الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

نجاحات بيئية في عام 2025


مضى عام 2025، وعانت البيئة في تلك السنة من فشل وإخفاقات دولية كبيرة انعكست سلباً على أمن وسلامة كوكبنا، وبالتحديد بالنسبة لأزمة التغير المناخي العقيمة وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها وزيادة حمضية مياهها. فلم ينجح المجتمع الدولي من ايجاد حلٍ جماعي مشترك، وفشل من خلال مفاوضات الاجتماعات الأممية حول التغير المناخي المستمرة منذ أكثر من 30 عاماً من الوصول إلى معاهدة دولية مشتركة وملزمة لجميع الدول لمواجهة هذا التحدي العظيم والمصيري المشترك. فدرجة حرارة الأرض في ارتفاع سنة بعد سنة ولم تنجح الاجتماعات الدولية في تحديد الآليات والحلول لمنع زيادتها، ومستوى سطح البحر أيضاً في ارتفاع مشهود عاماً بعد عام دون أن يجد الإنسان الأدوات اللازمة لإيقافه ومنع الفيضانات والأعاصير الناجمة عنه.

 

وبالرغم من هذا الوضع المظلم والمتدهور الذي يعيش فيه كوكبنا، إلا أن هناك بعض الجوانب المتعلقة بالتغير المناخي والذي حقق نجاحاً ملموساً ومشهوداً في عام 2025، وبخاصة في الجانب المتعلق بالقانون الدولي للتغير المناخي، وبالتحديد القرار التاريخي الذي صدر عن محكمة العدل الدولية حول التغير المناخي في لاهاي في يوليو من العام المنصرم.

 

وهذا القرار يعد تاريخياً وفريداً من نوعه لسببين رئيسين. الأول هو ولوج محكمة العدل الدولية وربما لأول مرة منذ إنشائه في قضية تُعتبر وتُصنَّف عند الكثير من الدول بأنها قضية بيئية بحتة ولها علاقة مباشرة بأحد عناصر البيئة، وهو الغلاف الجوي، فلا علاقة لهذه المحكمة الدولية بها، ولا تقع ضمن اختصاصها والأهداف التي أنشئت من أجلها والمتعلقة بالجانب السياسي والأمني والحقوقي للبشر، إضافة إلى تقديم الرأي والمشورة في النزاعات بين الدول، كذلك بيان الرأي الشرعي الدولي بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إياها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. والسبب الثاني هو أن هذه المحكمة ربطت قضية التغير المناخي بحقوق الإنسان في كل أرجاء العالم، مما يعني بأن على دول العالم حسب قوانين حقوق الإنسان الاهتمام بهذه القضية وحماية الإنسان في كل المجتمعات من تداعياتها. كما أن المحكمة اعتبرتها قضية عدالة دولية بين الدول النامية والفقيرة التي تعاني وتتضرر يومياً من مردودات وتداعيات التغير المناخي، وهي لم تتسبب في وقوعه، وبين الدول الصناعية المتقدمة التي كانت مصدر وقوع هذه القضية منذ قرابة قرنين من الزمان بتلويث الهواء من المصانع والسيارات والقطارات وغيرهما، فلا بد إذن من هذه الدول أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية في تحقيق العدالة المناخية الدولية. 

وقد نُشرتْ الفتوى القانونية الدولية في 23 يوليو 2025 في قضية "مسؤولية الدول في مواجهة التغير المناخي"، حيث تَضَمنت الطلب الإجابة عن سؤالين هما أولاً: ما هو دور والتزامات وواجبات الدول حسب القانون الدولي في حماية الأنظمة المناخية من انبعاثات الأنشطة البشرية من غازات الاحتباس الحراري مثل غاز ثاني أكسيد الكربون، وثانياً: ما هي العواقب القانونية لهذه الالتزامات والأضرار الناجمة عنها للنظم المناخية ذات العلاقة بالدول، وبالتحديد على الدول الجزرية النامية، والناس، والأجيال المستقبلية.

وقد أكدت الفتوى على عدة مبادئ منها العدالة البيئية بين الدول، فلا تتعدى أية دولة بيئياً على السيادة البيئية لدولة أخرى أو لكوكبنا عامة، إضافة إلى العدالة البيئية بين الأجيال، أي بين الجيل الواحد وبين الأجيال المتعاقبة، فلا يؤثر أي جيل على مكونات وعناصر البيئة من الناحيتين النوعية والكمية حتى تتمتع كل الأجيال على حدٍ سواء ببيئة نظيفة، وسليمة، وصحية، وموارد وثروات بيئية غير ملوثة. وأما المبدأ الثاني فهو ضم قضية التغير المناخي وتداعياتها في بند حقوق الإنسان، فمن حق أي إنسان أن يعيش في بيئة تُعينه على الحياة الكريمة والعيش الرغيد، وتقوي دوره في البناء والتطور والإنتاج، وتحقيق التنمية المستدامة.

 

ومن نصوص هذه الفتوى هي أن على الدول حسب القانون الدولي لحقوق الإنسان الالتزام بتوفير "البيئة النظيفة، والصحية، والمستدامة"، كما أن القرار وصف قضية التغير المناخي بأنها "تهديد وجودي وعاجل" وأن على الدول مسؤولية مواجهتها بشكل جماعي مشترك.

 

أما الأزمة الدولية الثانية التي يخوضها كوكبنا منذ التسعينيات من القرن المنصرم فتُعد قصة نجاح لتظافر الجهود الدولية وتكاتفها لعلاج قضية تخص كوكبنا وتشترك فيها كل دول العالم من حيث المسؤولية في وقوعها من جهة، ومن حيث السقوط في تداعياتها المختلفة. وقد تحققت النتائج الإيجابية الدولية لهذه الأزمة المشتركة في عام 2025 بشكلٍ خاص.

 

هذه القضية هي انخفاض غاز الأوزون في طبقة الأوزون في القطب الجنوبي، والتي هي جزء صغير وحيوي ومهم جداً لاستدامة حياة البشر على سطح الأرض من طبقة الاستراتسفير العليا. وتتلخص هذه القضية في استخدام الإنسان لمواد كيميائية في تطبيقات كثيرة جداً كالتبريد والتكييف، وهذه المواد مع الوقت تسربت إلى الهواء وانتقلت إلى أعالي السماء حتى بلغت طبقة الأوزون، حيث قامت هذه الملوثات بتحليل غاز الأوزون الذي يحمي الإنسان من الأشعة فوق البنفسجية، فتَحوَّل غاز الأوزون إلى غاز الأكسجين غير المطلوب في تلك الطبقة، مما أدى إلى وجود منطقة شاسعة منخفضة تركيز غاز الأوزون فتتسرب منها الأشعة فوق البنفسجية القاتلة وتصل إلى سطح الأرض وتتضرر منها كل الكائنات الحية من إنسان، ونبات، وحيوان.

 

واليوم خفت وتيرتها وشدتها، وبدأ تركيز غاز الأوزون يتعافى في تلك الطبقة حسب تحليلات "الإدارة الوطنية للملاحة الجوية" (ناسا)، والإدارة القومية الأمريكية للمحيط والغلاف الجوي في عام 2025. ويعزى السبب في هذا النجاح إلى تظافر وتكامل جهود دول العالم أجمع بقيادة الأمم المتحدة والدول الصناعية المتقدمة الكبرى لمواجهة هذه الظاهرة البيئية الصحية الوجودية والمصيرية المشتركة. فقد قامت الدول وشركاتها الصناعية بالتخلص التدريجي من الملوثات الكيميائية التي أدت مع الوقت إلى استنفاد غاز الأوزون في طبقة الجو العليا، حيث استخدمت الأمم المتحدة أداة المعاهدات الدولية وعلى رأسها بروتوكول مونتريال.

 

أما قضية النجاح الثالثة للمجتمع الدولي في عام 2025 فهي متعلقة بانقراض الأنواع من الحياة الفطرية النباتية والحيوانية التي تعيش معنا على سطح الأرض، حيث أعلن "الاتحاد الدولي لصون الطبيعة" في أكتوبر 2025 بأنه تم رفع اسم سلاحف البحر الخضراء من قائمة الأنواع المهددة بالانقراض، مما يؤكد نجاح جهود دول العالم التي استغرقت قرابة 40 عاماً في حماية واكثار هذا النوع من السلاحف حتى وصلت أعداده إلى بر الأمان.

 

وبالرغم من تحقيق المجتمع الدولي لبعض الإنجازات والنجاحات في عام 2025، فهي في تقديري ما هي إلا فقط شمعة بسيطة تضيء الطريق في نهاية نفقٍ مظلم وأسود وطويل جداً لا يمكن معرفة مصيره ونهايته. فهل ستكون لخير البشرية، ونماء بيئتها وازدهار مكوناتها، أم ستكون أداة تدميرها والقضاء عليها؟

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

الأطعمة المعالجة صناعياً وباء دولي مشترك

 

لا تخلو "برادة" ومحل لبيع الأغذية والأطعمة صغيرة أم كبيرة في أي مدينة أو قرية نائية حول العالم من الأطعمة والمواد الغذائية المعلبة، والمثلجة، والجاهزة للأكل.  وكل هذه المواد الغذائية تثور وتدور حولها منذ عقود طويلة من الزمن الشكوك الصحية لتعريضها للبشر جميعاً لأمراض وأسقام مزمنة يصعب علاجها.

فمشكلة هذه الوجبات الجاهزة والأطعمة المعلبة تكمن في أنها تحتوي على الآلاف من المضافات الكيميائية الصناعية السرية والخفية التي لا يعرف أي أحدٍ عن هويتها ونوعيتها وتركيبها الكيميائي وخصائصها البيولوجية، ومدى ملاءمتها وسلامتها لاستهلاك الإنسان. فهناك المئات من المواد الملونة، والكثير من المضافات التي تعطي نكهة طيبة للطعام، ومذاق وطعم حلو، وهناك المواد التي تُحسِّن من هيئة ومظهر المادة الغذائية لكي تكون شهية المنظر، وأكثر جاذبية للمستهلك، وأشد قبولاً ورغبة في شرائها وأكلها، إضافة إلى المواد الكيميائية التي تحفظ الغذاء من التلف، والعفن، والميكروبات الضارة، فتطيل من عمرها سنوات عديدة.

ونظراً لواقعية المردودات الصحية التي يصاب بها البشر في كل أرجاء العالم، وبخاصة الأطفال من تناول هذه الوجبات والأطعمة المعالجة صناعياً بطرق وأساليب كثيرة، ومنها السكري من النوع الثاني، والبدانة، وأمراض القلب، فقد زادت الأبحاث والدراسات العلمية التي تُحذر من الإفراط في تناولها وأكلها، وأطلقَ عليها العلماء مصطلحاً عاماً هو "الأطعمة فائقة المعالجة"(ultraprocessed foods)، أو الأطعمة المعالجة صناعياً.

ولذلك خصصت مجلة طبية دولية عريقة هي "اللانست"(The Lancet) عدداً خاصاً صدر في 18 نوفمبر 2025 تحت عنوان: "الأطعمة المعالجة صناعياً: حان الوقت لوضع الصحة قبل الربح". ويتناول هذا العدد من المجلة جميع الجوانب المتعلقة بهذه الظاهرة الصحية الدولية المشتركة والمتمثلة في الأطعمة المعالجة صناعياً، أو الأطعمة المعدلة والتي تضاف إليها مواد كيميائية الكثير منها مجهولة الهوية. كما نَشرتْ المجلة المرموقة سلسلة شاملة وجامعة من ثلاث دراسات في العدد نفسه، وشارك فيها خبراء من 43 دولة في مجال التغذية، والصحة العامة، والبيئة، والقانون والسياسة، وبدعمٍ من منظمات أممية معنية بهذه القضية الجامعة والمشتركة، منها صندوق الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الصحة العالمية.

أما الدراسة الأولى التي نُشرت في العدد الخاص من المجلة، فقد جاءت تحت عنوان: "الأطعمة المعالجة صناعياً وصحة الإنسان: الأطروحة الرئيسة والأدلة"، حيث عرضت الجانب المتعلق بصحة وسلامة الإنسان، والأمراض التي يتعرض لها عند الإفراط ولسنوات طويلة في استهلاك الأغذية والأطعمة المعالجة صناعياً. وأما الدراستان الثانية وعنوانها: "السياسات لوقف وعكس نمو إنتاج، وتسويق، واستهلاك الأطعمة المعالجة صناعياً"، والثالثة "نحو جهود دولية مشتركة ضد الأطعمة المعالجة صناعياً"، فتقدمان وتقترحان أن تكون هناك جهود دولية مشتركة ترسم وتحدد السياسات العامة التي يجب أن تتبعها المنظمات الأممية ذات العلاقة، وحكومات الدول لكيفية التصدي لهذه الظاهرة الصحية الدولية المنتشرة في كل الدول بدون استثناء، بحيث تتم مواجهة كافة مراحل هذه الأطعمة، بدءاً بتصنيعها وانتاجها، ثم تسويقها واستهلاكها.

وبعد الاطلاع على كل هذه الدراسات، أُقدم لكم أهم الاستنتاجات التي تمخضت عنها، كما يلي:

أولاً: هناك ارتفاع مطرد مشهود على المستوى الدولي للأمراض غير المعدية المرتبطة بغذاء الإنسان ونوعية المأكولات والأطعمة التي يستهلكها يومياً منذ طفولته وحتى يكبر، مما يعني أهمية توفير واستهلاك وتناول الغذاء الصحي نوعياً وكمياً للإنسان طوال سنوات حياته حتى يتجنب كل الأمراض المتعلقة بها.

ثانياً: تؤكد الدراسات بأن أسباب انتشار وتفاقم ظاهرة تناول الأغذية المعالجة صناعياً في كل أنحاء العالم هي أن الأغذية المعلبة والأطعمة الجاهزة أصبحت متوافرة وبكل سهولة في كل ركنٍ بعيد أو قريب في الأرض، وفي القرى النائية والبعيدة، أو المدن الحضرية الكبيرة، فهي سهلة المنال، ورخيصة الثمن، وطيبة المأكل والمظهر والشكل، ولا تحتاج إلى ساعات طويلة، وجهود كبيرة للإعداد والطهي والتحضير، ولذلك فالإقدام على استهلاكها في نمو دائم في كل أنحاء العالم. وقد أكدت التقارير الرسمية بأن مبيعات هذه الأطعمة على المستوى الدولي قد زادت من 1.5 تريليون دولار في عام 2009 إلى 1.9 في عام 2023. وفي المقابل نجد أن الأغذية الصحية، كالخضروات، والفواكه، والوجبات المنزلية تكون عادة في بعض القرى والمدن غير متوافرة، وغالية الثمن، ومن الصعب الحصول عليها، وتحتاج إلى جهد ووقت كبيرين، ولذلك ينخفض مستوى الإقبال عليها وتناولها يومياً.

ثالثاً: أشارت الدراسات إلى أن هناك علاقة سببية وقوية بين الإسراف في تناول الأغذية المعلبة والمعالجة صناعياً لفترات طويلة من الزمن، وبين الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، مثل البدانة والوزن المفرط، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب.

رابعاً: كشفت الدراسات إلى وجود جماعات ضغط قوية ومتنفذة تدافع عن شركات الأطعمة الجاهزة والمعلبة، وتُلمع من صورتها وسمعتها، وتُحسن من جودتها، وتشكك في الأدلة التي تثبت تأثيرها على الأمن الصحي للإنسان. كما أن جنود هذه الشركات من المرتزقة متغلغلون في الوزارات الحكومية المعنية بهدف توجيه قرارات الحكومات، وتغيير سياساتها نحو تخفيف الأنظمة والتشريعات المتعلقة بهذا النوع من الأطعمة. فهذه الشركات العملاقة تتبع سُنن من قَبْلهم من شركات التبغ والسجائر شبراً بشبر، وذراعاً بذراع فتتبنى استراتيجيات وخطط شركات التدخين القديمة منذ القرن المنصرم لكي تُروج هذه البضاعة الفاسدة صحياً، وتسوق لها عند جميع الفئات العمرية وبأساليب حديثة تجذب الناس وتغريهم وتحثهم على تناولها وتجربة مذاقها وطعمها فتؤدي بهم إلى الإدمان عليها.

خامساً: أكدت الدراسات بأن قضية الوجبات والأطعمة المعالجة صناعياً دولية، ولذلك لا بد أن يكون حلها دولياً، ولا بد من تظافر دول وعلماء العالم وجميع المهتمين للحد من تفاقم هذه الظاهرة العالمية، بحيث توضع حلولاً مشتركة تتعامل مع كافة مراحل هذه الأطعمة من مرحلة التصنيع والإنتاج والتحكم في محتوى المُنتج الغذائي والعلامات التحذيرية والتوضيحية التي توضع على المنتج إلى مرحلة التسويق والبيع، وأخيراً تنبيه المستهلك إلى خطورة تناول مثل هذه الأطعمة. 

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

ماذا يعني توجيه ترمب باستئناف التجارب النووية؟

 


فجّر ترمب كعادته تصريحاً نووياً ثقيلاً هزَّ العالم برمته، وولَّد الكثير من الغموض والتكهنات، ونُشرت العديد من التحليلات على كافة المستويات الدولية لسبر غور هذا التصريح ومحاولة تكهن أبعاده، ودلائله، وتأثيراته المستقبلية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

فقد وجه ترمب في 30 أكتوبر 2025 وزارة الحرب على استئناف التجارب النووية التي كانت تجريها أمريكا منذ الأربعينيات من القرن المنصرم بعد أن توقفت لقرابة 33 عاماً، أي في عام 1992 في عهد الرئيس جورج بوش الأب الذي أصدر أمراً تنفيذياً بإيقاف التجارب والتفجيرات النووية. وجاء هذا الأمر الرئاسي قبيل لقائه بالرئيس الصيني كرد فعل على البرامج النووية التي تقوم بها روسيا، والصين، وكوريا الشمالية من ناحية إجراء روسيا لتجارب نووية ومن ناحية زيادة أعداد القنابل والرؤوس النووية في هذه الدول، إضافة إلى الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية العابرة للقارات والتي تحمل رؤوساً نووية بأحجام وقدرات تفجيرية مختلفة، حيث كتب ترمب على منصة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال" قائلاً: "بسبب برامج التجارب النووية التي تنفذها دول أخرى، وجهتُ وزارة الحرب للبدء في اختبار أسلحتنا النووية على أساس متكافئ، وهذه العملية ستبدأ فوراً". كما أكد ترمب على هذه التصريحات في اللقاء التلفزيوني لمحطة "أخبار سي بي إس" التي أَجرتْ معه لقاءً في 2 نوفمبر في برنامج "60 دقيقة"، حيث قال: "لا أريد أن أكون الدولة الوحيدة التي لا تُجري الاختبارات النووية"، لأن روسيا والصين تقومان بالاختبارات على أسلحتها النووية.

ولكن هذا التصريح ترك أمامنا الكثير من التساؤلات والاستفسارات، فلم يوضح ترمب أموراً عدة، منها هل ستجري أمريكا فعلاً تجارب نووية جديدة، أي تفجيرات نووية، علماً بأنها محظورة دولياً حسب المعاهدات التابعة للأمم المتحدة، مثل "المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية" والتي لم تصادق عليها الدول النووية الكبرى؟

وإذا كانت ستقوم الولايات المتحدة بهذه التجارب والتفجيرات النووية، هل ستكون فوق الأرض، أو تحت الأرض، أو تحت أعماق المحيطات، أو في الفضاء الشاسع فوق الأرض؟

وما هي الرسائل التي يريد ترمب توصيلها من هذا التصريح إلى الدول المعنية، وبالتحديد روسيا والصين، وباقي حكومات العالم؟

وهل مثل هذا التصريح سيشجع ويحفز البدء في سباق محتدم جديد للتسلح النووي بين دول العالم، ولكن هذه المرة لن يكون السباق بين دول الحرب الباردة كأمريكا وروسيا فحسب، وإنما ستدخل السباق دول أخرى كثيرة، وستشارك في إنتاج الأسلحة النووية ذات القدرات التدميرية الهائلة؟ وهذه الحالة الكارثية من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار ليس على مستوى الدول وإنما على مستوى الكرة الأرضية برمتها.

 

 ولذلك قامت وبسرعة عدة جهات حكومية رسمية أمريكية على مستوى الوزراء بنشر تصريحات تفسيرية وتوضيحية عقب تصريح ترمب من أجل إزالة الغمام والغموض عن تصريحات ترمب، وتقديم الصورة الواقعية الصحيحة للحكومات والناس لإزالة الخوف والرعب عن قلوب شعوب العالم.

 

ومنها تصريح وزير الطاقة "كريس رايت" في 2 نوفمبر 2025 وهي الوزارة المعنية تاريخياً بتجارب الأسلحة النووية، حيث قال مقابلة مع "فوكس نيوز": "أظن بأن الاختبارات التي نتحدث عنها حالياً هي اختبارات الأنظمة النووية بمجملها...فهي ليست تفجيرات نووية، فهي التي نُطلق عليها التفجيرات غير الحرجة"، وبعبارة أخرى فإن التجارب والاختبارات ستُجرى على جميع أجزاء نظام الأسلحة النووية للتأكد بأنها صالحة وجاهزة للاستعمال والقيام بتفجير نووي. أما وزير الحرب الأمريكي فقد قال بأن "الرئيس قال بوضوح بأننا نحتاج إلى أن يكون لدينا رادع نووي موثوق به"، أي تعميق مصداقية وقوة أمريكا النووية، مما يساعد على منع حرب نووية، كما قال وزير الحرب الأمريكي بأنني أظن بأن هذا سيقلل من احتمالية وقوع أي نزاع نووي.

فمثل هذه التصريحات التي أدلى بها ترمب تؤكد بأننا لا نعيش في عالمٍ متحضر ومتعلم يُفضل السلم والأمن على الحرب والدمار وعدم الاستقرار، حيث إنه من المفروض على ترمب الذي يسعى لنيل جائزة السلام أن يدعو ويحث دول العالم، وبخاصة الدول النووية الكبرى القديمة والحديثة، ويستخدم أسلوب الضغط والترغيب والترهيب والعصا والجزرة، كما يفعل حالياً في قضية فرض الضرائب والرسوم الجمركية على جميع دول العالم، على الالتزام بالمعاهدات النووية القديمة كالمعاهدات المعنية بحظر الأسلحة النووية ومنع امتلاكها، ومنع التجارب النووية، والتوقف عن إنتاج أسلحة نووية جديدة، فيكون بذلك هو القدوة والنموذج الأعلى لباقي دول العالم على التعهد وتنفيذ كل هذه الاتفاقيات والمعاهدات الأممية، فتكون الولايات المتحدة هي زعيمة وقائدة العالم حقاً في إيقاف أي سباق نووي لإنتاج الأسلحة الذرية، والسعي نحو عالم آمن خالٍ من الأسلحة النووية ومنزوع منه جميع أسلحة الدمار الشامل النووية (denuclearization).

ولكن مع الأسف فبالرغم من امتلاك أمريكا وبعض دول العالم لآلاف الأسلحة النووية من قنابل ذرية ورؤوس نووية إلا أنها مازالت تنفق المليارات على إنتاج أسلحة جديدة أشد فتكاً وأكثر تدميراً لبشر والشجر والحجر. فقد أفاد الكتاب السنوي الأخير الصادر في يونيو 2025 تحت عنوان "المخزونات الدولية من الرؤوس الحربية النووية" والمنشور من "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" بأن الولايات المتحدة تمتلك 1770 رأساً نووياً منتشراً أي محمولاً وجاهزاً للاستعمال، وهو العدد الأكبر بين جميع الدول النووية. كما تحتفظ الولايات المتحدة بـ 1930 رأساً نووياً مخزناً في أكثر من ثلاثين موقعاً في الولايات الأمريكية ليرتفع إجمالي مخزونها العسكري إلى 3700 رأس. أما روسيا، فيُقدر أنها تمتلك عدداً أقل بقليل من الرؤوس المنتشرة والمحملة ويبلغ 1718 رأساً، غير أن مخزونها الذي يصل إلى 2591 رأساً يجعل إجمالي ترسانتها أكبر بكثير، إذ يبلغ 4309 رؤوس.

وفي عام 2025، أخرجت الولايات المتحدة 1477 رأساً نووياً من الخدمة، وروسيا 1150 لأنها أصبحت بالية وغير فاعلة، وكلفة صيانتها مرتفعة جداً. وأما الصين فيقدر أنها تمتلك 24 رأساً نووياً فقط في الخدمة الفعلية وجاهزة للانطلاق، في حين ترسانتها العسكرية النووية الإجمالية تضم 600 رأس نووي، منها 576 مخزناً، ولكن الترسانة النووية الصينية تنمو بوتيرة متسارعة من الناحيتين الكمية والنوعية، أي نحو 100  رأس نووي جديد سنوياً منذ عام 2023. وهناك في المقابل الدول النووية التقليدية الأخرى كبريطانيا وفرنسا، والدول الحديثة التي دخلت النادي النووي وهي كوريا الشمالية، والهند، وباكستان، والكيان الصهيوني.

فماذا ستفعل الدول بهذا الكم الهائل الضخم من أسلحة الدمار الشامل؟ ولماذا هذا السباق الجديد لإنتاج أعدادٍ أكبر من هذه القنابل النووية وبقدرات تدميرية هائلة تكفي كل واحدة منها لتدمير مدن بأكملها وقتل مئات الآلاف من البشر في دقائق معدودة؟

 فلماذا لا يتجه العالم نحو الدبلوماسية والحوار الشفاف والصريح واستخدام أدوات المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والدولية لإنقاذ كوكبنا من شر هذه الأسلحة التدميرية الشاملة؟

 

الجمعة، 14 نوفمبر 2025

هل ماء المطر صالح للشرب؟


من المفروض نظرياً أن ماء المطر الذي ينزل من المُزْن ومن السماء أن يكون آمناً، وصحياً، ونقياً، وصالحاً للشرب مباشرة، سواء للإنسان، أو الحيوان، أو ري المناطق الزراعية، والغابات الكثيفة، والأعشاب والشجيرات الصحراوية.

 

ولكن مع بزوغ فجر الثورة الصناعية، ومع انتشار المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، وازدياد أعداد وأنواع وسائل المواصلات البرية، والبحرية، والجوية، فإن الإنسان في كل أنحاء العالم أطلق سراح أحجامٍ عظيمة ومهولة من شتى أنواع الملوثات إلى الهواء الجوي، وإلى الأوساط البيئية الأخرى، فلم يبق شبر من كوكبنا قريباً كان أم نائياً وبعيداً إلا وأصابه داء التلوث العقيم، وعرَّض صحته للأسقام المزمنة.

 

وهذه الأمراض والعلل التي نزلت على مكونات بيئتنا، انكشفت لنا على شكل ظواهر غريبة وغامضة لم يشهدها التاريخ البشري من قبل، ولم يعرف ماهيتها وأسرارها وانعكاساتها على صحة البيئة من جهة، وصحة البشر من جهة أخرى.

 

وهذه المظاهر البيئية بدأت تكشف عن نفسها يوماً بعد يوم منذ مطلع الأربعينيات من القرن المنصرم وحتى يومنا هذا، فكلما ظهرت علينا ظاهرة ومشكلة بيئية جديدة، وتعرف الإنسان على أسرارها وتفاصيلها وكيفية وأسباب نزولها، انكشفت له ظاهرة أخرى بعد سنوات قليلة أخطر من أختها، وأشد وطأة وتنكيلاً بأمن البيئة وسلامتها، وأكثر تهديداً بصحة الإنسان والحياة الفطرية.

 

ومن المظاهر القديمة المتجددة التي لها علاقة بجودة ماء المطر هي وجود بعض الملوثات التي أطلقها الإنسان في الهواء الجوي في ماء المطر الذي ينزل من السماء، فحوَّل هذا الماء العذب الزلال الصافي الذي اعتمدت عليه المجتمعات البشرية كمياه للشرب والزراعة والأغراض المنزلية إلى مياه آسنة، ملوثة، وغير صحية، ولا يمكن استخدامها مباشرة.

 

فهذه الظاهرة القديمة المتجددة تختلف فقط في نوعية الملوثات الموجودة في مياه الأمطار، فهي كلها مياه أمطار ملوثة، ولكن هوية هذه الملوثات ونوعيتها اختلفت مع الزمن، ومع العقود المتلاحقة.

 

ففي منتصف القرن المنصرم عانى الإنسان من ظاهرة أُطلق عليها "المطر الحمضي"، أو الثلج الحمضي، أي أن ماء المطر، أو الثلج الذي نزل على البشر لم يكن عادياً وطبيعياً في نوعيته وجودته، وإنما كان ماء المطر حمضياً، أي كما نٌطلق عليه في البحرين "التيزاب"، وهو السائل الموجود في بطارية السيارات.

 

وقد تكون هذا المطر الحمضي نتيجة لإطلاق ملوثات وغازات حمضية إلى الهواء الجوي من خلال احتراق الوقود في السيارات، والقطارات، والطائرات، ومحطات توليد الكهرباء والمصانع. ومن هذه الملوثات التي انبعثت من كل هذه المصادر الذي لا تعد ولا تحصى في كل أنحاء العالم هي غاز ثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكربون. وكل هذه الملوثات الحمضية بعد انتقالها إلى الهواء الجوي وفي أعالي السماء تفاعلت مع الماء وكونت حمض الكبريتيك، وحمض النيتريك، وحمض الكربونيك، فنزلت مع ماء المطر فلوثت البر، والبحر.

 

فهذا المطر والثلج الحمضي لوثت مساحات واسعة من الكرة الأرضية، فعندما نزلت على المسطحات المائية رفعت من مستوى حمضيتها فأثرت على نوعية المياه، وأهلكت الأسماك والحياة الفطرية المائية برمتها، وحولت هذه البيئات المائية الجميلة والمنتجة إلى صحاري جرداء مقفرة لا حياة فيها. وعلاوة على ذلك، فقد كشف بحث جديد عن ظاهرة حديثة لم يعرفها العلماء في تلك الحقبة الزمنية، وهذا  البحث المنشور في مجلة(Frontier Marine Science) في 27 أغسطس 2025، صدر بعنوان: "تأثيرات حموضة المحيطات على مورفولوجيا أسنان القرش"، وخلص إلى أن ارتفاع حموضة المياه يؤثر على بنية وصحة أسنان سمك القرش ويؤدي إلى ضعفها وسرعة تآكلها، مما يعني على المدى البعيد عدم قدرة هذا الكائن الحي وغيره من الكائنات على اصطياد وأكل الفريسة، ثم انقراضها مع الزمن.

 

وعندما نزلت هذه الأمطار الحمضية على المباني والتماثيل التي شيدها الإنسان، وأنفق على إنشائها مبالغ باهظة، كان يحولها إلى مسحوق، ويضعف قوتها، ويهدد من تماسكها، ويتسبب في سقوطها. كما إن هذه الأمطار والثلوج الملوثة عندما سقطت على الغابات والأشجار الكثيفة، كانت لها مردودات خطيرة تهدد حياتها واستدامة انتاجها.

 

وتمكن الإنسان بعد أن عرف السبب في الحد من هذه الظاهرة البيئية المهلكة لجميع مكونات البيئية، وبالتحديد من خلال إزالة الكبريت في كل أنواع الوقود الأحفوري، إضافة إلى خفض انبعاث غازات أكاسيد النيتروجين إلى الهواء.

 

ولكن ما أن تخلص الإنسان من هذه المشكلة العقيمة، ومن المطر والثلج الحمضي، وإذا به يواجه معضلة أخرى، وظاهرة لم تكن في الحسبان، ولم تخطر على قلب بشر، وهي نزول المطر الميكروبلاستيكي، أي وجود مخلفات وجسيمات بلاستيكية متناهية في الصغر في مياه الأمطار والثلوج!  

 

وفي الحقيقة، وبالرغم من غرابة الظاهرة، فقد كان على الإنسان بخبرته وعلمه التراكمي الواسع أن يتوقع وقوعها، فعشرات الآلاف من المنتجات البلاستيكية دخلت في جميع المواد الاستهلاكية التي نستخدمها منذ عقود طويلة من الزمن في المنزل، والمكتب، ومكان العمل، بل وأستطيع أن أُجزم بأنك قلما تشاهد منتجاً لا يدخل في تركيبه البلاستيك. فكل هذه المنتجات لا بد من أن تجد طريقها مع الوقت في الأوساط البيئية بعد أن تنتهي صلاحيتها، ومع مرور الزمن لأنها مستقرة ولا تتحلل في البيئة، فإنها تنتقل وتتحرك على هيئة قطع كبيرة، أو صغيرة، أو جسيمات متناهية في الصغر من وسطٍ بيئي إلى آخر، حتى تتعلق في الهواء، فترتفع إلى الأعلى وتختلط بماء السحب وتصبح جزءاً من تكوينه، وتنزل أخيراً معها كمطر أو ثلج ميكروبلاستيكي.

 

وقد وثق العلماء الآن "دورة حياة المخلفات البلاستيكية"، وأجروا دراسات كثيرة أثبتوا غزوها واحتلالها لكل مكونات البيئة الحية وغير الحية، علاوة على كل أعضاء جسم الإنسان، الصغيرة والكبيرة. أما بالنسبة لماء المطر والثلج فقد أجمعت الدراسات على احتوائه لمخلفات مايكروبلاستيكية. وسأُقدم لكم عدداً من هذه الدراسات. فهناك دراسة نُشرت في 14 أغسطس 2019 في مجلة "العلوم"(Science) تحت عنوان: "أبيض وعجيب؟ الميكروبلاستيك في الثلج من جبال الألب إلى القطب الشمالي"، حيث كشفت عن وجود الجسيمات البلاستيكية المتناهية في الصغر في الثلوج، في القطب الشمالي والثلوج في القارة الأوروبية، مما يؤكد تحرك هذه الجسيمات عبر الهواء ومن خلال حركة الرياح من منطقة إلى أخرى، ومعظم هذه الجسيمات كانت من نوع بولي إيثلين، والمطاط، والبلاستيك الموجود في الطلاء والأصباغ، إضافة إلى المواد البلاستيكية العضوية التي تحتوي على العديد من عنصر الفلورين، ويُطلق عليها حالياً بمجموعة مركبات(PFAS).

 

كذلك نُشرت دراسة في مجلة "نشرة تلوث البحار"(Marine Pollution Bulletin)في يناير 2022 تحت عنوان: " ترسب الميكروبلاستيك من الغلاف الجوي في جاكرتا من الأمطار"، والأنواع التي تم الكشف عنها كانت بولي ستيرين، وبولي بيوتاديين، وبولي إيثلين، والتركيز في ماء المطر تراوح بين 3 إلى 40 جسيماً من الجسيمات والألياف البلاستيكية في المتر المربع في اليوم.

 

ودراسة ثالثة منشورة في 5 أغسطس 2024 في مجلة(Nature Geoscience) تحت عنوان: " انتقال الميكروبلاستيك وترسبه عبر الغلاف الجوي في الجبال النائية في فرنسا"، حيث تم تحليل الترسبات الجافة والرطبة، أي ماء المطر الذي يسقط على جبال فرنسا، وأكدت على وجود المخلفات الميكروبلاستيكية في هذه الترسبات، بالرغم من أن المنطقة بعيدة جداً عن الأنشطة البشرية. كذلك هناك الدراسة تحت عنوان: "المايكروبلاستيك في مياه الأمطار" والمنشورة في يونيو 2023 في مجلة (TrAC Trends in Analytical Chemistry)، إضافة إلى البحث تحت عنوان: "إنها تمطر مواد ميكروبلاستيكية(بي إف أي إس) في فلوريدا" والمنشور في مجلة "أبحاث تلوث الغلاف الجوي"(Atmospheric Pollution Research) في ديسمبر 2024.

 

وخلاصة القول، واستناداً إلى الدراسات العلمية فإن مياه الأمطار اليوم لا تصلح مباشرة للاستهلاك الآدمي، وبخاصة للشرب، ففي السابق كان حمضياً، واليوم بلاستيكياً، ولا نعلم غداً ماذا سيكون في مياه الأمطار؟

 

السبت، 25 أكتوبر 2025

تصفية قضية التغير المناخي

 

تاريخ ترمب مع قضية التغير المناخي وسخونة الأرض مظلم وأسود منذ الفترة الأولى من رئاسته. فهو في حالة حرب وعداء مزمن مع هذه القضية الدولية العامة والمشتركة التي تؤثر على جميع دول العالم بدون استثناء، الغنية منها والفقيرة، المتقدمة منها والمتأخرة، فالجميع يقف سواسية كأسنان المشط أمام تداعياتها التي لا تُبقي ولا تذر.

 

وبالرغم من ذلك فإن ترمب يقف ضدها كلياً، بل ويعرقل ويبعثر جهود دول العالم الساعية نحو مواجهتها، ومكافحتها تحت سقف تشريعي واحد هو المعاهدات والتفاهمات الدولية حول التغير المناخي، والتي بدأت أولاً بـ "الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول التغير المناخي". وهذه الاتفاقية الإطارية هي التي وضعت قاعدة التفاوض الدولية حول بنود معاهدة دولية مشتركة يلتزم بها الجميع.

 

فترمب عمل على عدة جبهات منذ توليه السلطة ودخوله البيت الأبيض في الفترة الأولى من حكمه، واليوم في الفترة الثانية إلى إضعاف وافشال هذه الجهود الدولية، وتصفية قضية التغير المناخي برمتها من خلال توجيه ضربات قاضية تُسقط هذه القضية كلياً من على جدول أعمال المجتمع الدولي واجتماعات الأمم المتحدة المناخية. ومن أجل ذلك يعمل ترمب جاهداً على تهميش هذه القضية على المستوى الأمريكي القومي، ويحاول اجتثاثها من هموم وشؤون المواطن الأمريكي، واحداث تغيير جذري بشكلٍ منهجي مدروس في الرأي العام الأمريكي حول واقعية هذه القضية الدولية التي تواجه كوكبنا عامة في كل شبرٍ منه، وإقناع الشعب الأمريكي بأن التغير المناخي ظاهرة طبيعية تحدث في كل دول العالم، ولا دور لبرامج الإنسان التنموية في وقوعها، إضافة إلى نشر المفهوم الخاطئ والمضلل بأن تداعيات التغير المناخي لا تضر بصحة الإنسان، ولا تمس حياته العامة بسوء.

 

فالجبهة الأولى كانت ثقافية وتوعوية من ناحية عدم الاعتراف بنزول واقعة التغير المناخي، والتشكيك في وجود أي دور للإنسان وأنشطته التنموية في نزول تداعيات التغير المناخي، وبخاصة ارتفاع حرارة الأرض وزيادة سخونتها والكوارث المناخية التي تنجم عنها. فبدأ أولاً بإدخال البعد الأجنبي في هذه الظاهرة، فقال عدة مرات واصفاً قضية التغير المناخي بأنها حيلة وخدعة صينية تهدف إلى وقف عجلة التنمية في الولايات المتحدة الأمريكية، وعرقلة العملية الإنتاجية في أمريكا. كما وصفها في مناسبات أخرى بأنها "أسطورية"، و"غير موجودة" و "خدعة غالية". وأخيراً قال وبكل وضوح مخالفاً الاجماع الدولي وأمام الملأ في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2025 بأن: "هذا التغير المناخي هو أعظم عملية احتيال تم ارتكابها على الإطلاق في العالم، وفي رأيي كل التنبؤات التي قدَّمَتها الأمم المتحدة كانت خاطئة"، كما أضاف قائلاً: "إذا لم تَتَخَلصْ من هذه الخدعة، فإن بلدك سوف يفشل".

 

كما أن ترمب من ناحية تحويل الرأي العام الأمريكي وتصفية واستئصال القضية برمتها من المجتمع الأمريكي، كلَّف وزير الطاقة "كريس رايت"(Chris Wright) الذي كان يعمل في مجال النفط ويعادي التغير المناخي، بتعيين خبراء مرتزقة ينشرون تقريراً جديداً يقدم رؤيته وسياسته حول التغير المناخي، مخالفاً بذلك سياسة الحكومات الأمريكية السابقة، وأُطلق على هذا الفريق من الخبراء "مجموعة العمل المناخية". وقد جاء تقرير وزارة الطاقة المناخي في 23 يوليو 2025 في 140 صفحة تحت عنوان: "مراجعة نقدية لتأثيرات غازات الاحتباس الحراري على مناخ الولايات المتحدة". وهذا التقرير احتوى على أكثر من مائة بيان خاطئ ومضلل للرأي العام، وأحدث زلزالاً علمياً لدى علماء المناخ في أمريكا خاصة، ونشروا تقارير كثيرة رداً على هذا التقرير غير الدقيق والانتقائي وغير المستقل. وفي الوقت نفسه يعمل ترمب على تغييب وإلغاء المصطلحات الخاصة بالتغير المناخي في التقارير الرسمية الصادرة من الوزارات والوكالات الحكومية حتى ينساها الناس وتنتهي مع الزمن. فقد نشرت صحيفة "بوليتيكو" مقالاً في 28 سبتمبر 2025 تحت عنوان: "وزارة الطاقة تضيف "التغير المناخي"، وكلمة "الانبعاثات"، و"الأخضر" ضمن قائمة الكلمات الممنوع تداولها، وعلى المعنيين في الحكومة تجنب استخدامها.

 

ومن جانب آخر تعمد ترمب على تهميش علماء المناخ محلياً ودولياً، وتشويه سمعتهم، وخبرتهم، وعلمهم حتى يشكك الناس في مصداقيتهم ومصداقية الاستنتاجات التي توصلوا إليها حول التغير المناخي. وفي بعض التصريحات البذيئة والتي لا تليق برئيس دولة عظمى، سخر واستهزأ ترمب وأمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 بعلماء المناخ حول العالم، وقال أنهم "ناس أغبياء"، وأن النتائج التي تمخضت عن أبحاثهم حول التغير المناخي ليست لها علاقة بالواقع، وأنها غير صحيحة، ولا تستند إلى الأدلة العلمية الدامغة.

 

والجبهة الثانية لاجتثاث قضية التغير المناخي قومياً ودولياً كانت من الناحية التشريعية المتعلقة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية الهادفة إلى المواجهة الدولية المشتركة لخفض انبعاث الملوثات المتهمة بوقوع التغير المناخي، وفي مقدمتهم غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان. أما على المستوى الدولي فقد انسحب ترمب مرتين من تفاهمات باريس لعام 2015، فالمرة الأولى كانت خلال الفترة الأولى من حكمه، والثانية في يناير 2025 عند توليه السلطة للمرة الثانية، مما أدى إلى تأخر وبطء الجهود الدولية لخفض الانبعاث وإيقاف سخونة الأرض. فوجود الولايات المتحدة في مثل هذه المعاهدات الدولية مهم جداً لنجاح أي عمل دولي مشترك لحماية ارتفاع حرارة كوكبنا، فأمريكا تُعد تاريخياً الدولة الأولى المسؤولة عن وقوع التغير المناخي، ولذلك من الناحية الأخلاقية يجب أن تؤدي دورها في خفض انطلاق الملوثات المتهمة بسخونة الأرض.

 

وأما على المستوى القومي فقد ألغى ترمب أكثر من مائة قانون قومي أمريكي له علاقة بالزام المصانع ومحطات توليد الكهرباء وعمليات استخراج النفط والفحم والغاز الطبيعي في خفض انبعاثاتها من غازات الدفيئة والاحتباس الحراري. فهذه الشركات غير ملزمة في عهد ترمب باتخاذ أي إجراء لخفض انبعاثاتها. كذلك في هذا الإطار فإن ترمب يحارب استخدام مصادر الطاقة المتجددة البديلة والنظيفة مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وغيرهما، ويشجع في الوقت نفسه استخراج وحرق الوقود الأحفوري، وبخاصة الفحم في توليد الكهرباء لأمريكا. بل وإن ترمب أرسل مبعوثيه إلى أوروبا ودول كثيرة أخرى ليحثهم على استخدام الفحم والنفط، والتخلي عن مصادر الطاقة المتجددة غير الملوثة للهواء وغير المؤدية لوقوع ظاهرة التغير المناخي.

 

لذلك من الواضح من جميع الممارسات والقوانين والأوامر التنفيذية التي أقرها ترمب منذ دخوله البيت الأبيض لأول مرة أنها جميعها تصب في هدفٍ واحدٍ كبير، وهو تصفية قضية التغير المناخي على المستويين القومي الأمريكي والدولي.

 

فهل ستنجح دول العالم بزعامة الصين من قيادة دفة سفينة التغير المناخي دون ركوب أمريكا على متنها، ومنع تصفية هذه القضية الوجودية لنا ولكوكبنا؟ 

 

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

هل نجحتْ أمريكا في تجربة السماح للحشيش؟

 

هناك وهمٌ يشيعه وينشره البعض بأن الدول إذا منعت مُنتجاً محرماً كالخمر، وتدخين التبغ والحشيش، أو سلوكاً منحرفاً كالشواذ والانحراف الجنسي، فإن هذا الحظر يؤدي إلى خلق سوق سوداء داخل الدولة لتداول هذا المنتج، ونشوء تجارةْ بيع وشراء خارج أنظار ورعاية ونظام الدولة. كما يروجون أصحاب الضمائر الميتة بأن هذا المنع من الدولة يحفز الناس على حب الاستطلاع والخوض في تجربة ممارسة هذا السلوك غير السوي والشاذ. ولذلك يدَّعي أصحاب هذا الوهم الخبيث والمروجون له، ومن أجل تجنب السوق السوداء، بأن على الدول تحليل هذه المنتجات والمواد المحرمة والمحظورة، وإطلاق سراحها داخل البلاد.

 

وهذا بالفعل ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة للمخدرات، وبالتحديد الحشيش، أو الماريجونا أو ما يُطلق عليه بنبات القنب. فهناك عدة مبررات وأوهام قدَّمها شياطين الإنسان للسماح باستخدام الحشيش، منها أولاً القضاء على السوق السوداء وإخضاع تداول الحشيش تحت سلطة الولاية، وإنشاء سوق رسمية آمنة ومقننة ومنظمة، ثم ثانياً ومن الناحية الواقعية عدم قُدرة الولايات الأمريكية على التحكم والسيطرة على انتشار تعاطي الحشيش بسبب كثرة أعداد الأمريكيين المدمنين والمتاجرين الذين أُدخلوا السجون لبيع وتعاطي الحشيش حتى اكتظت وازدحمت بهم، وثالثاً تحقيق النمو والازدهار الاقتصادي للولايات من خلال فرض الضرائب والرسوم وخلق الكثير من الوظائف لحل أزمة البطالة.

 

فهذه المبررات والحُجج الواهية التي يُراد بها الباطل وتحقيق ثروة طائلة لبعض المنتفعين من الناس ومن تجار المخدرات والأخلاقيات المنحرفة، بدأت تغزو رويداً رويداً العقل الأمريكي، وبدأت تُقنع المشرع بأنه لا بأس من السماح لاستخدام الحشيش لأغراض شخصية وللترفيه والترويح عن النفس. وهذا السماح مرَّ بعدة مراحل، فكانت الخطوة الأولى بفك الحزام قليلاً عن الحشيش من ناحية العقوبات، حيث تجرأتْ أول ولاية أمريكية هي ولاية أوريجن في عام 1973 بعدم تجريم كل من يُمسَك وبحيازته كميات بسيطة من الحشيش لأغراضه الشخصية، فلا يدخل السجن، ولا يدفع أية غرامة مالية لحيازته لهذه الكمية الفردية للحشيش. ثم المرحلة الثانية كانت بالاستعمالات الطبية في عام 1996 في ولاية كاليفورنيا، وأخيراً فتح الباب على مصراعيه للسماح لحيازة الحشيش واستخدامه بصفة شخصية للترفيه عن النفس، حيث صوَّت سكان ولايتي كولورادوا وواشنطن في نوفمبر من عام 2012 للسماح للحشيش للاستخدام الشخصي. وأما المحصلة الإجمالية الحالية للقائمة السوداء التي دخلت في نفق استخدامات الحشيش المظلم فهي 33 ولاية للاستعمال الطبي، و 23 ولاية إضافة إلى العاصمة واشنطن ومقاطعة جوام للاستعمال الشخصي.

أما على المستوى الاتحادي فإن تحليل الحشيش يمشي الآن في المراحل نفسها التي مرَّ بها على مستوى الولايات. فمن المعلوم حالياً بأن الحشيش يقع على المستوى الاتحادي ضمن الجدول رقم (1) للمواد المحظورة والمقيد استخدامها والتي ليست لها فوائد طبية وعلاجية، مثل الهيروين والـ(LSD)، استناداً إلى قانون عام 1970 حول "المواد المقيد استخدامها" (Controlled Substances Act). ولكن الرئيس بايدن بدأ بالخطوة الأولى من التعامل مع الحشيش، حيث أصدر إعلاناً في السادس من أكتوبر 2022 تحت عنوان: "الإعلان عن العفو عن الجرائم البسيطة المتعلقة بحيازة الحشيش". وهذا الإعلان يتكون من نقطتين هامتين، الأولى هي العفو على المستوى الاتحادي عن المجرمين الذين أُدينوا بتهم حيازة المخدرات بكميات قليلة، كما دعا بايدن حكام الولايات إلى اتخاذ القرار نفسه للإفراج عن مسجوني حيازة الحشيش على مستوى كل ولاية، وأما النقطة الثانية فهي إعلانه بأنه سيتخذ الإجراءات اللازمة لإجراء مراجعة شاملة، وبالتحديد حول وضع الحشيش في الجدول الأول وتصنيفه ضمن المواد المحظورة والتي لا فائدة منها.

ومما شجع الرئيس بايدن على اتخاذ مثل هذه الإجراءات هو أولاً التشريع الذي أصدره مجلس النوب في الأول من أبريل 2022 بعدم تجريم حيازة الحشيش على المستوى الاتحادي، وثانياً الارتفاع المطرد مع الزمن في نسبة المواطنين الأمريكيين الذين يرغبون في السماح لاستخدام الحشيش. فاستطلاعات الرأي التي قامت بها عدة جهات مختصة مثل(Pew Research Center) و (Gallup poll) أفادت بأن 68% من الأمريكيين يريدون السماح لاستخدام الحشيش، مقارنة بنسبة 12% عام 1969، ونسبة 31% عام 2000، ثم 50% عام 2013. كما أفادت الإحصاءات بأن 16% من الشعب الأمريكي يدخن الحشيش ومعظمهم من الشباب من 18 إلى 34، مقارنة بنسبة 7% في عام 2013. كذلك أشارت الاستطلاعات في 30 أغسطس 2022 بأن 48% من الشعب أفادوا بأنهم جربوا تدخين الحشيش، في حين أن النسبة كانت لمن جرب تدخين الحشيش 4% فقط في 1969، ثم 24% في 1977، و 33 في 1985، وارتفعت إلى 40% في 2015. 

ولكن ما هو واقع الحال بالنسبة للسماح للحشيش الآن في أمريكا، هل هي تجربة ناجحة، أم فاشلة؟

 

للإجابة عن هذا السؤال أنقلُ لكم تصريح حاكمة ولاية نيويورك "كاثي هوكل"(Cathy Hochul)، كمثال واحد فقط، حيث قالت بعد تجربة مريرة خاضتها مع السماح للحشيش في الولاية منذ عام 2021، فوصفت التجربة بأنها "كارثة"، كما قالت بأننا نعجز كلياً في السيطرة على متاجر بيع الحشيش غير الرسمية وغير المرخص بها. فهناك 140 محلاً في الولاية لبيع الحشيش المرخص نظاماً، في حين أن هناك ما يتراوح بين 2000 إلى 8000 محل غير مرخص في مدينة نيويورك فقط. فقد تكونت أسواق سوداء مزدهرة ومنتشرة في جميع أنحاء الولاية، ومن المستحيل الآن السيطرة عليها، والتحكم في بيعها للحشيش على الأطفال وطلاب المدارس، وعلى أصحاب الجرائم المنظمة.

 

فهناك اليوم الكثير من الدراسات العلمية والتحقيقات الإعلامية التي تؤكد أن ما حدث في ولاية نيويورك يحدث أيضاً في الولايات الأخرى، وتشير جميعها إلى أن السماح للحشيش كان مكراً وحيلة شيطانية، وعبارة عن وهم وخدعة عظيمة وقع فيها الشعب الأمريكي برمته، ويعاني الآن من ويلاتها وتداعياتها العقيمة على الفرد، والأسرة، والمجتمع. فعلى سبيل المثال، نشرتْ مجلة "النيوزويك" في 12 مارس 2025 تحقيقاً تحت عنوان:" تجربة تحليل الماريجونا تتلاشى"، إضافة إلى المقالين في مجلة "نيو يوركر"(New Yorker)، الأول تحت عنوان:" المشكلة الحقيقية للحشيش المسموح به رسمياً"، والمنشور في 3 يوليو 2024، والثاني المنشور في 19 فبراير 2024 تحت عنوان: "الحشيش المسموح في نيويورك كان بمثابة انقلاب. ماذا حصل؟

 

وكل هذه التقارير حول كارثية السماح للحشيش لأغراض شخصية، تمخضتْ عنها عدة استنتاجات عامة، منها ما يلي:

أولاً: السماح للحشيش لم يمنع نشوء السوق السوداء في جميع الولايات، فقد نمت تجارة الحشيش السوداء في ظل وجود محلات بيع الحشيش الرسمية، مما كان له مردوداً عكسياً على نطاق واسع، وهذا يعني خطأ وفشل نظرية "اسمح للمنتج في الأسواق حتى لا تنشأ سوق سوداء".

ثانياً: حالات الاعتقال لجرائم مرتبطة بالحشيش زادت في بعض الولايات على عكس الادعاءات الجميلة التي كانت تقول بأن جرائم الحشيش والمخدرات ستنخفض أو ستتوقف عند السماح لها رسمياً. كذلك زادت الحوادث المرورية المميتة التي لها علاقة بتعاطي الحشيش.

ثالثاً: ارتفعت شكاوى الناس من تلوث الهواء في البيئات الداخلية والخارجية في المنازل والأحياء السكنية، ومحلات ومقاهي تدخين سجائر الحشيش، ومحطات القطارات والحافلات بسبب رائحة دخان الحشيش النفاثة والقوية، إضافة إلى تدهور جودة الهواء وصحة الناس من مدخنين وغيرهم من الذين يستنشقون الدخان، كما هو الحال بالنسبة لتدخين سجائر التبغ.

 

فاليوم تأكد للكثيرين في الولايات المتحدة أنهم استعجلوا كثيراً دون إجراء دراسات شاملة ومعمقة عن تداعيات السماح لبيع الحشيش، كما عرفوا الآن أن إيجابيات السماح لبيع الحشيش التي تم تسويقها للناس ما كانت إلا كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. ولذلك فإجراءات تحليل الحشيش والسماح له لأغراض شخصية وترفيهية ستخضع الآن لمراجعة شاملة من جميع النواحي، متمنياً من جميع دول العالم الاتعاظ بتجربة أمريكا الفاشلة، والتعلم من دروسها وعبرها وهفواتها.