعاثات الأنشطة البشرية من غازات الاحتباس الحراري مثل غاز ثاني أكسيد الكربون، وثانياً: ما هي العواقب القانونية لهذه الالتزامات والأضرار الناجمة عنها للنظم المناخية ذات العلاقة بالدول، وبالتحديد على الدول الجزرية النامية، والناس، والأجيال المستقبلية.

وقد أكدت الفتوى على عدة مبادئ منها العدالة البيئية بين الدول، فلا تتعدى أية دولة بيئياً على السيادة البيئية لدولة أخرى أو لكوكبنا عامة، إضافة إلى العدالة البيئية بين الأجيال، أي بين الجيل الواحد وبين الأجيال المتعاقبة، فلا يؤثر أي جيل على مكونات وعناصر البيئة من الناحيتين النوعية والكمية حتى تتمتع كل الأجيال على حدٍ سواء ببيئة نظيفة، وسليمة، وصحية، وموارد وثروات بيئية غير ملوثة. وأما المبدأ الثاني فهو ضم قضية التغير المناخي وتداعياتها في بند حقوق الإنسان، فمن حق أي إنسان أن يعيش في بيئة تُعينه على الحياة الكريمة والعيش الرغيد، وتقوي دوره في البناء والتطور والإنتاج، وتحقيق التنمية المستدامة.

 

ومن نصوص هذه الفتوى هي أن على الدول حسب القانون الدولي لحقوق الإنسان الالتزام بتوفير "البيئة النظيفة، والصحية، والمستدامة"، كما أن القرار وصف قضية التغير المناخي بأنها "تهديد وجودي وعاجل" وأن على الدول مسؤولية مواجهتها بشكل جماعي مشترك.

 

أما الأزمة الدولية الثانية التي يخوضها كوكبنا منذ التسعينيات من القرن المنصرم فتُعد قصة نجاح لتظافر الجهود الدولية وتكاتفها لعلاج قضية تخص كوكبنا وتشترك فيها كل دول العالم من حيث المسؤولية في وقوعها من جهة، ومن حيث السقوط في تداعياتها المختلفة. وقد تحققت النتائج الإيجابية الدولية لهذه الأزمة المشتركة في عام 2025 بشكلٍ خاص.

 

هذه القضية هي انخفاض غاز الأوزون في طبقة الأوزون في القطب الجنوبي، والتي هي جزء صغير وحيوي ومهم جداً لاستدامة حياة البشر على سطح الأرض من طبقة الاستراتسفير العليا. وتتلخص هذه القضية في استخدام الإنسان لمواد كيميائية في تطبيقات كثيرة جداً كالتبريد والتكييف، وهذه المواد مع الوقت تسربت إلى الهواء وانتقلت إلى أعالي السماء حتى بلغت طبقة الأوزون، حيث قامت هذه الملوثات بتحليل غاز الأوزون الذي يحمي الإنسان من الأشعة فوق البنفسجية، فتَحوَّل غاز الأوزون إلى غاز الأكسجين غير المطلوب في تلك الطبقة، مما أدى إلى وجود منطقة شاسعة منخفضة تركيز غاز الأوزون فتتسرب منها الأشعة فوق البنفسجية القاتلة وتصل إلى سطح الأرض وتتضرر منها كل الكائنات الحية من إنسان، ونبات، وحيوان.

 

واليوم خفت وتيرتها وشدتها، وبدأ تركيز غاز الأوزون يتعافى في تلك الطبقة حسب تحليلات "الإدارة الوطنية للملاحة الجوية" (ناسا)، والإدارة القومية الأمريكية للمحيط والغلاف الجوي في عام 2025. ويعزى السبب في هذا النجاح إلى تظافر وتكامل جهود دول العالم أجمع بقيادة الأمم المتحدة والدول الصناعية المتقدمة الكبرى لمواجهة هذه الظاهرة البيئية الصحية الوجودية والمصيرية المشتركة. فقد قامت الدول وشركاتها الصناعية بالتخلص التدريجي من الملوثات الكيميائية التي أدت مع الوقت إلى استنفاد غاز الأوزون في طبقة الجو العليا، حيث استخدمت الأمم المتحدة أداة المعاهدات الدولية وعلى رأسها بروتوكول مونتريال.

 

أما قضية النجاح الثالثة للمجتمع الدولي في عام 2025 فهي متعلقة بانقراض الأنواع من الحياة الفطرية النباتية والحيوانية التي تعيش معنا على سطح الأرض، حيث أعلن "الاتحاد الدولي لصون الطبيعة" في أكتوبر 2025 بأنه تم رفع اسم سلاحف البحر الخضراء من قائمة الأنواع المهددة بالانقراض، مما يؤكد نجاح جهود دول العالم التي استغرقت قرابة 40 عاماً في حماية واكثار هذا النوع من السلاحف حتى وصلت أعداده إلى بر الأمان.

 

وبالرغم من تحقيق المجتمع الدولي لبعض الإنجازات والنجاحات في عام 2025، فهي في تقديري ما هي إلا فقط شمعة بسيطة تضيء الطريق في نهاية نفقٍ مظلم وأسود وطويل جداً لا يمكن معرفة مصيره ونهايته. فهل ستكون لخير البشرية، ونماء بيئتها وازدهار مكوناتها، أم ستكون أداة تدميرها والقضاء عليها؟

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

الأطعمة المعالجة صناعياً وباء دولي مشترك

 

لا تخلو "برادة" ومحل لبيع الأغذية والأطعمة صغيرة أم كبيرة في أي مدينة أو قرية نائية حول العالم من الأطعمة والمواد الغذائية المعلبة، والمثلجة، والجاهزة للأكل.  وكل هذه المواد الغذائية تثور وتدور حولها منذ عقود طويلة من الزمن الشكوك الصحية لتعريضها للبشر جميعاً لأمراض وأسقام مزمنة يصعب علاجها.

فمشكلة هذه الوجبات الجاهزة والأطعمة المعلبة تكمن في أنها تحتوي على الآلاف من المضافات الكيميائية الصناعية السرية والخفية التي لا يعرف أي أحدٍ عن هويتها ونوعيتها وتركيبها الكيميائي وخصائصها البيولوجية، ومدى ملاءمتها وسلامتها لاستهلاك الإنسان. فهناك المئات من المواد الملونة، والكثير من المضافات التي تعطي نكهة طيبة للطعام، ومذاق وطعم حلو، وهناك المواد التي تُحسِّن من هيئة ومظهر المادة الغذائية لكي تكون شهية المنظر، وأكثر جاذبية للمستهلك، وأشد قبولاً ورغبة في شرائها وأكلها، إضافة إلى المواد الكيميائية التي تحفظ الغذاء من التلف، والعفن، والميكروبات الضارة، فتطيل من عمرها سنوات عديدة.

ونظراً لواقعية المردودات الصحية التي يصاب بها البشر في كل أرجاء العالم، وبخاصة الأطفال من تناول هذه الوجبات والأطعمة المعالجة صناعياً بطرق وأساليب كثيرة، ومنها السكري من النوع الثاني، والبدانة، وأمراض القلب، فقد زادت الأبحاث والدراسات العلمية التي تُحذر من الإفراط في تناولها وأكلها، وأطلقَ عليها العلماء مصطلحاً عاماً هو "الأطعمة فائقة المعالجة"(ultraprocessed foods)، أو الأطعمة المعالجة صناعياً.

ولذلك خصصت مجلة طبية دولية عريقة هي "اللانست"(The Lancet) عدداً خاصاً صدر في 18 نوفمبر 2025 تحت عنوان: "الأطعمة المعالجة صناعياً: حان الوقت لوضع الصحة قبل الربح". ويتناول هذا العدد من المجلة جميع الجوانب المتعلقة بهذه الظاهرة الصحية الدولية المشتركة والمتمثلة في الأطعمة المعالجة صناعياً، أو الأطعمة المعدلة والتي تضاف إليها مواد كيميائية الكثير منها مجهولة الهوية. كما نَشرتْ المجلة المرموقة سلسلة شاملة وجامعة من ثلاث دراسات في العدد نفسه، وشارك فيها خبراء من 43 دولة في مجال التغذية، والصحة العامة، والبيئة، والقانون والسياسة، وبدعمٍ من منظمات أممية معنية بهذه القضية الجامعة والمشتركة، منها صندوق الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الصحة العالمية.

أما الدراسة الأولى التي نُشرت في العدد الخاص من المجلة، فقد جاءت تحت عنوان: "الأطعمة المعالجة صناعياً وصحة الإنسان: الأطروحة الرئيسة والأدلة"، حيث عرضت الجانب المتعلق بصحة وسلامة الإنسان، والأمراض التي يتعرض لها عند الإفراط ولسنوات طويلة في استهلاك الأغذية والأطعمة المعالجة صناعياً. وأما الدراستان الثانية وعنوانها: "السياسات لوقف وعكس نمو إنتاج، وتسويق، واستهلاك الأطعمة المعالجة صناعياً"، والثالثة "نحو جهود دولية مشتركة ضد الأطعمة المعالجة صناعياً"، فتقدمان وتقترحان أن تكون هناك جهود دولية مشتركة ترسم وتحدد السياسات العامة التي يجب أن تتبعها المنظمات الأممية ذات العلاقة، وحكومات الدول لكيفية التصدي لهذه الظاهرة الصحية الدولية المنتشرة في كل الدول بدون استثناء، بحيث تتم مواجهة كافة مراحل هذه الأطعمة، بدءاً بتصنيعها وانتاجها، ثم تسويقها واستهلاكها.

وبعد الاطلاع على كل هذه الدراسات، أُقدم لكم أهم الاستنتاجات التي تمخضت عنها، كما يلي:

أولاً: هناك ارتفاع مطرد مشهود على المستوى الدولي للأمراض غير المعدية المرتبطة بغذاء الإنسان ونوعية المأكولات والأطعمة التي يستهلكها يومياً منذ طفولته وحتى يكبر، مما يعني أهمية توفير واستهلاك وتناول الغذاء الصحي نوعياً وكمياً للإنسان طوال سنوات حياته حتى يتجنب كل الأمراض المتعلقة بها.

ثانياً: تؤكد الدراسات بأن أسباب انتشار وتفاقم ظاهرة تناول الأغذية المعالجة صناعياً في كل أنحاء العالم هي أن الأغذية المعلبة والأطعمة الجاهزة أصبحت متوافرة وبكل سهولة في كل ركنٍ بعيد أو قريب في الأرض، وفي القرى النائية والبعيدة، أو المدن الحضرية الكبيرة، فهي سهلة المنال، ورخيصة الثمن، وطيبة المأكل والمظهر والشكل، ولا تحتاج إلى ساعات طويلة، وجهود كبيرة للإعداد والطهي والتحضير، ولذلك فالإقدام على استهلاكها في نمو دائم في كل أنحاء العالم. وقد أكدت التقارير الرسمية بأن مبيعات هذه الأطعمة على المستوى الدولي قد زادت من 1.5 تريليون دولار في عام 2009 إلى 1.9 في عام 2023. وفي المقابل نجد أن الأغذية الصحية، كالخضروات، والفواكه، والوجبات المنزلية تكون عادة في بعض القرى والمدن غير متوافرة، وغالية الثمن، ومن الصعب الحصول عليها، وتحتاج إلى جهد ووقت كبيرين، ولذلك ينخفض مستوى الإقبال عليها وتناولها يومياً.

ثالثاً: أشارت الدراسات إلى أن هناك علاقة سببية وقوية بين الإسراف في تناول الأغذية المعلبة والمعالجة صناعياً لفترات طويلة من الزمن، وبين الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، مثل البدانة والوزن المفرط، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب.

رابعاً: كشفت الدراسات إلى وجود جماعات ضغط قوية ومتنفذة تدافع عن شركات الأطعمة الجاهزة والمعلبة، وتُلمع من صورتها وسمعتها، وتُحسن من جودتها، وتشكك في الأدلة التي تثبت تأثيرها على الأمن الصحي للإنسان. كما أن جنود هذه الشركات من المرتزقة متغلغلون في الوزارات الحكومية المعنية بهدف توجيه قرارات الحكومات، وتغيير سياساتها نحو تخفيف الأنظمة والتشريعات المتعلقة بهذا النوع من الأطعمة. فهذه الشركات العملاقة تتبع سُنن من قَبْلهم من شركات التبغ والسجائر شبراً بشبر، وذراعاً بذراع فتتبنى استراتيجيات وخطط شركات التدخين القديمة منذ القرن المنصرم لكي تُروج هذه البضاعة الفاسدة صحياً، وتسوق لها عند جميع الفئات العمرية وبأساليب حديثة تجذب الناس وتغريهم وتحثهم على تناولها وتجربة مذاقها وطعمها فتؤدي بهم إلى الإدمان عليها.

خامساً: أكدت الدراسات بأن قضية الوجبات والأطعمة المعالجة صناعياً دولية، ولذلك لا بد أن يكون حلها دولياً، ولا بد من تظافر دول وعلماء العالم وجميع المهتمين للحد من تفاقم هذه الظاهرة العالمية، بحيث توضع حلولاً مشتركة تتعامل مع كافة مراحل هذه الأطعمة من مرحلة التصنيع والإنتاج والتحكم في محتوى المُنتج الغذائي والعلامات التحذيرية والتوضيحية التي توضع على المنتج إلى مرحلة التسويق والبيع، وأخيراً تنبيه المستهلك إلى خطورة تناول مثل هذه الأطعمة.