أشيدُ كثيراً بجرأة وشجاعة الحكومة الأسترالية على
تحديها ومواجهتها الصعبة للشركات العملاقة متعددة الجنسيات ذات النفوذ القوي
والواسع سياسياً واقتصادياً من خلال اتخاذها لقرارٍ استراتيجي قوي لا شعبية له
بالنسبة لهذه الشركات الجشعة الكبيرة، ولكن هذا القرار يحمي عقول ونفسية فلذات
أكبادنا من أطفالنا وشبابنا من شر وسلبيات وأمراض وسائل التواصل الاجتماعي التي
انتشرت في جميع المجتمعات الغنية والفقيرة بدون استثناء، فتوغلت في شرايينها
وتحركت فيها كجريان الدم في جميع أعضاء جسم الإنسان.
وهذا القرار التاريخي الأول من نوعه، وهذه المبادرة
الحيوية على المستوى الدولي تم اتخاذه في العاشر من ديسمبر 2025، حيث يؤكد على أن
هذه الوسائل غير آمنة لصغار السن ويعرضهم للإصابة بالإدمان والأمراض العقلية
والنفسية، كما يقوم بتقنين استخدام كافة شبكات ووسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك
توك، وسناب شات، وإنستجرام، ويوتيوب، وفيس بوك بحيث يُمنع استخدامها من الذين
أعمارهم تقل عن 16 سنة. كذلك ألزم القرار هذه الشركات الخاصة بالتواصل الاجتماعي
العمل على عدم السماح لمن دون سن 16 على الدخول في هذه التطبيقات في هواتفهم
الذكية، أو الحاسب الآلي، أو غيرهما.
ونظراً لشدة وقع هذا القرار على مملكة شركات التواصل
الاجتماعي الجشعة، وخسارتها لأكبر فئة عمرية تَستَخدم بكثافة هذه الوسائل، وانخفاض
أرباحها ونموها الاقتصادي، فقد سعت سراً ومن تحت الستار إلى استنفار جميع قواتها
وجنودها لاستعادة هذه الفئة لاستخدام وسائلها الاجتماعية، مهما كانت الطرق
والوسائل، شرعية أم غير شرعية. فقد كشفت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في 29
ديسمبر 2025 عن وثائق سرية لشركة "ميتا"، وبالتحديد لوسيلة التواصل
الاجتماعي "إنستجرام"، تضمنت خططها لإعادة الأطفال والشباب إلى الإدمان
على استخدام الإنستجرام مرة ثانية، حيث نشرت تحقيقاً تحت عنوان: "وثائق مسربة
تبين خطة إنستجرام لاستعادة المراهقين". وقد جاء في هذه الوثائق السرية أن
شركة "ميتا" تُجري دراسات معمقة عن أنماط حياة جيل الشباب والمراهقين
الحالي، والتعرف على هواياتهم ورغباتهم وميولهم حتى ينجحوا في جذب اهتمامهم،
وسحبهم نحو هذه الوسائل والوقوع في فك الإدمان عليها.
فالقرار الأسترالي لم يأت من فراغ، ولم يُبن على أهواء
رجال السياسة، ولم يكن قراراً حزبياً خالصاً، وإنما استُخلص من استنتاجات الدراسات
العملية الموثقة التي أجمعت على الأضرار التي تُلحقها مختلف أنواع الوسائل على
الصحة العقلية والنفسية للأطفال.
وهناك الكثير من الأبحاث التي سبرت غور هذه القضية،
ودرستها من عدة جوانب منها الجوانب الصحية المتعلقة بالصحة الجسدية والعقلية
والنفسية على المستخدمين، وبخاصة بين الأطفال والشباب، ومنها الجوانب الاجتماعية
والسلوكية، ومنها ما ولج في تحديد عمر المستخدم، وبخاصة من فئة الأطفال
والمراهقين.
فهناك دراسة شاملة ولفترة طويلة من الزمن أجرتها
"المعاهد القومية للصحة" تحت عنوان: "التطور المعرفي للدماغ لدى
المراهقين" والمنشورة في ديسمبر 2025 وشملت 12 ألف شاب في الولايات المتحدة
الأمريكية، حيث فحصت العوامل البيئية، والاجتماعية، والجينية، والحيوية التي تؤثر
على المخ والتطور المعرفي، وعلى السلوكيات والصحة. وقد تم جمع كمٍ كبير جداً من
المعلومات الأولية التي تم تقيمها وتحليلها من قبل الباحثين الآخرين ونشرها كأبحاث
علمية مستقلة في مجلات مُحكَّمة.
فالدراسة الأولى التي استخدمتْ بنك المعلومات والأرقام
من بحث المعاهد القومية للصحة نُشرت في مجلة "علوم الأطفال" في 1 ديسمبر
2025 تحت عنوان: "امتلاك الهاتف الذكي، عُمر استخدام الهاتف، والجوانب الصحية
المتعلقة بها في المراهقة المبكرة". فهذه الدراسة هدفت إلى معرفة العلاقة بين
استخدام الهاتف الذكي ووسائل التواصل عند المراهقين والتعرض لأمراض نفسية مثل
الاكتئاب، والبدانة، وعدم الحصول على النوم الكافي. فقد كانت عينة الدراسة 10588
شاباً، وقارنت بين المراهقين الذين استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي عند عمر 12
سنة، وغيرهم من الذين لم يستخدموا الهاتف. فالذين استخدموا الهاتف ارتفعت لديهم
مخاطر الإصابة بالاكتئاب، والبدانة، وعدم الحصول على النوم الكافي.
والبحث الثاني نُشر في "مجلة جمعية الأطباء
الأمريكيين" في 2 ديسمبر 2025 تحت عنوان: "مسارات استخدام وسائل التواصل
الاجتماعي والأداء المعرفي في فترة المراهقة"، حيث تكونت عينة الدراسة من
الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و 13 عاماً. وتوصلت الدراسة إلى عدة استنتاجات
منها بأن الذين يستخدمون وسائل التواصل من الأطفال لساعات طويلة يعانون من ضعف
الأداء المعرفي بشكلٍ عام. وأما البحث الثالث فقد نشر في مجلة "طب
الأطفال" في 8 ديسمبر 2025 تحت عنوان: " الوسائل الرقمية، والجينات
ومخاطر ظهور أعراض مرضية على الأطفال"، حيث أشارت إلى أن استخدام وسائل
التواصل الاجتماعي يزيد من حالة عدم الاهتمام والتركيز عند الأطفال.
وأخيراً هناك الدراسة المنشورة في مجلة "علم
الأطفال" في الأول من ديسمبر 2025 والتي تتطابق نتائجها مع نتائج الدراسة
المنشورة في مجلة "نمو وقدرات الإنسان"(Human Development and Capabilities) في 20 يوليو 2025 تحت عنوان:
"حماية العقل النامي في العصر الرقمي: ضرورة وجود سياسة عالمية"، حيث
أفادت بأن استخدام الهاتف الذكي قبل سن 13 مرتبط بضعف القدرات والصحة العقلية عند
الأطفال والمراهقين، وبخاصة عند الإناث، ومن ضمن التدهور العقلي والنفسي هو
التفكير في الانتحار. علماً بأن مثل هذه الحالات المرضية التي يصاب بها الأطفال
تحولت الآن إلى ظاهرة دولية تعاني منها الكثير من المجتمعات حول العالم.
فكل هذه الدراسات والأبحاث تُجمع على الأضرار الصحية
الجسدية، والنفسية، والعقلية التي يقع فيها الأطفال والشباب عند استخدامهم لوسائل
التواصل الاجتماعي في سنٍ مبكرة ولساعات طويلة من الزمن، ولكن الاختلاف بين
العلماء والمختصين في الفئة العمرية التي تعاني من أشد الأضرار بسبب سوء
الاستعمال، إضافة على عدم الاتفاق على العمر الذي يُسمح فيه باستخدام الهاتف الذكي
ووسائل التواصل الاجتماعي، فأستراليا حددت عمر 16، والرئيس الفرنسي ماكرون أعلن في
الأول من يناير 2026 بأنه سيعمل على منع استخدام الأطفال ممن هم دون سن 15 من
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
فهذه الظاهرة الصحية الاجتماعية الدولية الملحة من
المفروض أن تدعونا في دول الخليج إلى دراستها والتعرف عن كثب على كافة تفاصيلها،
وبخاصة في قضية تحديد العمر المسموح به للاستخدام والذي قد يكون في عمر أكبر من 13
سنة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق